محكمة كندية تأمر بمصادرة أموال إيرانية لتعويض ضحايا هجمات إرهابية

الخارجية الكندية: الحرس الثوري قد يخطط لصفقة تبادل بعد احتجازه أستاذة جامعية

الهجوم الإرهابي على مجمع سكني في الخبر في يونيو 1996 (رويترز)
الهجوم الإرهابي على مجمع سكني في الخبر في يونيو 1996 (رويترز)
TT

محكمة كندية تأمر بمصادرة أموال إيرانية لتعويض ضحايا هجمات إرهابية

الهجوم الإرهابي على مجمع سكني في الخبر في يونيو 1996 (رويترز)
الهجوم الإرهابي على مجمع سكني في الخبر في يونيو 1996 (رويترز)

أدانت محكمة كندية الحكومة الإيرانية بسبب دعمها الإرهاب، وأصدرت قرارا أول من أمس باستخدام أموال غير دبلوماسية تملكها الحكومة الإيرانية في كندا لتعويض ضحايا هجمات دبرتها طهران ونفذها ما يسمى «حزب الله» وحركة حماس، فيما ذكرت تقارير صحافية أن الحرس الثوري بعد احتجازه عالمة كندية قد يعد لصفقة تبادل من أجل إعادة رئيس البنك المركزي الأسبق محمود خاوري المتهم بالفساد.
وينص الحكم الصادر عن المحكمة العليا في أونتاريو على أن تحصل عائلات أميركيين قتلوا في ثمانية تفجيرات أو عمليات خطف رهائن وقعت بين العامين 1983 و2002 على تعويضات مالية يتم اقتطاعها من الأموال المنقولة وغير المنقولة التي تمتلكها الحكومة الإيرانية في كندا وسقط مئات القتلى في الهجمات موضوع الدعوى في بوينوس أيرس وإسرائيل ولبنان والسعودية.
ووفق ما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، أن قيمة هذه الأموال تصل إلى نحو 13 مليون دولار كندي.
في هذا الصدد، ذكرت صحيفة «نشنال بوست» أن المحكمة العليا في أونتاريو رفضت الأدلة التي تقدم بها فريق المحاماة الإيراني، وأضافت أن المحكمة التي أقيمت في يناير (كانون الثاني) الماضي اعتبرت إيران مسؤولة عن أعمال إرهابية قامت بها مجموعات مدعومة من طهران.
ورفعت عائلات الضحايا الأميركيين هذه الدعوى في كندا بموجب قانون جديد ضد الإرهاب أقر في مارس (آذار) 2012 ويسمح للضحايا وذويهم الحصول على تعويضات من أموال تمتلكها دول تعتبرها الحكومة الكندية راعية للإرهاب، كما هي حال إيران بالنسبة إلى كندا.
وكان القانون الجديد قد أمهل الحكومة الكندية ستة أشهر لإدراج الدول الراعية للإرهاب لملاحقتها قضائيا.
يشار إلى أن كندا قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران في سبتمبر (أيلول) 2012 بعد اتهامها بدعم الإرهاب، وكانت كندا اعتبرت إيران تهديدا للسلام والأمن العالميين.
وكما أدانت الخارجية الكندية حينها دعم إيران العسكري لنظام بشار الأسد، معتبرة طهران من أسوأ منتهكي حقوق الإنسان في العالم بسبب إيوائها المجاميع الإرهابية ودعمها المالي. وأدرجت حينها إيران رسميا على اللائحة السوداء للدول الداعمة للإرهاب.
ومنذ ذلك الحين لم تتمتع طهران بالحصانة بصفتها دولة مستقلة وفتح الباب أمام ضحايا السلطة الإيرانية رفع دعوى قضائية ضدها.
كما اتهمت خارجية كندا حينها النظام الإيراني باللامبالاة الواضحة لميثاق فيينا في ضمان أمن البعثات الدبلوماسية، وقالت إنها «سحبت طاقمها الدبلوماسي بعد التأكد من عدم قدرة طهران على حماية سفارتها بطهران»، وأضافت «إن الدبلوماسيين أشخاص غير عسكريين يقومون بمهام للحكومة الكندية وضمان أمنها من مسؤوليات الحكومة الكندية».
هذا، ولم يصدر تعليق رسمي من طهران في وقت تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن إجراء مشاورات بين طهران وأوتاوا قد تؤدي قريبا إلى إعادة العلاقات الإيرانية الكندية.
وفي 20 نيسان (نيسان) أيدت المحكمة الأميركية العليا حكما يلزم إيران بدفع 2.65 مليار دولار (من الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الأميركية) لضحايا عمليات إرهابية رعتها ومولتها طهران. وشمل الحكم ثلاثة أحداث هي تفجير منشأة بحرية أميركية قي بيروت 1983 وتفجير أبراج الخبر في السعودية عام 1996 وهجوم انتحاري في مطعم بالقدس عام 2001.
وحكمت المحكمة الأميركية العليا بأن يدفع البنك المركزي الإيراني تلك المبالغ تعويضا لأقارب 241 من ضحايا مشاة البحرية الأميركية ممن لقوا حتفهم في الهجمات الإرهابية، كما رفضت المحكمة أدلة فريق المحاماة الإيراني، مطالبة إيران ومطالبته بعدم دفع تلك التعويضات.
