التعليم في السعودية.. بين استباق الأحداث أو مواكبتها

تحويل الرؤية إلى واقع يتطلب مشاركة الجميع

صورة أرشيفية اطلبة سعوديين يؤدون امتحانات نهاية العام في مدينة جدة (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية اطلبة سعوديين يؤدون امتحانات نهاية العام في مدينة جدة (أ.ف.ب)
TT

التعليم في السعودية.. بين استباق الأحداث أو مواكبتها

صورة أرشيفية اطلبة سعوديين يؤدون امتحانات نهاية العام في مدينة جدة (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية اطلبة سعوديين يؤدون امتحانات نهاية العام في مدينة جدة (أ.ف.ب)

اعتادت كثير من دول العالم الثالث أن تنتظر أن يداهمها السيل قبل أن تفكّر في إقامة السدود والعوائق وأكياس الرمال أمامه، وأن نخطّط لطرقاتٍ تتّسع لمليون سيّارة تتحرّك في شوارعها حين تكون هناك مليون سيارة أخرى على الحدود تنتظر الإذن بالدخول، واعتاد كثير من مواطنيها أن يعملوا لدنياهم كأنهم يعيشون أبدا.
أقول هذا ليس من باب التشاؤم، بل من باب التفاؤل والثقة في القادم بعد أن قرأنا وسمعنا «رؤية المملكة العربية السعودية 2030» وتابعنا ونتابع اجتماعات تعقد ومجهودات تبذل ومحاولات تجري للنهوض بجميع القطاعات في بلادنا الحبيبة، ولتهيئة مجتمعنا لمواكبة الأحداث والتطورات العلمية والحضارية المتلاحقة وتحويل الرؤية إلى واقع نعيشه ويعيشه أبناؤنا.
ومن فضل الله العلي القدير أن بلادنا أولت دائما اهتماما عظيما لقطاع التعليم، وخصصت له كل عام ميزانية سخية، أدركنا منها أن التعليم هو العمود الفقري لكل تقدم وكل تطور... عليه قامت الحضارات وبه ترتقي المجتمعات، ونحمد الله أن التعليم احتل المكانة الجديرة به في «رؤية المملكة العربية السعودية عام 2030». إن تحويل الرؤية الطموحة إلى واقع يعود بالخير على الوطن والمواطن يتطلب تضافر الجهود، ومشاركة جميع أبناء الوطن من دون استثناء، الصغار والكبار، الشباب والشيوخ، النساء والرجال، كما يحتاج إلى انضباط، واحترام الوقت، والتخلي عن المظاهر الكاذبة، والبعد عن الكسل والاتكالية، وإسناد البعض عملهم ومسؤولياتهم إلى المجدّين من مرؤوسيهم، والخلود إلى الراحة، فإذا جاءت النتيجة مرضية، نسب رئيس العمل النجاح إلى نفسه، وحصل على ترقية، وإن جاءت مخيبة، نسب الفشل إلى المرؤوس، وعاتبه وعاقبه وربما طرده.
إن من واجبي، وكذلك من واجب من عملوا في الميدان التربوي والتعليمي بمختلف الهيئات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، داخل بلادنا وخارجها، وعاشوا طموحاته ومشكلاته ومخاوفه، أن يسهموا بخبراتهم في دعم «رؤية المملكة العربية السعودية» لوضع تصوّراتهم لما يمكن أن يكون وضع العالم في 2030، واقتراح الحلول والطرق والدفاعات التي يجب أن نواجه بها الأحداث المتلاحقة والتطوّرات الحضارية التي لا تتوقف. و ليسمح لى القارئ أن أؤكد هنا خطورة جانب معين من المشكلات، وأن ألفت الأنظار إلى أهميّة الوعي بوجودها، وعمق معاناتنا الحالية منها، وتحسّبنا لتفاقمها، مع حرصي على أن أذيّل كلاً منها بالحلول أو الاقتراحات التي أراها مناسبة.
وتتلخّص المشكلات فيما يلي:
أولاً - لغتنا العربية الجميلة في خطر
هل من سبيل لجعلنا أكثر اعتزازا بلغة عظيمة أوصلت حضارتنا يومًا إلى أطراف الأرض الأربعة، ولجعل تلميذنا في المدرسة أكثر ثقة بلغته، وأكثر اقتناعًا، هو ووالداه، بجدوى إنفاقه الوقت والجهد والمال لدراسة هذه اللغة؟
