الخوف من الجمال ومطاردته روائيًا

علي عيد يسائل غوايته في روايته «شطح الغزالة»

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

الخوف من الجمال ومطاردته روائيًا

غلاف الرواية
غلاف الرواية

يتناوب الجمال والخوف، مدارات السرد والحكي وصراع الشخوص في رواية «شطح الغزالة» للروائي المصري علي عيد، الصادرة حديثا في سلسلة روايات الهلال بالقاهرة. وفي ظلالهما المعقدة والمتشابكة يدفع الكاتب ببطلته «نادرة» الأنثى الشابة، باذخة الجمال إلى خوض مغامرة حياة متقلبة اجتماعيا وعاطفيا، حيث يطاردها جمالها الفاتن كلعنة، يتشابك في خيوطها ميراث طويل من الإحساس بالقمع وعدم الأمان في واقع اجتماعي مضطرب، وفي كنف أسرة مصرية متوسطة الحال.
في هذا الواقع تتذكر البطلة دائما طفولتها، كأنها زمن سرق منها، عاشته غصبا وبالإكراه، مجبرة على لبس النقاب، وهي بعد طفلة تخطو خطواتها الأولى على عتبات الحياة، تتذكر قبضة الأم الغليظة وعينيها المرتجفتين وهي تسحبها كل صباح حتى باب المدرسة.
لم يكن ارتداؤها النقاب بدافع أي شيء آخر، سوى صيانة الجمال القابع تحته. إنها غريزة خوف أم على ابنتها الوحيدة، لا يزال عالقا في ذاكرتها مشهد أسرتها وهي تنهار على إثر حادث اغتصاب تعرضت له شقيقتها الصغرى الجميلة (خالة البطلة)، أودى بحياة الأب والأم، وظل مصير الشقيقة المغتصبة طي المجهول.
في كنف هذا الحصار الخانق من الخوف والتوجس تجاه الواقع تنشأ البطلة وتنمو حيواتها، وتتشكل هواجسها حول نفسها وجمالها، وكأنها مغامرة لا بد أن تخوضها، كسرا لهذا الحصار، والخروج إلى المعنى الأرحب والأشهى للحياة.
لكن نادرة عبثا تحاول التمرد، خاصة أن والدها الذي تحبه وتأمل في أن يخلصها من هذا القيد، ترك زمام الأمور لأمها، تحت وطأة انشغاله في تجارة الأقمشة، لكن مع إفلاسه وموته المفاجئ، تتحول دفة الصراع لصالحها، تتزوج «المعداوي» صديق والدها رغم أنف أمها وتترك كل شيء، العيش في المدينة ومواصلة تعليمها، ولا تعبأ بفارق السن الشاسع بينهما، مودعة المدينة وأمها بدمعة ظلت حبيسة صدرها.
تصف الرواية هذا الحصار قائلة: «كانت هناك دائما الرغبة في أن تتحرر من أمها، وكانت تنتظر اليوم الذي تتحلل فيه من قيدها.. ولم تعرف أن أمها كانت تتحرر هي أيضا من ماضيها، فثمة قهر مركب كان يمسك».
في المركب التي توصلها إلى قرية المعداوي وبيته، تخلع «نادرة» النقاب، وتلقيه في النهر، لتبدأ أولى خطوات التحرر، متباهية بجمالها تحت شمس حياة جديدة، وفي حضن رجل هي زوجته الأولى، سيوفر لها الأمان، بعد أن عاش حياته كلها يجمع المال، ويرعى وحدته في بيته الفسيح وحديقته المثمرة.
تحدث «نادرة» بجمالها الأخاذ السافر عاصفة بين رجال القرية ونسائها، وتحرك نوازعهم نحو التودد إليها والتقرب منها، بشتى الطرق، فعلى حافة النهر، وكما تقول الرواية «تحركت أعناق البنات وعيونهن إليها وهن يغسلن ملابسهن، كأنها هبطت عليهن من عالم آخر.. غمرتهن الدهشة تأملنها وتأملتهن، حتى اختفت، كانت تلف وتدور بقصد التعرف على القرية».
بعد موت زوجها «المعداوي» العجوز، ومع تكرار تجربة الموت مع أكثر من زوج، تتحول «نادرة» بجمالها الفاتن إلى لعنة، تتنوع مرارتها وحلاوتها على ألسنة النساء، والرجال. لكن الوحدة تعتصرها، وتكثف مخاوفها
وتحت وطأة الشعور بالوحدة بعد رحيل زوجها توافق على الزواج بعمدة القرية، بعد أن سعى إليها بشتى السبل، بشرط أن يكون مهرها أن تملك (المقهى الأثري المطل على النهر). لكن سرعان ما يموت العمدة، بعد أن دست له زوجته السابقة قطرات من دم حيضها في طعامه. ومرة أخرى بدأ حصار الوحدة يضرب بطوقه حول نادرة فتزوجت من محمد الوجيه أحد أثرياء القرية (من رواد المقهى الأثري) والمثقف الذي يحب الشعر والموسيقى والكتابة لكن الموت يغيبه بعد أن اشتد عليه مرض مزمن.
