الفلوجة.. مدينة الدماء

ينظر إلى طرد «داعش» منها على أنه خطوة لتحرير الموصل والقضاء على التنظيم

الفلوجة.. مدينة الدماء
TT

الفلوجة.. مدينة الدماء

الفلوجة.. مدينة الدماء

تشهد مدينة الفلوجة العراقية راهنا معركة يعتبرها النظام العراقي، وكذلك «التحالف الدولي» مفصلية وحاسمة ضد تنظيم داعش الإرهابي المتطرف. غير أن أوضاع سكان المدينة الواقعة إلى الغرب من العاصمة العراقية بغداد تشغل في هذه الساعات اهتمام الأوساط السياسية والعسكرية التي تحرص على تفويت الفرصة على الجماعات الطائفية وغير المنضبطة ومنعها من ممارسة الانتقام الدموي، كما سبق لها أن فعلت في أماكن أخرى، مثل تكريت والمقدادية.
إن تصفية وجود «داعش» في الفلوجة في الحسابات العراقية وكذلك الدولية يشكل خطوة مهمة للقضاء على وجود التنظيم في العراق، وتمهيدا لتحرير شمال غربي العراق منه، ولاسيما مدينة الموصل وجوارها.
قبل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 كان اللقب الشائع لمدينة الفلوجة، وهي مركز القضاء الذي يحمل اسمها ويقع إلى الغرب من العاصمة بغداد، هو «مدينة المساجد» أو «أم المآذن»؛ وذلك لكثرة الجوامع والمساجد فيها. فهذه المدينة العراقية العريقة التي لا يزيد عدد سكانها عن نحو 140 ألف نسمة تضم نحو 500 مسجد، مع العلم أنه لا يزيد عدد سكان القضاء كله التابع لها عن نصف مليون نسمة طبقا لآخر إحصاء سكاني جزئي لوزارة التخطيط العراقية عام 2011.
ولكن بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وسقوط بغداد يوم التاسع من أبريل (نيسان) من العام نفسه، لم يكن أحد يتوقع أن يكون لهذه المدينة الغافية على الضفة الشرقية لنهر الفرات، التي لا تبعد عن بغداد أكثر من 60 كيلومترا، شأن كبير في الأحداث والوقائع اللاحقة. ذلك أن عيون الساسة والعسكريين الأميركيين كانت شاخصة إلى بغداد وأسلحة الدمار الشامل بوصفها أهم ذرائع الحرب، والأمر نفسه ينطبق تقريبا على قوى المعارضة العراقية التي جاءت مع الأميركيين، وعلى ظهور دباباتهم.
مدينة مختلفة
من الجوانب السكانية والجغرافية وطبيعة التقاليد، فإن الفلوجة تبدو مختلفة عن سواها من المدن والقصبات العراقية؛ إذ إنها احتلت على الدوام موقعا استراتيجيا مهما، لاسيما أثناء وجود القوات البريطانية؛ لكونها حلقة الوصل إلى المنطقة الغربية ومعسكر الحبانية - القاعدة العسكرية البريطانية المعروفة آنذاك -.
وكان من الأحداث التي اشتهرت بها الفلوجة معركة سن الذبان الشهيرة عام 1941 مع القوات البريطانية، ولقد وقعت المعركة على طريق الفلوجة، وشهدت المنطقة قصفا من الطائرات الحربية البريطانية. وفي تلك الفترة حاول البريطانيون كسب ود شيوخ العشائر في المنطقة، وتحقق لهم ذلك مع بعضهم بينما قاومهم الغالبية.
بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي فإن أهم ما عرف عن الفلوجة وأهلها التدين الشديد مثلما يقول الشيخ حميد الكرطاني، أحد شيوخ أحد أطراف الفلوجة، خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، إذ قال: «عرفت المدينة بمساجدها وتدينها، ومن أشهر المشايخ الذين عرفوا بتدينهم وزهدهم وكراماتهم التي تعد بمثابة كرامات الأولياء الشيخ المرحوم محمد الفياض». وأضاف الكرطاني شارحًا إنه «على الرغم من أن الفلوجة لا تبعد عن بغداد سوى 40 دقيقة بالسيارة، فإن رئيس النظام السابق صدام حسين لم يزرها ولا مرة واحدة طوال 35 سنة من حكمه إلا لدى مروره إلى منتجع بحيرتي الحبانية القريب أو الثرثار».
