حظر المواقع الاجتماعية يشوه صورة تركيا

زاد المخاوف في أوساط المستثمرين الأجانب وسيؤدي إلى انخفاض التصنيف الائتماني مع تأثيرات سلبية على قطاع السياحة

التغريدات زادت في تركيا بعد فرض أردوغان الحظر على تويتر
التغريدات زادت في تركيا بعد فرض أردوغان الحظر على تويتر
TT

حظر المواقع الاجتماعية يشوه صورة تركيا

التغريدات زادت في تركيا بعد فرض أردوغان الحظر على تويتر
التغريدات زادت في تركيا بعد فرض أردوغان الحظر على تويتر

بينما تناقش تركيا الجوانب السلبية للحظر الذي جرى فرضه مؤخرا على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» وموقع «يوتيوب»، بالإضافة إلى احتمالية توسع الحكومة في حظر مواقع التواصل الاجتماعي ليشمل «فيسبوك»، يشير المراقبون إلى تزايد نسبة المخاوف والقلق خشية أن تتسبب مثل هذه الخطوة في تشويه صورة تركيا أمام المستثمرين الأجانب والسائحين.
جدير بالذكر أن الاقتصاد التركي يعتمد على تدفقات رأس المال الأجنبي لتعويض النسبة المنخفضة لمدخرات البلاد والعجز الكبير في الطاقة، ومن ثم يتطلب هذا الأمر ضرورة بقاء الصورة الجيدة البلاد لجذب الاستثمارات من الخارج. ويقول الخبراء إنه من المؤكد أن الحظر المفروض على موقع «تويتر» - الذي جعل تركيا تنضم إلى قائمة الدول التي تفرض قيودا على وسائل الإعلام الاجتماعية مثل كوريا الشمالية والصين وإيران - لن يساعد تركيا في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالدرجة المرغوبة. وقد فرضت حكومة حزب العدالة والتنمية حظرا لمنع النفاذ إلى موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» في الأسبوع الماضي، وهو ما اعتبره الكثيرون محاولة لصرف الانتباه عن مزاعم ابتزاز الأموال التي تستهدف رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان وعائلته وحكومته. وفي محاولة لتمديد هذا الحظر، فرضت هيئة الاتصالات حظرا لمنع الوصول إلى خوادم نظام أسماء النطاقات الذي تقدمه «غوغل» والذي يستخدمه الكثير من المستخدمين كحيلة للهروب من الحظر المفروض على «تويتر». وجاء هذا الحظر عقب إلقاء إردوغان لكلمته أمام حشد من الجماهير في مدينة بورصة، حيث ذكر أن الحكومة عزمت على «استئصال موقع تويتر». جدير بالذكر أن الكثير من مستخدمي تويتر نشروا روابط على موقع «يوتيوب» لمكالمات هاتفية مسربة وصور من المزعوم أنها تعد دليلا على الادعاءات بابتزاز الأموال من جانب عائلة رئيس الوزراء والحكومة، حيث صارت هذه التحقيقات معروفة في 17 ديسمبر (كانون الأول). وبعد فرض هذا الحظر على موقع «تويتر» بفترة وجيزة، قامت هيئة الاتصالات يوم الخميس بمنع الوصول إلى منصة مشاركة المقاطع المصورة (الفيديوهات) على موقع «يوتيوب»، حيث أعقب هذا الإجراء تسريب تسجيل صوتي يقال إنه منسوب لوزير الخارجية التركي ورئيس الاستخبارات وكبار قادة الجيش حينما كانوا يناقشون التطورات في دولة سوريا - التي مزقتها الحرب - ، حيث جرى رفع هذا التسريب على الموقع. وأعرب ممثلو التجارة العالمية بالفعل عن مخاوفهم بسبب الحظر المفروض على موقع «تويتر»، مشيرين إلى أن هذا الحظر يضر بعملية إنفاذ القانون والديمقراطية بشكل سليم في تركيا.
وفي حديثه لصحيفة «تودايز زمان»، قال يوفوك سانلي، المراسل الاقتصادي لصحيفة «فاتان» اليومية، من المؤكد أن الحظر المفروض على «تويتر» يتسبب في تزايد المخاوف بين المستثمرين الأجانب، ولا سيما شركات التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي التي ستدرس عملية الاستثمار في تركيا. وأضاف أن «الحظر المفروض على وسائل الإعلام الاجتماعي ربما يؤدي أيضا إلى انخفاض التصنيف الائتماني لتركيا». وفي هذا الصدد، أصدرت جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك بيانا صحافيا بشأن الحظر المفروض على موقع «تويتر»، - حيث لا يتماشى هذا الحظر مع حرية الرأي والتعبير - مشيرة إلى أن هذا الإجراء يكشف - حسبما يبدو - عن وجود مخاوف لا أساس لها، فضلا عن الإضرار بالديمقراطية.
