محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا

الشاعر والناقد السعودي يرى أن حياتنا العربية أساءت لتطور الشعر

محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا
TT

محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا

محمد الحرز: من أجل كتابة حرة لا بد من تفكيك السلطات المختبئة في ثقافتنا

عرف الناقد والشاعر السعودي محمد الحرز، باشتغالاته النقدية على قراءة المشهد الثقافي السعودي، ورصد التحولات التي يمرّ بها، كما يعرف بأنه واحد من شعراء التجربة الحداثية التي أثراها من خلال أربع مجموعات شعرية قدمها، وهي: «رجل يشبهني»، دار الكنوز الأدبية، 1999. و«أخف من الريش أعمق من الألم»، دار الكنوز الأدبية، 2003. و«أسمال لا تتذكر دم الفريسة»، الصادرة ضمن إصدارات «بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009»، وأخيرا «سياج أقصر من الرغبات»، عن دار طوى 2013.
وصدر له أيضا في النقد والدراسات الفكرية: «شعرية الكتابة والجسد»، عن مؤسسة الانتشار العربي، 2005، و«القصيدة وتحولات مفهوم الكتابة»، عن نادي أدبي الجوف. و«يصرون على البحر» انطولوجيا الشعر السعودي، من إصدارات وزارة الثقافة الجزائرية، بالاشتراك مع الناقد عبد الله السفر، و«الحجر والظلال» عن دار طوى 2013، و«ضد الطمأنينة» عن دار مدارك 2013.
التقينا بالشاعر والناقد السعودي محمد الحرز، في الأحساء حيث يقيم، وأجرينا معه الحوار التالي:

