القوات الإيرانية قد تواجه اتهامات بجرائم المرتزقة

وجودها في سوريا لا يتمتع بأي تغطية قانونية دولية

رجال من سكان داريا المحاصرة جنوب غربي العاصمة السورية يجلسون قرب أبنية دمرها قصف النظام (أ.ف.ب)
رجال من سكان داريا المحاصرة جنوب غربي العاصمة السورية يجلسون قرب أبنية دمرها قصف النظام (أ.ف.ب)
TT

القوات الإيرانية قد تواجه اتهامات بجرائم المرتزقة

رجال من سكان داريا المحاصرة جنوب غربي العاصمة السورية يجلسون قرب أبنية دمرها قصف النظام (أ.ف.ب)
رجال من سكان داريا المحاصرة جنوب غربي العاصمة السورية يجلسون قرب أبنية دمرها قصف النظام (أ.ف.ب)

قال الجنرال محسن كاظميني، قائد قوات الحرس الثوري الإيراني في طهران، مؤخرا :«علينا أن نلقي نظرة فاحصة على دورنا الذي نقوم به في الحرب السورية. لقد دخلنا هذه الحرب من أجل إبعاد الأعداء عن حدودنا». والمعنى الجوهري في تصريحات الجنرال كاظميني، التي أدلى بها الثلاثاء الماضي، هو اعترافه الصريح بالدور النشيط الذي تضطلع به الجمهورية الإسلامية في الحرب السورية من خلال المقاتلين بدلا من مجرد «المستشارين العسكريين» كما كانت طهران تزعم حتى وقت قريب.
يوم الخميس الماضي على سبيل المثال، صرح القائد السابق لقوات الحرس الثوري الإيراني، الجنرال محسن رضائي، خلال مقابلة تلفزيونية أجريت في طهران، أن سوريا طالبت مرارا وتكرارا من إيران إرسال القوات العسكرية للمشاركة في الحرب. وعلق الجنرال حول ذلك: «أخبرنا الجانب السوري بأنه ليس بإمكاننا إرسال الجنود. ولكن يمكننا إرسال المستشارين العسكريين». وعلى العكس من ذلك، زعم الجنرال رضائي، أن الزعيم الكردي العراقي مسعود برزاني قد طلب من إيران التدخل بقوات عسكرية للحيلولة دون استيلاء «داعش» على مدينة أربيل. وكان تعليق الجنرال رضائي: «لقد أرسلنا القوات وأرغمنا (داعش) على الانسحاب وعدم دخول أربيل». ووفقا لأحد المحللين، فإن نظرة عامة على التصريحات المتضاربة من قبل القادة العسكريين والسياسيين الإيرانيين، تؤيد من دون شك رؤية الجنرال كاظميني بدلا من رؤية الجنرال رضائي، ألا وهي أن إيران تقاتل بصورة مباشرة في الحرب السورية.
يقول بهمن درابي، المحلل العسكري: «إذا كانت إيران ضالعة في القتال الجاري في سوريا، فإن السؤال سيكون على النحو التالي: بأي صفة تقاتلون هناك؟ هل بموجب القانون الدولي واتفاقيات جنيف؟ إذ إن هناك قواعد صارمة تتعلق بالقوات المشاركة في العمليات القتالية في الحروب». ومن دون وضعية واضحة وذات أساس قانوني راسخ، فقد ينتهي الأمر بالقوات الإيرانية في سوريا إلى أن ينسحب عليها توصيف «المرتزقة»، وبالتالي تُحرم من الحماية الدولية المنصوص عليها بالنسبة إلى المقاتلين النظاميين بموجب اتفاقيات جنيف.
ويُعرف المرتزقة في البروتوكول الأول من القاعدة 108 من اتفاقية جنيف، بأنهم المقاتلون الذين لا ينتمون إلى جنسية أي من الدول المشاركة في الحرب، ولا يقاتلون تحت راية أي دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وما لم يتم إدراجهم رسميا ضمن الوحدات العسكرية النظامية التابعة لإحدى الدول المشاركة في القتال، فسوف يتم اعتبارهم مقاتلين مستقلين ليس لهم الحق في اتخاذ وضعية المقاتلين أو أسرى الحرب. ومع ذلك، قد لا يسهل إدانتهم أو الحكم عليهم من دون محاكمة قضائية مسبقة.
يعاقب على أعمال المرتزقة وفقا لقوانين أي دولة تتمكن من اعتقالهم. ومع ذلك، فلقد سنت أغلب الدول الأعضاء في الأمم المتحدة قوانين منفصلة تتعلق بشأن المرتزقة، التي على الرغم من استنادها إلى القانون الدولي واتفاقيات جنيف تسمح بدرجة كبيرة من التفاوت حيال مجموعة كبيرة من المعاملات. ولا تحرم القوانين الوطنية، برغم ذلك، الأمم المتحدة من حق رفع الدعاوى القضائية فيما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في حالة المقاتلين المرتزقة.
وجرى توضيح التعريف الأساسي الخاص بالمرتزقة بموجب اتفاقية جنيف وبمزيد من التفصيل من خلال البروتوكولات الإضافية الملحقة، التي أقرتها أغلبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
يقول درابي: «يتخذ القادة الإيرانيون المزيد من الحرص والحذر حتى لا تواجههم إمكانية أن ينتهي الأمر بقواتهم العسكرية كمرتزقة متهمين بارتكاب جرائم الحرب».
