عروش الصحف المصرية تهتز

54 رئيس تحرير تنتهي مدة عملهم نهاية يونيو.. و«الأعلى للصحافة» لا يملك التجديد لهم

تنظر الأوساط الصحافية والإعلامية صدور قوانين تحدد آليات العمل خلال الفترة المقبلة، وتضع ضوابط العمل الإعلامي
تنظر الأوساط الصحافية والإعلامية صدور قوانين تحدد آليات العمل خلال الفترة المقبلة، وتضع ضوابط العمل الإعلامي
TT

عروش الصحف المصرية تهتز

تنظر الأوساط الصحافية والإعلامية صدور قوانين تحدد آليات العمل خلال الفترة المقبلة، وتضع ضوابط العمل الإعلامي
تنظر الأوساط الصحافية والإعلامية صدور قوانين تحدد آليات العمل خلال الفترة المقبلة، وتضع ضوابط العمل الإعلامي

حالة من الربكة تسود المؤسسات الصحافية الرسمية في مصر الآن، نتيجة انتهاء مدة عمل 54 رئيسا لتحرير هذه المطبوعات، في حين أن المجلس الأعلى للصحافة، المسؤول عن الصحف، وهو المسؤول أيضا عن قرار المد لهم، لا يمتلك القدرة على التجديد لهم الآن، وفقا للقانون.
وبينما وافقت لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب في مصر على مقترح مشروع بتعديل قانون تنظيم الصحافة، يمنح الرئيس عبد الفتاح السيسي حق تشكيل المجلس الأعلى للصحافة بشكل مؤقت لحين صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام؛ لكن نقابة الصحافيين أكدت أن إقرار القانون الموحد للصحافة والإعلام هو الحل الوحيد لمواجهة المأزق القانوني الذي سيواجه المؤسسات الصحافية القومية في يونيو (حزيران) الحالي، وهو انتهاء مدة رؤساء تحرير الصحف.
في حين أكد خبراء أنه «يجب الوصول إلى حل يرضى الجميع؛ لأن استمرار الوضع على ما هو عليه معناه خلق حالة من التوتر داخل المؤسسات الصحافية القومية».
وينص القانون رقم 66 لسنة 2013 على أن يمارس المجلس الأعلى للصحافة صلاحيته من خلال الفترة الانتقالية، لحين إقرار الدستور الدائم للبلاد وانتخاب مجلس النواب وصدور التشريع اللازم للصحافة، وله خلال هذه الفترة ولمرة واحدة أن ينهي مدة أي من رؤساء مجالس الإدارات ورؤساء التحرير، وأن يعين محلهم من يراه مناسبا لمدة لا تزيد عن سنتين من تاريخ شغل الوظيفة.
واستبق المجلس الأعلى للصحافة أزمة المأزق القانوني، وقرر المد لرؤساء تحرير الصحف القومية لتفادي حالة الفراغ الإداري، مؤكدا أنه لم يقرر إعادة تعيينهم؛ لكن فقط كلفهم بالاستمرار في مواقعهم لحين إقرار التشريعات الجديدة؛ إلا أن الكاتب الصحافي مصطفى بكري عضو مجلس النواب، انتقد القرار ووصفه بأنه «غير قانوني أو دستوري»، لافتا إلى أن «الأعلى للصحافة» هو مجلس لتسيير الأعمال وليس له صلاحية المد لرؤساء مجالس الإدارة ورؤساء التحرير.
من جانبه، قال الكاتب الصحافي سليمان عبد العظيم، مدير عام التحرير بمؤسسة «دار الهلال» الصحافية ومجلة «المصور»، إن «المشهد الحالي مرتبك جدا، ويجب الوصول إلى حل يرضي الجميع؛ لأن استمرار الوضع على ما هو عليه الآن معناه خلق حالة من التوتر داخل المؤسسات الصحافية القومية».
ووافقت لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، على مقترح مشروع بتعديل قانون تنظيم الصحافة، يمنح الرئيس السيسي حق تشكيل المجلس الأعلى للصحافة بشكل مؤقت، لحين صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام.