لا بد من تطوير أساليب ومناهج وكتب تعليم العربيّة، ولا بدّ من إعادة النظر كلّيًا في هذه الكتب والمناهج؛ بحيث لا تقلّ في تعليمها عن مثيلتها الأوروبّية الحية، لا سيما الإنجليزية.
ثانيًا - عدم الاهتمام بتعلم وإتقان طلابنا للغات الأجنبية، خصوصا الإنجليزية، وهي الأكثر انتشارا في العالم، مما يجعل التواصل مع العالم الخارجي شبه مفقود، والاطلاع على الجديد في مجال التخصص محدودا.
المطلوب مزيد من الاهتمام بتعليم اللغات الأجنبيّة، ولكن مع مزيد من الاهتمام بتعليم اللغة العربية أيضا. إن من الضروري لأجيالنا القادمة أن تكون أكثر فهمًا للآخر، وأكثر قدرة على التعامل معه؛ من خلال تعلّم لغته وآدابه وثقافته، لكن من غير أن نفرّط بشخصيتنا اللغوية التي ترسم وجودنا وتحدّد لوننا على خريطة العالم.
ثالثا - التعليم في بلادنا وفي العالم العربي بحاجة ماسة إلى التطوير
لا بدّ أولاً من العمل على تكوين طلبة هُيّئوا ليخدموا حاجات وطننا، وهذا يستدعي وجود مناهج حديثة، ومدرّسين نقوم بتدريبهم على استخدام وطرائق تربويّة حديثة.
ينبغي التأسيس لمناهج وكتب تعليمية جديدة تتخلص من السلبية وكل ما لا ينفع التلميذ في حياته العمليّة، بحيث نتخلص من عبارات، مثل (ضرب زيد عمرًا) ليحل محلها عبارات تحث أبناءنا على العطاء والتعاون والعمل الجماعي، مثل (ساعد زيد عمرًا) أو (بنى زيد وعمرو مؤسسة). نحتاج إلى مناهج تأخذ، في مضمونها وإخراجها معًا، من مختلف العلوم الحديثة التي توفّرها لنا الحضارة اليوم، ولكن من غير أن نسقط في شَرك التخلّي عن شخصيّتنا الثقافيّة والروحيّة، واعين أن المناهج يجب أن تنبع أولاً وأخيرًا من ثقافتنا ومجتمعنا وشخصيّتنا الحضاريّة، فنضع تحت المجهر كلّ منهج للتأكّد من صلاحيته لمجتمعنا، ونفتح نوافذنا لكلّ الثقافات، لكن من غير أن نسمح للرياح بأن تقتلعنا من جذورنا كما يقول توفيق الحكيم. ينبغي تغذية روح الاعتزاز الوطني والثقافي في تلاميذنا، ومنه الاعتزاز بلغتنا وبشخصيّتنا أيضًا، لكن من غير أن يتحوّل هذا الاعتزاز إلى غرور وتكبّر. إننا نعيش عصر العولمة، ولا مكان في العالم لمن يعزل نفسه عنه، وعلينا أن نستفيد من كلّ التجارب العالميّة الناجحة في مجال التربية والتعليم، على ألا نغرق في الطوفان الحضاري الذي بدأ يجرف في طريقه كلّ شيء. علينا أن نعلّم أبناءنا وبناتنا احترام الآخرين، على أن نعلّمهم أيضًا كيف يثبّتون أقدامهم في الأرض ويفرضون احترامهم على أولئك الآخرين. ينبغي الحفاظ على ارتباط تلميذنا بوطنه، فنغذّي فيه روح التعلّق بخدمته، والتضحية من أجله، ونجنّبه الميول المتنامية في نفوس بعض أبناء العالم العربي اليوم للتخلّي عن أوطانهم والهجرة إلى الغرب. إنّ هذا لا يتمّ بمجرّد الكلام، ولا بدّ من إعادة النظر في طبيعة العلاقة العامّة كلها بين الوطن والتلميذ منذ المراحل التعليميّة الأولى. وحتى يتحقق ذلك ينبغي تنمية روح الخدمة العامّة في نفوس أبنائنا وبناتنا، فلا تنحصر اهتماماتهم في خدمة أنفسهم أو ذويهم أو أصدقائهم، بل تتسع لتشمل دائرة المجتمع بأسره، كما ينبغى إضافة مادة (خدمة المجتمع) لمنهج المرحلة الثانوية والمرحلة المتوسطة على أن تكون المادة إجبارية.
رابعًا - هناك خمسة عناصر تعليميّة وتربويّة تعاني من ضعف شديد وتؤثر تأثيرا سلبيا على عملية التعليم، ومن الضروري إعادة النظر في موقفنا تجاهها وفي تعاملنا معها، إنّها أشبه بالأصابع الخمس في كفّ العمليّة التعليميّة، وهذه العناصر هي:
- مدير المدرسة
