في يونيو (حزيران) القادم يكون قد مر أكثر من ثلاثة عقود على رحيل المفكر الفرنسي ميشال فوكو (يونيو 1984). ولكني أستعيد ذلك الرحيل ليس لأنني أحد الآلاف، أو ربما الملايين، من الباحثين الذين تأثروا بأطروحاته بشكل مباشر وغير مباشر (عن طريق إدوارد سعيد). ليس لذلك السبب، وإنما لأنني أعود هذه الأيام إلى أعماله لدورها في تعميق رؤيتنا لآليات الرقابة والقمع في الثقافات المعاصرة، الموضوع الذي تشغلني تطبيقاته وآثاره على الفكر والأدب منذ سنوات. وكان مما أدهشني منذ البداية أن فوكو لم يكن يدرس ثقافات العالم الثالث للبحث في ذلك الموضوع الذي يرى الكثيرون أن العالم غير الغربي هو البيئة الوحيدة التي يصلح فيها مثل ذلك البحث، وإنما لأنه بحثه وأظهره وحلله من حيث هو حالة أوروبية، وأين؟ في بلد التنوير، فرنسا حيث انبثقت شعارات الثورة الفرنسية التي استمدتها من فكر التنوير (فولتير، روسو، وغيرهما). والحق أن ما تحقق من منجزات التنوير والثورة الفرنسية على الواقع في شكل حريات وديمقراطية لم ير النور إلا في مطلع القرن العشرين، أي بعد ما يزيد على القرن ونصف (هذا لمن خاب أمله في الربيع العربي).
أعمال فوكو منذ ستينات القرن الماضي تؤرخ لذلك التاريخ الطويل من الانتكاس، ليس مما تمثل في دموية الثورة وما أدت إليه من سلطوية نابليونية وعصر استعمار، بل من الظلام الذي ترافق مع النور ولازمه، من قوى اللاعقلانية التي ازدهرت مع ما كان من صعود للعقل والعقلانية. فقد عني ليس بالاحتفاء بميلاد ذاك العقل أو تلك العقلانية وإنما بميلاد القيود والسجون التي حددت العاقل من غير العاقل ليس على أسس علمية متجردة فقط وإنما لتحقيق مصالح وسيطرة اجتماعية واقتصادية تمثلت في ميلاد مؤسستي سلطة هما السجن والعيادة وذلك في كتب مثل «أدب وعاقب» و«الحضارة والجنون». هذا إلى جانب عناية فوكو بدراسة القيود المفروضة على التعبير في دراسات مثل «نظام الخطاب»، القيود التي واجهها شخصيا بين نخب المجتمع الفرنسي لا سيما الماركسيين الذين كان محسوبًا عليهم.
يرى البعض أن فكر فوكو يمثل تيارًا مضادًا للتنوير، وهذا تيار قديم كان من أهم ممثليه ومؤصليه مدرسة فرانكفورت الألمانية بمفكريها المعروفين لا سيما ادورنو وهوركهايمر وإريك فروم وهربرت ماركوز. غير أن ما تميز به فوكو هو أنه لم يتوقف ضمن حدود النظرية أو البحث الفلسفي وإنما تجاوز ذلك إلى الانغمار في ميادين التطبيق ومجالات الممارسة العملية لما يتحدث عنه، وذلك حين تجول على مدى سنوات في مستشفيات الطب النفسي وقرأ وثائق المحاكم وسجلات العدالة مقتبسًا من ركام ضخم من المواد التي تؤرخ للمرضى العقليين ونزلاء السجون ومن في حكمهم. ولعل مما زاد في حدة وعيه بما يعتور الطب النفسي من مشكلات، إلى جانب ما تضمنته أطروحات عالم النفس الفرنسي المعروف جاك لاكان، ما حدث لأستاذة في الإيكول نورمان سوبيريور الفيلسوف الماركسي التوسير الذي بقي لعدة سنوات في مصحة نفسية بعد اغتياله لزوجته. لكن لا شك أن الأهم من ذلك هو البحث المدقق في السجلات التاريخية للقرون منذ السابع عشر حتى التاسع عشر التي كانت المنجم الضخم الذي استمد منه فوكو بياناته الدامغة حول ما يمكن أن يسمى ظلاميات الثقافة الأوروبية والتي لم يستطع التنوير القضاء عليها، بل أسهم إلى حد كبير فيها بإشاعة أن عصر العقل قد جاء وقضى على ما عداه وأن العقلانية لا يمكن أن تؤدي إلا إلى أنوار الحرية والمساواة. بل إن العقل، كما رأى فوكو في إحدى محاضراته في الكوليج دي فرانس، ينطوي في بنيته على نوع من الهيمنة أو السلطوية التي أفضت إلى ما سماه فوكو «علوم الإنسان»، العلوم التي تضمنت كبتًا وإقصاء لما عدا العقل والعقلانية على أنه خروج عن المألوف والمسموح به (ويجب ألا ننسى أن فوكو جاء في أعقاب ظهور تيارات السريالية واللامعقول في الأدب التي أعلت من شأن القدرات اللاعقلية كالحدس واللاوعي).
