تلقيت تعليقًا على مقال الأسبوع الماضي «حِكَم من العرب» يتهمني بالتحيّز الذكوري لكوني اقتطفت بعض الحكم والخطب لرجال دولة عرب متجاهلاً حِكم نسائهم وسلوكهن، فدافعت عن نفسي بأن أغلب التاريخ العربي صنعه الرجال والتذكير، وأنني مع ذلك كتبت مقالاً سابقًا تحت عنوان «من نساء العرب» تعرّضت فيه لدور بعض نساء العرب في صنع التاريخ. ورغم ذلك فإنني أجدني اليوم مطالبًا بالبحث والتمحيص عن حِكَم لنساء العرب وسيرتهن وهي كثيرة بطبيعة الحال، ولا بأس أن نرضيهن ببعض الحِكم النسائية التي أورد بعض المقتطفات الطريفة منها على النحو التالي:
أولاً: وقفت هند بنت المُهلب تنظر في المرآة وتندب حظها الذي أوقعها زوجة للحجّاج بن يوسف الثقفي وهي سليلة علية القوم، رماها قدرها في أحضان هذا الرجل الفظ وعنفه، فأنشدت بيتين من الشعر قالت فيهما:
وما هند إلا مهرة عربية
سليلة أفراس تحللها بغلُ
فإن ولدت فحلاً فلله درّها
وإن ولدت بغلاً فجاء به البغل
والبغل المقصود به هنا الحجّاج بن يوسف، بطبيعة الحال. ولما سمع الحجّاج بهذا الشعر أرسل إليها على الفور مندوبه يطلقها بكلمتين فقط هما «كنتِ فبنتِ» أي «كانت زوجته فطلقت». ففرحت فرحًا شديدًا ومنحت المُرسل مؤخّر الصداق فرحةً بهذا الخبر، وقالت له بحكمة بالغة: «كنّا فما فرحنا.. فبنّا فما حزنا»، أي أنها كانت زوجة ولم تفرح وبطلاقها لا تحزن. وسرعان ما سمع الخليفة عبد الملك بن مروان عن جمال هند وحسبها ونسبها، فأعجب بها وبعث من يطلب زواجها منه، فوافقت شريطة أن يقود الحجاج بنفسه موكبها إلى الشام لتزف للخليفة، فما كان من الحجّاج إلا أن وافق متضررًا بطبيعة الحال. ويُقال إنها وهي في الطريق أوقعت دينارًا ونادت على الحجّاج كي يلتقط درهمًا وقع منها، فبحث الحجّاج في الأرض فلم يجد إلا دينارًا، فأعطاه لها قائلاً: لم أجد إلا دينارًا. فأخذته من يده، وقالت له: «الحمد لله الذي أبدلنا دينارًا بدرهم» - والدرهم من الفضة، والدينار من الذهب - والمعنى مفهوم بطبيعة الحال، فالدرهم هو الحجّاج والدينار هو الخليفة.
ثانيًا: يورد الطَّبري في تاريخه أن كرامة ابنة عبد المسيح بن عمرو، سيد أهل الحيرة، وقفت تندب حظها عندما أصرّ «سيف الله» خالد بن الوليد على أن يتضمن صلح الحيرة شرطًا يقضي بزواجها من أحد الأعراب الأميين، ويدعى شويل، إذ كان هذا الأعرابي قدم إلى خالد بشاهد أقرّ بأن الرسول عليه الصلاة والسلام في أحد المجالس تنبأ بفتح الحيرة، وعندما حكى شويل عن جمال كرامة التي سمع عنها الجميع منذ زمن، قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «هي لك إذا فتحت عنوة» (أي الحيرة). وسرّ الأعرابي بهذا الأمر، ودخل على عروسه بعدما تحقّق حلمه، ففوجئ المسكين بأنها امرأة بلغت من العمر ثمانين سنة، والتجاعيد تملأ وجهها وجسدها، فصدم الرجل صدمة شديدة، فهو لم يحسب معيار الزمن. وعندها باغتته بقولها: «ما أربك إلى عجوز كما ترني.. فادني (أي أدفع لك فدية وتطلقني)»، فوقف شويل في ذهول، وقال لها والفخر يتملكه: «لست لأم شويل إن نقصتك عن ألف درهم»، أي أنه لن يطلقها بمبلغ أقل من ألف درهم. فرسمت كرامة - بخبث - الصدمة من حجم المطلب! ودفعت المبلغ، وأخلى الرجل سبيلها، وعاد شويل سعيدًا إلى معسكر خالد يقص عليهم نصره العظيم. وهنا انهالوا ضحكًا وشرحوا له أنه كان بإمكانه أن يحصل على أضعاف مضاعفة لهذا المبلغ، لأنه كان سيطلق ابنة كبير أكابر الحيرة متهمين إياه بالجهل والسذاجة، فبهت الرجل وقال: «ما كنت أرى أن عددًا يزيد على الألف». أي أن المسكين لم يكن يعرف رقمًا أعلى من الألف، ولم يتخيّل أنه يمكن أن يكون دينارًا، فضحك خالد بن الوليد وقال له: «أردتَ أمرًا وأراد الله غيره»، وهكذا غلب كيد النساء جهل السذّج.