ومن المفارقات اللافتة التي يشير إليها الكرطاني أن «الكثير من بيوت القرويين، وخصوصا في قرية الزغاريت أزيلت عن الشارع العام؛ بسبب مرور صدام إلى منتجع الثرثار». ومما يميز الفلوجة كذلك والحديث للشيخ الكرطاني «مطاعم الكباب فيها التي تكاد تكون أشهر مطاعم الكباب في العراق كله، وأبرزها (حجي حسين) و(زرور) و(البادية) التي أغلقت أبوابها بعد احتلال (داعش) المدينة، ومن ثم فتحت هذه المطاعم لها فروعا لها في بغداد وبعض دول الجوار». وتابع الشيخ الكرطاني سرده، مشيرًا إلى أمر لافت أيضا يتعلق بالفلوجة يتمثل في «أن الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي عاش فيها أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، وفيها كتب مؤلفه الشهير (الشخصية المحمدية) الذي كان يحمل وجهات نظر مختلفة تماما لما هو سائد آنذاك لجهة ما تحوزه تلك المدينة من تديّن ومحافظة شديدة على التقاليد».
دماء فوق المآذن
الفلوجة التي تدور المعارك اليوم عند تخومها في مسعى إلى تحريرها من قبضة تنظيم داعش الإرهابي المتطرف الذي يتعامل معها بوصفها إيقونة ولاياته التي تشكل ما يسميه دولته الإسلامية أبت، في الواقع، إلا أن تكون لها بصمة لن تقف عند حدود تثبيت المواقف إلى تغيير مسار الأحداث. ففي خطوة بدت مبكرة على صعيد مقاومة الاحتلال الأميركي، الذي بدأ متصالحا أول الأمر مع الجميع من منطلق فكرة الخلاص من النظام السابق، فضلا عن ذريعة وجود أسلحة دمار شامل كان البحث جاريا عنها وقتذاك، أوقدت الفلوجة أولى شموع المقاومة. ومن ثم خاضت حربين كبيرتين مع القوة العظمى الوحيدة في العالم (الولايات المتحدة الأميركية) في غضون سنة تقريبا.
وفي هذا السياق، يكمل الدكتور سلمان الجميلي، وزير التخطيط العراقي والقيادي في «تحالف القوى العراقية» (السنّي) سرد الشيخ الكرطاني عن المدينة وتاريخها وواقعها. ويقول الجميلي، الذي ينتمي إلى قبيلة الجميلات التي تعد إحدى أبرز قبائل الفلوجة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» مفصلا أن «الفلوجة تمثل رمزية في كل شيء، بدءا من وصفها العام وميزاتها الجغرافية والسكانية، وحتى المعركة التي تدور فيها حاليا.. حيث إنه على الرغم من كثرة المعارك التي خاضها الجيش العراقي طوال السنتين الماضيتين ضد تنظيم داعش لاستعادة مدن ومحافظتي ديالى وصلاح الدين، وكذلك مدينة الرمادي التي هي عاصمة محافظة الأنبار، وهيت والرطبة في الأنبار أيضا، فإن معركة الفلوجة تبدو مختلفة تماما على المستويين الداخلي أو الخارجي».
واستطرد الدكتور الجميلي قائلا: «إن سلسلة الأحداث التي وقعت في الفلوجة بعد سقوط النظام السابق يعيد إلى الأذهان ما مثلته وتمثله هذه المدينة من رمزية عالية تمثلت أول ما تمثلت بكونها مدينة ذات عمق ديني وتقاليد محافظة جدا يشهد عليها كونها أكثر المدن العراقية مساجد بالقياس إلى مساحتها وسكانها»، وأضاف: «هذه الصفات جعلت من الفلوجة بمثابة رأس الرمح في كل شيء ابتداء من مقاومة الاحتلال الأميركي عندما انطلقت منها أولى عمليات المقاومة، ثم عندما جعلها تنظيم داعش الإرهابي أهم حاضنة له مستفيدا من هذه الرمزية العالية، وبالتالي، دفع التنظيم لأن يتخذها مقرا له (منذ أوائل عام 2014) قبل ستة شهور من احتلاله مدينة الموصل ومحافظة صلاح الدين.. وبالقياس إلى هذا كله، والطبيعة التي احتفظت وما زالت تحتفظ بها الفلوجة، وعلى الرغم من خوضها حربين مع الولايات المتحدة الأميركية خلال أقل من عقد من السنوات، فإنها اليوم - والحديث ما زال للجميلي - تمثل أبرز إجماع وطني على صعيد عملية استعادتها من تنظيم داعش، لدرجة أنه يمكن القول اليوم إنه لم يحصل إجماع عراقي على أي قضية من القضايا بعد عام 2003 مثل هذا الإجماع بخصوص أهمية عودة الفلوجة إلى حضن الوطن مع الإدراك التام لكل ما يمكن تقديمه من تضحيات». وهو ما يعني أن هذه العروس الغافية على ضفاف نهر الفرات ما زالت من وجهة نظر العراقيين تستحق كل هذه التضحيات.
