الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

في سياق حرب ضروس ضد الإرهاب

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»
TT

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

حقق الجيش الجزائري انتصارات متتالية كبيرة على الجماعات المسلحة المتطرفة، التي يحاربها منذ 1993 تاريخ اندلاع الإرهاب في الجزائر، وذلك بفضل عمليات عسكرية متفرقة لكنها مركزة استهدفت بالتحديد معاقل تنظيم «القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي»، الذي يظل ناشطًا في مناطق كثيرة من البلاد وفي بعض الدول المجاورة، حيث يلقى «منافسة» شديدة من طرف «داعش» الذي يبحث له عن موطئ قدم على تراب الجزائر.
الجيش الجزائري أعلن مطلع الأسبوع عن مقتل 18 إرهابيًا، بمنطقة الرواكش بولاية المديّة (100 كلم جنوب غربي المديّة)، وأفاد بأنه عثر في مكان العملية العسكرية على أسلحة حربية وذخيرة، كانت بحوزة المتطرفين الذين ينتمون إلى «القاعدة المغاربية»، التنظيم الذي يدوم منذ 25 سنة تحت أسماء كثيرة.
وكانت المديّة قد بعيدة عن الأعمال الإرهابية منذ 10 سنوات على الأقل. إلا أنها عرفت في منتصف تسعينات القرن الماضي بأنها «منطقة محرّمة على الجيش» نظرًا للسيطرة المحكمة على المنطقة من طرف «الجماعة الإسلامية» آنذاك، بزعامة جمال زيتوني. ويومذاك استفاد التنظيم الإرهابي من تضاريس ولاية المديّة، من جبال ووديان، فاستغلها للتحصن بها واتخذها منطلقًا لضرب أهداف عسكرية ومدنية. واقترفت الجماعة مجازر رهيبة في المديّة راح ضحيتها المئات من المدنيين العزل، كما قتلت عددًا كبيرًا من رجال الأمن.
* «القاعدة» بثلاثة أسماء
اللافت أن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب، منذ أُسس مطلع 2007 على أنقاض تنظيم متشدد خرج من عباءة «الجماعة الإسلامية المسلحة»، لم يكن له وجود في هذه الولاية إلا في حدود ضيقة جدًا. ويرى متتبعو الشأن الأمني أن تنقّل عناصر منه إلى ولاية المدية دليل على أمرين أساسيين: الأول أن خناق الجيش اشتد على الجماعة في معاقلها الرئيسية، وهي تحديدًا مدن تيزي وزو وبومرداس وبجاية شرقي العاصمة. والثاني أن قيادة التنظيم كانت بصدد إعادة توزيع عناصره بنقلهم إلى مناطق جديدة تفلت من مراقبة الأجهزة الأمنية.
ويشار إلى أن الضربة الموجعة التي وجهها الجيش إلى «القاعدة» في المدية، تأتي بعد سنة بالضبط من عملية إرهابية استهدفت الجيش. ففي مطلع شهر رمضان الماضي، قتل 13 جنديًا من فرقة مشاة في كمين للتنظيم الإرهابي بمنطقة عين الدفلى (120 كلم غرب الجزائر العاصمة). ومنذ ذلك الاعتداء الإرهابي كثّف الجيش من عمليات تمشيط المناطق التي يُشك في أن «القاعدة» زرعت عناصرها فيها.
وحول عملية الرواكش العسكرية النوعية، قال أحدث تقرير لوزارة الدفاع، إن الجيش «تمكن من القضاء على 18 إرهابيًا وإلقاء القبض على 4 آخرين، واسترجاع 20 رشاشًا من نوع كلاشنيكوف وبندقيتين نصف آليتين من نوع سيمونوف ومدفع هاون عيار 60 ملم مع 10 مقذوفات، ورشاش عيار 12.7 ملم وبندقية مضخية و4 قذائف (آر بي جي – 2) وكمية ضخمة من الذخيرة من مختلف العيارات بالإضافة إلى 23 مخزن ذخيرة و20 قنبلة يدوية و3 أحزمة ناسفة ومعدات تفجير و7 نظارات ميدان و23 هاتفًا جوالاً».