ثالثًا: لم ترَ مصر منذ عهد الملكة حتشبسوت شخصية أقوى من شخصية شجر الدّر (أو شجرة الدر)، تلك المرأة الحديدية التي حكمت مصر لثمانين يومًا في أحلك الظروف السياسية والعسكرية لها في 1249م. يومها كانت البلاد تتعرّض لغزو الملك لويس التاسع الذي أنزل جيوشه في ثغر دمياط بمصر، وأعد للهجوم على القاهرة. ولقد مات زوجها الملك الصالح وترك البلاد في حالة من الفوضى، ولكن سرعان ما تولت شجر الدّر مقاليد الحكم الفعلي، واتفقت مع قائد الجيش على كتمان خبر وفاة الملك، واستدعت ابن الملك توران شاه ليقود البلاد، واستطاعت أن تنظم الجيش وتهزم الملك لويس التاسع وتأسره، ثم تدبر مقتل توران شاه لفساده. ولكن عندما راقت لها أحوال البلاد وحكمتها رسميًا، ثار الشعب ضدها لرفضه أن تتولى مقاليد الحكم امرأة، فتزوّجت بكبير المماليك عز الدين أيبك الذي استطاع أن يثب إلى سدّة الحكم بفضلها. غير أن أيبك لم يهنأ بحكم البلاد بوجود شجر الدّر لقوة شخصيتها وسيطرتها على مقاليد الحكم، فهجرها وانتقل إلى مكان آخر عسى أن يسيطر على البلاد، وبدأ يرتّب لزواج سياسي له من إحدى أميرات الشام. عندها غارت شجر الدّر على زوجها وحكمها وخافت من نفوذ الزوجة الجديدة، فاستدرجته بأنوثتها الناعمة إلى مسكنها مرة أخرى وأمرت غلمانها بقتله وهو في الحمام، فثار عليها المماليك، ووجدوا أن أفضل عقاب لها هو تسليمها إلى ضرّتها أم عليّ، الزوجة الأولى للملك المقتول، وما أصعب هذا العقاب! وبالفعل، لقيت شجر الدر ميتة غير معهودة في التاريخ، إذ أمرت أم علي جواريها بضربها بالقباقيب في الحمام حتى فاضت روحها، ومن ثم، رُمِيت جثتها من القلعة، ونصّبت ابنها عليًّا ملكًا على مصر وقد جرى خلعه بطبيعة الحال لاحقًا. ويقال إن أم علي أمرت بابتكار حلوى على اسمها بهذه المناسبة وتوزيعها على العامة احتفالاً بمقتل شجر الدّر. ويقال أيضًا، والعهدة على الراوي، أن أجزاءً قد اقتطعت من جسد شجر الدّر ووُضِعت في هذه الحلوى انتقامًا منها!
9:11 دقيقه
من التاريخ من نوادر نساء العرب
https://aawsat.com/home/article/667686/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%85%D9%86-%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AF%D8%B1-%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8
من التاريخ من نوادر نساء العرب
من التاريخ من نوادر نساء العرب
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

