فؤاد العروي: من الصعب جدًا أن تكون كاتبًا في المغرب

الكاتب المغربي المقيم في هولندا.. من مناجم الفوسفات إلى حقل الأدب

الكاتب المغربي فؤاد العروي
الكاتب المغربي فؤاد العروي
TT

فؤاد العروي: من الصعب جدًا أن تكون كاتبًا في المغرب

الكاتب المغربي فؤاد العروي
الكاتب المغربي فؤاد العروي

استطاع فؤاد العروي، بعد «انعطافة حادة»، نقلته من عالم الهندسة والعمل في مناجم الفوسفات بمنطقة خريبكة (وسط المغرب) إلى عوالم البحث الأكاديمي والكتابة والإبداع الأدبي، أن يتكرس كأحد أهم الكتاب المغاربة، المعروفين في الداخل والخارج، مراكمًا كتابات لها توقيع خاص ولمسة مميزة، كـ «أسنان الطوبوغرافي» و«أي حب مجروح» و«اليوم الذي لم تتزوج فيه مليكة» و«سنة عند الفرنسيين» و«احذروا من المظليين» و«قضية سروال داسوكين الغريبة» و«مِحَنُ السجلماسي الأخير»، مكنته من الحصول على عدد من أرفع الجوائز الأدبية، في جنسي الرواية والقصة، بشكل خاص، ومن ذلك فوزه بجائزة «ألبير كامي»، عن «أسنان الطوبوغرافي»، وجائزة «غونكور» للقصة، عن «قضية سروال داسوكين الغريبة»، وجائزة «جان جيونو»، عن «مِحَنُ السجلماسي الأخير». يتحدث العروي، في هذا الحوار، عن علاقته بلغة الكتابة، كما يتحدث عن تحوله من عالم الرياضيات والعمل مهندسا في مناجم الفوسفات بالمغرب، إلى عوالم الكتابة والأدب وأضواء الجوائز والشهرة العالمية. كما يقارن بين الحقل الثقافي الهولندي، حيث يقيم ويكتب، والحقل الثقافي في المغرب، ليقول بأنه ليس سهلاً أن تكون كاتبًا في المغرب، في ظل الأعطاب التي يعيشها حقله الثقافي، مشددًا على أنه إذا ما كتب لكاتب أن يتألق داخل المغرب، في ظل الأوضاع التي يعيشها حقله الثقافي، فإن أقل ما يوصف به هذا الكاتب أنه بطل، يقوم بعمل بطولي. كما تحدث عن الأدب المغربي في المهجر، فقال: «إنه يمنحنا، اليوم، في ظل تعدد لغات الكتابة وتنوع المهاجر، طرقًا كثيرة لكتابة المغرب والكتابة عنه»، معتبرًا هذا المعطى دليل غنى ومصدر فرح ومدعاة للابتهاج. وفيما يلي نص الحوار:
> هل تجد ذاتك في اللغة الفرنسية، حتى تكتب بها أو، بالأحرى، حتى تبدو مرتاحًا وأنت تكتب بها؟
- هناك كثير من الكتاب المغاربيين، يقولون إنهم اختاروا الكتابة باللغة الفرنسية لهذا السبب أو ذاك. أنا لم أختر الفرنسية لغة للكتابة، من جهة أنه لم يكن بوسعي إلا الكتابة باللغة الفرنسية بحكم تكويني الفرنسي ودراستي في المدرسة الفرنسية. صحيح، أن لدينا مشكلا لغويا في المغرب، وقد كتبت، في ذلك، كتابًا تحت عنوان «الدراما اللغوية المغربية». فيما يخصني، كلما جلست لكتابة قصة أو رواية تأتيني اللغة الفرنسية بشكل طبيعي وتلقائي. وأنا أرى أن الكاتب يجب أن يكون له أسلوبه الخاص والتلقائي الذي لا يتم التفكير فيه أو التخطيط له. قد أكتب موضوعًا علميًا باللغة الإنجليزية أو الهولندية، ولكن أن أحكي رواية أو قصة تبقى اللغة التلقائية للكتابة، التي أرتاح فيها، هي الفرنسية. لا شك أن هذا المعطى يعبر عن وضعية غريبة بصدد المغرب الذي حصل على استقلاله منذ 1956. كما أن دستوره الجديد يتحدث عن العربية والأمازيغية كلغتين رسميتين، فيما الفرنسية ليست كذلك. ورغم ذلك، هناك كتاب كثيرون يكتبون مثلي باللغة الفرنسية، وأنا لست مسؤولا عن مثل هذا الوضع.
> بالنسبة للمثقف، قد لا يطرح إشكال المعضلة اللغوية، حيث يقاس الأمر من وجهة نظر إبداعية خالصة، وبخاصة حين يتعلق الأمر بلغة الكتابة وليس بـ«استراتيجية» الكتابة وتوجهاتها، في ارتباط بسؤال الهوية، مثلا؟
