مواقع التواصل الاجتماعي.. فضاء متعدد ومنصة لـ«الإعلام الجديد»

دراسة حديثة: السعوديون يتصدرون قائمة مستخدميها عالميًا

مواقع التواصل الاجتماعي.. فضاء متعدد ومنصة لـ«الإعلام الجديد»
TT

مواقع التواصل الاجتماعي.. فضاء متعدد ومنصة لـ«الإعلام الجديد»

مواقع التواصل الاجتماعي.. فضاء متعدد ومنصة لـ«الإعلام الجديد»

أظهرت دراسة تحليلية لأنماط الاتصال الجماهيري أن السعوديين في صدارة دول العالم في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، متفوقين من حيث النسبة على دول كبيرة، مثل الولايات المتحدة والصين.
وأشارت الدراسة إلى أن دول الخليج تتصدر دول العالم في نسبة المستخدمين النشطين والتكنولوجيا الرقمية، وأن منصات ووسائل الإعلام الجديد «النيو ميديا» ساهمت في إعادة تشكيل الساحة الإعلامية الخليجية؛ حيث تغيرت معها قواعد اللعبة وتبدلت أدوار اللاعبين، حسبما يقول باحث خليجي شارك في إعداد الدراسة.
تحمل الدراسة عنوان «وسائل الإعلام الاجتماعية في العالم العربي: أنماط الاتصال الجماهيري واتجاهات الرأي العام في دول الخليج»، وتقع في (288) صفحة، وهي من تأليف وإشراف الدكتور خالد الجابر، أستاذ الاتصال السياسي في برنامج الخليج في جامعة قطر، والدكتور مختار العريشي، والبروفسور باري جونتر من جامعة ليستر، وشارك في إعداد فصول الدراسة التي صدرت نخبة من الأكاديميين والباحثين المتخصصين في شؤون الاتصال السياسي، ووسائل الإعلام، والإعلام الجديد، والجمهور والرأي العام في منطقة الخليج.
وتحذر مما تسميه «استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مفرط وغير مسؤول»، وترى أن هذا الاستخدام في بعض الأحيان «أدى إلى الاستقطاب السياسي، والاصطفاف الآيديولوجي، والتخندق الطائفي، والديني، والمذهبي، والقبلي، ونشر الأكاذيب والشائعات والفتن، والترويج للتطرف والعنصرية والإرهاب».
وقد صدرت الدراسة على شكل كتاب عن دار (آي. بي. توريس) باللغة الإنجليزية، التي تعد إحدى أبرز دور النشر العالمية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي، ومقرها العاصمة البريطانية لندن.
وفي تدشينه للكتاب، قال الدكتور خالد الجابر: «إن أهميته تكمن في تفكيك ودراسة التحولات التي طرأت على وسائل وأدوات الإعلام في العالم العربي في السنوات الماضية، وطبيعة التغييرات التي طالت المشهد الاتصالي بمجمله، ومدى تراجع أهمية وسائل الإعلام التقليدية ومؤسساتها وتأثيرها وانتشارها، وصعود دور منصات التواصل الاجتماعي، والوسائط الرقمية (Digital Media)، خصوصًا في دول مجلس التعاون الخليجي التي تمثل فيها المملكة العربية السعودية المساهم الأكبر والأكثر نشاطًا وحيوية وتفاعلاً».
وأشار الجابر إلى «أننا نعيش في منطقة جيو استراتيجية مضطربة، أشبه برمال صحراوية متحركة، (...) وأن دول الخليج تتفاعل مع كل المتغيرات، كما أنها ومن جانب آخر تتصدر دول العالم في نسبة المستخدمين النشطين والتكنولوجيا الرقمية، وهي بحاجة إلى مزيد من الدراسات والأرقام والإحصاءات واستطلاعات الرأي العام، التي تساعدها في معرفة وتحليل الوضع»، لافتًا إلى أن فصول الكتاب تستعرض تعامل الجمهور مع منصات التواصل الاجتماعي في دول الخليج العربي الست.
وأكد الجابر أن منصات ووسائل الإعلام الجديد «النيو ميديا»، أعادت تشكيل الساحة الإعلامية الخليجية وتغيرت معها قواعد اللعبة وتبدلت أدوار اللاعبين، ووفرت أرضية قائمة على إتاحة مساحة رمادية واسعة من التعبير والحوار والمتبادل والمشاركة في الرأي، وهي تشمل مشاركة كبيرة من جانب السواد الأعظم من الناس، خصوصًا الفئات المهشمة، أهمها القطاعات الشبابية التي تمثل الأغلبية والقوى الصاعدة في المجتمعات الخليجية.
وقال إن هؤلاء الشباب ساعدوا في إيجاد منصات لتشكيل الفضاء العام أو المجال العام (Public Sphere) التي تناولها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ووضعه مصطلحًا عام 1962 في كتابه الشهير «التحولات البنيوية في المجال العام».
ولاحظ أن وسائل الإعلام الجديد أضعفت دور المراقب أول الحارس أو ما يُسمى بـ(Gate Keeping)، ودور وسائل الإعلام التقليدية الرئيسية (الصحف والإذاعة والتلفزيون والمحطات الإخبارية)، في تحديد أولويات اهتمام الرأي العام، ولم تعد لديها القدرة الفاعلة على تعيين وتحديد طبيعة الخطاب وصناعة المواقف.