ذلك الموقف من التنوير تغير إلى حد ملحوظ في آخر محاضرة أعدها فوكو وحال موته دون إلقائها، وهي محاضرته التي علق فيها على إجابة كانط حول سؤال وجه إليه عام 1784 عن ماهية التنوير. عبر فوكو في تلك المحاضرة عن موافقته على إجابة كانط من أن التنوير هو تجاوز الإنسان لحالة عدم النضج واعتماده في البحث على نفسه. قال فوكو، مخالفًا رؤيته السابقة، إن التنوير هو حالة مستمرة من المساءلة والنقد للحاضر. وقد توقف كثير من الباحثين عند ذلك التناقض في الموقف وطرحوا احتمالات كثيرة منها أن فوكو غير موقفه تجاه التنوير بتقبل معطياته. غير أن من الباحثين من رأى أن ما تبناه فوكو لم يكن مبادئ أو تعاليم تنويرية وإنما روح نقدية تعيد النظر في المواقف مفضلة التجاوز بل الانتهاك على الطريقة النيتشوية لما هو ثابت، وكأن ذلك تبنٍ لروح التنوير المتسائلة أكثر منه لمبادئه التي سعى إلى ترسيخها.
لا شك أن ما تبقى ليس من فوكو فحسب وإنما من غيره من كبار المفكرين هو تلك الروح المتسائلة، ولا شك أن تلك الروح هي التي تقف وراء ما تركه المفكر الفرنسي من أعمال تنطلق من تلك الروح لتعيد النظر في مسلمات وثوابت. وسيهمنا في هذا السياق أن فوكو وجه نقده لدعاوى العالمية في أفكار التنوير بل وفي رؤية الغرب للعالم. فهو من أبرز نقاد النزعة لجعل كل ما يصدر عن الفكر الغربي عالميًا بالضرورة في نزوع سلطوي إلى تجاوز التاريخ وملابسات الاختلاف الثقافي وتعددية الرؤى. وفي هذا السياق يروي فوكو في محاضرته الشهيرة حول «نظام الخطاب» قصة غربية طريفة هي أقرب إلى الأسطورة حول بحار إنجليزي علم اليابانيين في القرن السابع عشر علم الرياضيات في صورته الأوروبية الحديثة، وكيف أن الشوجون Shogun أو الحاكم تعلم ذلك واحتفظ بالمعرفة لنفسه. ويعلق فوكو على القصة في حوار ترجمه محمد ميلاد قائلاً: «هل يلزم أن نعتبر هذه الحكاية تعبيرًا عن إحدى الأساطير الكبرى في الثقافة الأوروبية؟ بدل المعرفة المحتكرة والسرية في الاستبداد الشرقي تقدم أوروبا المثال المعاكس: التواصل الشمولي والتبادل اللامحدود للخطابات».
هنا نقد صارم لنزعة العالمية التي رسخها التنوير متناسيا محدوديته الثقافية والتاريخية ككل معطيات الفكر الإنساني. لكن المفارقة التي لم ينتبه لها فوكو على ما يبدو أو انتبه لها ولم يعرها أهمية كبيرة هي أن كثيرًا من أجزاء العالم غير الغربي ومنها اليابان يصر على عالمية كل ما يصدر عن الغرب ولا يرى ضرورة لروح النقد التي استدعت قدرة فوكو نفسه على مساءلة تلك العالمية وكأن روح النقد يجب أن تتجه إلى المعطى المحلي فقط وليس كل ما يدعي لنفسه صفة العالمية والصلاحية المتجاوزة للزمان والمكان.
فوكو ومناهضة التنوير
لم يتوقف ضمن حدود النظرية وإنما تجاوز ذلك إلى الممارسة العملية
المناظرة التاريخية بين فوكو وتشومسكي
فوكو ومناهضة التنوير
المناظرة التاريخية بين فوكو وتشومسكي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