- بالنسبة للإبداع، كل يبحث عن أسلوبه وطريقة رؤيته للعالم، وكيف يحكي عن العالم. راحة المبدع تتجسد في اختيار الكتابة في هذه اللغة وفي ذلك الجنس الأدبي. أنا درست في المدرسة الفرنسية، ولذلك أجدني مرتاحًا في اللغة الفرنسية، من دون أن أكون مخيرًا في ذلك. وعلى العموم، هناك لغة واحدة قد يجد فيها المبدع أسلوبه الشخصي وراحته؛ وبالتالي من الممكن أن يجدها، مثلا، إما في العربية أو في الفرنسية.
> يبدو مسارك «غريبًا» بعض الشيء، أنت الذي تكونت في حقل العلوم الحقة، وتخرجت من مدارس المهندسين، لتعمل في مناجم الفوسفات بمنطقة «خريبكة» المغربية، قبل أن تغير الوجهة إلى حقل الأدب، لتصير أحد أشهر الكتاب المغاربة في العالم.. كيف تستعيد هذا المسار وتقيم هذه الاختيارات؟
- منذ طفولتي، عشقت القراءة والكتابة. حين درست في ثانوية «ليوطي» بالدار البيضاء، تم توجيهي إلى الرياضيات، حيث كنت متفوقًا، ولذلك وجدت نفسي أتابع مسارًا دراسيًا في هذا التخصص العلمي، قبل أن أشتغل مهندسًا في المكتب الشريف للفوسفات. في لحظة ما، غامرت، كما كل المغاربة المعروفين بحس المغامرة والمخاطرة. تساءلت، وقتها: لم لا؟. كنت كتبت رواية وأرسلتها إلى دار نشر فرنسية فتم قبولها، فنشرت. أرى أنه لم تكن هناك قطيعة أو تحول بين وضعية وأخرى، فقد كنت أحمل دوما، في داخلي، بذور الكاتب وبذرة الكتابة، أما العمل بعد التخرج فكان لكسب العيش.
> هل من السهل على الكاتب أن يكون كاتبًا في المغرب، أم أن الأمر يبقى أسهل حين يكون الكاتب مقيمًا في الخارج؟
- سؤال مهم. لدي إحساس قد أكون مخطئا فيه. على العموم، أرى أنه من الصعب جدا، مع الأسف، أن يكون المرء كاتبا في المغرب. لماذا؟ لأن الكاتب يحتاج إلى شبكة تتضمن ناشرين ومجلات ونقاد أدب حقيقيين يقفون على مؤهلات الموهوبين من الكتاب الشباب ويشجعونهم، فضلا عن جمهور ومؤسسات داعمة. أكون، الآن، قد عددت نحو ستة مساهمين ومتدخلين في حقل ثقافي معين. حين نمعن النظر في الشبكة أو الحقل الثقافي وطريقة اشتغاله في المغرب، سنجد أنه ليس لدينا الكثير، مع الأسف. هناك ناشرون يقومون بعملهم، كما أن هناك آخرين لا يقومون بالعمل الحقيقي المناط بالناشر، من حيث تشجيع الكتاب ودعمهم. فيما يخص النقاد، هناك، فعلا، نقاد، لكن أين المجلات التي يمكن أن تنشر آراءهم وكتاباتهم؟ من حسن الحظ أن هناك جرائد وملاحق ثقافية. إن شئنا القول، فالحقل الثقافي المغربي لا يعمل جيدا، وليس قويا أو فعالا. هناك شباب طموح له موهبة وإرادة، لكن أين الحقل الثقافي الداعم الذي ينتبه للمبدع الشاب، ويتعهده كالرضيع إلى أن يصير منتجًا وله حضور. لكي تكون كاتبا في المغرب عليك أن تقوم بعمل بطولي، وأن تكون بطلا، يتعارك مع الجميع، بحيث قد تنشر على نفقتك، وتصير موزعًا لكتبك، لذلك أسأل: أين النشر؟ أين التوزيع؟ أين القارئ؟ وأين التواصل بين المبدعين وإمكانية التعرف على ما يجري وينتج في هذه المنطقة أو تلك من المغرب؟ الحقل الثقافي في المغرب فيه أعطاب. وأنا أرى أن هناك مواهب كثيرة في البلد. كما أن المقارنة بين حالة المشهد الثقافي في المغرب والمشهد الثقافي في بلد كهولندا، مثلا، بإمكانها أن تبين الفرق. هناك أدباء مغاربة متألقون في هولندا، كثير منهم ينحدر من منطقة الريف بشمال المغرب. ماذا لو كانوا يعيشون بمنطقة الريف، أو غيرها من مناطق المغرب، ولم يهاجروا أو يولدوا في بلدان المهجر من آباء مهاجرين؟ كيف كان سيكون حالهم، اليوم، لو أن مواهبهم برزت في المغرب وليس في هولندا، مثلا، حيث وجدوا حقلاً ثقافيًا حيويًا، أوصلهم إلى ما هم عليه من تميز وحضور، حتى صرنا نسمع عن حفيظ بوعزة ونعيمة البزاز، مثلا؟ في هولندا، هناك حقل ثقافي قوي، ولذلك، وجدوا، مع نشر أول عمل، الاحتضان والدعم من الناشرين والموزعين والنقاد والقراء، على حد سواء.