من المهمّ جدًّا إعادة النظر في طرق تعيين المديرين، واتّباع أساليب جديدة في اختيارهم، مع إخضاعهم لدورات تدريبيّة مستمرّة على مدى سنوات قبل تعيينهم، وقبل أن نضع مصائر المئات أو الآلاف من أبنائنا بين أيديهم. من المهم أن يكون لدى المدير إلمام باللغة الإنجليزية، وهي اللغة الأكثر انتشارًا في العالم، ليتمكن من الاطلاع على ما هو جديد في مجال التربية ومجال تخصصه.
- المدرس
وهو يتحمّل النصيب الأكبر في مسؤوليّة انهيار أو نهوض العمليّة التربويّة. لا بد من اتّباع طرائق تعليميّة: «لصناعة المدرّس» وإيجاد خطّة جديدة لاختياره وتدريبه، ثمّ متابعة توجيهه وتطويره باستمرار، مستفيدين من أحدث التجارب التربويّة الناجحة، ومن التطوّرات التكنولوجيّة في عالمنا، لا سيّما ما يقدّمه لنا الحاسوب والاتصالات الإعلاميّة الفضائية من خدمات في هذا المجال.
- التلميذ
لا بد من إعادة النظر في طريقة بناء شخصيّته، فنعلّمه الإبداع بدلاً من التقليد، والتفكير بدلاً من الحفظ، والجرأة على التحدّث في الندوات والأنشطة بدلاً من الانطوائيّة وضعف الشخصية.
لا بد أن نتخلى مثلاً عن نظام ترتيب الناجحين... الأول، الثاني، الثالث... وهو يغذّي الفرديّة وينمّي المنافسة السلبيّة والأنانيّة والعدوانيّة، وأن يحل محل هذا النظام، الذي أثبت ضرره، نظامُ المجموعة الذي ينمي الروح الجماعيّة، وهكذا نحتفل بفوز الفريق وليس بفوز الفرد.
- المدرسة
من المهمّ أن نعيد تأسيس المدرسة على قواعد تربويّة جديدة تستفيد من أخطاء الشرق والغرب معًا، وأن نعيد النظر في النظام المدرسي الحالي، وقد ثبت وجود ثغرات خطيرة في كثير من جوانبه. ومن المهمّ أن ننقل العمليّة التعليميّة إلى أفق العالم الخارجيّ، فيخرج التلميذ إلى الأرض وإلى المصنع والمكتب ليتلقى معظم مادته العلمية على أرض الواقع، ولا يحصر نفسه بين أغلفة الكتب وجدران المدرسة أو الفصل.
- الآباء والأمهات
البيت هو الحصان الثاني، والأقوى، في عربة التعليم، ولا بدّ أن يكون للأبوين نصيبهما من التدرّب والتثقيف حتى تتحرّك العربة بتوازن واستقامة، ومن المهمّ إقامة أقنية حيّة مستمرة بين البيت وبين المدرسة، بحيث لا يهدم البيت ما نبنيه في المدرسة.
ربما حان الوقت للتفكير في تخصيص مناهج وكتب خاصة تساعد الآباء على تربية أبنائهم لحمايتهم من الانضمام إلى مجموعات لا تريد بهم خيرًا ولا تريد لمجتمعاتهم التطور، ولبلادهم التقدم، ولعالمنا العربي الرفعة. وربما حان الوقت للتفكير في عقد ورش عمل تعين الآباء على الحفاظ على أبنائهم من أخطار عالم تعصف به الرياح، وتحيط به المخاطر من كل جانب، على أن توكل هذه المهمة إلى تربويين متخصصين معتزين بهويتنا، منفتحين على العالم الخارجي، مطلعين على الدراسات التربوية الحديثة في الداخل وفي الخارج. ويمكن على سبيل المثال أن تخصص كل مدرسة ساعتين مسائيتين كل أسبوع أو أسبوعين لاستضافة الآباء والأمّهات.
وأخيرا وليس آخرًا، حتى تؤتي الاجتماعات التربوية والتعليمية اللغوية الكثيرة ثمارها المرجوّة، وحتى تنجح المجهودات المستمرة التي تبذلها الجهات المعنية لرفع مستوى التعليم ونشر الثقافة بين أفراد المجتمع، لا بدّ من تشكيل لجان متابعة، بدعم مالي كاف، مع التزام هذه اللجان بجدول زمني لضمان تنفيذ القرارات والتوصيات في فترات محددة.
كلنا أمل في اجتماعاتنا التربوية والثقافية في وطننا الغالي، وأيضا في مختلف الدول العربية وأنها لن تجري في المستقبل خلف الأحداث التي تعصف بنا من كل جانب، ولن تكتفي بأن تواكبها وتترسم خطاها خطوة فخطوة، بل تتقدم وتتجاوزها بوقت طويل، وبسرعة تمكنها من الوصول إلى أهدافها البعيدة قبل وصول الأحداث لها.