وفي تجربة مجنونة طلبت نادرة من والدة سيد الجحش، وهو شاب معتوه مشهور بفحولته في القرية بالزواج من ابنها ولكنها سرعان ما اكتشفت، أن هذه الفحولة سوف تقتلها، تماما مثلما يقتل جمالها الرجال، فتتحول بينه وبينها بشتى الطرق فيخرج هاذيا في الشوارع منددا بعدم استطاعته القيام بواجباته الزوجية.. فيتم إيداعه غصبا، وبعد طلاقه منها، مستشفى الأمراض العقلية، لكنه يموت في حاث سيارة أثناء محاولة هروبه من المستشفى.
تزداد مشاعر الخوف وتتكثف بشكل حاد في نفسية البطلة، خاصة بعد موت أربعة أزواج لها، لفظ كل منهم أنفاسه بعد فترة زواج قصيرة منها، ومع ذلك ظلوا يمثلون ضمن ما يمثلون الثروة والمال والجاه والثقافة والنفوذ، علاوة على جمال أخاذ تملكه شخصيا يمثل التمرد والجموح والمغامرة، لكن كل هذا لم يجعلها حرة نفسها، فهي لا تزال تبحث عن الأمان والاستقرار، كما أن حياتها ازدادت تعقيدا مع إحساسها بأنها عاقر، فلم تستطع الإنجاب من كل هؤلاء الأزواج، ولم يعطها الطبيب جوابا شافيا، قائلا لها «اتركي الأمر سوف ينحل مع الزمن».
لكن «نادرة» بعد أن بسطت نفوذها على القرية الغريبة عنها، مستثيرة غيرة أهلها وغضبهم وحقدهم، أصبح الخوف يسابق خطواتها ويسكنها. ومن وهو ما يدفعها إلى أن يقع اختيارها للزواج من «العبد مبروك» قاطع الطريق، أحد أشهر لصوص القرية ليوفر لها الحماية التي كانت تصبو إليها.
تتزوجه لتصون حريتها وجمالها ليس فقط بالمال والثروة والجاه وإنما بالحب، الذي حرمت منه وافتقدته مع أزواجها السابقين. ولا تبالي بأحد، لقد تمردت على ضعفها وقوتها وخوفها، أحبت هذا اللص، خفق له قلبها، فهو غريب مثلها عن القرية، لكنه حين عرف الحب تخلى عن آثامه وشروره، بدأ عملية تصالح وتسامح أشبه بالتطهير مع نفسه ومجتمع القرية من حوله، ورغم ذلك لم تهنأ «نادرة» به إذ مرض بالسرطان وعبثا حاولت علاجه، فمات كما مات أزواجها السابقون، فيتأكد لأهل القرية أنها شؤم، ويدبرون مكيدة للخلاص منها انتقامًا، وقبل الشروع في حرق بيتها تختار نادرة مصيرها، وتلقي بنفسها في النهر. تختار الموت بالغرق في النهر نفسه الذي لمست صفحته لحظة عتقها وحريتها الأولى وشهوتها للحياة. وحتى آخر لحظة ظلت تدافع عن حلمها هذا، فلم ترضخ أن تمنح نفسها أحد المارقين السفلة الذي كلف بهذا المكيدة الشنيعة، من أجل كسر كرامتها وإذلالها، فتطعنه طعنة نافذة بشفرة حادة. وتلقي بنفسها في النهر.
لنصبح من ثم، إزاء مشهد تراجيدي في رواية تنتصر للتحرر، نحو أفق مغاير وبشكل واقعي، عبر جدلية الخوف والرغبة، حيث تنمو ببطء وعفوية صراعات الشخوص، وأيضا التحولات المباغتة في حياة بطلة مفردة، طوحت كل شيء خلف ظهرها من أجل أن تعيش حرة بصدق وحب وأمان.
يعضد ذلك فنيا توسيع الكاتب دوائر الحكي، عبر ضمائر الشخوص، وتداعيات العيش في مكان ثابت، يعيد اجترار نفسه يوميا بإيقاع رتيب، وفي فضاء قرية ترزح تربتها في وجدان شعبي يتسم بالفطرة والبداهة. في الوقت نفسه، لعبت مقومات السرد على إظهار الطبقات السفلى التي تحكم مفاصل هذا المكان عبر الجغرافيا والزمان والتاريخ والعادات والتقاليد، فلم يتعال كلا المقومين الحكي والسرد على الواقع بكل خبرته البشرية وتحولاته الاجتماعية التقليدية بطيئة الإيقاع، والتي يرى في التعايش معها المحافظة عليها وعاء وجوده، وحياته.
وهكذا، لم تأت فكرة التحرر في حياة البطلة كسرا لآيديولوجية عقائدية أو سلطة ما، وإنما تتجسد في طوايا الرواية كبؤرة صراع خفي، تحت قناع النقاب الذي يمثل نوعا من ستر الذات، ضد ماض مؤلم، وفي الوقت نفسه يصبح التحرر ضرورة حياة لمستقبل واضح وحر.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.