خطت مصر أمس خطوة مهمة في طريق الاستحقاق الثاني لخريطة المستقبل، حيث اعتمدت استقالة المشير عبد الفتاح السيسي أمس «رسميا» من الحكومة كوزير للدفاع ونائب لرئيس مجلس الوزراء، ليبدأ الإجراءات اللازمة لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، بعدما أعلن اعتزامه الترشح لها. وأدى الفريق أول صدقي صبحي (رئيس الأركان السابق) اليمين الدستورية أمام الرئيس المصري المستشار عدلي منصور وزيرا للدفاع والإنتاج الحربي وقائدا عاما للقوات المسلحة، وذلك بمقر قصر الاتحادية الرئاسي في حي مصر الجديدة (شرق القاهرة). وقال المهندس إبراهيم محلب، رئيس الوزراء المصري الذي حضر مراسم أداء اليمين الدستورية، إن «الحكومة ملتزمة بالحياد التام، وحريصة على إجراء انتخابات رئاسية سيشهد العالم بنزاهتها».
في غضون ذلك، أصدر الرئيس المصري قرارا جمهوريا أمس، بترقية اللواء أركان حرب محمود إبراهيم محمود حجازي، إلى رتبة الفريق، كما أصدر قرارا آخر بتعيينه رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة.
وعقد مجلس الوزراء أمس، برئاسة إبراهيم محلب، في مقر الهيئة العامة للاستثمار (شرق القاهرة)، جلسة لبحث مستجدات الأوضاع الداخلية والملف الأمني، وما جرى تنفيذه من مشروعات اقتصادية. وقالت مصادر مسؤولة في مجلس الوزراء، إن «المشير السيسي لم يحضر اجتماع المجلس بعد إعلان استقالته كوزير للدفاع، والذي نشر أمس في الجريدة الرسمية، بل حضر ليودع زملاءه، حيث حرص على القدوم مبكرا للقاء كعادته في حضور اجتماعات الحكومة وحيا زملاءه، وقدم لهم التحية وصافحهم مرتديا زيا مدنيا». ورفع رئيس مجلس الوزراء، أمس، استقالة المشير عبد الفتاح السيسي إلى الرئيس عدلي منصور وذلك للتصديق عليها.
ووجه رئيس الحكومة الشكر نيابة عن مجلس الوزراء للمشير السيسي، مشيدا بـ«الدور الوطني المشرف الذي قام به في حماية الوطن من الأخطار التي كانت تحيط بالبلاد، وفي مواجهة قوى الإرهاب والتخريب بكل قوة وحزم»، مشددا على أن «الفترة القادمة لا تقل خطورة وأهمية، وتستدعي تكاتف الجميع من أجل رفعة مصرنا الحبيبة»، بحسب ما نشر على موقع الحكومة أمس.
وعقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة اجتماعا طارئا مساء أول من أمس بكامل أعضائه وبحضور الرئيس منصور، استمر لأكثر من ساعتين، في مقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع بشرق القاهرة، قدم فيه المشير السيسي استقالته، كما جرى تسمية وزير جديد للدفاع، ورفع اسمه إلى الرئيس، وفقا للدستور الجديد.
ووجه رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة أمس، التهنئة للفريق أول صدقي صبحي أثناء وجوده في اجتماع الحكومة بعد أدائه اليمين الدستورية. وجددت الحكومة خلال اجتماعها، تأكيد التزامها الكامل بتنفيذ خريطة المستقبل التي ارتضاها الشعب المصري باعتبارها الطريق إلى بناء الدولة الحديثة القائمة على مؤسسات ديمقراطية، وتحقيق أهداف ثورتي «25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011 و«30 يونيو» (حزيران) عام 2013.