* تربوية سعودية



كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات

كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات
TT

كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات

كلية الطب في بيروت... 150 عاماً من النجاحات

التحدث عن كلية الطب في «الجامعة الأميركية» وما حققته من إنجازات وتطورات منذ تأسيسها عام 1867 لا يمكن تلخيصه بمقال؛ فهذه الكلية التي تحتل اليوم المركز الأول في عالم الطب والأبحاث في العالم العربي والمرتبة 250 بين دول العالم بالاعتماد على QS Ranking، استطاعت أن تسبق زمنها من خلال رؤيا مستقبلية وضعها القيمون عليها، وفي مقدمتهم الدكتور محمد صايغ نائب الرئيس التنفيذي لشؤون الطب والاستراتيجية الدولية وعميد كلية الطب في الجامعة الأميركية، الذي أطلق في عام 2010 «رؤيا (2020)»، وهي بمثابة خطة طموحة أسهمت في نقل الكلية والمركز الطبي إلى المقدمة ووضعهما في المركز الأول على مستوى المنطقة.

رؤية 2025

اليوم ومع مرور 150 عاماً على تأسيسها (احتفلت به أخيراً) ما زالت كلية الطب في «الجامعة الأميركية» تسابق عصرها من خلال إنجازات قيمة تعمل على تحقيقها بين اليوم والغد خوّلتها منافسة جامعات عالمية كـ«هارفرد» و«هوبكينز» وغيرهما. وقد وضعت الجامعة رؤيا جديدة لها منذ يوليو (تموز) في عام 2017 حملت عنوان «رؤية 2025»، وهي لا تقتصر فقط على تحسين مجالات التعليم والطبابة والتمريض بل تطال أيضاً الناحية الإنسانية.
«هي خطة بدأنا في تحقيقها أخيراً بحيث نستبق العلاج قبل وقوع المريض في براثن المرض، وبذلك نستطيع أن نؤمن صحة مجتمع بأكمله». يقول الدكتور محمد صايغ. ويضيف خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لا نريد أن ننتظر وصول وفود المرضى إلى مركزنا الطبي كي نهتم بهم، بل إننا نعنى بتوعية المريض قبل إصابته بالمرض وحمايته منه من خلال حملات توعوية تطال جميع شرائح المجتمع. كما أننا نطمح إلى إيصال هذه الخطة إلى خارج لبنان لنغطي أكبر مساحات ممكنة من مجتمعنا العربي».
تأسَّسَت كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1867، وتعمل وفقاً لميثاق صادر من ولاية نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، ويقوم على إدارتها مجلس أمناء خاص ومستقل.
وتسعى الكلية لإيجاد الفرص التي تمكن طلبتها من تنمية روح المبادرة، وتطوير قدراتهم الإبداعية واكتساب مهارات القيادة المهنية، وذلك من خلال المشاركة في الندوات العلمية والتطبيقات الكلينيكية العملية مما يُسهِم في تعليم وتدريب وتخريج أطباء اختصاصيين.
وملحَق بكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت مركز طبي يضم أقساماً للأمراض الباطنية والجراحة والأطفال وأمراض النساء والتوليد ‏والطب النفسي. كما يقدم المركز الطبي خدمات الرعاية الصحية المتكاملة في كثير من مجالات الاختصاص، وبرامج للتدريب على التمريض وغيرها ‏من المهن المرتبطة بالطب.