كذلك أفاد التقرير بأن العملية، التي انطلقت في 8 يونيو (حزيران) الحالي، واستغرقت 9 أيام كاملة، «مكّنت من تحديد هوية المجرمين الستة الآخرين، الذين تم القضاء عليهم مساء يوم أمس 19 يونيو 2016 بالمنطقة نفسها، ويتعلق الأمر بمحيي الدين ح. المدعو (موسى)، وم. بوعلام المدعو (أبو سفيان)، وب. الحاج المدعو (سامورة)، وع. قويدر المدعو (أبو محسن)، وب. إبراهيم المدعو (أبو عقيل)، وب. العياشي المدعو (أسامة)».
وأوضح التقرير أن «تحييد هذه الجماعة الإرهابية، يُعتبر ثمرة التدريب والتكوين الجيد والانضباط والتقيد الصارم بتعليمات وتوجيهات القيادة العليا للجيش، لا سيما خلال مختلف اللقاءات التي تجمعها بالإطارات والمستخدمين عبر النواحي العسكرية، وسيزيد حتمًا من إصرار وعزيمة قوات الجيش الوطني الشعبي على تكثيف مثل هذه العمليات النوعية، والقضاء على ما تبقى من هذه العصابات الإجرامية».
وهذا في إشارة إلى زيارات ميدانية مكثفة يجريها الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش ونائب وزير الدفاع، إلى النواحي العسكرية منذ مطلع العام، بهدف تفقّد جاهزية الجيش وقدرته على التصدّي لهجوم محتمل من طرف الإرهاب. وحث صالح في كل زياراته، الجنود على القضاء على ما سمّاه «بقايا الإرهاب»، وهو مفهوم يتداوله الخطاب الرسمي منذ سنوات طويلة للدلالة على أن الإرهاب في «ربع الساعة الأخير» من عمره.
* اهتمام أميركي مركز
وفي الـ18 من الشهر، نشر الجيش حصيلة عملياته منذ مطلع العام. إذ أعلن عن القضاء على 73 متطرفًا واعتقال 111 شخصا متهمين بدعم الجماعات المتشدّدة خلال خمسة أشهر الأولى من العام الحالي، حيث تمكن الجيش خلال 6 أشهر من وضع حد لنشاط 1117 مهرب سلاح ومواد محظورة بالحدود، بينما جرى اعتقال 2309 مهاجرين سريين و105 تجار مخدرات. وسمح نشاط الجيش، خلال الفترة نفسها، باكتشاف وتدمير 248 مخبأً في الجبال والغابات يستعمله المتطرفون، للتحصن ضد ضربات قوات الأمن. وتضمّنت الحصيلة المنشورة بـ«مجلة الجيش»، حجز 205 سيارات ذات دفع رباعي و120 شاحنة، و148 سيارة و70 دراجة نارية، وهي وسائل نقل درج المتطرّفون ومهرّبو السلاح على استعمالها في نشاطهم وتنقلاتهم بالحدود، وفي المساحات الشاسعة لا سيما بالصحراء الكبرى، حيث تبذل السلطات الجزائرية مجهودات كبيرة لتغطيتها أمنيًا.