وكانت طهران رفضت قرار المحكمة العليا، على لسان المتحدث باسم الخارجية حسين جابر أنصاري، معتبرة الحكم «غير قانوني» و«سرقة أموال الشعب الإيراني» وفي منتصف مايو (أيار) الماضي ألزم قانون جديد من البرلمان الحكومة الإيرانية بتعويض الأموال المصادرة من أميركا واتخاذ إجراءات متقابلة للحصول على تعويض من الحكومة الأميركية. وبعد ذلك هدد الرئيس الإيراني حسن روحاني باللجوء إلى محكمة لاهاي الدولية ردا على إدانة إيران في المحكمة العليا.
من جانبه، وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، حسين جابر أنصاري، قرار المحكمة الكندية العليا بأنه «قرار سياسي»، معتبرا أن القرار «يعارض ادعاءات الحكومة الكندية الجديدة حول رغبتها في تطبيع العلاقات بين البلدين، وتعويض السياسات المتطرفة للحكومة الكندية السابقة»، حسبما أوردت عنه وكالة «إيلنا».
وقال أنصاري إن إيران «تعتبر القرار خطوة جديدة في مسار سياسة الحكومة الكندية المتطرفة السابقة التي أسقطت بأصوات الشعب». وعد أنصاري قرارات المحكمة الكندية تكرارا لقرارات المحاكم الأميركية، موضحا أنها «تعارض التزامات كندا الدولية بشأن الحصانة القضائية للحكومات وأموالها». وردا على ما تردد حول مشاورات بين البلدين لإعادة العلاقات، صرح أنصاري بأن «أي تطبيع للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين يستوجب إعادة النظر في سياسة الحكومة الكندية السابقة».
وأكد أنصاري رفض بلاده قرار المحكمة، قائلا إن «كندا ستكون مسؤولة دوليا تجاه عدم التزامها بتعهداتها الدولية»، مضيفا أن طهران «تحتفظ بحقها في اتخاذ الخطوات المناسبة لضمان حقوقها الشرعية وتعويض الخسائر المحتملة».
يذكر أن طهران أعربت عن تفاؤلها بتطبيع العلاقات مع كندا بوصول رئيس الحكومة الليبرالية في كندا جاستن ترودو في فبراير (شباط) 2015 خلفا لرئيس الوزراء المحافظ ستيفن هاربر الذي قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران في 2012.
في سياق منفصل، أبدت كندا مخاوفها من استمرار اعتقال عالمة الأنثربولوجيا الكندية من أصل إيراني هما هودفر.
وقال المساعد البرلمان لوزير الخارجية الكندي عمر الجبرا، أمس، في تصريحات صحافية، إن حكومته قلقة بشدة على هودفر، وأنها تقوم بالمستحيل لإطلاق سراحها فورا.
وأفادت صحيفة غلوب أند ميل نقلا عن مساعد وزير الخارجية توقعه بأن الحرس الثوري يتطلع لإبرام صفقة مع كندا. ووفق تقرير الصحيفة، فإن الحرس الثوري ربما يخطط إلى صفقة تبادل بين هودفر ورئيس البنك المركزي الإيراني الأسبق، محمود خاوري المقيم بكندا.
وبين موقف مساعد وزير الخارجية الكندي، أنها تعتبر هودفر المعتقلة لدى الحرس الثوري رهينة تحاول طهران إدراجها ضمن صفقة سياسية.
يأتي الإعلان عن اعتقال إيران المواطنة هما هودفر بعد أيام من انتقادات وجهها وزير العدل الإيراني مصطفى بور محمدي لاوتاوا بسبب رفضها المطالب الإيرانية بإعادة خاوري إلى طهران من أجل محاكمته بتهم اختلاس كبير، وتوقع المسؤول الكندي أن إيران تريد أن تجعل من قضية هودفر عامل ضغط ضد الحكومة الكندية.
وكانت عائلة هودفر كشفت لوسائل الإعلام قبل أيام عن اعتقالها على يد مخابرات الحرس الثوري ونقلها إلى سجن أوين بعد ثلاثة أشهر من استجوابها في مراكز المخابرات. وحمّلت عائلة هودفر السلطة القضائية في طهران مسؤولية سلامتها، وذكرت أنها تعاني مشاكل صحية ونفسية منذ تعرضها للاستجواب.
وسافرت أستاذة جامعة مونتريال إلى موطنها الأصلي في فبراير (شباط) الماضي لكتابة بحث حول مشاركة الإيرانيات في الانتخابات البرلمانية. وترفض السلطات التعليق على اعتقال والتهم الموجهة إلى هودفر.
وفي وقت كشفت الحكومة الكندية عن حملة دبلوماسية للضغط على طهران، طالبت منظمة العفو الدولية السلطات الإيرانية بالإفراج العاجل عن المواطنة الكندية، وذكر بيان للمنظمة أنها اعتقلت بسبب نشاطها السلمي، كما طالبت الحكومة الكندية التحرك العاجل لإطلاق سراحها من معتقل الحرس الثوري.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».