فؤاد العروي: من الصعب جدًا أن تكون كاتبًا في المغرب

الكاتب المغربي المقيم في هولندا.. من مناجم الفوسفات إلى حقل الأدب

الكاتب المغربي فؤاد العروي
الكاتب المغربي فؤاد العروي
TT

فؤاد العروي: من الصعب جدًا أن تكون كاتبًا في المغرب

الكاتب المغربي فؤاد العروي
الكاتب المغربي فؤاد العروي

استطاع فؤاد العروي، بعد «انعطافة حادة»، نقلته من عالم الهندسة والعمل في مناجم الفوسفات بمنطقة خريبكة (وسط المغرب) إلى عوالم البحث الأكاديمي والكتابة والإبداع الأدبي، أن يتكرس كأحد أهم الكتاب المغاربة، المعروفين في الداخل والخارج، مراكمًا كتابات لها توقيع خاص ولمسة مميزة، كـ «أسنان الطوبوغرافي» و«أي حب مجروح» و«اليوم الذي لم تتزوج فيه مليكة» و«سنة عند الفرنسيين» و«احذروا من المظليين» و«قضية سروال داسوكين الغريبة» و«مِحَنُ السجلماسي الأخير»، مكنته من الحصول على عدد من أرفع الجوائز الأدبية، في جنسي الرواية والقصة، بشكل خاص، ومن ذلك فوزه بجائزة «ألبير كامي»، عن «أسنان الطوبوغرافي»، وجائزة «غونكور» للقصة، عن «قضية سروال داسوكين الغريبة»، وجائزة «جان جيونو»، عن «مِحَنُ السجلماسي الأخير». يتحدث العروي، في هذا الحوار، عن علاقته بلغة الكتابة، كما يتحدث عن تحوله من عالم الرياضيات والعمل مهندسا في مناجم الفوسفات بالمغرب، إلى عوالم الكتابة والأدب وأضواء الجوائز والشهرة العالمية. كما يقارن بين الحقل الثقافي الهولندي، حيث يقيم ويكتب، والحقل الثقافي في المغرب، ليقول بأنه ليس سهلاً أن تكون كاتبًا في المغرب، في ظل الأعطاب التي يعيشها حقله الثقافي، مشددًا على أنه إذا ما كتب لكاتب أن يتألق داخل المغرب، في ظل الأوضاع التي يعيشها حقله الثقافي، فإن أقل ما يوصف به هذا الكاتب أنه بطل، يقوم بعمل بطولي. كما تحدث عن الأدب المغربي في المهجر، فقال: «إنه يمنحنا، اليوم، في ظل تعدد لغات الكتابة وتنوع المهاجر، طرقًا كثيرة لكتابة المغرب والكتابة عنه»، معتبرًا هذا المعطى دليل غنى ومصدر فرح ومدعاة للابتهاج. وفيما يلي نص الحوار:
> هل تجد ذاتك في اللغة الفرنسية، حتى تكتب بها أو، بالأحرى، حتى تبدو مرتاحًا وأنت تكتب بها؟
- هناك كثير من الكتاب المغاربيين، يقولون إنهم اختاروا الكتابة باللغة الفرنسية لهذا السبب أو ذاك. أنا لم أختر الفرنسية لغة للكتابة، من جهة أنه لم يكن بوسعي إلا الكتابة باللغة الفرنسية بحكم تكويني الفرنسي ودراستي في المدرسة الفرنسية. صحيح، أن لدينا مشكلا لغويا في المغرب، وقد كتبت، في ذلك، كتابًا تحت عنوان «الدراما اللغوية المغربية». فيما يخصني، كلما جلست لكتابة قصة أو رواية تأتيني اللغة الفرنسية بشكل طبيعي وتلقائي. وأنا أرى أن الكاتب يجب أن يكون له أسلوبه الخاص والتلقائي الذي لا يتم التفكير فيه أو التخطيط له. قد أكتب موضوعًا علميًا باللغة الإنجليزية أو الهولندية، ولكن أن أحكي رواية أو قصة تبقى اللغة التلقائية للكتابة، التي أرتاح فيها، هي الفرنسية. لا شك أن هذا المعطى يعبر عن وضعية غريبة بصدد المغرب الذي حصل على استقلاله منذ 1956. كما أن دستوره الجديد يتحدث عن العربية والأمازيغية كلغتين رسميتين، فيما الفرنسية ليست كذلك. ورغم ذلك، هناك كتاب كثيرون يكتبون مثلي باللغة الفرنسية، وأنا لست مسؤولا عن مثل هذا الوضع.
> بالنسبة للمثقف، قد لا يطرح إشكال المعضلة اللغوية، حيث يقاس الأمر من وجهة نظر إبداعية خالصة، وبخاصة حين يتعلق الأمر بلغة الكتابة وليس بـ«استراتيجية» الكتابة وتوجهاتها، في ارتباط بسؤال الهوية، مثلا؟