وفي نفس السياق، أكد رضا نور ميرال، رئيس اتحاد رجال الأعمال والصناعيين الأتراك، أن تركيا تتجه بشكل كبير نحو التحول لنظام استبدادي في ضوء قرار الحكومة الأخير بفرض الحظر. وقال ميرال إن الاتحاد - بوصفه جماعة تمثل رجال الأعمال - تدين هذا الحظر المفروض على «تويتر»، كما تحث على ضرورة رفع الحظر في أقرب وقت ممكن. وأردف قائلا «من المستحيل أن تتمكن تركيا من تحقيق أهدافها الاقتصادية من خلال التصرف بهذه الطريقة». وفي الواقع أنه في حال استمرار فرض الحظر على مواقع التواصل الاجتماعي، فستكون هناك تأثيرات سلبية على قطاعي السياحة والتسويق الرقمي بصورة مباشرة بسبب هذا الحظر. ويقول خبراء في الشؤون التركية إن العدو اللدود لإردوغان اليوم هو الداعية فتح الله غولن البالغ 73 عاما، الحليف السابق الذي بات في نظره يحرك من بعيد مخططا لإسقاطه.
ومنذ أشهر يواجه إردوغان أسوأ أزمة في حكمه المستمر منذ 11 عاما، شهدت مظاهرات هائلة في الشوارع وفضيحة فساد متفجرة واقتصادا متعثرا. وتضررت حكومته كثيرا من سلسلة من التسريبات على الإنترنت كشفت قصصا رشاوى وفسادا وتناقلها مستخدمو الإنترنت بسرعة هائلة. ورد إردوغان بتهديد «الخونة» و«الإرهابيين»، فيما أدت مساعيه الحثيثة للجم وسائل التواصل الاجتماعي إلى نفور حلفائه الغربيين. ومع اقتراب امتحانه الأول في صناديق الاقتراع منذ انطلاق الأزمة في يونيو (حزيران)، تعهد إردوغان بمطاردة خصومه «حتى كهوفهم». وفي مرحلة سابقة، كان إردوغان وغولن حليفين مقربين حولا مشهدا سياسيا ظل طوال عقود خاضعا للعلمانيين والجنرالات من هواة الانقلابات.
ووسط مطالبات كثيفة في أوساط المسلمين المحافظين الذين كلوا مرحلة «الوصاية العسكرية»، حصل حزب العدالة والتنمية على السلطة عام 2002 وفاز في جميع الاستحقاقات منذاك التاريخ. وقاد الحزب المؤمن والداعم للأعمال ازدهارا هائلا في البناء واقتصادا ديناميكيا فيما بدأت تركيا تلقى الاستحسان في الخارج كنموذج لديمقراطية مسلمة ولاعبة عالمية نامية. وفيما أبدى حزب العدالة والتنمية قوته المذهلة في صناديق الاقتراع، وفر غولن التكنوقراط من أجل إدارة البيروقراطية مستثمرا ما هو حركة دينية من جهة وإمبراطورية أعمال من جهة أخرى.
ويؤكد أنصار غولن المعروفون بتقواهم وذكائهم في الأعمال، أن حركتهم تسعى إلى دمج «إسلام متحضر» بالحداثة والعلوم والقومية التركية. وغادر غولن إلى الولايات المتحدة عام 1999 للتهرب من اتهامات بممارسة أنشطة «معادية للعلمانية». وهو يرأس اليوم مؤسسة تدير مجموعة وسائل إعلامية ومراكز ثقافية ومدارس.
وتدير شبكة الخدمات التعليمية التي أسسها مدارس في 150 بلدا تشجع التحضر والمثابرة وتروج لإسلام معتدل ومتسامح.
كما أنها تدير في تركيا مدارس تبوأ خريجوها المخلصون مناصب رفيعة في الشرطة والقضاء.
وصرح المتحدث فاروق أكديتش «لا نعد الطلاب للامتحانات فحسب، نعدهم للحياة». وأضاف أن الطلاب «يتعلمون الإحسان والقانون الدولي وألا يقعوا في فخ الفساد أو السرقة، يتعلمون أن يكونوا قدوة». لكن الكثيرين يشيرون إلى انعدام شفافية التيار المتماسك.
