اعتادت كثير من دول العالم الثالث أن تنتظر أن يداهمها السيل قبل أن تفكّر في إقامة السدود والعوائق وأكياس الرمال أمامه، وأن نخطّط لطرقاتٍ تتّسع لمليون سيّارة تتحرّك في شوارعها حين تكون هناك مليون سيارة أخرى على الحدود تنتظر الإذن بالدخول، واعتاد كثير من مواطنيها أن يعملوا لدنياهم كأنهم يعيشون أبدا.
أقول هذا ليس من باب التشاؤم، بل من باب التفاؤل والثقة في القادم بعد أن قرأنا وسمعنا «رؤية المملكة العربية السعودية 2030» وتابعنا ونتابع اجتماعات تعقد ومجهودات تبذل ومحاولات تجري للنهوض بجميع القطاعات في بلادنا الحبيبة، ولتهيئة مجتمعنا لمواكبة الأحداث والتطورات العلمية والحضارية المتلاحقة وتحويل الرؤية إلى واقع نعيشه ويعيشه أبناؤنا.
ومن فضل الله العلي القدير أن بلادنا أولت دائما اهتماما عظيما لقطاع التعليم، وخصصت له كل عام ميزانية سخية، أدركنا منها أن التعليم هو العمود الفقري لكل تقدم وكل تطور... عليه قامت الحضارات وبه ترتقي المجتمعات، ونحمد الله أن التعليم احتل المكانة الجديرة به في «رؤية المملكة العربية السعودية عام 2030». إن تحويل الرؤية الطموحة إلى واقع يعود بالخير على الوطن والمواطن يتطلب تضافر الجهود، ومشاركة جميع أبناء الوطن من دون استثناء، الصغار والكبار، الشباب والشيوخ، النساء والرجال، كما يحتاج إلى انضباط، واحترام الوقت، والتخلي عن المظاهر الكاذبة، والبعد عن الكسل والاتكالية، وإسناد البعض عملهم ومسؤولياتهم إلى المجدّين من مرؤوسيهم، والخلود إلى الراحة، فإذا جاءت النتيجة مرضية، نسب رئيس العمل النجاح إلى نفسه، وحصل على ترقية، وإن جاءت مخيبة، نسب الفشل إلى المرؤوس، وعاتبه وعاقبه وربما طرده.
إن من واجبي، وكذلك من واجب من عملوا في الميدان التربوي والتعليمي بمختلف الهيئات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، داخل بلادنا وخارجها، وعاشوا طموحاته ومشكلاته ومخاوفه، أن يسهموا بخبراتهم في دعم «رؤية المملكة العربية السعودية» لوضع تصوّراتهم لما يمكن أن يكون وضع العالم في 2030، واقتراح الحلول والطرق والدفاعات التي يجب أن نواجه بها الأحداث المتلاحقة والتطوّرات الحضارية التي لا تتوقف. و ليسمح لى القارئ أن أؤكد هنا خطورة جانب معين من المشكلات، وأن ألفت الأنظار إلى أهميّة الوعي بوجودها، وعمق معاناتنا الحالية منها، وتحسّبنا لتفاقمها، مع حرصي على أن أذيّل كلاً منها بالحلول أو الاقتراحات التي أراها مناسبة.
وتتلخّص المشكلات فيما يلي:
أولاً - لغتنا العربية الجميلة في خطر
هل من سبيل لجعلنا أكثر اعتزازا بلغة عظيمة أوصلت حضارتنا يومًا إلى أطراف الأرض الأربعة، ولجعل تلميذنا في المدرسة أكثر ثقة بلغته، وأكثر اقتناعًا، هو ووالداه، بجدوى إنفاقه الوقت والجهد والمال لدراسة هذه اللغة؟
لا بد من تطوير أساليب ومناهج وكتب تعليم العربيّة، ولا بدّ من إعادة النظر كلّيًا في هذه الكتب والمناهج؛ بحيث لا تقلّ في تعليمها عن مثيلتها الأوروبّية الحية، لا سيما الإنجليزية.
ثانيًا - عدم الاهتمام بتعلم وإتقان طلابنا للغات الأجنبية، خصوصا الإنجليزية، وهي الأكثر انتشارا في العالم، مما يجعل التواصل مع العالم الخارجي شبه مفقود، والاطلاع على الجديد في مجال التخصص محدودا.