وأوضحت «نشرية الجيش الشهرية»، أن الضباط والجنود المنخرطين في سياسة محاربة الإرهاب، نجحوا في عمليات متفرقة منذ مطلع العام، من حجز كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة. وهذا النشاط غير المسبوق للآليات العسكرية، دفع بالجنرال ديفيد رودريغز، قائد المهام العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إلى طلب زيارة الجزائر، فالتقى الأسبوع الماضي مع رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال وقايد صالح ومسؤولين في قسم محاربة الإرهاب بجهاز المخابرات. كما استقبله الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
وأبلغت مصادر عليمة «الشرق الأوسط» أن رودريغز أبلغ محدثيه بأن «أفريكوم» تريد التعاون مع الجيش الجزائري من أجل التصدي لـ«دواعش ليبيا» فوق التراب الليبي. ونقلت المصادر عن المسؤول العسكري الأميركي أن تنظيم الدولة الإرهابي يشكل خطرًا كبيرًا على الأمن بالمغرب العربي وأوروبا، وحتى الولايات المتحدة الأميركية في حال استطاعت الجماعة المتطرّفة أن تجد لها منفذًا، إلى بلدان غرب القارة السمراء التي تطل على المحيط الأطلسي. وإذا ما وصلت إلى هذه المناطق فإن الخطر سيكون قريبًا من السواحل الأميركية، بحسب ما نقل عن رودريغز في لقاءاته مع المسؤولين الجزائريين. كما استفسر قائد «أفريكوم» عن عودة «القاعدة» إلى النشاط في جمهورية مالي، على خلفية استهدافها المتكرر مواقع البعثة الأممية للسلام في مالي.
وأوضح المصدر ذاته بأن المسؤولين الجزائريين أبدوا لرودريغز تحفظًا شديدًا بخصوص نقل وحدات من الجيش الجزائري خارج الحدود لمطاردة عناصر «القاعدة» أو «داعش»، بحجة أن دستور البلاد يمنع ذلك، إلا إذا تعلق الأمر بمهام سلمية. وأكد المسؤولون، في المقابل، أنهم على استعداد للتعاون أمنيًا مع بلدان المنطقة لمساعدتها على مواجهة الإرهاب. وضرب محدّثو رودريغز، حسب المصدر، مثالاً بالأشواط الكبيرة التي قطعها التعاون الاستخباراتي بين تونس والجزائر خلال العامين الأخيرين.
* تأثير دواعش ليبيا
من جهة أخرى، يقدم خبير القضايا الأمنية والاستراتيجية، قوي بوحنية، لـ«الشرق الأوسط» قراءة في المشهد الأمني على ضوء العملية العسكرية الأخيرة، فيقول: «مقتل 18 إرهابيا بالمديّة ينبئ بأن خلايا الإرهاب النائمة ما زالت تملك القدرة على النشاط من جديد، وبالتالي إلحاق خسائر بالجيش». وتابع أن «نشاط الجيش خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يؤكد مدى جاهزيته لضرب جيوب الإرهاب الأساسية، وليس أدل على ذلك من القضاء على زعيم تنظيم (جند الخلافة)، الذي يُنسب له اغتيال متسلق الجبال الفرنسي هيرفيه غوردال عام 2014»، في إشارة إلى المتطرّف عبد المالك قوري، الذي سقط في كمين للجيش غرب الجزائر العاصمة، وكان معه مجموعة من عناصر التنظيم تم القضاء عليهم.
وأضاف قوي بوحنية أن «الجماعات النائمة والخلايا اللوجيستية الداعمة للإرهاب، لا تزال تجد مرتعًا لها في الجزائر، وتحديدًا، في مرتفعات مناطق القبائل والمدية وتيبازة وصولاً إلى ضواحي العاصمة والبليدة، حيث يقوم الجيش شهريًا وبصفة دورية بتفكيك العبوات واستهداف مجموعات إرهابية صغيرة تتربّص به لمباغتته. ولا يوجد شك في أن الجيش الجزائري اكتسب تجربة وخبرة كبيرتين خلال تسعينات القرن الماضي عندما كان الإرهاب في أوج قوته. يضاف إلى ذلك التنسيق الاستخباراتي العالي الدقة بين مختلف الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى التدريب الاحترافي الذي استفادت منه القوات المسلحة في مجال الأدلة الجنائية، وتفكيك خيوط الجريمة المنظمة وارتباطاتها بمهربي السلاح وتجّار المخدرات».