- بالنسبة للإبداع، كل يبحث عن أسلوبه وطريقة رؤيته للعالم، وكيف يحكي عن العالم. راحة المبدع تتجسد في اختيار الكتابة في هذه اللغة وفي ذلك الجنس الأدبي. أنا درست في المدرسة الفرنسية، ولذلك أجدني مرتاحًا في اللغة الفرنسية، من دون أن أكون مخيرًا في ذلك. وعلى العموم، هناك لغة واحدة قد يجد فيها المبدع أسلوبه الشخصي وراحته؛ وبالتالي من الممكن أن يجدها، مثلا، إما في العربية أو في الفرنسية.
> يبدو مسارك «غريبًا» بعض الشيء، أنت الذي تكونت في حقل العلوم الحقة، وتخرجت من مدارس المهندسين، لتعمل في مناجم الفوسفات بمنطقة «خريبكة» المغربية، قبل أن تغير الوجهة إلى حقل الأدب، لتصير أحد أشهر الكتاب المغاربة في العالم.. كيف تستعيد هذا المسار وتقيم هذه الاختيارات؟
- منذ طفولتي، عشقت القراءة والكتابة. حين درست في ثانوية «ليوطي» بالدار البيضاء، تم توجيهي إلى الرياضيات، حيث كنت متفوقًا، ولذلك وجدت نفسي أتابع مسارًا دراسيًا في هذا التخصص العلمي، قبل أن أشتغل مهندسًا في المكتب الشريف للفوسفات. في لحظة ما، غامرت، كما كل المغاربة المعروفين بحس المغامرة والمخاطرة. تساءلت، وقتها: لم لا؟. كنت كتبت رواية وأرسلتها إلى دار نشر فرنسية فتم قبولها، فنشرت. أرى أنه لم تكن هناك قطيعة أو تحول بين وضعية وأخرى، فقد كنت أحمل دوما، في داخلي، بذور الكاتب وبذرة الكتابة، أما العمل بعد التخرج فكان لكسب العيش.
> هل من السهل على الكاتب أن يكون كاتبًا في المغرب، أم أن الأمر يبقى أسهل حين يكون الكاتب مقيمًا في الخارج؟
- سؤال مهم. لدي إحساس قد أكون مخطئا فيه. على العموم، أرى أنه من الصعب جدا، مع الأسف، أن يكون المرء كاتبا في المغرب. لماذا؟ لأن الكاتب يحتاج إلى شبكة تتضمن ناشرين ومجلات ونقاد أدب حقيقيين يقفون على مؤهلات الموهوبين من الكتاب الشباب ويشجعونهم، فضلا عن جمهور ومؤسسات داعمة. أكون، الآن، قد عددت نحو ستة مساهمين ومتدخلين في حقل ثقافي معين. حين نمعن النظر في الشبكة أو الحقل الثقافي وطريقة اشتغاله في المغرب، سنجد أنه ليس لدينا الكثير، مع الأسف. هناك ناشرون يقومون بعملهم، كما أن هناك آخرين لا يقومون بالعمل الحقيقي المناط بالناشر، من حيث تشجيع الكتاب ودعمهم. فيما يخص النقاد، هناك، فعلا، نقاد، لكن أين المجلات التي يمكن أن تنشر آراءهم وكتاباتهم؟ من حسن الحظ أن هناك جرائد وملاحق ثقافية. إن شئنا القول، فالحقل الثقافي المغربي لا يعمل جيدا، وليس قويا أو فعالا. هناك شباب طموح له موهبة وإرادة، لكن أين الحقل الثقافي الداعم الذي ينتبه للمبدع الشاب، ويتعهده كالرضيع إلى أن يصير منتجًا وله حضور. لكي تكون كاتبا في المغرب عليك أن تقوم بعمل بطولي، وأن تكون بطلا، يتعارك مع الجميع، بحيث قد تنشر على نفقتك، وتصير موزعًا لكتبك، لذلك أسأل: أين النشر؟ أين التوزيع؟ أين القارئ؟ وأين التواصل بين المبدعين وإمكانية التعرف على ما يجري وينتج في هذه المنطقة أو تلك من المغرب؟ الحقل الثقافي في المغرب فيه أعطاب. وأنا أرى أن هناك مواهب كثيرة في البلد. كما أن المقارنة بين حالة المشهد الثقافي في المغرب والمشهد الثقافي في بلد كهولندا، مثلا، بإمكانها أن تبين الفرق. هناك أدباء مغاربة متألقون في هولندا، كثير منهم ينحدر من منطقة الريف بشمال المغرب. ماذا لو كانوا يعيشون بمنطقة الريف، أو غيرها من مناطق المغرب، ولم يهاجروا أو يولدوا في بلدان المهجر من آباء مهاجرين؟ كيف كان سيكون حالهم، اليوم، لو أن مواهبهم برزت في المغرب وليس في هولندا، مثلا، حيث وجدوا حقلاً ثقافيًا حيويًا، أوصلهم إلى ما هم عليه من تميز وحضور، حتى صرنا نسمع عن حفيظ بوعزة ونعيمة البزاز، مثلا؟ في هولندا، هناك حقل ثقافي قوي، ولذلك، وجدوا، مع نشر أول عمل، الاحتضان والدعم من الناشرين والموزعين والنقاد والقراء، على حد سواء.