المطلوب مزيد من الاهتمام بتعليم اللغات الأجنبيّة، ولكن مع مزيد من الاهتمام بتعليم اللغة العربية أيضا. إن من الضروري لأجيالنا القادمة أن تكون أكثر فهمًا للآخر، وأكثر قدرة على التعامل معه؛ من خلال تعلّم لغته وآدابه وثقافته، لكن من غير أن نفرّط بشخصيتنا اللغوية التي ترسم وجودنا وتحدّد لوننا على خريطة العالم.
ثالثا - التعليم في بلادنا وفي العالم العربي بحاجة ماسة إلى التطوير
لا بدّ أولاً من العمل على تكوين طلبة هُيّئوا ليخدموا حاجات وطننا، وهذا يستدعي وجود مناهج حديثة، ومدرّسين نقوم بتدريبهم على استخدام وطرائق تربويّة حديثة.
ينبغي التأسيس لمناهج وكتب تعليمية جديدة تتخلص من السلبية وكل ما لا ينفع التلميذ في حياته العمليّة، بحيث نتخلص من عبارات، مثل (ضرب زيد عمرًا) ليحل محلها عبارات تحث أبناءنا على العطاء والتعاون والعمل الجماعي، مثل (ساعد زيد عمرًا) أو (بنى زيد وعمرو مؤسسة). نحتاج إلى مناهج تأخذ، في مضمونها وإخراجها معًا، من مختلف العلوم الحديثة التي توفّرها لنا الحضارة اليوم، ولكن من غير أن نسقط في شَرك التخلّي عن شخصيّتنا الثقافيّة والروحيّة، واعين أن المناهج يجب أن تنبع أولاً وأخيرًا من ثقافتنا ومجتمعنا وشخصيّتنا الحضاريّة، فنضع تحت المجهر كلّ منهج للتأكّد من صلاحيته لمجتمعنا، ونفتح نوافذنا لكلّ الثقافات، لكن من غير أن نسمح للرياح بأن تقتلعنا من جذورنا كما يقول توفيق الحكيم. ينبغي تغذية روح الاعتزاز الوطني والثقافي في تلاميذنا، ومنه الاعتزاز بلغتنا وبشخصيّتنا أيضًا، لكن من غير أن يتحوّل هذا الاعتزاز إلى غرور وتكبّر. إننا نعيش عصر العولمة، ولا مكان في العالم لمن يعزل نفسه عنه، وعلينا أن نستفيد من كلّ التجارب العالميّة الناجحة في مجال التربية والتعليم، على ألا نغرق في الطوفان الحضاري الذي بدأ يجرف في طريقه كلّ شيء. علينا أن نعلّم أبناءنا وبناتنا احترام الآخرين، على أن نعلّمهم أيضًا كيف يثبّتون أقدامهم في الأرض ويفرضون احترامهم على أولئك الآخرين. ينبغي الحفاظ على ارتباط تلميذنا بوطنه، فنغذّي فيه روح التعلّق بخدمته، والتضحية من أجله، ونجنّبه الميول المتنامية في نفوس بعض أبناء العالم العربي اليوم للتخلّي عن أوطانهم والهجرة إلى الغرب. إنّ هذا لا يتمّ بمجرّد الكلام، ولا بدّ من إعادة النظر في طبيعة العلاقة العامّة كلها بين الوطن والتلميذ منذ المراحل التعليميّة الأولى. وحتى يتحقق ذلك ينبغي تنمية روح الخدمة العامّة في نفوس أبنائنا وبناتنا، فلا تنحصر اهتماماتهم في خدمة أنفسهم أو ذويهم أو أصدقائهم، بل تتسع لتشمل دائرة المجتمع بأسره، كما ينبغى إضافة مادة (خدمة المجتمع) لمنهج المرحلة الثانوية والمرحلة المتوسطة على أن تكون المادة إجبارية.
رابعًا - هناك خمسة عناصر تعليميّة وتربويّة تعاني من ضعف شديد وتؤثر تأثيرا سلبيا على عملية التعليم، ومن الضروري إعادة النظر في موقفنا تجاهها وفي تعاملنا معها، إنّها أشبه بالأصابع الخمس في كفّ العمليّة التعليميّة، وهذه العناصر هي:
- مدير المدرسة
من المهمّ جدًّا إعادة النظر في طرق تعيين المديرين، واتّباع أساليب جديدة في اختيارهم، مع إخضاعهم لدورات تدريبيّة مستمرّة على مدى سنوات قبل تعيينهم، وقبل أن نضع مصائر المئات أو الآلاف من أبنائنا بين أيديهم. من المهم أن يكون لدى المدير إلمام باللغة الإنجليزية، وهي اللغة الأكثر انتشارًا في العالم، ليتمكن من الاطلاع على ما هو جديد في مجال التربية ومجال تخصصه.
