هروب نشطاء من {القسام} إلى إسرائيل يدق ناقوس الخطر

تحقيقات داخلية وإجراءات صارمة وتحديد أنفاق ممنوع الاقتراب منها حتى لمن يحفرونها

جنود اسرائيليون خلال مواجهات مع فلسطينيين في الضفة الغربية ({غيتي})
جنود اسرائيليون خلال مواجهات مع فلسطينيين في الضفة الغربية ({غيتي})
TT

هروب نشطاء من {القسام} إلى إسرائيل يدق ناقوس الخطر

جنود اسرائيليون خلال مواجهات مع فلسطينيين في الضفة الغربية ({غيتي})
جنود اسرائيليون خلال مواجهات مع فلسطينيين في الضفة الغربية ({غيتي})

يثير ملف هروب نشطاء من كتائب القسام، الجناح المسلح لحماس، إلى إسرائيل، قلقا كبيرا داخل أروقة قيادة الكتائب، التي طالما اعتبرت حديدية ومغلقة على نفسها، كما ويهدد سلاح الحركة الاستراتيجي: «الأنفاق»، التي استهدف بعضها بعد قليل فقط من هروب هذه العناصر.
وفي غضون أشهر قليلة فقط، نجح ثلاثة نشطاء من كتائب القسام، في الفرار من قطاع غزة باتجاه الحدود الأمنية المحيطة بالقطاع، وتسليم أنفسهم إلى القوات الإسرائيلية، في مشهد صادم لمحبي حماس، وفي ظروف بقيت غامضة وغير مفهومة، في ظل القدرات الأمنية الكبيرة التي تظهرها أجهزة أمن حماس.
وبينما تلتزم الحركة وجناحها العسكري الصمت تجاه ما دار، وترفض التعقيب عليه، إلا أنها لم تتوقف عن التحقيق - كما تقول مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط»، في كل قضية من القضايا الثلاث الخاصة بالنشطاء الهاربين، خاصة أنه لا يوجد رابط بين الفارين، وكل منهم جاء من منطقة مختلفة ويعمل تحت قيادة ميدانية مختلفة.
بدأت قضية الهروب مع الأيام العشر الأولى من أبريل (نيسان) الماضي، إذ سجلت أولى حالات الهروب، للقيادي الميداني (س.ع)، البالغ من العمر 29 عاما، باتجاه الحدود الشرقية لمدينة جباليا شمال قطاع غزة، الأمر الذي فسرته كتائب القسام في تعميم داخلي لعناصرها، بأنها عملية اعتقال تمت للقيادي الذي كان قد تعرض سابقا، للفصل من الكتائب على قضية جنائية، قبل أن يتم إعادته مرة ثانية ليقود مجموعة خاصة بحفر الأنفاق في المناطق الشرقية من جباليا. وبحسب بيان تعميم القسام الداخلي آنذاك فإن (س.ع) حاول الهجرة من غزة واعتقل في عرض البحر، لكن بيانا لجهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، قال إنه اعتقل لدى محاولته التسلل إلى الحدود بهدف تنفيذ عملية طعن. ما أثار جدلا واسعا حول الرواية الحمساوية ومن ثم الإسرائيلية، خاصة أن المعتقل قيادي ميداني، ولا يمكن أن يفكر بتنفيذ مثل هذا العمل وهو يمتلك الأسلحة ولديه معدات عسكرية متطورة.
وتقول مصادر «الشرق الأوسط»، إن الجهاز الأمني للقسام، توصل إلى أن (س.ع) سلم نفسه إلى الجيش الإسرائيلي لظروف لم تعرف بعد، مشيرة إلى أنه لم يكن هناك أي شبهات أمنية سابقة حوله، وهذا ما يثير حيرة أكبر.
ووفقا لبيان الشاباك الإسرائيلي، فإن (س.ع) شارك في أنشطة واسعة لكتائب القسام، وكان يقف خلف عمليات زرع عبوات ضد الجيش الإسرائيلي، وعمل في مجال الأنفاق خلال السنوات الأخيرة، التي قدم بشأنها خلال التحقيق معه، معلومات كاملة عن طريقة حفر الأنفاق والوسائل المستخدمة، وعن الأنفاق الموجودة في المنطقة الشمالية من قطاع غزة، ومناطق الحفر المحددة، وأسماء العاملين في مجال الحفر، ضمن الكتيبة الشمالية الشرقية للقسام وقياداتها، ومعلومات عن أماكن تخزين الأسلحة وغيرها.
وأشار (ش.ع) خلال التحقيق معه إلى وجود شبكة أنفاق واسعة لتهريب المقاتلين والأسلحة، وتشمل مراحيض وحمامات جاهزة للاستحمام، ومطابخ صغيرة لتناول الطعام، وكل ما يلزم من احتياجات المقاتلين في الأنفاق.
وتعتقد مصادر من غزة، أن جهاز الشاباك تعمد إصدار بيان حول (س.ع) لظروف أمنية تخص بعض المعلومات التي قد تستطيع الحصول عليها من خلاله فيما بعد، في حال اتصل بجهات داخل غزة. وبعد أسبوع ونصف من الواقعة، تكررت حادثة مماثلة في بلدة بيت لاهيا المجاورة، بعد فرار (أ.ف) البالغ من العمر 19 عاما، إلى الحدود الشمالية من البلدة. وأشارت التحقيقات الأمنية للقسام، إلى أن الشاب قد يكون تعرض للخطف من قبل قوة إسرائيلية خاصة، إلا أنها لم تتثبت من ذلك، وبقيت قضية اختفائه مماثلة لتلك التي حدثت مع (ش.ع)، لتصبح الحالة الثانية التي تثير الجدل داخل أروقة مؤسسات أمن حماس وجناحها العسكري.