وتنظر الأوساط الصحافية والإعلامية صدور قوانين تنظيم الصحافة والإعلام من الدولة، والتي سوف تحدد آليات العمل خلال الفترة المقبلة، وتضع ضوابط العمل الإعلامي.
وقال عضو البرلمان بكري الذي قدم القانون، إن «مشروع القانون يقضي بتغيير المادة 68 من قانون 96 لسنة 1996 الخاص بتنظيم الصحافة، بما يمنح رئيس الدولة صلاحية إصدار تشكيل جديد للمجلس الأعلى للصحافة، ومنحه الصلاحيات الكاملة، حتى يستطيع ممارسة مهامه في التغييرات الصحافية، بعد أن انتهت مدة كثير من رؤساء مجالس الإدارات في يناير (كانون الثاني) الماضي. متوقعا أن يتم إقرار هذا التعديل المقترح من جانب مجلس النواب قبل نهاية هذا الشهر، مضيفا أنه «حتى الآن لا يزال مشروع القانون الموحد لتنظيم الصحافة والإعلام في مجلس الدولة، وقد يستغرق عدة شهور حتى تناقش مواده، ومع نهاية الشهر الجاري سيصبح وضع رؤساء تحرير المؤسسات الصحافية غير قانوني، وهي مشكلة كنا نبحث لها عن حل».
لكن الصحافي سليمان عبد العظيم لفت إلى أن «موافقة لجنة الثقافة والإعلام بالبرلمان على مشروع بكري، والموافقة عليه فيما بعد في جلسة مجلس النواب ككل.. هذه العملية التي تتسم بـ(التسارع) الشديد، أخشى ما أخشاه أن تتحول إلى (تصارع) شديد بين المؤسسات الصحافية القومية والدولة».
وحول السلطات المنوطة بالمجلس الجديد بعد إعادة تشكيله وفق القانون، قال مصطفى بكري إن المجلس سيكون له نفس الصلاحيات التي حددتها المادة 68 من قانون تنظيم الصحافة، أي سيقوم مقام مجلس الشورى بكل الصلاحيات المحددة، والذي كان منوطا بكل أوضاع الصحافة القومية من قبل. هذا المقترح، أيده الكاتب الصحافي مكرم محمد أحمد نقيب الصحافيين الأسبق، مؤكدا أن الحل في «قرار من الرئيس بتشكيل مجلس أعلى للصحافة مؤقت يتولى مهمة التغيير وتعيين الجدد»، مضيفا أن «مقترح بكرى بإعادة تشكيل مجلس أعلى جديد للصحافة مخرج من المأزق».
لكن يحيى قلاش نقيب الصحافيين أكد أن إقرار القانون الموحد للصحافة والإعلام هو الحل الوحيد لمواجهة المأزق القانوني الذي سيواجه المؤسسات الصحافية القومية، مضيفا أن ما يحدث الآن يعد أزمة مفتعلة لأن القانون منتهى من أغسطس (آب) الماضي، وإعادة تشكيل مجلس أعلى مؤقت للصحافة ليس حلا للمشكلة، موضحا أن «مشكلة عدم استقرار المؤسسات القومية ستظل قائمة.. والحل ليس تغييرا في الكيانات وإنما في استقرار المؤسسات».
وأوضح قلاش أن فكرة التعامل مع المؤقت يؤدي إلى عدم استقرار المؤسسات ويقلل من صلاحيات رئيس مجلس الإدارة والتحرير، لافتا إلى أن الأولى بالرعاية هو الوقوف وراء التشريعات والانتهاء منها، وأن الرسالة الأساسية للبرلمان الحالي هي محاولة ترجمة مواد الدستور إلى تشريعات.
من جهته، قال سليمان عبد العظيم، إن التوقيت غير مناسب الآن لتشكيل مجلس أعلى للصحافة جديد، وخصوصا أن بعضا من سيئي الظن سوف يتصور أن الدولة تفكر - وهذا غير صحيح - في مواصلة الصدام مع الصحافة، عطفا على الأزمة الأخيرة، التي لا تزال أصداؤها قائمة بين النقابة ووزارة الداخلية.