اعتمادات دولية

منذ عام 1902، دأب المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت على توفير أعلى معايير الرعاية للمرضى في مختلف أنحاء لبنان والمنطقة. وهو أيضاً المركز الطبي التعليمي التابع لكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت التي درّبت أجيالاً من طلاب الطب وخريجيها المنتشرين في المؤسسات الرائدة في كل أنحاء العالم. المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت هو المؤسسة الطبية الوحيدة في الشرق الأوسط التي حازت على خمس شهادات اعتماد دولية وهي JCI)، وMagnet، وCAP، وACGME - I و(JACIE مما يشكّل دليلاً على اعتماد المركز أعلى معايير الرعاية الصحية المتمحورة حول المريض والتمريض وعلم الأمراض والخدمات المخبرية والتعليم الطبي والدراسات العليا. وقد خرَّجَت كلية الطب أكثر من أربعة آلاف طالب وطبيب. وتقدم مدرسة رفيق الحريري للتمريض تعليماً متميزاً للعاملين في مجال التمريض، ويلبي المركز الطبي احتياجات الرعاية الصحية لأكثر من 360 ألف مريض سنوياً.
ويتألف المركز من عدد من مراكز الامتياز كمركز سرطان الأطفال التابع لمستشفى «سانت جود» البحثي في ولايتي ممفيس وتينيسي. كما تتضمن برنامج باسيل لأورام البالغين وفيه وحدة لزرع نخاع العظام، إضافة إلى مراكز طب الأعصاب المختلفة وأمراض القلب والأوعية الدموية ومركز للرعاية الصحية للنساء.
«هناك استثمارات تلامس نحو 400 مليون دولار رصدت من أجل بناء البنية التحتية اللازمة للمركز الطبي مع مشروع افتتاح عدة مبانٍ وأقسام جديدة خاصة بأمراض السرطان وأخرى تتعلق بالأطفال، إضافة إلى نقلة نوعية من خلال زيادة عدد الأسرة لتلبية الحاجات الصحية المختلفة لمرضانا»، كما أوضح د. صايغ في سياق حديثه.

تبرعات للمحتاجين

يعمل المركز الطبي على تأمين العلاج المجاني لأمراض مستعصية من خلال تأسيس صناديق تبرُّع للمحتاجين، هدفها تأمين العلاج لذوي الدخل المحدود. وهي تخصص سنوياً مبلغ 10 ملايين دولار لمساعدة هذه الشريحة من الناس التي تفتقر إلى الإمكانيات المادية اللازمة للعلاج.
وينظم المركز الطبي مؤتمراً سنوياً ودورات وورش عمل (MEMA) تتناول مواضيع مختلفة كطب الصراعات ومواضيع أخرى كصحة المرأة، والصحة العقلية، وعبء السرطان وغسل الكلى أثناء الصراع وتدريب وتثقيف المهنيين الصحيين للتعامل مع تحديات العناية بأفراد المجتمع.
تُعدّ كلية الطب في الجامعة الأميركية السباقة إلى تأمين برنامج تعليمي أكاديمي مباشر لطلابها، بحيث يطبقون ما يدرسونه مباشرة على الأرض في أروقة المركز الطبي التابع لها.
ويرى الدكتور محمد صايغ أن عودة نحو 180 طبيباً لبنانياً عالمياً من خريجيها إلى أحضانها بعد مسيرة غنية لهم في جامعات ومراكز علاج ومستشفيات عالمية هو إنجاز بحد ذاته. «ليس هناك من مؤسسة في لبنان استطاعت أن تقوم بهذا الإنجاز من قبل بحيث أعدنا هذا العدد من الأطباء إلى حرم الكلية وأنا من بينهم، إذ عملت نحو 25 عاماً في جامعة (هارفرد)، ولم أتردد في العودة إلى وطني للمشاركة في نهضته في عالم الطب». يوضح دكتور محمد صايغ لـ«الشرق الأوسط».

رائدة في المنطقة

أبهرت كلية الطب في الجامعة الأميركية العالم بإنجازاتها على الصعيدين التعليمي والعلاجي، ففي عام 1925. تخرجت فيها أول امرأة في علم الصيدلة (سارة ليفي) في العالم العربي، وبعد سنوات قليلة (1931) كان موعدها مع تخريج أول امرأة في عالم الطب (ادما أبو شديد). وبين عامي 1975 و1991 لعبت دوراً أساسياً في معالجة ضحايا الحرب اللبنانية فعالج قسم الطوارئ لديها في ظرف عام واحد (1976 - 1977) أكثر من 8000 جريح. وفي عام 2014 تلقت إحدى أضخم التبرعات المالية (32 مليون دولار) لدعم المركز الطبي فيها وتوسيعه.
كما لمع اسمها في إنجازات طبية كثيرة، لا سيما في أمراض القلب، فكان أحد أطبائها (دكتور إبراهيم داغر) أول من قام بعملية القلب المفتوح في العالم العربي، في عام 1958. وفي عام 2009، أجرت أولى عمليات زرع قلب اصطناعي في لبنان، وفي عام 2017 أحرز فريقها الطبي أول إنجاز من نوعه عربياً في أمراض القلب للأطفال، عندما نجح في زرع قلب طبيعي لطفل.
كما تصدرت المركز الأول عربياً في عالم الطب لثلاث سنوات متتالية (2014 - 2017) وحازت على جوائز كثيرة بينها «الجائزة الدولية في طب الطوارئ» و«جائزة عبد الحميد شومان» عن الأبحاث العربية، و«جائزة حمدان لأفضل كلية طبية في العالم العربي» لدورها في التعليم الطبي لعامي 2001 – 2002.


