المجتمع الدولي يركز على صعوبات إعادة إطلاق عملية السلام خلال قمة باريس

عادل الجبير لـ «الشرق الأوسط» : لا تعديلات على المبادرة العربية

صورة جماعية للزعماء والقادة الذين حضروا قمة باريس أمس (رويترز)
صورة جماعية للزعماء والقادة الذين حضروا قمة باريس أمس (رويترز)
TT

المجتمع الدولي يركز على صعوبات إعادة إطلاق عملية السلام خلال قمة باريس

صورة جماعية للزعماء والقادة الذين حضروا قمة باريس أمس (رويترز)
صورة جماعية للزعماء والقادة الذين حضروا قمة باريس أمس (رويترز)

مثلما توقع عدد من الخبراء، لم تسفر «المبادرة من أجل السلام» التي دعت إليها واستضافتها باريس أمس عن مقررات أو خطوات «ثورية»، بل بقيت في سياق ما كان منتظرا منها، أي إظهار وعي الأسرة الدولية للمخاطر المترتبة على استمرار التأزم في مفاوضات السلام الفلسطينية - الإسرائيلية المتوقفة منذ عامين، والسعي إلى عمل مشترك من أجل توفير الشروط والظروف الضرورية والمناسبة لعودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات.
ومن بين جميع الحاضرين، كان وزير الخارجية الفرنسية جان مارك أيرولت الأكثر تفاؤلا؛ إذ أعرب عن أمله في تحقق انعقاد مؤتمر ثان في العاصمة الفرنسية خلال الخريف المقبل يكون استكمالا للأول، بعد أن تكون «مجموعات العمل» التي سيتم تشكيلها، التي ستتناول الشؤون الأمنية وخفض العنف، وخطوات بناء الثقة والأمن الإقليمي، والاعترافات المتبادلة والمحفزات الاقتصادية، قد أنجزت مهامها ليتم عرضها وإقرارها. وأهمية المؤتمر الثاني أيضا أنه سيضم الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي اللذين لم تتم دعوتهما في اجتماع الأمس. والأمر الثاني الذي يعكس تفاؤل أيرولت أنه يأمل باستئناف المفاوضات المباشرة الفلسطينية - الإسرائيلية «في الوقت الملائم»، عارضا خدمات فرنسا والمؤتمرين لتوفير «الإطار والدعم» المناسبين لتسهيل انعقادهما، بما في ذلك عرض الضمانات والحوافز التي ستقوم مجموعات العمل المتخصصة بتحضيرها.
لكن هذا التفاؤل لم يجد من يدعمه، على الرغم من إدراك الجميع لخطورة الوضع في الشرق الأوسط وانسداد الأفق السياسي، وهو ما توقف عنده الرئيس فرنسوا هولاند في كلمته الافتتاحية التي خلت من الإشارة إلى المؤتمر الثاني، أو إلى استئناف المفاوضات المباشرة. وقال مصدر دبلوماسي عربي، رافق مجريات اجتماع الأمس، إن الحاضرين (29 وزيرا وزير دولة وأمين عام منظمة إقليمية أو دولية) ركزوا على الصعوبات الحقيقية التي تواجه إعادة إطلاق عملية السلام وعلى الحاجة إلى التحرك. لكن أيا منهم لم يقدم تاريخا محددا لمعاودة المفاوضات، بمن فيهم وزير الخارجية الأميركي جون كيري. وعلمت «الشرق الأوسط» من أوساط أميركية أن كيري عبَّر عن تشاؤمه بقوله إنه «لا يعول كثيرا على الاجتماع» الذي ترفضه إسرائيل رفضا شديدا، وقال لصحافيين رافقوه «سنرى.. سنجري ذلك الحوار. لكن ينبغي أن نعلم إلى أين سيذهب وماذا سيحدث. بدأنا توا. دعونا ندخل في المحادثات».