- المدرس
وهو يتحمّل النصيب الأكبر في مسؤوليّة انهيار أو نهوض العمليّة التربويّة. لا بد من اتّباع طرائق تعليميّة: «لصناعة المدرّس» وإيجاد خطّة جديدة لاختياره وتدريبه، ثمّ متابعة توجيهه وتطويره باستمرار، مستفيدين من أحدث التجارب التربويّة الناجحة، ومن التطوّرات التكنولوجيّة في عالمنا، لا سيّما ما يقدّمه لنا الحاسوب والاتصالات الإعلاميّة الفضائية من خدمات في هذا المجال.
- التلميذ
لا بد من إعادة النظر في طريقة بناء شخصيّته، فنعلّمه الإبداع بدلاً من التقليد، والتفكير بدلاً من الحفظ، والجرأة على التحدّث في الندوات والأنشطة بدلاً من الانطوائيّة وضعف الشخصية.
لا بد أن نتخلى مثلاً عن نظام ترتيب الناجحين... الأول، الثاني، الثالث... وهو يغذّي الفرديّة وينمّي المنافسة السلبيّة والأنانيّة والعدوانيّة، وأن يحل محل هذا النظام، الذي أثبت ضرره، نظامُ المجموعة الذي ينمي الروح الجماعيّة، وهكذا نحتفل بفوز الفريق وليس بفوز الفرد.
- المدرسة
من المهمّ أن نعيد تأسيس المدرسة على قواعد تربويّة جديدة تستفيد من أخطاء الشرق والغرب معًا، وأن نعيد النظر في النظام المدرسي الحالي، وقد ثبت وجود ثغرات خطيرة في كثير من جوانبه. ومن المهمّ أن ننقل العمليّة التعليميّة إلى أفق العالم الخارجيّ، فيخرج التلميذ إلى الأرض وإلى المصنع والمكتب ليتلقى معظم مادته العلمية على أرض الواقع، ولا يحصر نفسه بين أغلفة الكتب وجدران المدرسة أو الفصل.
- الآباء والأمهات
البيت هو الحصان الثاني، والأقوى، في عربة التعليم، ولا بدّ أن يكون للأبوين نصيبهما من التدرّب والتثقيف حتى تتحرّك العربة بتوازن واستقامة، ومن المهمّ إقامة أقنية حيّة مستمرة بين البيت وبين المدرسة، بحيث لا يهدم البيت ما نبنيه في المدرسة.
ربما حان الوقت للتفكير في تخصيص مناهج وكتب خاصة تساعد الآباء على تربية أبنائهم لحمايتهم من الانضمام إلى مجموعات لا تريد بهم خيرًا ولا تريد لمجتمعاتهم التطور، ولبلادهم التقدم، ولعالمنا العربي الرفعة. وربما حان الوقت للتفكير في عقد ورش عمل تعين الآباء على الحفاظ على أبنائهم من أخطار عالم تعصف به الرياح، وتحيط به المخاطر من كل جانب، على أن توكل هذه المهمة إلى تربويين متخصصين معتزين بهويتنا، منفتحين على العالم الخارجي، مطلعين على الدراسات التربوية الحديثة في الداخل وفي الخارج. ويمكن على سبيل المثال أن تخصص كل مدرسة ساعتين مسائيتين كل أسبوع أو أسبوعين لاستضافة الآباء والأمّهات.
وأخيرا وليس آخرًا، حتى تؤتي الاجتماعات التربوية والتعليمية اللغوية الكثيرة ثمارها المرجوّة، وحتى تنجح المجهودات المستمرة التي تبذلها الجهات المعنية لرفع مستوى التعليم ونشر الثقافة بين أفراد المجتمع، لا بدّ من تشكيل لجان متابعة، بدعم مالي كاف، مع التزام هذه اللجان بجدول زمني لضمان تنفيذ القرارات والتوصيات في فترات محددة.
كلنا أمل في اجتماعاتنا التربوية والثقافية في وطننا الغالي، وأيضا في مختلف الدول العربية وأنها لن تجري في المستقبل خلف الأحداث التي تعصف بنا من كل جانب، ولن تكتفي بأن تواكبها وتترسم خطاها خطوة فخطوة، بل تتقدم وتتجاوزها بوقت طويل، وبسرعة تمكنها من الوصول إلى أهدافها البعيدة قبل وصول الأحداث لها.
* تربوية سعودية