جامعة ياغيلونيا البولونية... احتلها النازيون فأسست مؤسسة تعليمية سرية مناهضة

جامعة ياغيلونيا البولونية... احتلها النازيون فأسست مؤسسة تعليمية سرية مناهضة
TT

جامعة ياغيلونيا البولونية... احتلها النازيون فأسست مؤسسة تعليمية سرية مناهضة

جامعة ياغيلونيا البولونية... احتلها النازيون فأسست مؤسسة تعليمية سرية مناهضة

تم تصنيف جامعة ياغيلونيا في مدينة كراكوف البولندية كأفضل مؤسسة تعليمية جامعية في البلاد، إلى جانب كونها واحدة من أعرق الجامعات في العالم. بدأت قصتها عام 1364 عندما نجح الملك كازيمير الأعظم بعد سنوات طويلة في إقناع البابا أوربان الخامس بمنح تصريح لإنشاء مؤسسة للتعليم الجامعي في مدينة كراكوف، قام الملك بتمويلها بعائدات مناجم فياليتشكا الملحية القريبة.
بعد ثلاث سنوات كان الجرس يدق في أرجاء المؤسسة معلناً عن بدء الدروس والتي كانت في الفلسفة والقانون والطب. وبدأت الجامعة، التي كان أول اسم يطلق عليها هو أكاديمية كراكوف، في الازدهار والنجاح خلال القرن التالي عندما بدأت في تدريس الرياضيات واللاهوت والفلك، حيث جذبت تلك المواد الباحثين والدارسين البارزين من مختلف أنحاء أوروبا. وتطلب توسعها بخطى سريعة إنشاء حرم جامعي أكبر. وقد التحق نيكولاس كوبرنيكوس، الذي أحدث بعد ذلك ثورة في فهم الكون، بالجامعة منذ عام 1491 حتى 1495.
مع ذلك، لم يستمر ما حققته الجامعة من نجاح وازدهار لمدة طويلة كما يحدث طوال تاريخ بولندا؛ ففي عام 1939 احتل النازيون مدينة كراكوف وألقوا القبض على الأساتذة بالجامعة وقاموا بنقلهم إلى معسكري التعذيب زاكزينهاوسين، وداخاو؛ ولم يعد الكثيرون، لكن من فعلوا ساعدوا في تأسيس جامعة مناهضة سرية ظلت تعمل حتى نهاية الحرب. كذلك اضطلعت جامعة ياغيلونيا بدور في الاحتجاجات المناهضة للنظام الشمولي في الستينات والثمانينات، واستعادت حالياً مكانتها المرموقة كمؤسسة لتدريب وتعليم النخبة المتعلمة المثقفة في بولندا.
ساعد انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004 في زيادة موارد الجامعة، وفتح أقسام جديدة، وإنشاء مرافق أفضل منها ما يسمى بـ«الحرم الجامعي الثالث» أو «الحرم الجامعي للذكرى الـ600» في منطقة بيخوفيسه. وبلغ عدد الملتحقين بالجامعة في 87 برنامجا دراسيا خلال العام الدراسي 2015-2016 47.494 طالباً.
وطوال قرون التحق خلالها عدد كبير من الطلبة بالجامعة، كان التحاق أول طالبة بالجامعة يمثل حدثاً بارزاً، حيث قامت فتاة تدعى نوفويكا، بالتسجيل في الجامعة قبل السماح للفتيات بالالتحاق بالجامعة بنحو 500 عام، وكان ذلك عام 1897، وتمكنت من فعل ذلك بالتنكر في زي شاب، وكانت الفترة التي قضتها في الدراسة بالجامعة تسبق الفترة التي قضاها زميل آخر لحق بها بعد نحو قرن، وكان من أشهر خريجي الجامعة، وهو نيكولاس كوبرنيكوس، الذي انضم إلى مجموعة عام 1492، وربما يشتهر كوبرنيكوس، الذي يعد مؤسس علم الفلك الحديث، بكونه أول من يؤكد أن الأرض تدور حول الشمس، وهو استنتاج توصل إليه أثناء دراسته في الجامعة، ولم ينشره إلا قبل وفاته ببضعة أشهر خوفاً من الإعدام حرقاً على العمود. من الطلبة الآخرين المميزين كارول فويتيالا، والذي يعرف باسم البابا يوحنا بولس الثاني، الذي درس في قسم فقه اللغة التاريخي والمقارن بالجامعة.