وعلم أن كيري عقد كثيرا من المشاورات الجانبية داخل مركز المؤتمرات، وتحدث في الداخل لربع ساعة تقريبا، لكن مصدرا دبلوماسيا فرنسيا قال لـ«الشرق الأوسط» إن الأهم هو «أن يتركنا كيري نعمل، ونحن نعرف رأيه، ومفاده بأن ما هو غير أميركي لا يمكن أن ينجح»، مضيفا أن نجاح الاجتماع والتعبئة الدبلوماسية والسياسية عالية المستوى التي جيشها «من شأنها دفع كيري للتخلي عن فتوره».
من جهتها، قالت مسؤولة الشؤون الخارجية والأمن الأوروبية فدريكا موغيريني، التي مثلت الاتحاد الأوروبي، إن «من واجب اللاعبين الدوليين والإقليميين أن يجدوا مخرجا للأزمة؛ لأن الجانبين (الفلسطيني والإسرائيلي) عاجزان عن فعل ذلك وحدهما. وبحسب موغيريني فإن «سياسة التوسع الاستيطاني وعمليات الإزالة والعنف والتحريض تكشف لنا بجلاء أن الآفاق التي فتحتها أوسلو عرضة لأن تتلاشى بشكل خطير». أما الأمر الثاني اللافت الذي تمخض عنه اجتماع باريس فهو عودة مبادرة السلام العربية إلى الواجهة، التي ستكون من ضمن مرجعيات الحل السياسي المنشود.
وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، في حديثه للصحافة أمس، إن أساس أي خطة سلام مستقبلية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ما زال يتمثل في المبادرة العربية لعام 2002، وحث إسرائيل على قبولها، مضيفا أن مبادرة السلام العربية بها كل العناصر المطلوبة لتسوية نهائية. وبحسب الوزير السعودي فإن المبادرة مطروحة على مائدة المفاوضات، وتمثل أساسا قويا لحل النزاع الطويل، وعبر عن أمله في أن تسود الحكمة في إسرائيل وأن تقبل بهذه المبادرة.
وعكس الجبير موقف المملكة السعودية «الثابت» بشأن إيجاد حل للنزاع على أساس قرارات مجلس الأمن ومبادرة السلام العربية، والهادف إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وإيجاد حل عادل للاجئين الفلسطينيين، مبني على القرار «194»، مضيفا أن هذا كله ورد في مبادرة السلام العربية. وأعرب الجبير عن أمله في أن يفضي الاجتماع إلى «مؤتمر دولي للسلام» للوصول إلى الحل النهائي والشامل للنزاع.
وسألت «الشرق الأوسط» الوزير السعودي عما إذا كان قد طلب من الطرف العربي في الاجتماع، الذي مثله إلى جانب نظرائه وزراء خارجية مصر والأردن والمغرب، إدخال أي تعديلات على مبادرة السلام العربية فأجاب بالنفي. وقال: «لماذا يطلب التعديل؟ مبادرة السلام العربية واضحة، وهي تتماشى مع القرارات الأممية، ومع المبادئ التي تقوم عليها معظم المبادرات الدولية، وقد أصبحت مبادرة السلام العربية اليوم من المراجع الأساسية إيجاد حل لهذا النزاع».
وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل تجاهلت لسنوات طويلة المبادرة العربية التي أطلقت في العام 2002 في قمة بيروت العربية، لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية عاد إليها مؤخرا عندما اشتدت عليه الضغوط السياسية؛ بسبب المبادرة الفرنسية التي رفضها شخصيا، وأشار إلى وجود «عناصر إيجابية» في المبادرة العربية، لكنه طالب بتعديل بعض ما تنص عليه دون أن يحدده بدقة. كما أن رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس ركز عليها في مقابلة أجرتها معه صحيفة «يديعوت أحرونوت» بمناسبة زيارته الأخيرة لإسرائيل، وطالب فيها الدول العربية بالاعتراف بإسرائيل لتشجيعها على اجتياز خطوة السلام. وذكر الجبير بأن هذه الخطة، إلى جانب إقامة الجدولة الفلسطينية، وإيجاد حلول لموضوع اللاجئين والمياه، تنص على وضع آلية للأمن لحماية المنطقة ودولها «وبالمقابل تعقد معاهدة سلام بين إسرائيل والدول العربية، وتقوم بين الطرفين علاقات طبيعية».