> روايتك الأولى التي وضعتك على سكة الشهرة.. لماذا لم ترسلها، وقتها، إلى ناشر مغربي؟ ماذا لو كنت أرسلتها إلى ناشر مغربي؟
- مستحيل. لا يمكن. هذا هو المشكل. هذا هو الفرق بين حقل ثقافي داعم للإبداع والمبدعين وآخر معطوب. لا يجوز أن ننكر أن هناك سياسة ثقافية قيد التشكل في المغرب، وأنا أقدر الجهود المبذولة، لكن الأمر يتطلب وسائل وموارد كافية. علينا أن نضع هدف أن يكون لدينا حقل ثقافي قوي. فيما يخص الكتاب المغاربة المقيمين خارج البلد، هناك عدد منهم حصل على جوائز مهمة، وكانوا محظوظين لأنهم أبدعوا في ظل حقل ثقافي داعم. لكن إذا قُدر لأديب ومبدع أن يتألق، هنا، في المغرب، وأن ينجح ويؤكد حضوره، فهو بطل.
> أي إضافة أسداها الأدب المكتوب في المهجر للأدب المغربي، بشكل عام؟
- أولاً لدي ملاحظة أرى من اللازم الانطلاق منها، تتعلق بأن الكتاب المغاربة ممن لهم غيرة على البلد، كيفما كانت اللغة التي يكتبون بها فهم مغاربة، كما أنهم سواء كانوا من الجيل الأول مع إدريس الشرايبي وأحمد الصفريوي، مثلا، ثم مع الجيل الثاني مع محمد خير الدين والطاهر بن جلون، مثلا، أعطوا حضورا للأدب المغربي في الخارج، فصار ينظر إليه بإيجابية ويتم التعامل معه بجدية، ليتم الاعتراف به من طرف المؤسسات الثقافية في الخارج. وبعد أن كان لدينا من يكتب بالفرنسية، على غرار الأسماء السالفة الذكر، أو بالعربية، على غرار محمد برادة أو عبد الكريم غلاب ومحمد زفزاف ومحمد بنيس، مثلا، صار لدينا، اليوم، مبدعون كبار يكتبون بالهولندية على غرار عبد القادر بنعلي وحفيظ بوعزة، أو ليلى العلمي التي تبدع بالإنجليزية، كما أن هناك من يبدع بلغات أخرى كالإيطالية والإسبانية، وحتى بالعربية، كما هو حال طه عدنان المقيم ببلجيكا. نحن، اليوم، أمام طرق كثيرة لكتابة المغرب والكتابة عنه. لدينا اليوم أدباء يكتبون بكل لغات العالم، وأرى أن علينا أن نعتبر الأمر غنى وأن نفرح ونبتهج بهذا المعطى.
> لمن يكتب المبدع؟ بالنسبة لمبدع مغربي محسوب على «أدب المهجر»، هل يكتب لقارئ عربي، أم لقارئ غربي يحتاج إلى من يدغدغ خياله بعوالم «ألف ليلة وليلة»، أم لقارئ كوني؟
- سؤال مهم. وهذا إشكال حقيقي وأساسي، بالنسبة لأي كاتب. هناك مشكل يتعلق بطلب القارئ الغربي. هناك، فعلا، قارئ غربي جيد، كما أن هناك قارئا غربيا يرغب في دغدغته بعوالم «ألف ليلة وليلة»، وبالتالي أن تحدثه عن الحمام والحريم، وغيرها من المفردات التي تختصر الشرق في عالم أسطوري وعجائبي. أرى أن المبدع، إذا أراد أن ينشر، بشكل سهل، قد يجد نفسه في هذا الوضع الذي يبدع تحت سقف مثل هذه العوالم العجائبية. لكن يبقى من الجيد أن يكتب المبدع من دون أن يأخذ بعين الاعتبار أسئلة القارئ وانتظاراته. ماذا عليه أن يكتب؟ أرى أن عليه أن يكتب من أجل خطاب كوني. مثلا، أنا حين أكتب عن بلدي، أكتب من دون أن أفكر أو أن أضع في اعتباري قارئًا معينًا. إذا طرحنا السؤال، في المنطلق، عن الحاجة الوحيدة التي ينبغي الأخذ بها، عندها سنتساءل عن «ماذا أريد أن أقول للقارئ؟». فيما يخصني، لدي خطاب ورسالة أرى أن أوصلها مع السعي نحو لذة القراءة التي تحبب القراءة في كتاب ما. علينا أن نعرف كيف نجلب القارئ ونغريه ليقبل على القراءة، لذلك، اخترت، مثلا، أن أتوسل السخرية والفكاهة في كتاباتي، من جهة أننا يمكن أن نمرر من خلالها أمورًا كثيرة ورسائل كثيرة، مع التشديد، هنا، على أن الإبداع كلما نبع وخرج من القلب كلما كانت فيه رسالة وخطاب، ومعنى.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».