تماسك المملكة المتحدة مهدد بطلاق بريطاني ـ أوروبي

مخاوف من اشتعال نزعة الاستقلال في اسكوتلندا والتوترات الحدودية مع آيرلندا الشمالية

رئيس الوزراء الاسكوتلندي الأسبق أليكس سالموند (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الاسكوتلندي الأسبق أليكس سالموند (أ.ف.ب)
TT

تماسك المملكة المتحدة مهدد بطلاق بريطاني ـ أوروبي

رئيس الوزراء الاسكوتلندي الأسبق أليكس سالموند (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الاسكوتلندي الأسبق أليكس سالموند (أ.ف.ب)

مع عدم وجود ما يميز النقطة الحدودية التي تنتهي عندها إحدى الدول لتبدأ حدود الدولة الأخرى، يصعب الفصل بين المملكة المتحدة وآيرلندا في قرية أوغناكلوي عند الواجهة الحدودية التي كانت خاضعة في السابق لسيطرة نقاط التفتيش العسكرية.
في مخبز «دياموند» ومقهى «تيروم» في قرية أوغناكلوي، يمكن للزبائن الدفع باستخدام الجنيه الإسترليني أو اليورو المستخدم في آيرلندا، وغالبا ما يسأل الزوار الموظفين في المقاهي عن الدولة التي يتواجدون فيها.
وقال غلين روبنسون، الذي يمتلك متجرا قريبا للحواسيب، بأنه خرج في رحلتين إلى داخل آيرلندا في ذلك اليوم، وأن أحد موظفيه يسافر للعمل من هناك: «إننا لا نعتبرها مثل الحدود الدولية».
ومع ذلك، فإن هذه الحدود قد تثير اهتمام العالم إذا صوت الشعب البريطاني الأسبوع المقبل على مغادرة الاتحاد الأوروبي، والانسحاب من كتلة الـ28 دولة أوروبية والتي تبقى جارتها آيرلندا من الأعضاء البارزين فيها.
فقد تعود المراكز الجمركية للظهور على الحدود مرة أخرى، كما يمكن أن تظهر أشكال من ضوابط وقيود الهجرة للحيلولة دون استخدام آيرلندا الشمالية من قبل المهاجرين كبوابة خلفية للوصول إلى بقية أنحاء بريطانيا. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الناخبين في اسكوتلندا وآيرلندا الشمالية سوف يفضلون البقاء ضمن عضوية الاتحاد الأوروبي، في حين أن جيرانهم من الإنجليز يبدو أنهم يميلون نحو المغادرة. كما تبدو وجهات النظر في ويلز متسقة مع تلك السائدة في إنجلترا. ومع ذلك، فقد يجد الاسكوتلنديون والآيرلنديون الشماليون أنفسهم خارج الاتحاد الأوروبي رغما عنهم، إذا ما رجحت كفة أصوات الإنجليز وتجاوزت عدد أصواتهم القليلة.
ومن شأن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، على الأرجح، أن يثير من جديد الضغوط في اسكوتلندا نحو الاستقلال عن بريطانيا، وهي الفكرة التي رُفضت في الاستفتاء الذي جرى عام 2014 ولكنها لم تتلاشَ من الأذهان بعد.
كما أن التصويت للخروج من الكتلة الأوروبية من شأنه كذلك أن يضع آيرلندا الشمالية على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وسوف يشكل تحديات في مواجهة التكامل الرسمي وغير الرسمي للشمال والجنوب والذي تسارعت وتيرته في أعقاب اتفاق السلام لعام 1998 والذي نزع فتيل النزاع الطائفي طويل الأمد بين الطائفة البروتستانتية الموالية لبريطانيا، والطائفة الكاثوليكية الموالية لآيرلندا في الشمال.
وبالتالي، يمكن أن يؤدي الأمر إلى عكس العملية التي تلاشت بسببها الحواجز الجمركية والمراقبات الحدودية بين البلدين، كما تقول ماري ماكاليس الرئيسة السابقة لآيرلندا. وفي حين أنه من غير المرجح أن تقرر آيرلندا الشمالية عقد ترتيبات دستورية جديدة مع الحكومة البريطانية في لندن ومع الحكومة الآيرلندية في دبلن، إلا أن هناك شعورا سائدا بـ«رياح انكماش اقتصادي باردة وشديدة» في أعقاب الطلاق البريطاني من الاتحاد الأوروبي، وربما قد يكون هناك أيضا «عملية سياسية جديدة»، كما أضافت.
حتى التصويت على البقاء ضمن الكتلة الأوروبية سوف يكون له تداعياته الدستورية إذا ما تأرجحت أصوات الناخبين في اسكوتلندا وآيرلندا الشمالية لصالح نتيجة وثيقة القرب من البقاء في الاتحاد، مما يؤدي إلى استعداء أنصار المغادرة في الشعب الإنجليزي.
ومثل هذه النتائج من شأنها أن تدفع الناخبين إلى إعادة النظر في الأواصر التي تربط إنجلترا واسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية بعضهم ببعض. بهذا الصدد، أوضح أندرو بليك، المحاضر في السياسات والتاريخ المعاصر في كينغز كوليدج بلندن أن «المملكة المتحدة تعاني من عدم الاستقرار بصورة من الصور بسبب مزيج من المجموعات الوطنية المختلفة، وكذلك عدم التوازن بين حجم إنجلترا وبقية أجزاء المملكة».