وبناء على المعلومات المتوفرة لدى «الشرق الأوسط»، فإن (أ.ف) يعمل في حفر الأنفاق، ولكنه ليس مسؤولا باستطاعته تقديم أي معلومات مهمة لجهاز الشاباك الإسرائيلي، الذي يتولى المسؤولية عن أي تحقيقات بشأن نشطاء التنظيمات الفلسطينية.
أما آخر فصول هذه الأحداث، فهو فرار القيادي الميداني (ب.م.ب) البالغ من العمر 36 عاما، ويقطن في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وقد تمكن منذ نحو ثلاثة أسابيع، من الهرب باتجاه الحدود وتسليم نفسه إلى قوات الجيش الإسرائيلي.
ويُعد (ب.م.ب) من القيادات السابقة في كتائب القسام حتى عام 2013. قبل أن يتم إعادته إلى العمل في صفوف القيادات الميدانية للكتائب، قبيل اندلاع المواجهة العسكرية في صيف 2014. ليصبح بعد انتهاء الحرب مسؤولا في وحدة النخبة الخاصة بالقسام في إحدى مناطق دير البلح.
وقال المصادر، إن شكوكا ثارت لدى جهاز أمن كتائب القسام بتورط (ب.م.ب) في علاقة مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، إلا أنه لم يثبت لديها أي شيء أثناء التحقيقات التي قد تكون عجلت بفراره. وقد فر (ب.م.ب) وبحوزته جهاز كومبيوتر محمول، حفظت عليه معلومات خاصة بوحدة النخبة وبعض المعلومات المتعلقة بالأنفاق. وعممت القسام على عناصرها، عدم تداول القضية، والإعلان للرأي العام أن (ب.م.ب) قد ترك الكتائب، ولم يعد لها منذ أن تركها في منتصف عام 2013.
تكرار هذه الحوادث في فترة زمنية قصيرة، هز صورة القسام إلى حد ما، وأشعل إنذارا ساخنا داخلها، حول ما إذا كان يوجد عناصر أخرى متورطة مع إسرائيل، وما علاقة كل ما جرى بعمليات انهيار مفاجئة لبعض الأنفاق وما هو مصير الأنفاق المتبقية؟
واتخذت حماس مزيدا من الإجراءات الأمنية على الحدود، في أعقاب عمليات الفرار، لرصد أي محاولات أخرى ومنع تكرار ذلك. وجرى وضع قوات أخرى من القسام إلى جانب وحدات الضبط الميداني التابعة للكتائب، لمنع عمليات التسلل.
وبحسب مصادر مطلعة، فثمة قرار أمني من قيادة كتائب القسام، بمنع أي شخصية كانت، حتى من قيادات الكتائب، بالاقتراب من الحدود، إلا بتنسيق عبر جهات معينة جرى تحديدها داخل الكتائب، بهدف متابعة أي أعمال عسكرية معينة كرصد قوات إسرائيلية أو غيرها.
ويظهر من الإجراءات الأمنية على الحدود، وحتى داخل قطاع غزة، أن الكتائب لم تتوصل إلى أي نتائج في تحقيقاتها الداخلية، بشأن الدوافع التي تقف خلف عملية فرار عناصرها الثلاثة، وإمكانية تورطهم في انهيار الأنفاق مسبقا أو تورط عناصر أخرى بذلك. لكن ثمة مراجعة ذاتية لعملية تجنيد مئات العناصر الجدد بعد حرب غزة الأخيرة، من أجل المساعدة في حفر الأنفاق وترميمها بأسرع وقت ممكن، لمواجهة اندلاع مواجهة جديدة محتملة. وتخشى مصادر من حماس أن يكون هذا الفعل عملا سلبيا على واقع الأمن.
واتخذ القسام إجراءات أخرى، من بينها منع الاقتراب من أنفاق خاصة بوحدات النخبة، التي بقيت تحت تصرف أفراد ونشطاء الوحدة فقط، من دون مشاركة أي جهات أخرى فيها، كعناصر وحدة الأنفاق الذين يعملون في الحفريات.
وتخشى حماس من أن تفقد سلاحها الاستراتيجي في ظل العمليات الإسرائيلية المكثفة على الحدود، للكشف عن أي أنفاق، خصوصا بعدما أعلنت إسرائيل نجاحها في اكتشاف نفقين الشهر الماضي، بعد دخولهما حدود البلدات الإسرائيلية المحاذية للقطاع.
وكانت وسائل إعلام عبرية، قد سألت الجنرال يؤاف مردخاي، عن أي علاقة إسرائيلية بانهيار تلك الأنفاق، فقال: «الله وحده أعلم». رافضا الإدلاء بمزيد من التصريحات حول ما جرى في تلك الأشهر من انهيارات متتابعة، ما أثار كثيرا من التساؤلات عما يدور، بقيت بلا إجابة واضحة.
وتتحدث إسرائيل منذ أيام، عن نيتها بناء جدار أمني كبير تحت سطح الأرض وفوقها، بهدف محاربة الأنفاق، واعتبرت ذلك «خط دفاع» سيمثل «حلا جذريا» لقضية الأنفاق، التي تعتبرها حماس سلاحها الاستراتيجي الذي لن تتخلى عنه.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.