الفلوجة.. مدينة الدماء

ينظر إلى طرد «داعش» منها على أنه خطوة لتحرير الموصل والقضاء على التنظيم

الفلوجة.. مدينة الدماء
TT

الفلوجة.. مدينة الدماء

الفلوجة.. مدينة الدماء

تشهد مدينة الفلوجة العراقية راهنا معركة يعتبرها النظام العراقي، وكذلك «التحالف الدولي» مفصلية وحاسمة ضد تنظيم داعش الإرهابي المتطرف. غير أن أوضاع سكان المدينة الواقعة إلى الغرب من العاصمة العراقية بغداد تشغل في هذه الساعات اهتمام الأوساط السياسية والعسكرية التي تحرص على تفويت الفرصة على الجماعات الطائفية وغير المنضبطة ومنعها من ممارسة الانتقام الدموي، كما سبق لها أن فعلت في أماكن أخرى، مثل تكريت والمقدادية.
إن تصفية وجود «داعش» في الفلوجة في الحسابات العراقية وكذلك الدولية يشكل خطوة مهمة للقضاء على وجود التنظيم في العراق، وتمهيدا لتحرير شمال غربي العراق منه، ولاسيما مدينة الموصل وجوارها.
قبل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 كان اللقب الشائع لمدينة الفلوجة، وهي مركز القضاء الذي يحمل اسمها ويقع إلى الغرب من العاصمة بغداد، هو «مدينة المساجد» أو «أم المآذن»؛ وذلك لكثرة الجوامع والمساجد فيها. فهذه المدينة العراقية العريقة التي لا يزيد عدد سكانها عن نحو 140 ألف نسمة تضم نحو 500 مسجد، مع العلم أنه لا يزيد عدد سكان القضاء كله التابع لها عن نصف مليون نسمة طبقا لآخر إحصاء سكاني جزئي لوزارة التخطيط العراقية عام 2011.
ولكن بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وسقوط بغداد يوم التاسع من أبريل (نيسان) من العام نفسه، لم يكن أحد يتوقع أن يكون لهذه المدينة الغافية على الضفة الشرقية لنهر الفرات، التي لا تبعد عن بغداد أكثر من 60 كيلومترا، شأن كبير في الأحداث والوقائع اللاحقة. ذلك أن عيون الساسة والعسكريين الأميركيين كانت شاخصة إلى بغداد وأسلحة الدمار الشامل بوصفها أهم ذرائع الحرب، والأمر نفسه ينطبق تقريبا على قوى المعارضة العراقية التي جاءت مع الأميركيين، وعلى ظهور دباباتهم.
مدينة مختلفة
من الجوانب السكانية والجغرافية وطبيعة التقاليد، فإن الفلوجة تبدو مختلفة عن سواها من المدن والقصبات العراقية؛ إذ إنها احتلت على الدوام موقعا استراتيجيا مهما، لاسيما أثناء وجود القوات البريطانية؛ لكونها حلقة الوصل إلى المنطقة الغربية ومعسكر الحبانية - القاعدة العسكرية البريطانية المعروفة آنذاك -.
وكان من الأحداث التي اشتهرت بها الفلوجة معركة سن الذبان الشهيرة عام 1941 مع القوات البريطانية، ولقد وقعت المعركة على طريق الفلوجة، وشهدت المنطقة قصفا من الطائرات الحربية البريطانية. وفي تلك الفترة حاول البريطانيون كسب ود شيوخ العشائر في المنطقة، وتحقق لهم ذلك مع بعضهم بينما قاومهم الغالبية.
بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي فإن أهم ما عرف عن الفلوجة وأهلها التدين الشديد مثلما يقول الشيخ حميد الكرطاني، أحد شيوخ أحد أطراف الفلوجة، خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، إذ قال: «عرفت المدينة بمساجدها وتدينها، ومن أشهر المشايخ الذين عرفوا بتدينهم وزهدهم وكراماتهم التي تعد بمثابة كرامات الأولياء الشيخ المرحوم محمد الفياض». وأضاف الكرطاني شارحًا إنه «على الرغم من أن الفلوجة لا تبعد عن بغداد سوى 40 دقيقة بالسيارة، فإن رئيس النظام السابق صدام حسين لم يزرها ولا مرة واحدة طوال 35 سنة من حكمه إلا لدى مروره إلى منتجع بحيرتي الحبانية القريب أو الثرثار».