شخصيتها المتعالية العنيدة
من ناحية أخرى، لعل الشخصية الدينية شبه المتعالية للفلوجة جعلتها في وضع يصعب معه على أي حاكم التعامل مع أمورها خارج سياق ما تؤمن به هي. حتى رئيس النظام السابق صدام حسين بكل جبروته وسطوته حاول جهده خطب ود المدينة التي بقيت عصية على صعيد تقديم الدعم الذي يتمناه هو لا مثلما تتمناه هي، وهذا مع أنها كانت تعد - بوصفها إحدى أبرز المدن السنية ذات التوجه التقليدي - من المدن والأقضية الموالية للنظام نظرا، وبالأخص، إلى كثرة ما قدمته من طاقات عسكرية وأمنية ومخابراتية وفي معظم أجهزة الدولة الحساسة.
القتال ضد الأميركيين
وبعد سقوط بغداد عام 2003 بقيت الفلوجة خارج نطاق التسويات العسكرية أو السياسية حتى وقعت الواقعة حين دخلت قوات أميركية خلال شهر أبريل عام 2003 إحدى مدارسها. ويومذاك نظم نحو 200 شخص من سكان المدينة مظاهرة احتجاجية على تصرفات الجنود الأميركيين من اعتقالات ومداهمات، وانتهت هذه المظاهرة بصورة عنيفة، إذ قتل 17 من الأشخاص المشاركين في المظاهرة وجرح 30 شخصا تقريبا. ويوم 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2003 أسقط مسلحون عراقيون هليكوبتر عسكرية أميركية من نوع «شينوك» في ضاحية الكرمة الملاصقة للفلوجة، ما أدى إلى مقتل 16 عسكريا أميركيا وجرح 26 آخرين.
ثم خلال مارس (آذار) 2004 وقعت عملية تناقلت أخبارها وكالات الأنباء العالمية، وذلك عندما قتل أربعة من حراس وموظفي شركة بلاك ووتر الأمنية الأميركية في الفلوجة، وسُحلت جثثهم في الشوارع قبل إحراقها وتعليقها لاحقا على جسر في أطراف المدينة يطل على نهر الفرات.
وعلى الأثر، ردت القوات الأميركية على هذه العملية بسلسلة من أعمال القصف المكثف انتقاما من أهالي المدينة بحجة القضاء على تنظيم «القاعدة»، بل حاولت السيطرة على المدينة بمساعدة قوة من الجيش العراقي. لكن أهالي الفلوجة تصدوا للقوات الأميركية العالية التسليح ومنعوها من تحقيق غايتها. وخلال ما عُرف بـ«معركة الفلوجة الثانية» وقبل الهجوم البري على المدينة أقدمت القوات الأميركية على قطع تيار الكهرباء وإمدادات المياه عن الفلوجة، وبقصفها لأكثر من خمسة أشهر متواصلة منذ مايو (أيار) 2004 إلى بداية الهجوم في نهاية عام 2004. كذلك أقدمت القوات الأميركية على تدمير المستشفيات والمراكز الطبية، واستخدم الجيش الأميركي مختلف الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا والقنابل الفوسفورية وقنابل النابالم الحارقة على أهالي الفلوجة، فأدى إلى مقتل الكثير من المدنيين ونزوح الآلاف.
وتشير مصادر إلى أن الأميركيين استخدموا الغاز الخانق، ومن ثم الفوسفور الأبيض في محاولة منهم لكسر إرادة الأهالي، وفي نهاية المطاف في وجه الصمود العنيد لأبناء المدينة، استخدموا السلاح الكيماوي مع الفوسفور، وهو ما أحرق الأخضر واليابس، ولم يتبق حياة في الفلوجة، حتى الكلاب والقطط نفقت والأشجار يبست. وعند ذلك فقط تمكن الأميركيون من دخول المدينة على نحو 400 جثة متفحمة. القوات الأميركية كانت أعلنت من جانبها يومذاك عن مقتل 1600 شخص واعتقال 1050 شخصا من أهالي المدينة. والواقع أنها تركت جثث القتلى مرمية في الشوارع، ومن ثم سارت الدبابات الأميركية فوق جثثهم. وظلت روائح الجثث المتعفنة لضحايا الهجمات الأميركية تفوح في الكثير من المناطق.