وتابع بوحنية، الذي نشرت له دراسات كثيرة عن الأوضاع الأمنية بأفريقيا، شارحًا: «الزحف الداعشي على مدن الساحل الليبي، مثل درنة وصبراتة - والثانية لا تبعد سوى كيلومترات عن الحدود التونسية - وتعاظم النشاط الميليشياوي المسلح في تونس، زاد من تعقيد عملية إعادة الاستقرار إلى المنطقة. وهذا الوضع تسبّب بدوره في متاعب أمنية إضافية للجزائر باعتبارها تشكل عُمق المنطقة، وهي أكبر قوة إقليمية. وما يستحق الإشارة هنا خطورة ما اعتبره الدولة الميليشياوية الأمنية التي تحاول السيطرة على مقاليد الدولة السياسية في ليبيا، وهو ما صعّب عملية الاستقرار في هذا البلاد».
وبحسب الخبير الأمني فـ«الامتدادات الحدودية للجزائر التي تزيد عن 6000 كلم، من شأنها أن تشكّل ضريبة جغرافية وأمنية إضافية عليها. خصوصًا أن تحرّك الخلايا الإرهابية في الساحل الأفريقي واستمرار تدفق السلاح على منطقة الساحل، تسبّبا في تفاقم الوضعية الرخوة للساحل، رغم الاستقرار النسبي الذي تشهده دوله منذ عام تقريبًا».
ولاحظ بوحنية أن «جماعات أنصار الدين وبعض الفصائل الأزوداية الانفصالية تناضل وفق رؤية تمكنها من أن تكون ضمن المشهد الأمني والتنموي في مالي. بينما جماعة بوكو حرام وبعض الجماعات الراديكالية في نيجيريا وبعض الدول المجاورة تعانق الآيديولوجية الداعشية. وكان «أبو بكر البغدادي» قد أعلن قبل سنة ونصف السنة تقريبًا عن مبايعة أكثر من 14 سريّة إرهابية من دول المغرب العربي له، وهو بذلك يسعى إلى استكمال عقد العمل المسلح العابر للقارات، والمهدّد للدول الأفريقية الهشّة والمحيطة بمنطقة الساحل.
وأوضح الخبير بأن الجزائر «ستبقى محل تهديدات أمنية، رغم الضريبة التي دفعتها خلال العشرية السوداء، وهي 200 ألف قتيل. ولقد مرّت عشر سنوات على إقرار ميثاق السلم والمصالحة، الذي حقق نتائج جيدة نسبيًا على صعيد إقناع المسلحين بالتخلي عن الإرهاب. غير أن العمليات الإرهابية ذات الحجم الصغير والمتوسط تبقى غير مستبعدة.. فالجماعات المتشددة تتغذّى من المحيط الإقليمي المتفجر في ليبيا ومالي. وبالتالي، لا حل للدول الأفريقية، برأيي، إلا تبني خطة عمل أفريقية متكاملة تركّز على محاور ثلاثة: المحور الأول أمني ويقوم على تعزيز التعاون الاستخباراتي بين الدول بشكل يمكنها من تفكيك الجماعات المسلحة والقضاء عليها. والمحور الثاني يتمثل في التنمية بتعزيز الحكم الراشد والتوزيع العادل للثروة. والمحور الثالث يتعلق بدعم الاستقرار السياسي في دول الساحل، خصوصا، تفاديًا لحركات انقلابية. وهنا يجب دعم خيارات المصالحة في ليبيا ومالي وأفريقيا الوسطى وساحل العاج».
* «المرابطون».. الخطر الداهم
وبإلقاء نظرة متأنية على الجماعات المتطرفة المسلحة النشطة حاليًا، وخريطة انتشارها، يتضح أن أخطرها فيما يخص الداخل الجزائري، يبقى تنظيم «القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي»، الذي يرأسه عبد المالك دروكدال الشهير بـ«أبو مصعب عبد الودود» منذ 2005. وحاولت أجهزة الأمن الإيقاع به في كمائن عدة مرات بمنطقة القبائل، حيث يتنقل بين شعابها ووديانها، من دون أن تتمكن منه.