يتناول الفصل الأول من هذا الكتاب، وعنوانه «أهمية وسائل الإعلام الاجتماعية في العالم العربي»، الحديث عن التوسع الرقمي في استخدامات وسائل الإعلام، خصوصًا التزايد والنمو في استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي، مثل: (فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب) في التواصل ونقل الأخبار والمعلومات بين الأفراد والمؤسسات المختلفة. كما يتناول المواقع والأدوات والتطبيقات الأكثر تأثيرًا واستهلاكًا في وسائل التواصل الاجتماعي من أجل التواصل مع قيادات المجتمع السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية.
ويستعرض الفصل الثاني أهمية ودور وتأثير وسائل الإعلام الاجتماعي في المملكة العربية السعودية؛ حيث تناولت الباحثة شوبهادي تشودري دور الإعلام الاجتماعي في صناعة منصة عامة، وتنظر الباحثة إلى دور وسائل الإعلام الاجتماعي ومساهمتها في صياغة خطاب متنوع ومتعدد داخل اقتصاد الدولة.
من جانبه، يناقش الدكتور مارك جونز، من جامعة دراهم البريطانية، في الفصل الرابع وفي الفصل التاسع، استخدامات وسائل الإعلام الجديد في مملكة البحرين. ويعرض الباحث فكرة وجود كثير من التحديات الاستراتيجية التي لعبت فيها مواقع التواصل الإعلام الاجتماعي دورًا مهمًا، التي فتحت جبهة أخرى أمام العمل الدبلوماسي البحريني على الصعيدين الإقليمي والدولي، وإحداث التغيير الجذري في الاستراتيجية الدبلوماسية باستخدام وسائل الإعلام الاجتماعي نفسها لشرح المواقف والرد على الاتهامات.
ويتطرق الفصل الخامس الذي يشترك في تأليفه الدكتور عبد الكريم الزياني من جامعة البحرين والدكتور مختار العريشي من جامعة ليستر، في دراستهما المعنونة بـ«الهواتف المحمولة واستخدام الإنترنت في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي: منظور طلاب الجامعات»، إلى دراسة استخدامات الهواتف النقالة والإنترنت من قبل الشباب العربي في منطقة الخليج العربي. ويستعرض الفصل عددًا من الوسائل التي يستخدمها طلبة الجامعات في دول مجلس التعاون الخليجي؛ للحصول على المعلومات والأخبار عن مجتمعاتهم المحلية، وعادات الاستهلاك الإخباري والمصادر التي يعتمدون عليها في نقل وترويج واسترجاع المعلومات.
ويعرض الفصل السادس دراسة كل من الدكتور ديفيد جورج بولا وجميس بيي من جامعة زايد الإماراتية والمتعلقة بـ«استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي والسياق المتغير في دولة الإمارات العربية المتحدة»، وتتناول الدراسة استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي من قبل فئات كثيرة من المجتمع. كما يتناول الفصل دراسة قانون الجرائم الإلكترونية في دولة الإمارات، فضلاً عن تعريف الفضاء الاجتماعي وكيفية تطبيق هذه القوانين في بعض الحالات المحددة.
ويتناول الفصل السابع «النساء والمشاركة السياسية عبر الإنترنت في الكويت»، الذي تتعرض فيه الدكتورة فاطمة السالم من جامعة الكويت، قسم الإعلام، للنظام السياسي في الكويت والمشاركة في وسائل الإعلام الاجتماعي من قبل شريحة الإناث الكويتيات، من خلال النظر إلى أثر الثورة التكنولوجية على البناء السياسي والاجتماعي في الكويت. وتأتي هذه الدراسة على خلفية ندرة الدراسات والبيانات حول العلاقة بين استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي والمشاركة السياسية للمرأة في الخليج وخصوصًا في الكويت على صعيدي الإعلام الجديد والإعلام التقليدي.
ويتناول الفصل الثامن وعنوانه «الإعلام الجديد كوسيلة بديلة للإعلام القائم في دول مجلس التعاون الخليجي»، بمشاركة أستاذ الاتصال السياسي في جامعة قطر، الدكتور خالد الجابر، والدكتور مختار العريشي من جامعة ليستر، التركيز على دراسة طبيعة المتغيرات التي طرأت على المشهد الاتصالي الخليجي والجمهور المستهلك في ثلاث دول من مجلس التعاون (السعودية - قطر - البحرين)، وتحليل أنماط الاستخدام لوسائل مواقع التواصل الاجتماعي، وكيفية التفاعل والمشاركة وعوامل التأثير والإيجابيات والسلبيات.
أما في الفصل الأخير، فيعرض الكتاب ما تم الوصول إليه من خلاصة للنتائج والتحليلات في الفصول السابقة. ويطرح تصورات مستقبلية لتطوير وسائل الإعلام الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي والاستفادة من الأخطاء والسلبيات التي خلفتها تداعيات ما يعرف بالربيع العربي، والاستثمار في مستقبل تساهم فيه وسائل الإعلام الاجتماعي في صناعة الوعي، والحفاظ على كيان المجتمع، وتعزيز الأمن واستقرار المنطقة، والبعد عن التفرقة بين أبناء الوطن الواحد وافتعال المعارك السياسية وإذكاء الصراعات وإشعال الحروب.



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».