* بالإضافة للنقد لديك تجربة شعرية حداثية ناضجة سجلت إضافة مهمة لقصيدة النثر. كيف تقرأ الواقع من زاوية أن تكون شاعرا؟
- ثمة حلم أشبه ما يكون بالطوباوي، يطارد الشعراء أينما حلوا، وإلى أي مكان ارتحلوا هو: الإقامة الشاعرية على الأرض.
هذا الحلم يتحول في أحيان كثيرة عند بعض الشعراء إلى نوع من التراجيديا، تجاربهم توحي بذلك، فتدفق النظرة الشاعرية عند الشاعر إلى الأشياء من حوله، وإلى علاقاته الاجتماعية، وسريان هذا التدفق في نسق تصوراته للحياة والكون والعالم، يجعل من ذاته أسيرة المثالية المفرطة، وبالتالي أسيرة الهشاشة والانكسار إزاء تناقضات الحياة. هكذا تعّلِمُنا تلك التجارب: أن كل شاعر حاول أن يعيش وفق نظرته الشاعرية، ويتطابق معها حد التلاشي، فإن المأساة تنتظره في أحد منعطفات حياته. لذلك بالنسبة لي خلق عالم بديل من الكلمات والأشياء، يوازي الواقع المعاش، هو ما يحافظ على التوازن النفسي والروحي والوجودي، حيث تصبح الحياة من خلال هذا التوازن ممكنة التعايش والانسجام مع الذات من جهة، ومع الآخرين من جهة ثانية. ربما كانت القصائد التي نكتبها لا تعبر عن هذا التوازن فقط، وإنما تقول شيئا يتجاوز ذلك بكثير، تقول: ثمة أمل ورغبة في أن تعيش الإنسانية يوما ما وفق قوانين الشاعرية على هذه الأرض، ووفق تاريخ الشعر المرتبط بذاكرتها.
* كيف توفق بين كونك ناقدا تحمل المبضع وتمزق أشلاء النصوص، مع رقة الشاعر الذي يتحاشى المعارك النقدية؟
- لا يوجد ثمة تناقض، فالنقد لا يلغي الشعر في ذات الشاعر، ولا الشعر يلغي النقد في ذات الناقد، فمن الأفكار الشائعة التي تدخل الاتجاهين في تناقض تام، هي مجموعة من المسلمات التي ورثناها من خطابنا النقدي العربي، جميعها كانت ترتكز على مؤثرات المنطق الأرسطي في اللغة والنحو والبلاغة وعلم الكلام والنثر والشعر. وهي مؤثرات تستند على فكرة الفصل المعياري بين صنوف المعرفة، فالشعر هو الشعر والنثر هو النثر، لا يلتقيان. بينما المفارقة التي تبرز في تاريخ الثقافة العربية، هو وجود علماء، على سبيل المثال، برعوا في العلوم الدينية بجانب الأدب شعرا ونقدا، دون أن يشعروا بمثل هذا التناقض. ناهيك أن الثقافة المعاصرة، لا تعترف بالحدود فيما تنتجه من أنواع المعرفة، فتاريخ سير المبدعين والمفكرين في العصر الحديث يشير إلى وجود منجز ثري ومتنوع عند هؤلاء، يتراوح بين الشعر والرواية وبين الفكر والفلسفة أو المسرح والموسيقى. من جهتي لم أشعر يوما ما بالفصل التام بين ما أكتبه شعرا، أو ما أكتبه نقدا، بل أرى أنهما يتقاطعان عندي من العمق، وكل جانب منه يرفد الآخر، ويثريه في الرؤية والأسلوب والتقنية.
* مجموعاتك الشعرية الأربع: «رجل يشبهني»، و«أخف من الريشة أعمق من الألم»، و«أسمال لا تتذكر دم الفريسة» و«سياج أقصر من الرغبات» تحمل تجارب متنوعة.. كيف تعبر هذه المجموعات عن تأثير الزمن في محطاتك الشعرية؟
- الزمن مكون أساس من مكونات أي تجربة إبداعية أو فكرية، والإحساس به وتلمس مكامن قوة تأثيره، يتطلب حساسية مفرطة في التقصي والبحث. لم أع هذه الحقيقة إلا لاحقا، عندما اكتشفت أن ثمة علاقة طردية بين الكلمات والجسد، فدماء الكلمات لا تتجدد إلا إذا شاخ الجسد بكل مخزونه الفكري والروحي والتخيلي. الزمن يلعب لعبته هنا، لا توجد تجربة إبداعية تضيء نفسها من الداخل إلا بعد أن يكون الجسد استسلم تماما لمشرط الزمن وتأثيراته التي تصل إلى عمق الروح. لكن هذا التلازم الشرطي في العلاقة بين تجدد الكلمات وضخها بمعان ودلالات، وبين تهدل الجسد بفعل الزمن، لا يدركه سوى المبدع الذي عمل على إيجاد صلة قوية بين حياته داخل القصيدة، وحياته داخل الجسد. لذلك هذا الاكتشاف، لا يعني بالضرورة أنني عملت على إيجاد مثل هذه الصلة. في مجموعاتي الأربع حاولت كثيرا تلمس منابع هذه العلاقة، لا أدعي النجاح. لكني على الأقل عرفت أين هي جهة البوصلة؟

