أوباما ينعى قتلى هيروشيما في زيارة تاريخية.. ويدعو لعالم خالٍ من الأسلحة النووية

واسى أحد الناجين.. وطالب بـ«ثورة أخلاقية» واعترف بأن امتلاك بلاده للأسلحة النووية يجب أن يتغير

أوباما يضع إكليلا من الزهور في نصب للسلام في هيروشيما أمس (أ.ب)
أوباما يضع إكليلا من الزهور في نصب للسلام في هيروشيما أمس (أ.ب)
TT

أوباما ينعى قتلى هيروشيما في زيارة تاريخية.. ويدعو لعالم خالٍ من الأسلحة النووية

أوباما يضع إكليلا من الزهور في نصب للسلام في هيروشيما أمس (أ.ب)
أوباما يضع إكليلا من الزهور في نصب للسلام في هيروشيما أمس (أ.ب)

أصبح باراك أوباما أمس، أول رئيس أميركي في منصبه يزور مدينة هيروشيما اليابانية التي شهدت أول قصف نووي في العالم في بادرة تأمل واشنطن وطوكيو أن تسلط الضوء على تحالفهما وإنعاش مساعي التخلص من الأسلحة النووية.
وأثارت الزيارة جدلا حتى قبل حدوثها ومن بعد، فيما وجه منتقدون اتهامات للجانبين بأن لهما ذاكرة انتقائية وأشاروا إلى تناقضات بين السياسات التي تعتمد على الردع النووي والدعوات لوضع حد للأسلحة النووية. وتسببت قنبلة نووية في مقتل الآلاف على الفور يوم السادس من أغسطس (آب) عام 1945 ونحو 140 ألفا بحلول نهاية العام نفسه. وسقطت قنبلة نووية ثانية على مدينة ناجازاكي يوم التاسع من أغسطس 1945 واستسلمت اليابان بعدها بستة أيام.
وقال أوباما بعد أن وضع إكليلا من الزهور في نصب للسلام في هيروشيما «جئنا لنتأمل في هذه القوة المروعة التي خرجت من ماض ليس ببعيد». وتابع قوله «جئنا لنحيي ذكرى الموتى وبينهم أكثر من مائة ألف رجل وامرأة وطفل ياباني وآلاف الكوريين وأكثر من عشرة أسرى أميركيين. أرواحهم تتحدث إلينا». وقبل أن يضع الإكليل زار أوباما متحفا تتضمن معروضاته صورا مروعة للضحايا الذين تشوهت أجسادهم بشدة والملابس الرثة التي كانوا يرتدونها بالإضافة إلى تماثيل لأشخاص يذوب الجلد عن أطرافهم. وكتب أوباما في كتاب الزوار «عرفنا ويلات الحرب. دعونا الآن نتحلى بالشجاعة معا لكي ننشر السلام ونسعى لعالم خال من الأسلحة النووية». وبعد كلمته صافح أوباما اثنين من الناجين من القصف النووي وتحدث معهما لبرهة من الوقت. وابتسم أوباما وسوناو تسوبوي، 91 عاما، وهما يتبادلان الحديث. وبكى شيجياكي موري، 79 عاما، وعانقه الرئيس.
ويرى معظم الأميركيين أن قصف هيروشيما وناجازاكي كان ضروريا لإنهاء الحرب وإنقاذ الأرواح رغم أن بعض المؤرخين يشككون في هذه الرؤية. ويعتقد معظم اليابانيين أن القصف لم يكن له مبرر. وخاض البيت الأبيض نقاشا بشأن إن كان الوقت ملائما لأوباما كي يكسر الحظر المفروض منذ عقود على زيارة الرؤساء لهيروشيما لا سيما في عام انتخابات. لكن مساعدي أوباما نزعوا فتيل ردود الفعل السلبية من مجموعات قدامى المحاربين بالإصرار على أن أوباما لن يشكك في قرار إسقاط القنابل. والهدف الرئيسي لزيارة أوباما لهيروشيما هو استعراض أفكاره بشأن نزع السلاح النووي التي فاز عنها بجائزة نوبل للسلام في 2009. وقال: «الدول مثل دولتي التي تملك مخزونات نووية ينبغي أن تتحلى بالشجاعة لتنفض منطق الخوف وتسعى لعالم من دونها».
وتفادى أوباما أي تعبير مباشر عن الندم أو الاعتذار عن القصف وهو قرار كان بعض المنتقدين يخشون من أنه سيسمح لليابان بالتمسك بقصتها التي تصورها كضحية. وقال أوباما «نتذكر كل الأبرياء الذين قتلوا في خضم تلك الحرب المروعة والحروب التي سبقتها والحروب التي ستليها. علينا مسؤولية مشتركة في مواجهة التاريخ». ووجد الناجي ايجي هاتوري في كلمات أوباما عزاء له. وقال هاتوري، 73 عاما، والذي كان رضيعا وقت القصف ويعاني الآن من ثلاثة أنواع من السرطان «أعتقد أنها (كلمة أوباما) كانت اعتذارا.. لم أعتقد أنه سيصل إلى هذا الحد وأن يقول كل هذا. أشعر بأنه جرى إنقاذي بطريقة ما. بالنسبة لي كان هذا أكثر من كاف».
ودعا أوباما إلى «عالم خال من الأسلحة النووية»، وقال لجمهور كبير ضم مجموعة من الناجين بأن التكنولوجيا المدمرة مثل تكنولوجيا الأسلحة النووية تتطلب «ثورة أخلاقية» منتقدا التقدم التكنولوجي دون تحقيق تقدم مماثل في المؤسسات الإنسانية.