ومن المفارقات اللافتة التي يشير إليها الكرطاني أن «الكثير من بيوت القرويين، وخصوصا في قرية الزغاريت أزيلت عن الشارع العام؛ بسبب مرور صدام إلى منتجع الثرثار». ومما يميز الفلوجة كذلك والحديث للشيخ الكرطاني «مطاعم الكباب فيها التي تكاد تكون أشهر مطاعم الكباب في العراق كله، وأبرزها (حجي حسين) و(زرور) و(البادية) التي أغلقت أبوابها بعد احتلال (داعش) المدينة، ومن ثم فتحت هذه المطاعم لها فروعا لها في بغداد وبعض دول الجوار». وتابع الشيخ الكرطاني سرده، مشيرًا إلى أمر لافت أيضا يتعلق بالفلوجة يتمثل في «أن الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي عاش فيها أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، وفيها كتب مؤلفه الشهير (الشخصية المحمدية) الذي كان يحمل وجهات نظر مختلفة تماما لما هو سائد آنذاك لجهة ما تحوزه تلك المدينة من تديّن ومحافظة شديدة على التقاليد».
دماء فوق المآذن
الفلوجة التي تدور المعارك اليوم عند تخومها في مسعى إلى تحريرها من قبضة تنظيم داعش الإرهابي المتطرف الذي يتعامل معها بوصفها إيقونة ولاياته التي تشكل ما يسميه دولته الإسلامية أبت، في الواقع، إلا أن تكون لها بصمة لن تقف عند حدود تثبيت المواقف إلى تغيير مسار الأحداث. ففي خطوة بدت مبكرة على صعيد مقاومة الاحتلال الأميركي، الذي بدأ متصالحا أول الأمر مع الجميع من منطلق فكرة الخلاص من النظام السابق، فضلا عن ذريعة وجود أسلحة دمار شامل كان البحث جاريا عنها وقتذاك، أوقدت الفلوجة أولى شموع المقاومة. ومن ثم خاضت حربين كبيرتين مع القوة العظمى الوحيدة في العالم (الولايات المتحدة الأميركية) في غضون سنة تقريبا.
وفي هذا السياق، يكمل الدكتور سلمان الجميلي، وزير التخطيط العراقي والقيادي في «تحالف القوى العراقية» (السنّي) سرد الشيخ الكرطاني عن المدينة وتاريخها وواقعها. ويقول الجميلي، الذي ينتمي إلى قبيلة الجميلات التي تعد إحدى أبرز قبائل الفلوجة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» مفصلا أن «الفلوجة تمثل رمزية في كل شيء، بدءا من وصفها العام وميزاتها الجغرافية والسكانية، وحتى المعركة التي تدور فيها حاليا.. حيث إنه على الرغم من كثرة المعارك التي خاضها الجيش العراقي طوال السنتين الماضيتين ضد تنظيم داعش لاستعادة مدن ومحافظتي ديالى وصلاح الدين، وكذلك مدينة الرمادي التي هي عاصمة محافظة الأنبار، وهيت والرطبة في الأنبار أيضا، فإن معركة الفلوجة تبدو مختلفة تماما على المستويين الداخلي أو الخارجي».
واستطرد الدكتور الجميلي قائلا: «إن سلسلة الأحداث التي وقعت في الفلوجة بعد سقوط النظام السابق يعيد إلى الأذهان ما مثلته وتمثله هذه المدينة من رمزية عالية تمثلت أول ما تمثلت بكونها مدينة ذات عمق ديني وتقاليد محافظة جدا يشهد عليها كونها أكثر المدن العراقية مساجد بالقياس إلى مساحتها وسكانها»، وأضاف: «هذه الصفات جعلت من الفلوجة بمثابة رأس الرمح في كل شيء ابتداء من مقاومة الاحتلال الأميركي عندما انطلقت منها أولى عمليات المقاومة، ثم عندما جعلها تنظيم داعش الإرهابي أهم حاضنة له مستفيدا من هذه الرمزية العالية، وبالتالي، دفع التنظيم لأن يتخذها مقرا له (منذ أوائل عام 2014) قبل ستة شهور من احتلاله مدينة الموصل ومحافظة صلاح الدين.. وبالقياس إلى هذا كله، والطبيعة التي احتفظت وما زالت تحتفظ بها الفلوجة، وعلى الرغم من خوضها حربين مع الولايات المتحدة الأميركية خلال أقل من عقد من السنوات، فإنها اليوم - والحديث ما زال للجميلي - تمثل أبرز إجماع وطني على صعيد عملية استعادتها من تنظيم داعش، لدرجة أنه يمكن القول اليوم إنه لم يحصل إجماع عراقي على أي قضية من القضايا بعد عام 2003 مثل هذا الإجماع بخصوص أهمية عودة الفلوجة إلى حضن الوطن مع الإدراك التام لكل ما يمكن تقديمه من تضحيات». وهو ما يعني أن هذه العروس الغافية على ضفاف نهر الفرات ما زالت من وجهة نظر العراقيين تستحق كل هذه التضحيات.