الوجع.. والخوف
* ثيمة «الوجع- الألم» نابضة في قصائدك.. وتبرز أكثر في مجموعته «أخف من الريش أعمق من الألم»، حيث تقول: «كلما أردت تحريك قلبك إلى الجهة المقابلة: تريث... هناك جهة أخرى، تستحق الوجع، بالطبع هناك أوجاع تنتظر المرور».. لكأن المعاناة والحزن «مصيرٌ لجوجُ»؟
- مفردة الألم تشكل لحظة تحول عندي في الكتابة الإبداعية، وهي المفصل الحقيقي بين مرحلتين، ليست بالمفهوم الزمني التراتبي، وإنما بالمفهوم التجاوري. قبلها كانت دلالاتها لا تتجاوز مجرد الصراخ والعويل والاحتجاج، وهذا ما تشي به كلمات كالوجع والذكريات والوحدة، وهي مبثوثة في النصوص. بعدها تخلصت هذه المفردة من كل ما علق بها من هذه الدلالات والمعاني السابقة، وذهبت إلى صفاء المعنى وعمقه وكثافته كما أزعم، وذلك في مجموعتي الأخيرة «سياج أقصر من الرغبات»، وبعض النصوص من هنا وهناك.
* ممَ يخاف المثقف؟، أنت تقول في مجموعتك: «هو الخوف إذن يطال القاع من تفكيري، ولا يترك قشة من الاطمئنان إلا ويكنسها برياحه العاتية»..
- الشعور بالخوف الذي تظهر تفاصيله في قصائدي، هو غيره الخوف الذي أستشعر أبعاده حين أمارس دور المثقف في تفكيري. الأول يتكئ على انكسارات الذات في الحياة، وعلى الضعف والهشاشة الإنسانية أمام الطبيعة والكون والآخر. تأمل هذا الانكسار يخلق في حد ذاته هذا الشعور ويكثفه. وخطورة هذا التأمل أنه يؤدي في بعض الأحيان عند بعض الشعراء إلى مزيد من الهشاشة والضعف، وبالتالي إلى التشاؤم والانتحار، بينما عند البعض مجرد التأمل يقوي صموده أمام الحياة، ويغذيه أمام عواصفها، ويعطيه نوعا من الطمأنينة والسكون. أما الخوف الآخر فالمثقف يرتبط به باعتباره خوفا يتصل بمظاهر المجتمع وقضايا في الشأن العام.

تطور الشعر

* تقول: «إن حياتَنا العربية السياسية والاجتماعية والثقافية أساءت كثيرا إلى تطور الشعر، وجعلت منه رهينا للوظيفة الآيديولوجية»، لكن الشعر في مداه التاريخي لم ينضج إلا في أروقة السلطة وبتأثير عطاياها.. أليس كذلك..؟
- هناك ثلاثة اتجاهات تتعلق بهذه المقولة، وبالنتيجة التي استخلصتها أنت في سؤالك،
- أولا هذه المقولة تتصل أساسا بفترة ما بعد عصر النهضة الأولى، عصر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، أي النهضة الثانية التي تحررت فيها الحياة العربية من مرحلة الاستعمار، وبدأت في بناء مرحلة الآيديولوجيات التي طالت جميع مناحي الحياة. الشعر كان أحد هذه المناحي، فقد تحول إلى خطاب يوظف في البناء ذاته.
ثانيا- نعم ما تقوله صحيح. لكن لا ينطبق على مرحلة النهضة الثانية، بل على فترة تألقه في العصر العباسي الأول تحديدا، وعلاوة على ذلك، هذا التألق لم يكن بلاط الملوك هم من صنعوه وحدهم، بل تشكل المدينة وتطور الحياة المدنية في بغداد وضواحيها هي غذت هذا التألق من العمق.
ثالثا- ربما أمكنني القول هنا: أن تاريخ الموروث الشعري في العالم لم يتحرر من توظيفه وإدماجه في مجالات أخرى من تاريخ المعرفة، بدءا بالسحر ومرورا بالدين ونهاية عند السياسي. بيد أن بدايات تحرره لم تحصل إلا في العصر الراهن من الكتابة الشعرية الحديثة.