ويحاكم نقيب الصحافيين المصريين، واثنان من مجلس النقابة على خلفية اتهامهم بإيواء مطلوبين أمنيا داخل مقر النقابة. وكانت قوات الأمن قد اقتحمت مقر نقابة الصحافيين مطلع مايو (أيار) الجاري، وألقت القبض على الصحافيين عمرو بدر ومحمود السقا، واتهما بنشر أخبار كاذبة، والدعوة للتظاهر، ما دعا مجلس النقابة لدعوة الجمعية العمومية لاجتماع طارئ وقتها. وأقر الاجتماع 18 مطلبا وآلية لمواجهة اقتحام مقر النقابة للمرة الأولى منذ تأسيسها قبل 75 عاما، والذي يأتي على رأسها إقالة وزير الداخلية.
في ذات السياق، تسلم قسم التشريع بمجلس الدولة مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وذلك بعد موافقة مجلس الوزراء عليه، لمراجعة أحكامه وضبط صياغته إعمالا لحكم المادة 190 من الدستور المصري.
وكان الكاتب الصحافي صلاح عيسى، الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة، قرر قبل أيام، المد لرؤساء تحرير الصحف القومية، موضحا أن المجلس لم يقرر إعادة تعيينهم؛ لكن فقط كلفهم بالاستمرار في مواقعهم لحين إقرار التشريعات الجديدة. وقال عيسى: «نريد إجابة واضحة وصريحة عن سبب صدور قانون بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للصحافة الآن، في الوقت الذي يقف فيه مشروع القانون الموحد على باب مجلس النواب»، مشيرا إلى أن مجلس الدولة شكل 4 لجان تتولى مراجعة القانون على التوازي لتنتهي منه في أسرع وقت، ولكن لا تفسير لهذا المشروع بقانون إلا أنه محاولة لوضع القانون الموحد في «الثلاجة»، ولتعطيل مواد الدستور التي تكفل حرية الصحافة والإعلام والعودة بنا للعهد البائد، وتحويل المجلس إلى مجلس يعين رؤساء تحرير ليظلوا موجودين للأبد.
وأضاف عيسى: «هذا القانون يسيء لسمعة نظام الحكم، ويؤدي إلى تأجيج حملات محلية وإقليمية ودولية تتهم هذا النظام بأنه يسعى لإعادة الصحف ووسائل الإعلام لبيت الطاعة»، لافتا إلى أن المجلس الأعلى سيرسل خطابا للرئيس لمطالبته بالتدخل بصفته رئيسا للدولة، وأيضا بصفته رئيسا للسلطة التنفيذية لحماية الدستور، بجانب أن القانون الموحد ليس في حاجة لأي مناقشة، فالدستور في المادة 224 ينص على أن القوانين تظل قائمة ولا يتم تعديلها إلا بالقواعد الموجودة في الدستور، ولا يوجد أي مادة في الدستور يستند إليها مشروع قانون مصطفى بكري، ولا يوجد مادة تنص على وجود مجلس أعلى للصحافة.
ورفض عيسى اتهام المجلس بالتواطؤ مع نقابة الصحافيين ضد الدولة، مؤكدا أن هذا الكلام غير صحيح، فالنقابة لم تقف ضد الدولة في الأساس، لافتا إلى أن أعضاء المجلس الحالي لهم تاريخ مشهود في الدفاع عن حرية الصحافة والرأي ولا يجوز لأحد أن ينكرها.
فيما أكد النائب البرلماني بكري أن قرار «الأعلى للصحافة» بالمد لرؤساء التحرير تحايل على القانون، ومحاولة هدفها ليّ ذراع السلطة التشريعية ومحاولة عرقلتها في ممارسة سلطتها في سد الفراغ القانوني.
وعن الحل للخروج من المأزق القانوني، قال سليمان عبد العظيم: «كان يجب الإسراع في إصدار مجلس النواب قوانين الإعلام والصحافة الجديدة، بأن تحل مثلا الهيئة الوطنية للصحافة محل المجلس الأعلى للصحافة، وتقوم الهيئة بإعداد ترشيحات رؤساء مجالس إدارات وتحرير الصحف»، متسائلا: «لماذا تأخرت عمدا مشروعات قوانين الإعلام الجديدة؟».



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.