شخصيتها المتعالية العنيدة
من ناحية أخرى، لعل الشخصية الدينية شبه المتعالية للفلوجة جعلتها في وضع يصعب معه على أي حاكم التعامل مع أمورها خارج سياق ما تؤمن به هي. حتى رئيس النظام السابق صدام حسين بكل جبروته وسطوته حاول جهده خطب ود المدينة التي بقيت عصية على صعيد تقديم الدعم الذي يتمناه هو لا مثلما تتمناه هي، وهذا مع أنها كانت تعد - بوصفها إحدى أبرز المدن السنية ذات التوجه التقليدي - من المدن والأقضية الموالية للنظام نظرا، وبالأخص، إلى كثرة ما قدمته من طاقات عسكرية وأمنية ومخابراتية وفي معظم أجهزة الدولة الحساسة.
القتال ضد الأميركيين
وبعد سقوط بغداد عام 2003 بقيت الفلوجة خارج نطاق التسويات العسكرية أو السياسية حتى وقعت الواقعة حين دخلت قوات أميركية خلال شهر أبريل عام 2003 إحدى مدارسها. ويومذاك نظم نحو 200 شخص من سكان المدينة مظاهرة احتجاجية على تصرفات الجنود الأميركيين من اعتقالات ومداهمات، وانتهت هذه المظاهرة بصورة عنيفة، إذ قتل 17 من الأشخاص المشاركين في المظاهرة وجرح 30 شخصا تقريبا. ويوم 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2003 أسقط مسلحون عراقيون هليكوبتر عسكرية أميركية من نوع «شينوك» في ضاحية الكرمة الملاصقة للفلوجة، ما أدى إلى مقتل 16 عسكريا أميركيا وجرح 26 آخرين.
ثم خلال مارس (آذار) 2004 وقعت عملية تناقلت أخبارها وكالات الأنباء العالمية، وذلك عندما قتل أربعة من حراس وموظفي شركة بلاك ووتر الأمنية الأميركية في الفلوجة، وسُحلت جثثهم في الشوارع قبل إحراقها وتعليقها لاحقا على جسر في أطراف المدينة يطل على نهر الفرات.
وعلى الأثر، ردت القوات الأميركية على هذه العملية بسلسلة من أعمال القصف المكثف انتقاما من أهالي المدينة بحجة القضاء على تنظيم «القاعدة»، بل حاولت السيطرة على المدينة بمساعدة قوة من الجيش العراقي. لكن أهالي الفلوجة تصدوا للقوات الأميركية العالية التسليح ومنعوها من تحقيق غايتها. وخلال ما عُرف بـ«معركة الفلوجة الثانية» وقبل الهجوم البري على المدينة أقدمت القوات الأميركية على قطع تيار الكهرباء وإمدادات المياه عن الفلوجة، وبقصفها لأكثر من خمسة أشهر متواصلة منذ مايو (أيار) 2004 إلى بداية الهجوم في نهاية عام 2004. كذلك أقدمت القوات الأميركية على تدمير المستشفيات والمراكز الطبية، واستخدم الجيش الأميركي مختلف الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا والقنابل الفوسفورية وقنابل النابالم الحارقة على أهالي الفلوجة، فأدى إلى مقتل الكثير من المدنيين ونزوح الآلاف.
وتشير مصادر إلى أن الأميركيين استخدموا الغاز الخانق، ومن ثم الفوسفور الأبيض في محاولة منهم لكسر إرادة الأهالي، وفي نهاية المطاف في وجه الصمود العنيد لأبناء المدينة، استخدموا السلاح الكيماوي مع الفوسفور، وهو ما أحرق الأخضر واليابس، ولم يتبق حياة في الفلوجة، حتى الكلاب والقطط نفقت والأشجار يبست. وعند ذلك فقط تمكن الأميركيون من دخول المدينة على نحو 400 جثة متفحمة. القوات الأميركية كانت أعلنت من جانبها يومذاك عن مقتل 1600 شخص واعتقال 1050 شخصا من أهالي المدينة. والواقع أنها تركت جثث القتلى مرمية في الشوارع، ومن ثم سارت الدبابات الأميركية فوق جثثهم. وظلت روائح الجثث المتعفنة لضحايا الهجمات الأميركية تفوح في الكثير من المناطق.