سيطرة «داعش»
في فبراير (شباط) 2014 سيطر تنظيم داعش الإرهابي على الفلوجة، واحتفظ بسيطرته عليها حتى اليوم.. بينما تدور في هذه اللحظات رحى معركة كبيرة لاستعادتها من التنظيم حملت اسم «كسر الإرهاب»، وذلك من منطلق أن القضاء على «داعش» في هذه المدينة يمكن أن يمهد الطريق للقضاء على الإرهاب بصورة عامة.
على صعيد آخر، بالمقاييس المذهبية في العراق، فإنه إذا كانت مدن كالنجف وكربلاء تكاد تكون ذات أغلبية شيعية مطلقة نظرا إلى قداستها الدينية لكونهما تضمان مراقد الأئمة (علي بن أبي طالب والحسين بن علي والعباس)، فإن الفلوجة تكاد تنفرد عن المدن والمحافظات الغربية من العراق بوصفها مدينة ذات غالبية سنية مطلقة مع أنها لا تحتوي على مراقد أئمة أو أولياء. وهي بذا مختلفة مثلا عن حي الأعظمية في العاصمة بغداد، مثلا، الذي يحتضن مرقد الإمام أبي حنيفة النعمان أو بعض أحياء بغداد السنية القريبة من مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني.
التركيبة العشائرية
الجدير بالذكر، أن معظم سكان الفلوجة ينحدرون من عشائر كبيرة في العراق، هي عشائر الدليم بكل فروعها (البوعلوان، والمحامدة، والفلاحات، والحلابسة، والبونمر، والبوفهد)، والجميلات، والجبور، والكبيسات، والبوعيسى، والعزة، والجنابيين، وزوبع، وقبيلة بني تميم بفروعها (العيايشة، والبو ذهيبة، والبو سهيل، والبو فياض)، بالإضافة إلى مجموعة من العشائر الأخرى، كما توجد في المدينة مجموعة من السكان الأكراد. تاريخيا، بنيت الفلوجة قرب مدينة الأنبار التاريخية التي فتحها خالد بن الوليد عام 12 هجرية الموافق 633 ميلاديا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. وكان العثمانيون قد اتخذوا الفلوجة محطة استراحة لهم في الطريق الصحراوي المؤدي إلى بغداد. وفي العام 1920 إبان الاحتلال البريطاني، شهدت المدينة اضطرابات؛ بسبب مقتل الضابط البريطاني جيرارد ليتشمان على يد أحد شيوخ العشائر.
واجتماعيا اشتهرت الفلوجة بكثرة مقاهيها الشعبية التي كان يرتادها أبناء المدينة من جميع الطبقات الاجتماعية، فتجمع المثقفين والأدباء والكتاب والمؤرخين من أبناء المدينة، حتى أصبحت منتديات فكرية وأدبية بالإضافة إلى اتخاذها مجالس يرتادها شيوخ العشائر والوجهاء لمناقشة شؤون المجتمع. ومن أبرز هذه المقاهي: قهوة عبود عرب، وقهوة أبو علاء المصري، وسوق أطلس، وقهوة جلاوي، فضلا عن قهوة صالح الملة مهيدي.
المعركة الحالية
اليوم حيث تدور معركة الفلوجة بهدف استعادتها من تنظيم داعش الإرهابي بعد سنتين من احتلاله المدينة، تحولت الفلوجة إلى قبلة اهتمام داخلي وإقليمي ودولي؛ نظرا إلى ما تحوزه من مكانة تكاد تختلف تماما عن كل المدن التي تمكن «داعش» من احتلالها سواء في العراق وسوريا. ولعل هذا هو السر الكامن وراء اختيار عبارة «كسر الإرهاب» كتسمية للمعركة المهمة التي لم تحسم بعد. والحقيقة أنه على الرغم من أن المعركة حتى تاريخ كتابة هذه الكلمات، فإن القوات العراقية تتقدم باتجاه «المواجهة - الحسم»، لكن «داعش» الذي قد لا يملك أكثر من 1000 مقاتل - أكثر من نصفهم من أهالي المدينة - يراهن على زيادة الضغط على القوات العراقية باتجاه توقي الحذر حماية للمدنيين. والحال أن هؤلاء المدنيين هم الآن بين مطرقة التنظيم في الداخل وسندان المدافع والصواريخ والقاذفات في الخارج.. وحتما يصعب عليها التمييز بين البريء والمذنب.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.