أنقرة مستعدة لـ«التدخل البري» في سوريا لمنع إقامة «كيان كردي»

مصادر تركية لـ «الشرق الأوسط» : العلاقات مع واشنطن متوترة.. وننتظر إجابات على أسئلتنا

معرة النعمان بريف إدلب شمال سوريا كما بدت أمس تحت غبار غارة جوية من الطيران الحربي أمس (رويترز)
معرة النعمان بريف إدلب شمال سوريا كما بدت أمس تحت غبار غارة جوية من الطيران الحربي أمس (رويترز)
TT

أنقرة مستعدة لـ«التدخل البري» في سوريا لمنع إقامة «كيان كردي»

معرة النعمان بريف إدلب شمال سوريا كما بدت أمس تحت غبار غارة جوية من الطيران الحربي أمس (رويترز)
معرة النعمان بريف إدلب شمال سوريا كما بدت أمس تحت غبار غارة جوية من الطيران الحربي أمس (رويترز)

تنظر تركيا بقلق بالغ إلى ما يجري خلف حدودها الشمالية من تمدد لأكراد سوريا باتجاه مدينة منبج، واحتمالات إيجاد تواصل جغرافي بين منطقة عفرين، وبقية مناطق الأكراد في سوريا، والذي من شأنه أن يشكل حزاما فاصلا بين تركيا ومنطقة حلب، كما يشكل تهديدا لأمنها القومي، كما يؤكد قادتها على اختلاف مناصبهم.
وينبع الخوف التركي من قيام كيان كردي على الجهة السورية من حدودها، ما قد يزيد من النزعة الانفصالية لبعض مواطنيها الأكراد، ويمنح تنظيمات مثل حزب «الاتحاد الكردستاني» المعروف بـ«ب.ك.ك» الذي يقاتل الحكومة المركزية في أنقرة منذ عشرات السنوات، مدى حيويا من شأنه تعقيد أمورها.
وأكدت مصادر رسمية تركية لـ«الشرق الأوسط»، أن أنقرة ستتصدى لأي محاولة لفصلها عن إخوتها في الشمال السوري، نافية بشدة وجود أي اتفاق مع الأميركيين حول تخطي قوات تنظيم الاتحاد الديمقراطي الكردي (بي واي دي) لنهر الفرات غربا، وهو ما تعتبره تركيا خطا أحمر وخطرا على أمنها القومي. وقالت المصادر إن تركيا تحتفظ لنفسها بحق الدفاع عن أمنها القومي، ملمحة إلى إجراءات من جانب واحد ستقوم بها لمنع قيام أي كيان انفصالي في شمال سوريا يفصل بينها وبين إخوتها السوريين.
وكشفت المصادر عن توتر غير مسبوق في العلاقة مع واشنطن، مشيرة إلى أن أنقرة وجهت عدة أسئلة إلى الولايات المتحدة وتنتظر إجابات حولها، موضحة أن من بينها سؤال حول كيفية التوفيق بين ما تقوله عن علاقة تحالف مع تركيا، وتدعم في الوقت نفسه منظمة تصنفها أنقرة إرهابية، كما تسألها عن كيفية توفيقها بين استخدام قاعدة جوية تركية لدعم منظمة تعتبرها تركيا خطرا على أمنها القومي. ونفت المصادر أيضا ما يشاع عن مهلة 6 أشهر أعطتها واشنطن لتركيا للتخلص من «داعش» قبل أن تبدأ التحرك وحدها في المنطقة.
ويبدو الوضع التركي دقيقا، في ظل دعم واشنطن للأكراد، ما يدفعها إلى التفكير بخيارات أخرى، قالت مصادر في رئاسة الحكومة التركية لـ«الشرق الأوسط» إن التدخل البري قد يكون بينها لمنع قيام أي كيان انفصالي، ولحماية السوريين العرب والتركمان من أي عملية فرز ديموغرافي. لكن نائب رئيس الوزراء التركي، نعمان قورتولموش، أكد أمس أن إقامة منطقة «حظر طيران» شمال سوريا يعد أمرا صعبا في الوقت الراهن. واستغرب المسؤول التركي تقديم واشنطن الدعم لتنظيم «بي واي دي» الذي تعتبره أنقرة الجناح السوري لمنظمة «ب.ك.ك» الإرهابية، قائلا: «جرى تقديم الدعم العسكري للتنظيم الذي كان ضعيفا للغاية، بحجة محاربته (داعش)، والآن يُقدم له الدعم السياسي». واستذكر قورتولموش، وجود خطوط حمر لبلاده في مسألة سوريا، قائلا: «هناك شيئان مهمان، الأول يكمن في منطقة حظر الطيران، الذي قمنا باقتراحه قبل 3 سنوات، ولو كان المجتمع الدولي فرض ذلك لما مات نحو 200 - 250 ألف سوري، ولما ظهرت أزمة اللاجئين. والثاني هو المنطقة الآمنة».
