رقم قياسي عالمي: 25 ساعة في أحضان الواقع الافتراضي

الاستغراق في لعبة الخيال قد يؤدي إلى مضاعفات صحية

زائران في مهرجان تريبيكا الأميركي للأفلام يتفاعلان مع فيلم الرعب «كيلر ديل» المعروض بنظام الواقع الافتراضي
زائران في مهرجان تريبيكا الأميركي للأفلام يتفاعلان مع فيلم الرعب «كيلر ديل» المعروض بنظام الواقع الافتراضي
TT

رقم قياسي عالمي: 25 ساعة في أحضان الواقع الافتراضي

زائران في مهرجان تريبيكا الأميركي للأفلام يتفاعلان مع فيلم الرعب «كيلر ديل» المعروض بنظام الواقع الافتراضي
زائران في مهرجان تريبيكا الأميركي للأفلام يتفاعلان مع فيلم الرعب «كيلر ديل» المعروض بنظام الواقع الافتراضي

حقق كاتب من لوس أنجليس رقمًا قياسيًا عالميًا بعد قضائه 25 ساعة عاكفًا على لعبة واحدة في نظام للواقع الافتراضي.
كان ديريك ويسترمان، 32 عامًا، قد خاض هذا التحدي بعد خوضه تجربة دخول الواقع الافتراضي للمرة الأولى بحياته في وقت سابق من العام. وبعد تجربته الأولى، ظل ويسترمان مشغولاً في التفكير في أقصى فترة الزمنية يمكن للمرء أن يقضيها داخل الواقع الافتراضي، في تجربة توصف بأنها مكثفة وقوية.
وعندما اكتشف ويسترمان عدم وجود رقم قياسي عالمي للوقت الذي يجري قضاؤه داخل واقع افتراضي، قرر خوض التحدي واتصل بشركة «سوبر ديلوكس» المتخصصة في إنتاج مقاطع فيديو كوميدية عبر موقع «يوتيوب».

تحدي العالم الافتراضي

وفي مواجهة التحدي، قضى ويسترمان 25 ساعة في صنع أعمال فنية ثلاثية الأبعاد في إطار لعبة تدعى «تيلت برش»Tilt Brush (الفرشاة المائلة). ومع مرور كل ساعة، كان ويسترمان يبدأ لوحة جديدة، مع حرصه على تبديل وضعية جسمه ما بين الوقوف والجلوس والاستلقاء على الأرض.
وخلال هذه المغامرة العصيبة، عاونه فريق دعم، عبر إطعامه قطع قليلة من البيتزا والدجاج. كما فرض القائمون على «موسوعة غينيس للأرقام القياسية»، وجود اثنين من المراقبين لإبقاء دورية ترصد تصرفات ويسترمان دقيقة بدقيقة. ولم يسمح لويسترمان بالنوم أو التوقف عن اللعب. أما دورة المياه فجرى استبدال وعاء أحمر بها.
وفي بعض اللحظات، فكر ويسترمان في التخلي عن هذا التحدي، مع شعوره بالإرهاق. وفي محاولة لترشيد استنزافه لطاقته، عمد إلى الرسم ببطء بالغ. وفي لحظة ما، تقيأ داخل الوعاء الأحمر.
واللافت أن ويسترمان، الذي وصف التجربة بعد انتهائها بالمثيرة، لم يرتد جهاز الواقع الافتراضي الذي وضع على الرأس منذ تسجيله رقما قياسيا عالميا باسمه على هذا الصعيد منذ شهر مضى. وقال ويسترمان إنه على مدار 24 ساعة بعد خوضه تلك التجربة المميزة، بدا كل شيء حوله غريبًا، مشيرًا إلى أن اليوم الذي قضاه في أحضان الواقع الافتراضي غير أسلوب تسجيل مخه للفضاءات من حوله. وأضاف أن الأجسام الموجودة على مسافات بعيدة على وجه التحديد بدت غريبة، وكأنها غير حقيقية.
جدير بالذكر أن «إتش تي سي»، الشركة المصنعة لجهاز الواقع الافتراضي الذي يوضع على الرأس واستخدمه ويسترمان في تجربته، توصي مستخدمي أجهزة الواقع الافتراضي بأخذ أقساط من الراحة على فترات متقطعة. وقال متحدث رسمي باسم «إتش تي سي» إن الشركة ليس لديها تعليق رسمي على الفترة الزمنية التي يمكن للمرء الاستمرار في ارتداء جهاز الواقع الافتراضي خلالها. أما «غوغل»، الشركة المصنعة للعبة التي كان يلعبها ويسترمان، فرفضت التعليق على ما إذا كان لديها أية تعليقات بخصوص الفترة التي ينبغي أن يقضيها المرء في ممارسة اللعبة.