وأعلن مجلس الوزراء في بيان له أمس، أنه يتابع الإجراءات التي سوف تتخذها اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية باعتبارها صاحبة الاختصاص الوحيد فيما يتعلق بالعملية الانتخابية كاملة، مؤكدا عزم الحكومة على توفير كل متطلبات نجاح العملية الانتخابية بنزاهة وشفافية ووقوفها على مسافة واحدة من كل المرشحين. كما أبدت الحكومة ترحيبها بالتعاون مع كل الجهات المصرية والأجنبية الراغبة في متابعتها.
وأضاف البيان أن «الحكومة ملتزمة بحق كل متهم - بغض النظر عن انتمائه السياسي أو الديني - في محاكمة عادلة، والدفاع عن نفسه دفاعا كاملا، سواء بذاته أو عن طريق من يوكله، إعمالا لنصوص الدستور التي تضمن للمواطنين حقوقهم وحرياتهم، ومن بينها حقوق المتهمين». وقالت المصادر المسؤولة نفسها في مجلس الوزراء، إن «الاجتماع ناقش الأوضاع في الجامعات المصرية في ضوء ما تشهده بعض الجامعات من أعمال عنف من جانب الطلاب المناصرين لجماعة الإخوان»، مشيرة إلى أن المجلس أكد ضرورة تفعيل القانون ودعم قوات الأمن للقيام بدورها في حماية المنشآت العامة.
من جانبه، أكد رئيس مجلس الوزراء، إبراهيم محلب، في تصريحات للتلفزيون المصري الرسمي الليلة قبل الماضية، أن «العالم سوف يشهد ويرى عظمة هذا الشعب في حرية انتخاب رئيسه». ويتوقع أن تجري الانتخابات الرئاسية في مايو (أيار) المقبل. وحتى الآن، فإن هناك متنافسين محتملين فقط، هما المشير السيسي قائد الجيش المصري السابق، وحمدين صباحي زعيم «التيار الشعبي».
ويعتقد عدد واسع من المراقبين أن فرص المشير السيسي كبيرة جدا، لكن آخرين يرون أن صباحي الذي حصل على نحو خمسة ملايين صوت في الانتخابات السابقة لن يكون منافسا سهلا. وتنافس في الانتخابات الرئاسية السابقة، التي جرت قبل عامين، 13 مرشحا. ويلزم المرشح للانتخابات المقبلة أن يحصل على 25 ألف توكيل ممن لهم حق التصويت في الانتخابات من 15 محافظة على الأقل، بواقع ألف توكيل من كل محافظة منها.
وفي سياق متصل، نشر المتحدث العسكري، العقيد أركان حرب أحمد محمد علي، صورة للفريق أول صدقي صبحي بعد تعيينه وزيرا للدفاع والإنتاج الحربي. وأوضح المتحدث على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أمس، أن الرئيس منصور أصدر قرارا جمهوريا آخر بترقية اللواء محمود إبراهيم محمود حجازي، إلى رتبة الفريق، وتعيينه رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة. وقالت مصادر عسكرية إنه «لم يجر تعيين مدير جديد لإدارة المخابرات الحربية والاستطلاع خلفا للفريق حجازي»، مؤكدة أن قرار تعيين المدير الجديد للمخابرات الحربية يحدده وزير الدفاع.
في غضون ذلك، أكد السفير بدر عبد العاطي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، أن «مصر ليست لديها أي مشكلة في أن يهتم العالم الخارجي بما يحدث على أرضها»، جاء ذلك ردا على إعلان المشير السيسي الترشح للرئاسة المقبلة ورد فعل العالم الخارجي وانعكاسات ذلك على السياسة الخارجية، وذلك خلال مؤتمر صحافي عقده أمس، لافتا إلى أنه من حق أي مواطن مصري طبقا للدستور أن يترشح للانتخابات الرئاسية، وما يهم الخارجية والحكومة المصرية بالكامل هو أن تجري إدارة عملية انتخابات حرة ونزيهة، وهذا هو التزام الحكومة المصرية أمام الشعب المصري والعالم الخارجي بالكامل.