«شمعة»... قاعدة بيانات مجانية للبحوث التربوية في 17 دولة عربية

لائحة قاعدة البيانات ببوابة «شمعة»
لائحة قاعدة البيانات ببوابة «شمعة»
TT

«شمعة»... قاعدة بيانات مجانية للبحوث التربوية في 17 دولة عربية

لائحة قاعدة البيانات ببوابة «شمعة»
لائحة قاعدة البيانات ببوابة «شمعة»

يقضي الباحثون في العالم العربي أوقاتاً من البحث المضني عن المراجع الإلكترونية التي تساعدهم في تحقيق أغراضهم البحثية. ويدرك هذه المشقة الباحثون الساعون للحصول على درجة الماجستير أو الدكتوراه، فإذا لم يكن لديه إمكانية الدخول إلى قواعد البيانات العلمية العالمية عبر إحدى المكتبات الكبرى، التي عادة لا تتاح كاملة أيضاً، فإن عملية البحث سوف تكلفه آلاف الدولارات لمتابعة والوصول لأحدث الأوراق العلمية المتصلة بمجال بحثه، أو أن مسح التراث العلمي سيتوقف لديه على المراجع الورقية.
بينما يحظى الباحثون في مجال البحوث التربوية بوجود «شمعة»، وهي شبكة المعلومات العربية التربوية (www.shamaa.org) التي توفر لهم أحدث البحوث والدوريات المحكمة من مختلف الجامعات العربية، وبثلاث لغات، هي: العربية، والفرنسية، والإنجليزية مجاناً.
تأسست «شمعة» عام 2007 في بيروت كقاعدة معلومات إلكترونية، لا تبغي الربح، توثق الدراسات التربوية الصادرة في البلدان العربية في مجمل ميادين التربية، من كتب ومقالات وتقارير ورسائل جامعية (الماجستير والدكتوراه) وتتيحها مجاناً للباحثين والمهتمين بالدراسات التربوية. تتميز «شمعة» بواجهة إلكترونية غاية في التنظيم والدقة، حيث يمكنك البحث عن مقال أو أطروحة أو كتاب أو فصل أو عدد أو تقرير. فضلاً عن تبويب وفهرسة رائعة، إذ تشتمل اليوم على أكثر من 36000 ألف دراسة، موزعة بنسبة 87 في المائة دراسات عربية، و11 في المائة دراسات بالإنجليزية و2 في المائة بالفرنسية، وهي دراسات عن العالم العربي من 135 جامعة حول العالم، فيما يخص الشأن التربوي والتعليم، إضافة لأقسام خاصة بتنفيذ مشاريع في التربية كورش تدريبية ومؤتمرات.
لا تتبع «شمعة» أي جهة حكومية، بل تخضع لإشراف مجلس أمناء عربي مؤلف من شخصيات عربية مرموقة من ميادين مختلفة، وبخاصة من الحقل التربوي. وهم: د. حسن علي الإبراهيم (رئيساً)، وسلوى السنيورة بعاصيري كرئيسة للجنة التنفيذية، وبسمة شباني (أمينة السر)، والدكتور عدنان الأمين (أمين الصندوق) مستشار التعليم العالي في مكتب اليونيسكو، وهو أول من أطلق فكرة إنشاء «شمعة» ورئيسها لمدة 9 سنوات.
تستمر «شمعة» بخدمة البحث التربوي بفضل كل من يدعمها من أفراد ومؤسّسات ومتطوعين، حيث تحتفل بالذكرى العاشرة لانطلاقتها (2007 - 2017)، وهي تعمل حاليا على إصدار كتيب يروي مسيرة العشر سنوات الأولى. وقد وصل عدد زائريها إلى نحو 35 ألف زائر شهرياً، بعد أن كانوا نحو ألفي زائر فقط في عام 2008.
تواصلت «الشرق الأوسط» مع المديرة التنفيذية لبوابة «شمعة» ببيروت د. ريتا معلوف، للوقوف على حجم مشاركات الباحثين العرب، وهل يقومون بمدّ البوابة بعدد جيّد من الأبحاث والدراسات، أم لا تزال المعدلات أقل من التوقعات؟ فأجابت: «تغطّي (شمعة) الدراسات التربوية الصّادرة في 17 دولة عربيّة بنسب متفاوتة. ولا شك أن حجم مشاركات الباحثين العرب بمد (شمعة) بالدراسات قد ارتفع مع الوقت، خصوصاً مع توّفر وسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي سهّلت لهم عملية المشاركة».