ويرى الباحث في مركز الفكر الاستراتيجي التركي، جاهد توز، أن هدف واشنطن الأساسي ليس حل المشكلة السورية، معتبرا أنها بدعمها لـ«بي واي دي» في شمال سوريا تهدف إلى تطهير شمال سوريا من «داعش» وتركها لـ«بي واي دي»، حتى تكون هناك منطقة حكم ذاتي أو ما يشابه للأكراد في شمال سوريا، وهذا «يكون سدا بين العرب والأتراك». وأكد أنه إذا تجاوز «بي واي دي» أو أي منظمة إرهابية غرب الفرات، «فتركيا ستتدخل، والتدخل البري ليس خيارا بعيدا عن السلطات التركية» وأشار توز إلى أن أنقرة ترى أن «بي واي دي» هو جزء من المشكلة في سوريا ولديه أجندات سرية، وهذا ليس لصالح تركيا.
وأكد نواف خليل، رئيس المركز الكردي للدراسات، أن برنامج وهدف «قوات سوريا الديمقراطية»، التي ستكون «نواة الجيش السوري المستقبلي»، واضح وليس سرا، ويقضي بتحرير كل المناطق المحتلة من «داعش» و«جبهة النصرة» و«أحرار الشام»، وغيرها من المجموعات الإرهابية في الشمال السوري، وإقامة فيدرالية تمتد من عفرين إلى منبج فكوباني وتل أبيض والجزيرة، مشددا على أنه «لن يتم ضم أي شبر من هذه الأراضي إلى الفيدرالية إلا بموافقة أهالي تلك المناطق». واعتبر خليل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا تعاني حاليا «مشكلات مستعصية واستراتيجية» وخصوصا في ظل إصرارها على تخيير الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، بينها وبين «حزب الاتحاد الديمقراطي»، متسائلا: «ماذا تملك أصلا أنقرة من أوراق للضغط على واشنطن التي أتاحت لها أكثر من فرصة لتحرير جرابلس لكنها لم تنجح بذلك». وشدد خليل على أن «السوريين والأكراد لن يسمحوا لتركيا بإقامة جمهورية لمجموعات تابعة لها، كما أنهم لن يقبلوا بتحول حلب لولاية تركية، فحلب سورية وستبقى كذلك».
من جهته، تحدث رامي دالاتي، رئيس المكتب السياسي في «جيش التوحيد» عن «احتجاج شديد» لدى فصائل الجيش السوري الحر على المستجدات الأخيرة في الشمال السوري والدعم الأميركي المعلن للأكراد، لافتا إلى أنهم أبلغوا واشنطن والدول المعنية بـ«تذمرنا الشديد من دعم مبدأ استفراد فصيل معيّن يحمل أجندة انفصالية بمواجهة تنظيم داعش في مناطق محددة». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «سِجل الـ(بي واي دي) سيئ جدا بما يتعلق بحقوق الإنسان وتجنيد الأطفال، وهو ما أشارت إليه منظمة (هيومن رايتس ووتش) أكثر من مرة، أضف إلى ذلك أن القوات الكردية تسعى لتهجير العرب من المنطقة التي لطالما ضمت نسيجا عربيا – كرديا».
ونبّه دالاتي من «تنسيق غير مباشر بين واشنطن والنظام السوري بدأنا نلتمسه بحجة محاربة (داعش)»، مشددا على «خطورة نقل أصدقاء الثورة البوصلة من إسقاط النظام إلى محاربة (داعش) وتقليص نفوذه بالشمال». وأضاف: «البوصلة والأولوية بالنسبة لنا كانت وستبقى إسقاط النظام، لاقتناعنا بأن (داعش) ليس إلا ما أفرزه وسينهار مع انهياره».



تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

أكد تقرير أممي حديث أن الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منشآت ومواني خاضعة لسيطرة الحوثيين أسهمت بصورة مباشرة في تقليص قدرتها التشغيلية على استقبال السفن التجارية، وهو ما انعكس بوضوح على حركة الواردات، خصوصاً القمح والوقود.

وفي المقابل، سجلت المواني الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ارتفاعاً غير مسبوق في واردات السلع الأساسية، وسط تحسن نسبي في سعر صرف الريال اليمني، وانخفاض ملموس في أسعار المواد الغذائية.

ووفق تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، ارتفعت واردات القمح إلى مواني الحكومة مع نهاية عام 2025 بنسبة 329 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، في مؤشر يعكس تحولات عميقة في خريطة الإمدادات الغذائية داخل البلاد.

وأوضح التقرير أن هذا التحسن يرتبط بعدة عوامل، أبرزها الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني في عدن، ولا سيما تنظيم عمليات الاستيراد وضبط سوق الصرف، ما أسهم في تعزيز استقرار العملة المحلية.

النقص المحتمل في الوقود يهدد سلاسل الإمداد الغذائي باليمن (إعلام محلي)

ولم تتجاوز واردات القمح عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين - حسب التقرير الأممي - 40 في المائة خلال الفترة ذاتها، ما يبرز اتساع الفجوة بين مناطق الحكومة والمناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة.

ويعزو خبراء هذا التراجع الحاد إلى الغارات الإسرائيلية التي استهدفت البنية التحتية للمواني، والتي أدت إلى تقليص قدرتها على استقبال السفن وتأمين عمليات التفريغ والنقل.

ولم يقتصر التأثير على القمح فحسب، بل امتد ليشمل الوقود، إذ انخفضت واردات الوقود إلى ميناء رأس عيسى، الذي يديره الحوثيون، بنسبة 82 في المائة، في حين ارتفعت إجمالاً بنسبة 20 في المائة عبر المواني الحكومية، بما فيها عدن والمكلا. هذا التباين الحاد في حركة الوقود انعكس بشكل مباشر على استقرار الأسواق، وأسهم في تعميق التحديات الاقتصادية في مناطق سيطرة الحوثيين.

تحسن العملة

ولفتت البيانات الأممية إلى أن الريال اليمني في مناطق سيطرة الحكومة ظل أقوى بنسبة 27 في المائة مقارنة بنهاية عام 2024، وهو ما انعكس إيجاباً على أسعار الوقود والمواد الغذائية. فقد ظلت أسعار الوقود مستقرة نسبياً مقارنة بالشهر السابق، لكنها انخفضت بنسبة تتراوح بين 14 في المائة و22 في المائة مقارنة بالعام الماضي، رغم بقائها أعلى من متوسط السنوات الثلاث الماضية بنسبة تتراوح بين 4 في المائة و13 في المائة.

وينطبق الأمر ذاته على أسعار المواد الغذائية الأساسية، التي شهدت انخفاضاً ملحوظاً في مناطق الحكومة بنسبة تتراوح بين 12 في المائة و20 في المائة، وفق ما أوردته تقارير إعلامية محلية.

تراجع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية بسبب تحسن الريال اليمني (إعلام محلي)

ويعزو الخبراء هذا التراجع إلى تحسن قيمة العملة المحلية، وانخفاض تكاليف الوقود والنقل، إلى جانب ارتفاع حجم الواردات الغذائية، وفي مقدمتها القمح.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر التقرير الأممي من أن الأمن الغذائي في اليمن لا يزال يتعرض لضغوط شديدة نتيجة أزمات متعددة ومتشابكة. ففي مناطق الحكومة، لا يزال تقلب سعر الصرف يشكل عامل خطر قد يعيد إشعال موجات تضخم جديدة في أسعار الغذاء والوقود، في حال تراجع الاستقرار النقدي، أو تعثرت إجراءات البنك المركزي.