وجاء في البيان الختامي، الذي وزع عقب الاجتماع إشارتان لمبادرة السلام العربية في الفقرتين الثالثة والرابعة؛ حيث أشارت الثالثة إليه من ضمن مرجعيات الحل، وإلى أهمية «تفعيلها»، فيما شددت الفقرة الرابعة على ما يمكن أن تحمله على صعيد توفير السلام والأمن الإقليميين في حال العمل بها.
والأمر الثابت الذي شددت عليه كل المداخلات داخل قاعة الاجتماع وخارجها هو الحاجة إلى التحرك، وعدم الارتكان للأمر الواقع القائم حاليا؛ لأن أحد مخاطره، وفق الرئيس هولاند: «أن يستغله المتطرفون والإرهابيون من كل حدب وصوب». وما قاله هولاند عن الحاجة إلى دولتين، جاء أيضا في البيان الختامي الذي تضمن تعبيرا عن المخاوف من أن ما يحصل على الأرض و«تحديدا النشاطات الاستيطانية» من شأنه أن يهدد حل الدولتين، وهو ما يحذر منه الفلسطينيون باستمرار، وما شددت عليه موغيريني التي كشفت أن الرباعية الدولية ستنشر في الأيام القادمة تقريرا يشخص الحالة الراهنة، ويوصي بمبادرات لم ترد الكشف عنها. كما أشار البيان النهائي إلى الحاجة إلى أن يظهر الطرفان عمليا رغبتهما في إعادة ترميم الثقة بينهما، و«توفير كل الشروط لوضع حد كامل للاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967» على أساس القرارات الدولية ومبادرة السلام العربية. لكن البيان لم يخض في التفاصيل ولا في المحددات، بل بقى عاما لتلافي الخلافات بين المشتركين.
وفي الخلاصات التي عكسها الوزير أيرولت بنهاية الاجتماع، شدد على الحاجة إلى إطار للمفاوضات، وإلى أجندة دقيقة للعمل بموجبها، ووعد بالاستمرار في التشاور مع جميع الأطراف من أجل المؤتمر الدولي قبل نهاية العام، الذي ستعمل باريس من أجله. أما بخصوص موضوع الأجندة، فقد أشار أيرولت إلى تشكيل مجموعات العمل التي ستركز على إجراءات خفض العنف وعلى الضمانات الأمنية، وعلى المحفزات الاقتصادية والتجارية، خصوصا مع الاتحاد الأوروبي.
وترغب باريس في أن تبدأ بلورة كل هذه المعطيات مع نهاية الشهر الحالي على أن تكون جاهزة بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي قبيل نهاية العام الحالي، ما يعني عمليا أن المطلوب انعقاد المؤتمر المذكور في المرحلة الساخنة من الانتخابات الرئاسية الأميركية، وبينما تكون باريس أيضا مشغولة بانتخاباتها الرئاسية والتشريعية المقررة ربيع 2017.
من جانبه، عرض وزير الخارجية المصري سامح شكري رؤية مصر للتوصل إلى حل عادل وشامل لها، الذي يرتبط بها استقرار منطقة الشرق الأوسط، بما يفضي إلى إنهاء الاحتلال وإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.
وشدد شكري خلال مشاركته في مؤتمر باريس على ضرورة على التزام المجتمع الدولي بما قطعه من وعود لإخراج الدولة الفلسطينية من إطارها النظري والقانوني لتصبح واقعا ملموسا يعيشه الفلسطينيون ويتعايش معه الإسرائيليون بسلام، وشدد على أن تحقيق الاستقرار يتطلب الموازنة بين الشرعية وتوازن المصالح. وأشار شكري إلى حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حول ما يمكن تحقيقه من تفاهم في المنطقة حال إيجاد حل حقيقي للقضية الفلسطينية، مؤكدا أن أفكار السيسي تحقق آمال الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وشدد على ضرورة أن تتعاون واشنطن وموسكو والدول الأوروبية مع دول المنطقة لتحريك العملية السلمية باتجاه الحل، موضحا استعداد مصر لبذل كل جهد ممكن، سواء فيما يتعلق بالعمل على تهيئة الأجواء الفلسطينية، أو فيما يخص العمل على تفعيل مبادرة السلام العربية، وقال بهذا الخصوص: «دعوتنا اليوم حول هذه الطاولة إنما يعكس إدراكا، ليس مستغربا على فرنسا في كل الأحوال لأهمية بل حتمية التوصل إلى تسوية حقيقية لقضية الشعب الفلسطيني، ليس فقط احتراما لمبدأ إعادة الحقوق لأصحابها، وإنما حفاظا كذلك على الاستقرار الإقليمي والدولي»، وأكد في السياق نفسه أن «العرب يذكرون لفرنسا مواقف تاريخية مبكرة داعمة بوضوح للحقوق الفلسطينية وداعية إلى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، فاعتبارا من 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1974 صوتت فرنسا لصالح الاعتراف بمنظمة التحريـر الفلسطينية مراقبا في الأمم المتحدة، مؤكدة الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف، كما كان الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران عام 1982 أول رئيس غربي يعلن أمام الكنيست في إسرائيل عن دعمه لهدف إنشاء دولة فلسطينية».