وقال أوباما خلال الاحتفال التذكاري «قبل واحد وسبعين عاما في صباح يوم مشرق سقط الموت من السماء وتغير العالم»، وأضاف: «لماذا نأتي إلى هذا المكان إلى هيروشيما، إننا نأتي لنتفكر في القوة الرهيبة في الماضي غير الماضي ونأتي للحداد على القتلى». وشدد على أهمية التخلص من الأسلحة المدمرة، معترفا بأن بلاده تعد من أكبر الدول التي تمتلك الآلاف من الأسلحة النووية وقال: «يجب أن نتحلى بالشجاعة للهروب من منطق الخوف والسعي إلى عالم خال من الأسلحة النووية وقد لا يتحقق هذا الهدف خلال حياتي لكن بجهد دؤوب يمكن منع حدوث كارثة». وأشار أوباما أنه منذ 71 عاما عملت المؤسسات الدولية على منع تكرار القصف بالقنابل النووية إلا أن دولا كثيرة من بينها الولايات المتحدة لا تزال تمتلك الآلاف من الأسلحة النووية وقال أوباما «هذا الأمر يجب أن يتغير».
وشهد متنزه السلام التذكاري وهو ساحة تبلغ 30 فدانا من المساحات الخضراء تضم متحفا ونصبا تذكاريا لضحايا القنبلة النووية - تجمعا كبيرا لحشود من اليابانيين الذين رفعوا لافتات ترحب بالرئيس أوباما وتطالب بوقف الحروب والتوقف عن امتلاك الأسلحة النووية. من جانبه، وصف رئيس الوزراء الياباني زيارة أوباما بأنها فتحت فصلا جديدا من المصالحة بين الولايات المتحدة واليابان. وقد أخذت الزيارة الكثير من الاهتمام والجدل حيث يعد الرئيس أوباما أول رئيس أميركي يزور هيروشيما وهو لا يزال في منصبه منذ أن أسقطت القوات الأميركية قنبلة ذرية على المدينة من 71 عاما وقد خلفت القنبلة عشرات الآلاف من القتلى وأجيالا من المشوهين وأدت إلى الإسراع في وضع نهاية للحرب العالمية الثانية.
وطالبت عدد من المنظمات الداعمة لضحايا القنبلة النووية الإدارات الأميركية المتعاقبة بتقديم اعتذار عن إلقاء القنبلة النووية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي، لكن الكثير من جمعيات المحاربين القدماء وجمعيات أسرى الحرب عارضت أن تقدم الإدارة الأميركية على الاعتذار مشيرين أن إلقاء القنبلة على كل من هيروشيما وناجازاكي قد أدى إلى نهاية الصراع الطويل والوحشي للحرب العالمية الثانية وأدى إلى استسلام اليابان في 15 أغسطس 1945.
الحكومة اليابانية نفسها لم تطالب باعتذار بل أبدت تحفظا ورفضا على فكرة الاعتذار الأميركي لأنه كان سيشكل ضغطا على اليابان لتقديم اعتذار مماثل عن الفظائع التي ارتكبتها اليابان في الصين خلال الحرب وبصفة خاصة مذبحة نانجينغ عام 1937 التي قتل فيها أكثر من 300 ألف من المدنيين الصينيين. وقد خرج بالفعل مسؤولو الحكومة الصينية يقولون: إن الفظائع التي ارتكبتها البابان على الأراضي الصينية خاصة في مدينة نانجينغ تستحق مزيدا من الاهتمام أكثر من هيروشيما. فيما أرسلت مجموعة من المنظمات المدنية في كوريا الشمالية خطابا مفتوحا إلى أوباما تطالبه بألا تكون زيارته لليابان تبريرا لجرائم الحرب التي ارتكبتها اليابان أو توسيع دور طوكيو عسكريا في الساحة الدولية.
وطالبت رابطة ضحايا كوريا من التفجيرات الذرية لهيروشيما بتعويضات من كل من حكومتي الولايات المتحدة واليابان. وقد أجبرت اليابان خلال حكمها الاستعماري لشبه الجزيرة الكورية – ما يصل إلى 40 ألف كوري للعمل في اليابان، وقتل ما يقرب من 30 ألف كوري تعرضوا للإشعاع من القنابل الذرية علي هيروشيما وناجازاكي.
وأشارت صحيفة «وول ستريت» أن زيارة أوباما ودعوته لعالم خال من الأسلحة النووية يفتح باب الجدل حول البرنامج النووي الياباني حيث تمتلك اليابان – وفقا لصحيفة «وول ستريت» - أكبر مخزون من البلوتنيوم بكميات أكبر من أي دولة أخرى ليست قوة نووية. ولا تستبعد اليابان السعي إلى امتلاك سلاح نووي وتطوير ترسانتها العسكرية، خاصة مع قيام جارتها كوريا الشمالية بالكثير من التجارب النووية، لكن الأمر يتطلب تغييرا في دستور اليابان الذي ينص على السلمية لحل الصراعات.
وأشار محللون أميركيون أن قرار أوباما زيارة هيروشيما كان محل بحث منذ الأيام الأولى لتولي منصبه في البيت الأبيض خاصة منذ خطابه التاريخي لرؤية عالم خال من الأسلحة النووية في براغ عام 2009.
وأشار المحللون أن الزيارة تهدف في جانب منها إلى مكافأة رئيس الوزراء الياباني لجهوده في تحسين العلاقة بين البلدين وتحقيق تعاون أوثق عسكريا. وأشار محللون أن الزيارة التاريخية تعد شاهدا على قدرة الإنسان على طي صفحات الماضي وتحول بلدين من فترة شديدة العداوة إلى فترة تعاون وصداقة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».