وتختلف التقديرات حول الوجود العسكري الإيراني في سوريا، ويزعم المعارضون للرئيس السوري بشار الأسد أن إيران لديها 80 ألف مقاتل في سوريا، ولكن وزير الخارجية الأميركي جون كيري يقدر العدد بـ3 آلاف فقط.
يمكن تقسيم القوات التي أرسلتها إيران للقتال في سوريا إلى فئتين كبيرتين، وتتألف الفئة الأول من القوات الإيرانية النظامية بما في ذلك قوات الحرس الثوري وفيلق القدس التابع لها، وقوات القبعات الخضراء الخاصة، وتعبئة المحرومين «الباسيج»، وكل من القوات البحرية النظامية والوحدات البحرية التابعة للحرس الثوري. وتقول أفضل التقديرات إن العدد الإجمالي لتلك الفئة يبلغ 15 ألف مقاتل عند بداية عام 2016. والمشكلة الكامنة لدى هذه القوات الإيرانية أن وجودهم في سوريا لا يتمتع بأي تغطية من أي اتفاقية لأوضاع القوات.
ولقد وقعت سوريا وجمهورية إيران الإسلامية بالفعل على اتفاقية للتعاون الدفاعي عام 2007 تلك التي تغطي مجموعة واسعة من القضايا من محادثات هيئات الأركان المشتركة إلى تبادل الاستخبارات وإمدادات الأسلحة والتدريبات. ومع ذلك، فإن تلك الاتفاقية لا تتضمن وجود القوات الإيرانية المسلحة على التراب السوري في سياق الحرب، فإن ذلك يستلزم إبرام اتفاقية وضعية القوات. ويزعم القادة في إيران أن قواتهم موجودة هناك بناء على دعوة وطلب من الحكومة السورية، وهذا مما يصعب تصوره.
والسبب هو أنه بموجب القانون الإيراني لا يُسمح لأي جندي من القوات المسلحة الإيرانية بالقتال تحت إمرة أي قائد عسكري أجنبي. وهو السبب وراء رفض إيران مشاركة الولايات المتحدة في الحروب التي شنتها الأخيرة في كوريا، ثم لاحقا في فيتنام. ولكن حتى تتمكن القوات الإيرانية في سوريا من تأمين هياكل القيادة والسيطرة الخاصة بها، لا بد من اعتبارها قوة احتلال للأراضي السورية، وهي الوضعية المقبولة بموجب القانون الدولي، أو أن تتم دعوتها من قبل الحكومة السورية في سياق اتفاقية وضعية القوات. ولكن حتى مع وجود اتفاقية وضعية القوات، فسوف تظل القوات الإيرانية خاضعة للقيادة الإيرانية فحسب.
وعلى الرغم من ذلك، إذا لم يتم تعريف وضعية القوات الإيرانية بوضوح فإنها تخاطر بأن ينتهي بها الأمر إلى أن توصف كقوات مرتزقة مع احتمال مواجهة الإجراءات بارتكاب جرائم الحرب؛ وحيث إنه لا وجود لوضح حد دائم للحالات التي تعد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فإن أفراد القوات الإيرانية وقادتهم قد يواجهون تلك الإجراءات حتى نهاية حياتهم. والصورة الثانية من الوجود العسكري الإيراني في سوريا تتألف من المقاتلين الذين أرسلهم الفرع اللبناني من تنظيم «حزب الله» الشيعي، ويقدر عددهم بنحو 20 ألف مقاتل، بالإضافة إلى «المتطوعين للشهادة» من الأفغان، والباكستانيين، والعراقيين، وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام. ويتألف القسم الأول من «الفاطميون»، وهم بالأساس من وحدات الهزارة الأفغانية التي بدأت في التكون كلواء عسكري يضم 6 آلاف مقاتل، ولكنه بلغ الآن مستوى الفرقة العسكرية؛ حيث يبلغ تعداده نحو 12 ألف مقاتل.
والقسم الثاني يتألف من «المدافعين عن الحريم»، وهم مزيج من الباكستانيين والإيرانيين والعرب وحتى من مقاتلي أميركا اللاتينية، ويبلغ تعداد المقاتلين ما يبلغه حجم الفرقة العسكرية.
وأخيرا، هناك الوحدة العراقية الجديدة، والمعروفة باسم «النجباء»، التي تشير إليها وسائل الإعلام الإيرانية بأنها إحدى كتائب المقاتلين البالغ عددهم ألفي مقاتل.
يزعم المقاتلون كافة من غير الإيرانيين ومن غير السوريين أنهم موجودون في سوريا لأسباب دينية وآيديولوجية، وقد يكون الأمر كذلك فعلا. ولكنهم جميعا يقتربون للغاية من التعريف الدولي للمرتزقة. فهم ليسوا من مواطني سوريا، وتم تجنيدهم بواسطة قوة أجنبية، ألا وهي إيران، ويتلقون رواتبهم وغيرها من المزايا المادية المختلفة في مقابل الخدمات العسكرية التي يقدمونها.
ويمكن لمقاتلي «حزب الله» اللبناني وغيرهم من المقاتلين الأفغان والباكستانيين والعراقيين التملص من التصنيف الدولي كقوات مرتزقة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.