المثقف والحداثة

* طرحت ذات مقالٍ سؤالا قلقا، هو: لماذا لم نكن حداثيين؟، من هم الذين كان يجب أن يكونوا حداثيين وفاتهم القطار..؟
- هذه الإشكالية تمس الحياة العربية على العموم، وللأسف تم تناول مصطلح الحداثة في أغلب الخطابات الفكرية العربية باعتباره آيديولوجيا تخص الغرب وحدهم. هذا الوهم فرضه على التفكير العربي خلط المفاهيم والأفكار التي تشكلت في فضاء التاريخ الأوروبي. فتاريخ المفهوم هو تاريخ تصورات الفكر عنه، وتحولاته اجتماعيا وثقافيا. فمفاهيم مثل الليبرالية والعلمانية لها مساراتها الخاصة والعامة في تاريخ المجتمعات الأوروبية، بينما كنا نتلقاها في الفكر ومن ثم في الممارسة باعتبارها مصطلحات ذات دلالة واحدة تنوب الواحدة منها عن الأخرى، وهذا ما جرى أيضا مع مصطلح الحداثة. لذا قلت لسنا حداثيين بهذا المفهوم، وإلا قطار الحداثة هو يسير ويقطع العالم شرقه وغربه، قبلنا ذلك أم لم نقبل به، والمصيبة أننا لا نتعلم مما سبق، فقد كررنا نفس الموقف لاحقا مع مصطلح العولمة، وبنفس التصور والتحليل. (بالطبع مع تفريقي التام هنا بين إشكالية المصطلح وإشكالية المفهوم).
* هل ترى أننا بما نكتنز من موروث، قادرون على شق طريقنا نحو الحداثة..؟
- بلا شك نحن قادرون على شق هذا الطريق، وقد بدأت تبرز مشاريع تعبد لمثل هذا الطريق، لا يسعنا هنا الحديث عنها بالتفصيل. لكنها جميعا تركز على تأسيس فلسفة وفكر يرتبط بتاريخ الفكر الإسلامي بدأ من النص القرآني وما يتلوه من نصوص تمثل المتن من هذا التاريخ.
* هل يمكن الفصل بين الحداثة الأدبية، شعرا ورواية، والحداثة الفكرية؟
- لا يمكن فصل هذا عن ذاك. الحقيقة التي أخفقنا في استيعابها عند الغرب، أو لأقل حاولنا أن لا نبصر الجانب الآخر منها، لأسباب تبدو لي أنها بحاجة إلى علم النفس الاجتماعي، والدراسات التاريخية المقارنة. هي أن تطور التاريخ الأدبي الأوروبي كان الفكر والفلسفة ركيزته الأساسية. خذ على سبيل المثال تطور مفهوم الزمن في السرد، حيث كانت الاشتغالات النظرية عند الفيلسوف برغسون حول هذا المفهوم واضحة وجليلة في أعمال الروائي وليم فوكنر. وهناك شواهد كثيرة جميعها تدلل على هذا الترابط بين الفن والإبداع والفكر في تاريخ الثقافة الأوروبية.
* أنت تقول: إننا «لم نكن حداثيين لأن وعينا بالحداثة الغربية ليس وعيا تأريخانيا».. ماذا تعني؟
- أعني بالدرجة الأولى أننا لم نقرأ التاريخ الأوروبي في سياق تقاطعاته الداخلية، وتحولات مجتمعاته سواء على مستوى الفكر أو الاجتماع والسياسة والاقتصاد والدين. وبالتالي لم نستوعبه تماما. ومن مظاهر اللاعقلانية في فهم هذا الغرب أننا ذهبنا في تصديق ما يقوله عن نفسه حد اليقين. وبالقدر الذي حجب هو عنا نفسه، كنا نرتكب خطيئة أخرى حين صدقنا أيضا ما يقوله هو عنا بطريقة أو بأخرى. إنها تصورات عنا وعن الآخر تتكئ على أخطاء مزدوجة. تفكيك هذه التصورات في ظني هي من مهمات هذا الجيل المقبل على الفكر والفلسفة بوعي وحب.
* إلى أي درجة تمثل «الحداثة» أهمية للشعر..؟ يقول الدكتور سعد البازعي: «يخشى الحرز على الشعر من سوء الفهم، الذي يتهدده في مشهدنا الأدبي، يخشى على روح الحداثة فيه أن تذوي لدى الشعراء أنفسهم»..؟