مضاعفات صحية

أما ويسترمان فقد شعر بالارتياح لتلاشي الآثار الجانبية لتجربته خلال يوم واحد. تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الحواس البشرية قادرة على التكيف بصورة جيدة مع الظروف الجديدة المختلفة، تبعًا لما أوضحه البروفسور أميتاب فارشني بجامع ماريلاند، الذي يقود جهودًا بحثية بمجال الواقع الافتراضي. وأشار فارشني إلى تجربة أمد خلالها بروفسور نمساوي أحد مساعديه بنظارة تتسبب في قلب الرؤية، مما يبدل العالم المحيط رأسًا على عقب. ورغم شعوره بالارتباك بادئ الأمر، فإنه قبل مرور فترة طويلة نجح المساعد في أداء مهامه اليومية بسلاسة تامة.
وأشار فارشني إلى أن تجربة ويسترمان تسلط الضوء على التقدم الذي جرى تحقيقه على صعيد أجهزة وألعاب الواقع الافتراضي، الأمر الذي يشجع بعض المستخدمين على قضاء فترات طويلة في ممارسة هذه الألعاب.
وعن هذا، قال إريك رومو، الرئيس التنفيذي لشركة «أولتسبيس» التي تتولى تصميم برامج واقع افتراضي: «لو كنت خضت تجربة واقع افتراضي منذ بضع سنوات، ستجد تجربتك اليوم مختلفة عنها على نحو جذري. في الواقع، إن عجز الأفراد عن البقاء داخل تجربة واقع افتراضي لفترة طويلة ليست مشكلة بالدرجة التي يظنها الناس».
ويوعز رومو التغيير إلى الإصدارات الجديدة من أجهزة الرأس، منها «إتش تي سي فيف» و«أوكيولوس ريفت»، علاوة على توافر ألعاب وتجارب أفضل فيما يخص الواقع الافتراضي.
من ناحية أخرى، قضى رجل ألماني في وقت سابق من العام 48 ساعة وهو يرتدي جهازًا على الرأس للواقع الافتراضي ويمارس ألعابًا. وفي إحدى اللحظات، اشتكى أنه لاحظ تسارعا في نبضات القلب، لكنه خلص لاحقًا إلى أنها عانى نوبة هلع. إلا أنه بعد انتهاء التجربة، كان في حالة معنوية جيدة.
ومع ذلك، فإن تقيؤ ويسترمان في وعاء ينبغي أن يذكرنا جميعًا بأن التداعيات الصحية للتقنية الجديدة لم تجر دراستها جيدًا، تبعًا لما قاله فارشني، الأمر الذي يترك المسؤولية على عاتق المستخدمين فيما يخص ضمان عدم إفراطهم في استخدام الواقع الافتراضي.
قبل التجربة التي خاضها، خالجت ويسترمان مخاوف بخصوص إمكانية تعرضه لمشكلات صحية خطيرة. وأوضح أن رحلة بحث قصيرة له عبر محرك البحث «غوغل» قادته إلى رسائل تنبيه قليلة بخصوص ملاحظة مشكلات في تركيز العين بعد قضاء فترات طويلة في الواقع الافتراضي. ومع ذلك، فإنه بالنظر لاستمتاعه عادة بمشاهدة الأفلام الطويلة، خلص ويسترمان إلى أن بإمكانه خوض التجربة من دون مشكلات تذكر.
ويتوقع ويسترمان أن يتعرض رقمه القياسي للتحطيم قريبًا، لكنه أشار إلى أنه لا ينوي إعادة تجربة التحدي مرة أخرى، واصفًا القرار بأنه أشبه بمشاهدته لفيلم رائع للمرة الأولى وعدم رغبته في معاودة مشاهدته خوفًا من إفساد الذكريات الجميلة التي ترسخت في ذهنه تجاهه.
* خدمة «واشنطن بوست»
خص بـ ({الشرق الأوسط})



بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».