استقرار هش

أما في مناطق سيطرة الحوثيين، فتتمثل أبرز التحديات - وفق التقرير الأممي - في ضوابط السوق الصارمة، والاضطراب الحاد في القطاع المالي، الناتج عن العقوبات التي تؤثر على المدفوعات والتحويلات المالية، إضافة إلى القيود المفروضة على استيراد دقيق القمح ومحدودية المساعدات الإنسانية. وأكد التقرير أن هذه العوامل مجتمعة تزيد من هشاشة سلاسل الإمداد، وترفع عدد الأسر المعرّضة لخطر انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وخلال الفترة نفسها، ظلت تكلفة سلة الغذاء الدنيا في مناطق الحكومة مستقرة نسبياً، وكانت أقل بنسبة 20 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وأقل بنسبة 5 في المائة من متوسط السنوات الثلاث الماضية. غير أن هذا الاستقرار لا يخفي واقعاً صعباً تعيشه شريحة واسعة من السكان، إذ يعتمد نحو 35 في المائة منهم على رواتب حكومية غير منتظمة تآكلت قيمتها بفعل التضخم السابق.

واردات الوقود تراجعت إلى ميناء رأس عيسى بنسبة 82 % (إعلام محلي)

كما رصد التقرير خلال شهر ارتفاعاً في أسعار الأسماك بنسبة 5 في المائة في مناطق الحكومة، لتصبح أعلى بنسبة 6 في المائة مقارنة بالعام الماضي، وبنسبة 18 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث الماضية.

في المقابل، ظلت أجور العمالة الزراعية والمؤقتة مستقرة نسبياً، مدعومة بالاستقرار النسبي للريال، حيث ارتفعت الأجور الزراعية بنسبة 8 في المائة، وأجور العمالة المؤقتة بنسبة 2 في المائة على أساس سنوي.

ورأت منظمة الأغذية والزراعة أن هذه المؤشرات تعكس مزيجاً من العوامل الإيجابية والسلبية، إذ يسهم تحسن العملة واستقرار الواردات في تخفيف الضغوط المعيشية، لكن استمرار التوترات الأمنية واضطراب الإمدادات في مناطق الحوثيين، خصوصاً الوقود، يظل عامل تهديد لاستقرار الأسواق على مستوى البلاد.


الحكومة السودانية: حريصون على ضرورة إنهاء الحرب وإيقاف تجويع الشعب

بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الحكومة السودانية: حريصون على ضرورة إنهاء الحرب وإيقاف تجويع الشعب

بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)
بائع سوداني أمام منزل تعرض للتدمير في العاصمة الخرطوم (د.ب.أ)

أفادت وزارة الخارجية السودانية في بيان، اليوم الأحد، بأن حكومة السودان حريصة على ضرورة إنهاء الحرب «وإيقاف تدمير الدولة وتجويع الشعب»، مؤكدة أن إيقاف الحرب يتم «بتفكيك مصادرها ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات ومخالفي القانون الدولي الإنساني».

وذكرت الخارجية السودانية أن حكومة السودان «لن تقبل أن يكون شركاء مرتكبي الجرائم والصامتون على ارتكابها شركاء في أي مشروع لإنهاء الحرب»، مشيرة إلى أن «مخالفة قرار مجلس الأمن الداعي لحظر دخول السلاح إلى دارفور تجعل مصداقية مجلس الأمن على المحك».

وقالت الوزارة إن «التغافل عن مصادر توريد هذه الأسلحة والجهات الممولة والدول التي ترسلها وتسهل إيصالها إلى أيدي المجرمين، يضع المجتمع الدولي وآلياته المختصة في موضع الشك وعدم المصداقية».

واندلع الصراع بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، وأدى إلى نزوح الملايين وأشعل أزمة إنسانية واسعة النطاق.


الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تكثف أنشطتها لاستقطاب الأطفال وصغار السن وتقليص وجودهم في المدارس (أ.ف.ب)

بدأت الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، سلسلةً واسعةً من الفعاليات واللقاءات والاجتماعات في مناطق سيطرتها؛ للتهيئة لتحويل شهر رمضان المقبل إلى محطة تعبوية ومرحلة انتقالية بين التعليم النظامي والمراكز الصيفية، إلى جانب فعاليات عقائدية تشمل جميع السكان ومن مختلف الفئات.

وكثَّفت الجماعة اجتماعاتها الرسمية، بمشارَكة السلطات المحلية، وقطاعات التربية، والأوقاف، والتعبئة العامة، والشباب، والأمن، والمرور، التابعة لها في مشهد تصفه مصادر محلية بـ«تعبئة شاملة» لمؤسسات الدولة والأنشطة والفعاليات المجتمعة، تحت عناوين خدمية ودينية واقتصادية، تجمعها التهيئة المبكرة لمسميات «البرامج الرمضانية» و«الدورات الصيفية»، بوصفهما مشروعاً تربوياً متكاملاً.

وتشير المصادر إلى أن المضامين المعلَنة لهذه اللقاءات تؤدي إلى تحويل شهر رمضان من مناسبة دينية للمجتمعات العربية والإسلامية، إلى محطة تعبوية كبرى لإعادة توجيه الوعي المجتمعي، وضبط الخطاب الديني، وتكريس مفهوم ما تُسمى «الهوية الإيمانية» الذي تتبناه الجماعة.

ونوَّهت مصادر تربوية إلى أن الجماعة باتت تعمل خلال السنوات الأخيرة على فرض تداخل متعمد بين التقويم الدراسي والبرامج التعبوية، إذ تتزامن التهيئة للفعاليات الرمضانية مع اجتماعات رسمية لمناقشة اختبارات نهاية الفصل الدراسي الثاني، مستعجلة إنهاء العام الدراسي خلال الأيام الأولى من شهر رمضان، والذي يفترض أن يتزامن مع بدء هذا الفصل الدراسي.

فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

وذكرت المصادر أن الجماعة غيَّرت مواعيد الدراسة وقلَّصت فترتها إلى أقصى حدٍّ استطاعته؛ لإفساح المجال لتنظيم المعسكرات الصيفية التعبوية، التي تبدأها فور انتهاء إجازة عيد الفطر.

تهيئة حثيثة

ونظَّمت الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، اجتماعات في قطاع التربية الذي تسيطر عليه، في محافظات إب والمحويت وريمة والحديدة؛ للشروع المبكر في الإعداد للمعسكرات الصيفية، تمهيداً للدفع بالطلاب بعد إجازة العيد للالتحاق بها.

ووفقاً للمصادر ووسائل إعلام الجماعة، كلَّف المشرفون الحوثيون على هذا القطاع إدارات المدارس والمعلمين بتهيئة الطلاب وأولياء الأمور نفسياً وفكرياً لهذه المرحلة، ووجَّهوا، بالتنسيق مع جهات تابعة لقطاعات الأوقاف والزكاة والأمن والمرور والمرأة، لتضمين الفعاليات التعبوية خلال شهر رمضان خطابات حول المراكز الصيفية، وتحفيز العائلات على إلحاق أطفالها بهذه المراكز.

وتحذِّر المصادر من أن الجماعة، ورغم ما تواجهه من غضب شعبي داخلي مرتبط بما أوصلت مناطق سيطرتها إليه من تدهور معيشي وخدمي، وما تعرَّضت له من استهداف خارجي، سواء بالضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، أو بالعقوبات المُشدَّدة المفروضة عليها، فإنها ما زالت تمتلك أدوات التعبئة، وتستطيع إجبار السكان على المشارَكة في فعالياتها التعبوية.

تدهور المنظومة التعليمية يعزز من قدرة الحوثيين على استقطاب الأطفال وتجنيدهم (رويترز)

ونبَّهت إلى أن هذا الربط المباشر بين المدرسة والدورات الصيفية يحوّل التعليم النظامي إلى مجرد جسر عبور نحو برامج بديلة ذات طابع آيديولوجي.