وفي آيرلندا الشمالية، التي لا تزال جزءا من المملكة المتحدة بعد أن نالت آيرلندا استقلالها منذ ما يقرب من قرن من الزمان، فإن احتمالات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي قد أثارت جدلا حادا. وتوقع اثنان من رؤساء الوزراء البريطانيين السابقين، جون ميجور من حزب المحافظين، وتوني بلير من حزب العمال، أن الانسحاب من أوروبا قد يعني عودة للحواجز الحدودية بين الشمال والجنوب، وقد يقوض أيضا من عملية السلام التي ساعدت على تضميد جراح عقود من العنف في آيرلندا الشمالية. ومن الأمور المعرضة للخطر، بحسب قول جون ميجور هو «التسوية الدستورية المعقدة ومتعددة المستويات التي تؤسس وتدعم للاستقرار الحالي في آيرلندا الشمالية».
ولقد رفضت تيريزا فيليرز، وزيرة الدولة لشؤون آيرلندا الشمالية وهي من أعضاء مجلس الوزراء البريطاني التي تؤيد انسحاب بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي، تأكيدات جون ميجور ووصفتها بأنها «غير مسؤولة للغاية»؛ على العكس من زعيم حزب المحافظين الذي تنتمي إليه، رئيس الوزراء الحالي ديفيد كاميرون، والذي يرغب في بقاء بريطانيا ضمن دول الاتحاد. وقالت فيليرز بأنها تعتقد أنه سيكون من الممكن «إبقاء الحدود البرية مفتوحة» مع آيرلندا الشمالية.
ومن المرجح أن تتم إعادة بعض أنماط الرقابة الجمركية، باعتبار أن بريطانيا وآيرلندا لن يكونا من الدول الأعضاء في نفس الكتلة الأوروبية الموحدة. وبالنظر إلى التركيز الموجه إلى الحد من الهجرة من جانب المؤيدين للخروج البريطاني من عضوية الاتحاد، فمن المنطقي وقتئذ إعادة العمل بضوابط الهجرة بالنسبة للأشخاص المسافرين إلى آيرلندا الشمالية.
إلى ذلك، أثار الجدل الدائر حاليا ذكريات الحياة في قرية أوغناكلوي خلال السنوات المعروفة بسنوات الاضطرابات، عندما أدى العنف الطائفي إلى تواجد عسكري بريطاني مكثف. نشأ ستيفن سالي، المهندس المعماري، في هذه المنطقة في الأيام التي شهدت تواجد القاعدة العسكرية البريطانية، عندما وقعت حوادث كثيرة لإطلاق النار هناك، وعندما كانت المروحيات العسكرية تحوم في أجواء المنطقة كل يوم، وتثير قدرا لا بأس به من الفوضى المحلية، عندما تسبب انبعاث السخام أسفل مداخن المنازل والبيوت.
في تلك الأيام، كان سالي نادرا ما يسافر إلى آيرلندا، ويساوره القلق من فرض القيود على حرية الحركة المشاهدة اليوم، حيث يقول: «لا أعتقد أن الأمر حينها سوف يكون على نفس السهولة التي نشاهدها اليوم، فسوف يكون هناك المزيد من القيود والضوابط».
أما في اسكوتلندا، فيرى أنصار الاستقلال أن القرار بمغادرة الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يثير قدرا من الضغوط السياسية في اتجاه استفتاء جديد حول انفصال اسكوتلندا عن بريطانيا. وتخضع اسكوتلندا في الوقت الراهن للهيمنة السياسية للحزب الوطني الاسكوتلندي، صاحب الأجندة السياسية المكرسة من أجل الاستقلال، على الرغم من أن زعيمة الحزب، نيكولا ستورجيون، لم تكن واضحة بشأن ما إذا كانت سوف تتحرك سريعا في اتجاه المطالبة بإجراء استفتاء جديد في حال انسحاب لندن من الاتحاد الأوروبي.
يقول هنري ماكليش، الوزير الأول السابق لاسكوتلندا من حزب العمال البريطاني: «إذا ما انسحبنا من الاتحاد الأوروبي، فإن الكثير من الاسكوتلنديين سوف يرغبون بالتالي في الانسحاب بدورهم من المملكة المتحدة». وقال ماكليش أنه يساوره القلق أيضا بشأن «صراع القوميات»، والذي أثير بدرجة من الدرجات من قبل حزب الاستقلال البريطاني المؤيد للانسحاب من عضوية الاتحاد في إنجلترا.
ومع ذلك، فإن معظم كبار السياسيين الاسكوتلنديين يرغبون في البقاء ضمن عضوية الاتحاد الأوروبي، ومن ثم يبدو الاستفتاء من القضايا التي يشوبها صمت غريب في اسكوتلندا، حيث إنها تذكر بالجدل على الاستقلال في عام 2014 الذي قسم الأصدقاء والعائلات الاسكوتلندية بين مؤيد ومعارض.
يقول حمزة يوسف، وهو وزير في الحكومة الاسكوتلندية ومن نجوم السياسة الصاعدين في الحزب الوطني الاسكوتلندي، أن توجهات الشعب الاسكوتلندي قد تغيرت بسبب الجدال الدائر في إنجلترا، مع التركيز على قضية الهجرة، و«الاقتتال» الداخلي بين سياسيي حزب المحافظين، وما وصفه بأنه «نوع من الحملات التي تتميز بالسلبية، والتنابز بالألقاب، والمثيرة للذعر».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».