وحول طرق تزويد «شمعة» بالأبحاث والدراسات، أوضحت معلوف أن ذلك يتم من خلال عدّة طرق، وهي: «توقيع اتفاقات شراكة مع كليات التربية في الجامعات العربية والمجلات التربوية المحكمة ومراكز الأبحاث التي تعنى بالتربية والتعليم، كما تتيح اتفاقية تعاون مع مركز المعلومات للموارد التربوية (إريك) (ERIC) تزويد (شمعة) بالدراسات الصادرة باللغة الإنجليزية من الدول العربية أو من باحثين عرب. ونعتبر أن الشراكة مع (إريك) هي خطوة كبيرة ومن أهم الإنجازات كمؤسسة عربية، وأيضاً من خلال اشتراكات بالمجلات الورقية التربوية المحكمة العربية، أو عبر الدراسات المتاحة إلكترونياً على شبكة الإنترنت بالمجان أي عبر مصادر الوصول الحر للمعلومات (Open Access)».
وتضيف: «الجدير بالذكر أيضاً أن (شمعة) وقعت اتفاقية من مستوى عالمي مع شركة (EBSCO Discovery Service EDS) التي تعتبر من أهم موزعي قواعد المعلومات في العالم العربي والغربي».
وتوضح معلوف أنه «يمكن تزويد (شمعة) بالدراسات مباشرة من الباحث عبر استمارة متوافرة على موقع (شمعة)، حيث يقوم الفريق التقني من التأكد من توافقها مع معايير القبول في (شمعة) قبل إدراجها في قاعدة المعلومات».
وحول ما إذا كان الباحثون العرب لديهم ثقافة التعاون الأكاديمي، أم أن الخوف من السرقات العلمية يشكل حاجزاً أمام نمو المجتمع البحثي العلمي العربي، قالت د. ريتا معلوف: «رغم أن مشاركة نتائج الأبحاث مع الآخرين ما زالت تخيف بعض الباحثين العرب، إلا أنه نلمس تقدماً ملحوظاً في هذا الموضوع، خصوصاً أن عدد الدراسات المتوافرة إلكترونياً على شبكة الإنترنت في السنين الأخيرة ارتفع كثيراً مقارنة مع بدايات (شمعة) في 2007، إذ تبلغ حالياً نسبة الدراسات المتوافرة مع نصوصها الكاملة 61 في المائة في (شمعة). فكلما تدنّى مستوى الخوف لدى الباحثين، كلما ارتفعت نسبة الدراسات والأبحاث الإلكترونيّة. وكلما ارتفعت نسبة الدراسات الإلكترونية على شبكة الإنترنت، كلما انخفضت نسبة السرقة الأدبية. تحرص (شمعة) على نشر هذا الوعي من خلال البرامج التدريبية التي تطورّها وورش العمل التي تنظمها لطلاب الماستر والدكتوراه في كليات التربية، والتي تبيّن فيها أهمية مشاركة الأبحاث والدراسات العلمية مع الآخرين».
وحول أهداف «شمعة» في العشر سنوات المقبلة، تؤكد د. ريتا معلوف: «(شمعة) هي القاعدة المعلومات العربية التربوية الأولى المجانية التي توّثق الإنتاج الفكري التربوي في أو عن البلدان العربية. ومؤخراً بدأت (شمعة) تلعب دوراً مهماً في تحسين نوعية الأبحاث التربوية في العالم العربي من خلال النشاطات والمشاريع البحثية التي تنفذها. وبالتالي، لم تعدّ تكتفي بأن تكون فقط مرجعيّة يعتمدها الباحثون التربويون وكلّ من يهتمّ في المجال التربوي عبر تجميع الدراسات وإتاحتها لهم إلكترونيّاً؛ بل تتطلّع لتطوير الأبحاث التربوية العلمية، وذلك لبناء مجتمع تربوي عربي لا يقلّ أهمية عن المجتمعات الأجنبية».