- الحداثة في الشعر هي بمثابة جريان ماء الحياة الذي لا يتوقف على الإطلاق. هي إعادة وصل الشعر بالحياة من جهة، والتخفف من كل الأعباء التي تثقل كاهل الشعر، وتبطئ حركته وجريانه، وليس السياسي والديني والطائفي والخطابات النفعية الأخرى سوى قيود تحد من حركته وانطلاقته. هذا ما أفهمه من أن يكون الشعر حداثيا بالدرجة الأولى. وكل هذا الفهم مشروط بمدى قابلية أذهاننا لزحزحة مفاهيم قديمة عن الشعر، وإبدالها بمفاهيم معاصرة له.
* أصدرت كتاب (القصيدة وتحولات مفهوم الكتابة).. كيف ترى إلى علاقة الكتابة بالمثقف، والمجتمع؟
- كنت ولا زلت، لي اهتماماتي التي تتعلق بالكتابة تنظيرا وممارسة، قناعاتي التي تتصل بها تذهب باتجاه الفكرة التي تقول: لا يمكن تأسيس ثقافة مغايرة على سمات وأساليب في الكتابة لا تمت إلى المعاصرة بصلة. وأول شروط التأسيس هو تفكيك السلطة الكامنة خلف التقاليد الكتابية التي نشأت في المجتمع، حيث على أثرها انبنت ثقافة، تخرجت منها أجيال وأجيال، منهم المثقف والعامل والتاجر ورجل الدين والسياسي. وإذا كان ربط مفهوم السلطة بالكتابة هي الحقول التي تشتغل عليها الدراسات الثقافية المعاصرة، فإن أهمية طرحها في الأوساط الثقافية السعودية، لا تنبع من كون هذه الدراسات تنتصر للثقافات المهمشة في أي مجتمع، بل لأنها أيضا تعري عمليا جميع السلطات المختبئة في ثقافتنا منذ قرون: سلطة المؤسسة والقبيلة والطائفة والمثقف والأدب الرسمي والثقافة الرسمية وسلطة الأدب، وهكذا يكون مفهومي للكتابة محوري واستراتيجي في تفكيك جميع هذه السلط.
* كيف أصبح المثقفون اليوم حراسا للمقابر، وأبواقا للنزعات العصبية، ومع ذلك يتبجحون بأنهم نخبة المجتمع..؟
- من الطبيعي أن يدجن المثقف في إطار من الاستغلال والاستثمار، وهذا امتداد للمرض الذي أشرنا إليه سابقا. لم يتمايز المثقف بخطابه، لا عن سلطة المؤسسة، ولا عن سلطة المجتمع، بل كان تابعا في فترة من الفترات لإحداهما، وفي فترات لكلتيهما. لذلك الفجوة التي تحدثنا عنها، تركت كي يتم استثمارها لأحد الطرفين دون أن يشارك المثقف في سد ولو جانبا بسيطا منها، رغم تلك المحاولات التي طالعتنا بها محاولات عصر النهضة الأولى.
* كيف تقرأ التناقض في تكويننا الثقافي.. فمن جهة نمتلك أقوى درجات التواصل مع العالم عبر وسائط التقنية، ومن جهة نشعر أننا مشدودون بقوة للماضي، مع خوف من التغيير..؟
- هذا التناقض كما تقول في تكويننا الثقافي، هو مرض لا يخص الثقافة والمجتمع السعودي، بل هو ينسحب على عموم المجتمع العربي. الوسائط الاجتماعية بتقنياتها المتعددة عرت الكثير من التناقضات في السلوك والفكر والعلاقات. أهمها على الإطلاق انبعاث الماضي بحلة لم نعهدها من قبل، بوجود القنوات الفضائية والإعلام النتي المعولم. هذا الانبعاث كان غائبا ثم ظهر فجأة. المقصود هو أن الفجوة الواسعة بين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، ساعدت كثيرا كي يقوم مثل هذا الإعلام بملء الفراغ الذي تركته هذه الفجوة، وهذا ظاهر للعيان في الكثير من المجالات: السياسة، والاقتصاد والدين والاجتماع.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».