ويأتي وصف الدورات الصيفية في خطابات القادة الحوثيين على أنها «مشروع تربوي وتعليمي متكامل»، يهدف إلى «صناعة جيل واعٍ»، و«تحصين المجتمع من الحرب الناعمة»، و«بناء الإنسان المرتبط بالقرآن».

ومن المنتظر، خلال الأيام المقبلة، عقد لقاءات أخرى مكثفة في مختلف المحافظات الخاضعة للجماعات، وفي القطاعات كافة التي يمكن استغلالها في الحشد والتعبئة وإقناع السكان بالمشاركة.

تقليص دور المدرسة

وإلى جانب القادة التعبويين، يشارك في الفعاليات التحضيرية للبرامج الرمضانية الحوثية عدد كبير من القادة العسكريين والأمنيين، ويجري إنشاء غرف عمليات مركزية وفرعية لمتابعة التنفيذ، ما يعكس اهتمام المستويات القيادية كافة في الجماعة بهذه الأنشطة.

محافظة الحديدة شهدت لقاءات حوثية مكثفة للإعداد للمراكز الصيفية (إعلام حوثي)

ويقول باحث في السياسة والإعلام يقيم في مناطق سيطرة الجماعة، إن الورش التعريفية الخاصة بالمعسكرات الصيفية، والتي شارك فيها عشرات القادة الحوثيين ومسؤولو غرف العمليات، تكشف عن بنية تنظيمية دقيقة، تُعامل هذه الأنشطة بوصفها استثماراً استراتيجياً، ويتضح ذلك أكثر عندما يرد وصفها في خطابات قادة الجماعة بوصفها «سلاحاً»، مع حرصهم على التشديد على تنظيمها في كل عزلة وقرية.

والعزلة في النظام الإداري اليمني هي وحدة تقسيم إداري فرعية تقع ضمن نطاق المديرية، وتستخدم بشكل رئيسي في المناطق الريفية، وتتكوَّن من مجموعة قرى ومحلات تابعة.

ويضيف الباحث الذي طلب عدم نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط» إن كثافة هذه الأنشطة وتزامنها الجغرافي والقطاعي، يؤكدان أنها ليست مجرد برامج موسمية منفصلة، بل سياسة ممنهجة لإعادة ضبط العام الدراسي من خلال تقليص دور المدرسة، وإفساح الوقت والمساحة للمراكز الصيفية التي يجري فيها التحكم بالمحتوى والخطاب والهوية، رغم أن المناهج التعليمية في المدارس قد تعرَّضت بدورها لتحريف كبير.

المنظومة التعليمية شهدت تغيرات جذرية خلال أكثر من عقد على انقلاب الحوثيين (أ.ف.ب - أرشيفية)

ويُفسَّر إصرار الجماعة على تقليص دور المدرسة مقابل إعلاء شأن المراكز الصيفية، بسعيها للوصول بالمدارس إلى ما يشبه «المعلامة»، وهي التسمية اليمنية لـ«الكُتّاب»، وما يمثله ذلك من عزل للأطفال عن التعليم الحديث الذي ستحاول أن يكون مقتصراً على فئة محدودة من الموالين والتابعين لها.

وتتضمن الفعاليات الاستعدادية الحوثية لشهر رمضان استغلال الأنشطة الخدمية والاقتصادية والترفيهية، سواء التي تخضع لإدارة الجماعة مثل حملات النظافة ومهرجانات الأسر المنتجة وبرامج الإحسان، أو التي تأتي بمبادرات مجتمعية مثل الأنشطة الرياضية، بوصفها غطاءً اجتماعيً موازياً.

وتتوقع الجماعة أن تعزز هذه الفعاليات القبول الشعبي بالأنشطة التعبوية، وتخلق ارتباطاً ذهنياً بينها وما تزعم تقديمه من خدمات ومساعدات، خصوصاً خلال شهر رمضان، بما يخفف من حساسية المشروع التعبوي الأساسي.