ظريف في باريس: رغبة مشتركة في تسريع التطبيع وطمس التناقضات السياسية

وزير خارجية فرنسا يقترح «مبادرة مشتركة» لوضع حد للفراغ الدستوري في لبنان

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مستقبلا وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف في القصر الرئاسي بباريس أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مستقبلا وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف في القصر الرئاسي بباريس أمس (أ.ف.ب)
TT

ظريف في باريس: رغبة مشتركة في تسريع التطبيع وطمس التناقضات السياسية

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مستقبلا وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف في القصر الرئاسي بباريس أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مستقبلا وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف في القصر الرئاسي بباريس أمس (أ.ف.ب)

في ثالث جولة أوروبية له منذ توقيع الاتفاقية النووية بين طهران ومجموعة 5 زائد واحد في يوليو (تموز) من العام الماضي، حط وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف رحاله في باريس التي سينتقل منها لاحقا إلى هولندا. وفي العاصمة الفرنسية التي زارها بناء على دعوة من نظيره الفرنسي جان مارك أيرولت، هيمنت على محادثات ظريف، في شقها السياسي، الملفات الإقليمية المتمثلة في الحرب في سوريا والعراق والملف اللبناني والفراغ المؤسساتي والحرب على الإرهاب والوضع في اليمن وأمن الخليج. أما في الشق الاقتصادي حيث تسعى إيران منذ إبرام الاتفاق النووي إلى فك عزلتها الاقتصادية والتجارية والانفتاح على العالم الخارجي، فقد بحث ظريف في تقوية العلاقات الاقتصادية الفرنسية - الإيرانية والعوائق التي حالت حتى الآن دون إحداث نقلة نوعية فيها بسبب ما تعتبره طهران «عراقيل» أميركية خصوصا على صعيد المعاملات المصرفية واستخدام العملة الأميركية «الدولار» وتخوف الشركات الفرنسية من أن تطالها لاحقا إجراءات عقابية أميركية كما حصل سابقا بالنسبة لمصارف فرنسية رئيسية.
عقب التوقيع على الاتفاق النووي مع طهران روج الغربيون لمقولة أن إعادة إيران إلى الحظيرة الدولية من شأنها أن تدفعها لاتباع سياسة «معتدلة» تساهم في إيجاد تسويات سياسية لبؤر الحروب والتوتر في الشرق الأوسط. بيد أن مصادر فرنسية رسمية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أول من أمس أفادت بأنها «لم تلحظ بعد» ملامح السياسة الخارجية الإيرانية «الجديدة» و«المعتدلة». وقالت هذه المصادر أن الانخراط العسكري الإيراني في سوريا بلغ مستويات غير مسبوقة من قبل وما زالت طهران تدعم نظام الرئيس الأسد وتوفر له الرجال والسلاح والعتاد والتمويل وبالتالي فإن مواقفنا «متعارضة تماما» مع سياسة طهران. وفي لبنان، ترى باريس أن إيران «ما زالت تعرقل ملء الفراغ الرئاسي بالواسطة» في إشارة إلى ما يسمى «حزب الله». كذلك، فإنها تعتبر أن الحضور الإيراني «يزداد وطأة» فيما توجه أصابع الاتهام لإيران خليجيا بتأجيج الصراعات الطائفية والسياسية كما في اليمن أو البحرين.
بيد أن غياب التقارب حول الملفات السياسية الساخنة لا يمنع الجانب الفرنسي من حث الخطى للتطبيع الاقتصادي والتجاري والاستثماري ومساعدة الشركات الفرنسية على العودة إلى السوق الإيرانية والاستفادة من الفرص الجديدة المتوافرة التي فتح بابها بعد رفع العقوبات. وتقول مصادر دبلوماسية عربية في العاصمة الفرنسية إن باريس كغيرها من العواصم العربية «تفصل ما بين علاقاتها الثنائية مع طهران التي ترغب في تطويرها بأسرع وقت ممكن وبين السياسة الإيرانية إزاء الملفات الساخنة في منطقة الشرق الأوسط» وذلك من باب «البراغماتية». ومن الحجج التي تضعها باريس في المقدمة أنها كانت الطرف الغربي «الأكثر تشددا» في المفاوضات الخاصة بالنووي الإيراني. أما الآن وقد رفعت العقوبات «فلا شيء يمنع من السير في التطبيع» بما في ذلك كون إيران ثاني دولة في العالم «بعد الصين» من حيث عدد الإعدامات التي تنفذها سنويا.