وصرح سنان أولغن من مركز ادم للأبحاث «لا شفافية قط.. لا نعلم من يتلقى الأوامر ممن. لقد اخترقوا النظام برمته سواء في الجهاز التنفيذي أو في جهازي العدل والشرطة». ويلقب الأنصار المخلصون لإردوغان الذي كان في السابق لاعب كرة قدم شبه محترف ورئيسا لبلدية إسطنبول، رئيس الوزراء «الفارع الطول» أو «السلطان»، لكن منتقديه يتهمونه بالانجراف إلى سلوك «حكم الرجل الواحد». وعندما قمعت الشرطة المتظاهرين في يونيو في مواجهات أدت إلى مقتل 8 أشخاص وجرح الآلاف، وفرت صحف غولن تغطية شاملة. وحذرت مؤسسة الصحافيين والكتاب المرتبطة بغولن من أن تركيا قد تخسر «طابعها كدولة خاضعة لحكم القانون». وصرح نائب رئيس المؤسسة جمال أوشاك لوكالة الصحافة الفرنسية أن مزاعم تدبير «الطبيب المحترم» غولن لكل شيء من بعيد خاطئة، مشددا «لم نتدخل قط في السياسة ولن نفعل أبدا».
وفي إطار تصعيد الخلاف بين الرجلين، هدد إردوغان في نوفمبر (تشرين الثاني) بإغلاق جميع مدارس غولن وقال «سيخسرون مليار دولار سنويا»، وهو إجراء أقره البرلمان في الشهر الجاري.
وترى أغلبية الأتراك أن فضيحة الفساد الواسعة التي انطلقت في ديسمبر (كانون الأول) ليست إلا انتقاما. وتم توقيف العشرات من حلفاء إردوغان في السياسة والأعمال. وتراوحت الاتهامات المدعومة بسلسلة تسريبات أحاديث مسجلة من الرشوة إلى تهريب الذهب والتجارة غير المشروعة مع إيران.
ورد إردوغان بحملة تطهير طالت آلاف الشرطيين والمدعين فيما شددت الحكومة السيطرة على القضاء والإنترنت.
أما غولن الذي نادرا ما يجري مقابلات، فرد في مقال في صحيفة فايننشال تايمز في الشهر الجاري مؤكدا أن «مجموعة صغيرة في الفرع التنفيذي للحكومة تجعل تطور البلاد برمتها رهينة لديها».
والأسبوع الماضي، باتت الحرب بين الطرفين أكثر شراسة عندما نشر تسجيل سري على موقع يوتيوب لاجتماع أمني رفيع يناقش احتمالات التدخل عسكريا في سوريا. ولا يرجح أن يعود الهدوء قريبا.
فعشية الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ما زال أمام إردوغان موسم انتخابي طويل بعد انتخابات الأحد المحلية، فيما تتكاثر الشائعات حول تسريبات جديدة ستنشر. يبدو أن المعركة للسيطرة على تركيا بدأت للتو. وضغطت حكومة إردوغان على وسائل الإعلام وشنت حملة على الإنترنت حيث أمرت مؤخرا بإغلاق موقعي تويتر ويوتيوب ما أثار احتجاجات من حلفاء تركيا في الحلف الأطلسي وجماعات حقوق الإنسان. ووصفت منظمة العفو الدولية الحظر بأنه «محاولة لفرض الرقابة الحكومية لن تؤدي سوى إلى تعميق انعدام الثقة والإحباط».
وأضافت أنه «حتى لو كان للسلطات التركية مخاوف مشروعة حول بعض المحتوى (على الإنترنت) إلا أنه من المبالغ فيه تماما فرض حظر شامل على يوتيوب في البلد بأكمله». ودعا مؤلفون من بينهم غونتر غراس والكاتب التركي أورهان باموك الحكومة إلى أن تتذكر «أن هذا البلد الجميل سيكون أكثر قوة وسعادة عندما يحترم التعددية والتنوع وحرية التعبير».
ووسط جو من انعدام الثقة وانتخابات أمس التي يحق لأكثر من 50 مليون شخص التصويت فيها، يعتزم حزب الشعب الجمهوري المعارض وعشرات آلاف المتطوعين من المواطنين مراقبة عملية فرز الأصوات. وتعتبر هذه الانتخابات حاسمة لإردوغان الذي يسعى إلى الحفاظ على هيمنته على السلطة رغم الاضطرابات الأخيرة. ويسعى إردوغان إلى الحصول على منصب الرئيس خلفا لعبد الله غل في الانتخابات التي ستجري في أغسطس (آب) وهي الأولى التي سينتخب فيها الأتراك رئيسا للدولة.
وتنتهي ولاية إردوغان الثالثة كرئيس للوزراء العام المقبل، ليكمل 12 عاما في الحكم، وهي أقصى مدة لتولي هذا المنصب بموجب قوانين حزب العدالة والتنمية التي لمح إردوغان إلى رغبته في تغييرها.



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».