> روايتك الأولى التي وضعتك على سكة الشهرة.. لماذا لم ترسلها، وقتها، إلى ناشر مغربي؟ ماذا لو كنت أرسلتها إلى ناشر مغربي؟
- مستحيل. لا يمكن. هذا هو المشكل. هذا هو الفرق بين حقل ثقافي داعم للإبداع والمبدعين وآخر معطوب. لا يجوز أن ننكر أن هناك سياسة ثقافية قيد التشكل في المغرب، وأنا أقدر الجهود المبذولة، لكن الأمر يتطلب وسائل وموارد كافية. علينا أن نضع هدف أن يكون لدينا حقل ثقافي قوي. فيما يخص الكتاب المغاربة المقيمين خارج البلد، هناك عدد منهم حصل على جوائز مهمة، وكانوا محظوظين لأنهم أبدعوا في ظل حقل ثقافي داعم. لكن إذا قُدر لأديب ومبدع أن يتألق، هنا، في المغرب، وأن ينجح ويؤكد حضوره، فهو بطل.
> أي إضافة أسداها الأدب المكتوب في المهجر للأدب المغربي، بشكل عام؟
- أولاً لدي ملاحظة أرى من اللازم الانطلاق منها، تتعلق بأن الكتاب المغاربة ممن لهم غيرة على البلد، كيفما كانت اللغة التي يكتبون بها فهم مغاربة، كما أنهم سواء كانوا من الجيل الأول مع إدريس الشرايبي وأحمد الصفريوي، مثلا، ثم مع الجيل الثاني مع محمد خير الدين والطاهر بن جلون، مثلا، أعطوا حضورا للأدب المغربي في الخارج، فصار ينظر إليه بإيجابية ويتم التعامل معه بجدية، ليتم الاعتراف به من طرف المؤسسات الثقافية في الخارج. وبعد أن كان لدينا من يكتب بالفرنسية، على غرار الأسماء السالفة الذكر، أو بالعربية، على غرار محمد برادة أو عبد الكريم غلاب ومحمد زفزاف ومحمد بنيس، مثلا، صار لدينا، اليوم، مبدعون كبار يكتبون بالهولندية على غرار عبد القادر بنعلي وحفيظ بوعزة، أو ليلى العلمي التي تبدع بالإنجليزية، كما أن هناك من يبدع بلغات أخرى كالإيطالية والإسبانية، وحتى بالعربية، كما هو حال طه عدنان المقيم ببلجيكا. نحن، اليوم، أمام طرق كثيرة لكتابة المغرب والكتابة عنه. لدينا اليوم أدباء يكتبون بكل لغات العالم، وأرى أن علينا أن نعتبر الأمر غنى وأن نفرح ونبتهج بهذا المعطى.
> لمن يكتب المبدع؟ بالنسبة لمبدع مغربي محسوب على «أدب المهجر»، هل يكتب لقارئ عربي، أم لقارئ غربي يحتاج إلى من يدغدغ خياله بعوالم «ألف ليلة وليلة»، أم لقارئ كوني؟
- سؤال مهم. وهذا إشكال حقيقي وأساسي، بالنسبة لأي كاتب. هناك مشكل يتعلق بطلب القارئ الغربي. هناك، فعلا، قارئ غربي جيد، كما أن هناك قارئا غربيا يرغب في دغدغته بعوالم «ألف ليلة وليلة»، وبالتالي أن تحدثه عن الحمام والحريم، وغيرها من المفردات التي تختصر الشرق في عالم أسطوري وعجائبي. أرى أن المبدع، إذا أراد أن ينشر، بشكل سهل، قد يجد نفسه في هذا الوضع الذي يبدع تحت سقف مثل هذه العوالم العجائبية. لكن يبقى من الجيد أن يكتب المبدع من دون أن يأخذ بعين الاعتبار أسئلة القارئ وانتظاراته. ماذا عليه أن يكتب؟ أرى أن عليه أن يكتب من أجل خطاب كوني. مثلا، أنا حين أكتب عن بلدي، أكتب من دون أن أفكر أو أن أضع في اعتباري قارئًا معينًا. إذا طرحنا السؤال، في المنطلق، عن الحاجة الوحيدة التي ينبغي الأخذ بها، عندها سنتساءل عن «ماذا أريد أن أقول للقارئ؟». فيما يخصني، لدي خطاب ورسالة أرى أن أوصلها مع السعي نحو لذة القراءة التي تحبب القراءة في كتاب ما. علينا أن نعرف كيف نجلب القارئ ونغريه ليقبل على القراءة، لذلك، اخترت، مثلا، أن أتوسل السخرية والفكاهة في كتاباتي، من جهة أننا يمكن أن نمرر من خلالها أمورًا كثيرة ورسائل كثيرة، مع التشديد، هنا، على أن الإبداع كلما نبع وخرج من القلب كلما كانت فيه رسالة وخطاب، ومعنى.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.