وكانت باريس قد حضرت برنامجا واسعا لـظريف إذ التقى بعد ظهر أمس رئيس الجمهورية فرنسوا هولاند وصباحا رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب جيرار لارشيه وكلود برتولون. وعصرا، اجتمع ظريف بوزير الخارجية جان مارك أيرولت في مقر الوزارة كما كانت له لقاءات مع مسؤولي شركات فرنسية كبرى مهتمة بالسوق الإيرانية وأهمها شركة إيرباص التي وقعت معها إيران في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي «مذكرة تفاهم» تحصل الخطوط الجوية الإيرانية بفضلها على 114 طائرة إيرباص. لكن «إيرباص» أفادت بأنها لا تزال تنتظر الموافقة من الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة حيث تصنع بعض مكونات وقطع غيار طائرات إيرباص إضافة إلى حاجتها لإذن من «مكتب ضبط الممتلكات الأجنبية» الأميركي الذي يعود له إجازة استخدام الدولار الأميركي في المعاملات الاقتصادية والتجارية مع إيران أكان ذلك بالنسبة للشركات الأميركية أو لغيرها. وهذه النقطة أشار إليها ظريف خلال حضوره جلسة استماع للجنة الشؤون الخارجية والدفاع في مجلس الشيوخ الفرنسي، بقوله إن «تنفيذ العقود بين إيران وفرنسا رهن بحل المشاكل المصرفية». وما زالت المصارف الفرنسية مترددة في تمويل العمليات التجارية لتلافي تكرار تحملها لعقوبات أميركية قاسية كالتي أصابت مثلا بنك سوسيتيه جنرال.
وسيق وصول جواد ظريف إلى باريس توقيع عقد صناعي بين شركة بيجو - سيتروين لتصنيع السيارات وشركة «إيران خودرو» قيمته 400 مليون يورو بغرض إقامة مشروع مشترك يفترض أن يصنع بحلول عام 2018 ما لا يقل عن 200 سيارة في العام. وبيجو - سيتروين هي أول شركة غربية مصنعة للسيارات تعلن عودتها إلى السوق الإيرانية منذ رفع العقوبات.
وفي المؤتمر الصحافي المشترك عقب اجتماعهما، سعى الوزيران أيرولت وظريف لتظهير التقارب في المواقف بصدد المسائل الخلافية كسوريا ولبنان والتخفيف من حدة التناقضات. وشدد أيرولت الذي أكد أن بلاده «تريد علاقات بعيدة المدى» مع إيران على «المسؤولية المشتركة» لفرنسا وإيران من أجل إيجاد حلول سياسية للبؤر الملتهبة التي «تشعل الشرق الأوسط وتهدد أوروبا»، داعيا إلى «الحوار» ولاستكشاف ما يمكن أن يوفره من فرص. ومن جانبه، أكد ظريف أن الطرفين «يريدان الأمن والاستقرار» في المنطقة وعبر عن «ارتياحه» للمناقشات التي أجراها أمس خصوصا مع الرئيس هولاند والوزير أيرولت مركزا على الحاجة لمحاربة الإرهاب الذي «لا يعرف الحدود» وعلى التعاون بين مختلف الأطراف «لأننا في مركب واحد».
بالإضافة إلى ذلك، عبر الوزير الإيراني عن مواقف «لينة» إذ أبدى «استعداد إيران للحوار الإقليمي ومع أوروبا» بغرض الدفع نحو السلام. وردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول كيفية الحديث عن تقارب بين فرنسا وإيران بشأن مشاكل المنطقة بينما مواقف الطرفين متباعدة أكان ذلك بالنسبة لسوريا أو لبنان أو اليمن والخليج، تحاشى ظريف الإجابة مباشرة، مكتفيا بالحديث عن الحاجة للحوار بين الأطراف «رغم تباعد وجهات النظر». وجاء في رد الوزير أيرولت الإعراب عن استعداده للقيام بمبادرة «مشتركة» مع ظريف من أجل وضع حد للفراغ الرئاسي في لبنان. واقترح أيرولت الذي سيزور لبنان يومي 11 و12 يوليو أن يعرض على ظريف نتائج زيارته إلى لبنان وأن «ينظرا معا فيما يمكن أن يقوما به من مبادرة مشتركة لإخراج لبنان من الأزمة السياسية التي يعاني منها والتي تهدد استقراره وظروف حياة مواطنيه». وهذه هي المرة الأولى التي تطرح فيها فرنسا مبادرة على هذا المستوى.
من الجانب الإيراني، جاء الرد منسجما مع المواقف المعلنة لطهران وهي «الاستعداد للحوار» أكان ذلك مع فرنسا أو مع «الأطراف الأخرى» من أجل لبنان لكن «القرار يعود للشعب اللبناني» بحيث أن «لا أحد يستطيع أن يفرض عليه حلا من الخارج أو أن يضع فيتو على أي طرف». وخلاصة ظريف أنه «يتعين علينا أن نسهل (الحل) لا أن نتدخل». كذلك لم يخرج ظريف عن المواقف الإيرانية المعلنة بالنسبة لسوريا وأولها الحاجة إلى حل سياسي «لأن لا حل عسكريا في سوريا»، وهذا يمر عبر المساعدة على وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية والعودة إلى المفاوضات. لكنه رأى أن «لا أحد يمكن أن يقرر عن الشعب السوري»، رافضا بذلك المطالب التي ترفعها المعارضة وعدد من الدول الداعمة لها والخاصة بضرورة خروج الأسد من المسرح السياسي مع المرحلة الانتقالية. ومرة أخرى، رأى الوزير الفرنسية أن تعاون باريس وطهران «يمكن أن يوفر المساعدة في سوريا»، منبها إلى وجود أطراف فاعلة كثيرة، ومشيرا إلى المملكة السعودية. وأفاد أيرولت بأنه «سيتحدث بنفس الصراحة» مع ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي سيزور فرنسا رسميا ابتداء من يوم الاثنين القادم.
أما على صعيد التعاون الثنائي، فقد شدد الطرفان على الرغبة بذلك وعلى الحاجة لتنفيذ أمين لما نص عليه الاتفاق النووي الموقع قبل عام من قبل كافة الأطراف في إشارة إلى العراقيل التي تضعها الإدارة الأميركية.
وأمس حصلت مظاهرة قبالة موقع البانتيون في الدائرة الخامسة من باريس احتجاجا على وجود ظريف في العاصمة الفرنسية دعت إليها جمعيات دفاع عن حقوق الإنسان وللتنديدي بانتهاكات النظام وخصوصا بالإعدامات المتكاثرة التي تحصل في إيران واضطهاد الأقليات والحريات.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.