وأشار المتحدث باسم الخارجية إلى أن «اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية سوف تتلقى طلبات متابعة الانتخابات الرئاسية المقبلة من الدول الأجنبية والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام الأجنبية والعربية وممثلي السفارات المعتمدين في القاهرة، حتى يعلم الجميع في الداخل والخارج أنه لا يوجد شيء نخفيه»، مؤكدا أن «ما يهم الجميع في الداخل والخارج هو إدارة عملية انتخابات نزيهة تليق بثورتي يناير ويونيو، والعالم كله مرحب به لمتابعة العملية الانتخابية».
وعلى صعيد اخر، أكدت الخارجية الأميركية، في تعليقها على استقالة المشير عبد الفتاح السيسي من منصبه كوزير للدفاع، وإعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية المصرية، أنها لا تساند أي أفراد ولا أي أحزاب، وأنها ستتعامل مع أي رئيس ينتخبه المصريون بـ«حرية وشفافية».
وقالت ماري هارف، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، خلال مؤتمر صحافي أمس الخميس «لقد أبدينا قلقنا للمسؤولين المصريين حول الأحكام الصادرة بإعدام عدد كبير من المتهمين، ونؤكد أننا لا نساند أي أفراد أو أحزاب في الانتخابات، فالمصريون وحدهم هم الذين يقررون من ينتخبون». وأضافت هارف «بينما يذهب المصريون إلى صناديق الانتخابات، فإننا سنستمر في دفع الحكومة المصرية لإتاحة الأجواء بإجراء انتخابات حرة وشفافة، يستطيع فيها أي مرشح التقدم بحرية».
وحول شعبية المرشح عبد الفتاح السيسي، وتقديرات مراكز استطلاع حول فرص فوزه العالية بالانتخابات الرئاسية، قالت هارف «إننا سنعمل مع من يقرره المصريون كرئيس لمصر، والمصريون وحدهم هم الذين يقررون رئيسهم القادم. وما نريد أن نراه هو انتخابات حرة وشفافة»، وأضافت «سنقوم بمتابعة العملية الانتخابية وكيف جرت بحرية وشفافية، وبناء على ذلك سيكون تقييمنا لمدى تقدم مصر في مسار الديمقراطية».
بروفايل:
الفريق أول صدقي صبحي يكسر حائط الظل و تولى قيادة الجيش خلفا للمشير السيسي
ظل الفريق أول صدقي صبحي يعمل في منطقة الظل بعيدا عن بريق الأضواء حتى فبراير (شباط) من العام الماضي، حينما صرح من الإمارات بأن «الجيش المصري يراقب الموقف السياسي عن كثب، وإن احتاجه الشعب سيكون في الشارع فورا»، وذلك في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، وهو التصريح الذي سرعان ما طوته الأحداث السياسية المحتدمة حينها.
وعقب الثورة تعرف المصريون للمرة الأولى على صدقي صبحي بعد أن نشرت وسائل إعلام عالمية بحثا له خلال دراسته في أميركا، انتهى بالتوصية على ضرورة سحب القوات الأميركية من منطقة الشرق الأوسط، وأن أي عملية لنشر الديمقراطية بالمنطقة يجب أن تنبع من الداخل وأن تكون لها شرعية دينية.
الفريق أول صدقي صبحي من مواليد عام 1955، شغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة في أغسطس (آب) الماضي. وحصل صبحي على بكالوريوس العلوم العسكرية من الكلية الحربية عام 1976، ثم عمل ضابطا في سلاح المشاة، وبعدها حصل على درجة الماجستير في العلوم العسكرية من كلية القادة والأركان عام 1986.
حصل الفريق أول صبحي على زمالة كلية الحرب العليا من أكاديمية ناصر العسكرية العليا عام 2000، ثم حصل على زمالة كلية الحرب العليا الأميركية عام 2005. وعمل الفريق أول صبحي في الكثير من التشكيلات التعبوية للقوات المسلحة، أهمها الجيش الثالث الميداني، الذي تدرج في المناصب داخله، حتى وصل إلى قيادته. وتولى أيضا الكثير من الوظائف القيادية بداية من قائد كتيبة مشاة ميكانيكي، ثم رئيسا لأركان اللواء 34 مشاة ميكانيكي، وقائدا لهذا اللواء.