سيطرة «داعش»
في فبراير (شباط) 2014 سيطر تنظيم داعش الإرهابي على الفلوجة، واحتفظ بسيطرته عليها حتى اليوم.. بينما تدور في هذه اللحظات رحى معركة كبيرة لاستعادتها من التنظيم حملت اسم «كسر الإرهاب»، وذلك من منطلق أن القضاء على «داعش» في هذه المدينة يمكن أن يمهد الطريق للقضاء على الإرهاب بصورة عامة.
على صعيد آخر، بالمقاييس المذهبية في العراق، فإنه إذا كانت مدن كالنجف وكربلاء تكاد تكون ذات أغلبية شيعية مطلقة نظرا إلى قداستها الدينية لكونهما تضمان مراقد الأئمة (علي بن أبي طالب والحسين بن علي والعباس)، فإن الفلوجة تكاد تنفرد عن المدن والمحافظات الغربية من العراق بوصفها مدينة ذات غالبية سنية مطلقة مع أنها لا تحتوي على مراقد أئمة أو أولياء. وهي بذا مختلفة مثلا عن حي الأعظمية في العاصمة بغداد، مثلا، الذي يحتضن مرقد الإمام أبي حنيفة النعمان أو بعض أحياء بغداد السنية القريبة من مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني.
التركيبة العشائرية
الجدير بالذكر، أن معظم سكان الفلوجة ينحدرون من عشائر كبيرة في العراق، هي عشائر الدليم بكل فروعها (البوعلوان، والمحامدة، والفلاحات، والحلابسة، والبونمر، والبوفهد)، والجميلات، والجبور، والكبيسات، والبوعيسى، والعزة، والجنابيين، وزوبع، وقبيلة بني تميم بفروعها (العيايشة، والبو ذهيبة، والبو سهيل، والبو فياض)، بالإضافة إلى مجموعة من العشائر الأخرى، كما توجد في المدينة مجموعة من السكان الأكراد. تاريخيا، بنيت الفلوجة قرب مدينة الأنبار التاريخية التي فتحها خالد بن الوليد عام 12 هجرية الموافق 633 ميلاديا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. وكان العثمانيون قد اتخذوا الفلوجة محطة استراحة لهم في الطريق الصحراوي المؤدي إلى بغداد. وفي العام 1920 إبان الاحتلال البريطاني، شهدت المدينة اضطرابات؛ بسبب مقتل الضابط البريطاني جيرارد ليتشمان على يد أحد شيوخ العشائر.
واجتماعيا اشتهرت الفلوجة بكثرة مقاهيها الشعبية التي كان يرتادها أبناء المدينة من جميع الطبقات الاجتماعية، فتجمع المثقفين والأدباء والكتاب والمؤرخين من أبناء المدينة، حتى أصبحت منتديات فكرية وأدبية بالإضافة إلى اتخاذها مجالس يرتادها شيوخ العشائر والوجهاء لمناقشة شؤون المجتمع. ومن أبرز هذه المقاهي: قهوة عبود عرب، وقهوة أبو علاء المصري، وسوق أطلس، وقهوة جلاوي، فضلا عن قهوة صالح الملة مهيدي.
المعركة الحالية
اليوم حيث تدور معركة الفلوجة بهدف استعادتها من تنظيم داعش الإرهابي بعد سنتين من احتلاله المدينة، تحولت الفلوجة إلى قبلة اهتمام داخلي وإقليمي ودولي؛ نظرا إلى ما تحوزه من مكانة تكاد تختلف تماما عن كل المدن التي تمكن «داعش» من احتلالها سواء في العراق وسوريا. ولعل هذا هو السر الكامن وراء اختيار عبارة «كسر الإرهاب» كتسمية للمعركة المهمة التي لم تحسم بعد. والحقيقة أنه على الرغم من أن المعركة حتى تاريخ كتابة هذه الكلمات، فإن القوات العراقية تتقدم باتجاه «المواجهة - الحسم»، لكن «داعش» الذي قد لا يملك أكثر من 1000 مقاتل - أكثر من نصفهم من أهالي المدينة - يراهن على زيادة الضغط على القوات العراقية باتجاه توقي الحذر حماية للمدنيين. والحال أن هؤلاء المدنيين هم الآن بين مطرقة التنظيم في الداخل وسندان المدافع والصواريخ والقاذفات في الخارج.. وحتما يصعب عليها التمييز بين البريء والمذنب.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.