وأعاد شكري مطالبة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته التاريخية إزاء استحقاقات السلام ومتطلباته، مشيرا إلى ضرورة أن ينظم المجتمع الدولي علاقاته بما يسمح بتعامل فعال مع التحديات المشتركة التي تواجهه.
وكانت جامعة الدول العربية قد أدانت التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في جلسة الكنيست الإسرائيلي، الأربعاء الماضي، التي أكد خلالها «أنه لا عودة إلى الواقع الذي ساد مدينة القدس ما قبل يونيو (حزيران) 1967، ولن نعود إلى ذلك الواقع، ولا حاجة إلى أن نعتذر عن وجودنا في القدس.. ومصيرنا مرتبط بها».
وفي أول رد فعل من جانب إسرائيل توجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، طالبا تدخله لتخفيف حدة البيانات والقرارات الصادرة على هامش قمة باريس. وقال له خلال محادثة هاتفية، مساء أول من أمس، إن «إسرائيل معنية بتحريك عملية السلام، ولكن ليس من خلال مهرجانات دولية تطوقها وتفرض عليها الإملاءات».
وجاءت محادثة نتنياهو في إطار اتصالات جرت على مستوى أدنى، حاول فيها الإسرائيليون التأثير على عدد من الدول التي شاركت في مؤتمر باريس، أمس، حتى يعملوا على تخفيف حدة بيانات المؤتمر.
وكان نتنياهو قد دعا إلى «مشاورات سياسية - إعلامية»، على ضوء انعقاد مؤتمر باريس، بمشاركة مسؤولين من وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي وهيئة الإعلام الوطنية. وتقرر القيام بمحاولة ممارسة ضغوط على عدة دول مشاركة في مؤتمر باريس من أجل «التأكد من عدم اتخاذ قرارات مهمة، مثل وضع جدول زمني لمفاوضات مستقبلية بين إسرائيل والفلسطينيين، وعدم القيام بخطوات مثل دعم من جانب مجلس الأمن الدولي لتحريك عملية السلام». وتقرر خلال المشاورات أن توضح إسرائيل عبر قنوات دبلوماسية وعلنية إنها تفضل دفع «المبادرة الإقليمية» التي يطرحها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على المبادرة الفرنسية؛ حيث قال مسؤول حكومي إسرائيلي رفيع المستوى إن إسرائيل تعتقد أن احتمالات نجاح مبادرة السيسي أكبر بأضعاف من احتمالات نجاح المبادرة الفرنسية، مع أن هناك قناعة بأن مبادرة السيسي تحتوي على مطالب أشد من إسرائيل.
وعقد مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية الدكتور دوري غولد مؤتمرا صحافيا في أعقاب المشاورات، شبَّه خلاله المبادرة الفرنسية باتفاقية سايكس - بيكو، وقال: «إن المبادرة الفرنسية ستفشل». وقال: «إن الطريق الوحيدة لصنع السلام هي بواسطة مفاوضات مباشرة ومن دون شروط مسبقة، وبدعم دول عربية، وليس من خلال مؤتمرات في باريس. وإذا كان لديك صراع مع جار لا ينبغي السفر إلى فرنسا وإحضار السنغال من أجل حله».



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)