غير أن القوة الضاربة التي كان يتمتع بها التنظيم الإرهابي خلال سنوات 2006 و2007 و2008، تراجعت إلى حد كبير، وإن كان لا يزال يحتفظ بعامل المباغتة، وهو ما تدركه السلطات جيدًا. وللعلم، التنظيم خلال 2013 أحد أبرز عناصره، وهو صلاح أبو محمد الناطق باسم «القاعدة» والمروج لأعمالها عبر الإنترنت الذي وقع في كمين للمخابرات شرقي العاصمة. وتقريبًا لم يبقَ من «الوجوه البارزة» في التنظيم سوى «أمين المال» المكنّى «أبو أحمد الجيجلي»، وهو من أوائل الملتحقين بالتنظيم الإرهابي الذي نقل جزءًا كبيرًا من نشاطه إلى الصحراء الكبرى على الحدود مع مالي والنيجر.
أما ثاني التنظيمات التي تتوجّس منها السلطات الأمنية الجزائرية خيفة فهو «المرابطون»، بقيادة المطلوب دوليًا الجزائري مختار بلمختار المعروف بـ«خالد أبو العباس». وفي وقت كان فيه المسؤولون الأمنيون يعتقدون بأن الخلاف الذي وقع بين بلمختار وقيادة «القاعدة»، ثم طلاقه معها، أدخلاه في مرحلة ضعف ووهن، فاجأ الإرهابي الأكثر خطورة في منطقة الساحل الأفريقي الأجهزة الأمنية بعملية استعراضية مطلع 2013، تمثّلت بالهجوم على منشأة عين أميناس، التي هي المنشأة الغازية الأكبر في صحراء البلاد واحتجز العشرات من الفنيين الأجانب والمحليين. ويومذاك تدخّلت «القوات الخاصة» الجزائرية لفك أسر الرهائن، وانتهت العملية بمجزرة رهيبة إذ قتل 29 أجنبيًا ومعهم 28 من المعتدين، لم يكن بلمختار من بينهم، إذ كان العقل المدبّر للعملية التي نفّذها عناصر يتبعون له، يتحدّرون من 6 جنسيات: جزائرية وموريتانية ومصرية وتونسية ومالية وكندية. ويتحصًن «أبو العباس» حاليًا بقبيلة البرابيش في شمال مالي، التي تزوج منها. ويقال إن أعيان هذه القبيلة المسلحين على استعداد لخوض حرب إذا استدعى الأمر، ولن يفرطوا في «أبي العباس».
وفي حين لم يُعد يُعرف أي نشاط لما تدعو نفسها «جماعة حماة الدعوة السلفية» منذ 5 سنوات، بعدما كانت تنشط في تيبازة وعين الدفلى (غرب وجنوب غربي الجزائر العاصمة)، يتعاظم خطر «حركة أنصار الدين» منذ نهاية عملية «القط المتوحش» العسكرية التي شنها الطيران الحربي الفرنسي على مواقع التنظيمات المتطرفة بشمال مالي في مطلع 2013. ولئن كانت القوات الفرنسية بالتحالف مع عسكر النيجر قد نجحت في قتل قائد «القاعدة» الجزائري «عبد الحميد أبوزيد» في خضم «القط المتوحش»، فإن زعيم «أنصار الدين» المتطرف إياد آغ غالي ما زال يتحرّك بعناصره في المدن المالية الحدودية مع الجزائر. وبحسب أحدث تقارير الأمن، يبحث آغ غالي عن التوغّل إلى عمق التراب الجزائري لضرب مصالح غربية تتمثل أساسًا في مشاريع بترولية أميركية. وتخشى أجهزة الأمن الغربية التي تقتفي أثر هذا القيادي المتشدّد من قيام حلف بينه وبين «داعش» ليبيا.
أما «حركة التوحيد والجهاد» التي انشقت عن جماعة «أبي زيد»، في 2011 فقد «تخصصت» بخطف رعايا غربيين، خصوصًا الفرنسيين منهم، ومساومة حكوماتهم للحصول على فدية. ولقد تراجع نشاط هذا التنظيم منذ سنة، إلا أن خطره يظل قائمًا. ولوحظ أن عناصره في المدة الأخيرة يتحرّكون في منطقة الحدود الموريتانية - المالية.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.