تولى صبحي منصب رئيس أركان الفرقة 19 مشاة ميكانيكي، ثم قائدا لها، ثم رئيسا لشعبة عمليات الجيش الثالث الميداني، ورئيسا لأركان الجيش الثالث الميداني، ثم قائدا للجيش الثالث الميداني منذ عام 2009، خلفا للواء محمد صابر عطية، حتى أغسطس 2012، حين جرت ترقيته إلى رتبة الفريق، وترأس أركان حرب القوات المسلحة من خلال قرار للرئيس السابق.
حصل الفريق أول صبحي على الكثير من الأنواط والأوسمة، أهمها ميدالية الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة في عام 1998، ونوط الواجب العسكري من الطبقة الثانية في عام 2005، ونوط الخدمة الممتازة في عام 2007، ونوط الواجب العسكري من الطبقة الأولى عام 2012، إضافة إلى ميدالية «25 يناير».
وشارك الفريق أول صبحي في اجتماع قادة الجيش بقوى سياسية ورموز دينية في يوليو (تموز) الماضي، وهو الاجتماع الذي انتهي بقرار عزل مرسي، ووضع خارطة للمستقبل تتضمن تعديل الدستور وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
الفريق محمود حجازي شاهد على ثورتين و من إدارة المخابرات الحربية إلى رئاسة الأركان -
لعب الفريق محمود إبراهيم حجازي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الجديد في مصر، دورا كبيرا أثناء أحداث ثورة 30 يونيو (حزيران) التي أطاحت بنظام حكم الرئيس السابق محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، بعد عام في السلطة، واستعان به المشير عبد الفتاح السيسي، قائد الجيش السابق، خلال كل المراحل التي مرت بها الثورة التي قادها الجيش بالتوافق مع قيادات سياسية ودينية.
وشهد الفريق محمود حجازي العديد من اللقاءات مع القوى الثورية والسياسية خلال الثورة، وكان المشير السيسي يعقد الكثير من اللقاءات داخل إدارة المخابرات والاستطلاع بحضوره. وشغل الفريق حجازي منصب مدير المخابرات الحربية، وهو أحد الأعضاء البارزين في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، في المرحلتين الانتقاليتين في مصر، الأولى والثانية.
تخرج حجازي في الكلية الحربية عام 1977، وهي نفس دفعة المشير عبد الفتاح السيسي. وحصل على دورة أركان حرب ودورة الحرب العليا. كما التحق بالخدمة في صفوف وتشكيلات القوات المسلحة كأحد الضباط البارزين في سلاح المدرعات.
والفريق حجازي حاصل على ماجستير العلوم العسكرية من كلية القادة والأركان، وتدرج في المناصب القيادية داخل الجيش، بداية من قائد كتيبة، مرورا بقائد لواء مدرع، ثم قائدا للفرقة التاسعة المدرعة في المنطقة المركزية العسكرية. كما تولى الفريق حجازي قيادة المنطقة الغربية العسكرية، وكان أحد أبرز قادة القوات المسلحة خلال فترة المشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع الأسبق. وتولى رئاسة هيئة التنظيم والإدارة خلال أحداث ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، والتي أطاحت بنظام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، بعد 30 عاما في السلطة.
وظل الفريق حجازي في رئاسة هيئة التنظيم والإدارة حتى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2012، حين جرى اختياره من قبل المشير السيسي مديرا للمخابرات الحربية والاستطلاع خلفا له، وأسند مهام منصبه في هيئة التنظيم والإدارة إلى اللواء أركان حرب أحمد أبو الدهب، الذي كان مديرا للشؤون المعنوية.








