مثقفون عراقيون: نحن أمام مكتبة عالمية مفتوحة

القارئ أصبح مثل متبضع في سوق كبيرة

كريم السيد  -  حمدان السالم  -  بان فرات الجواهري  -  حسن قاسم
كريم السيد - حمدان السالم - بان فرات الجواهري - حسن قاسم
TT

مثقفون عراقيون: نحن أمام مكتبة عالمية مفتوحة

كريم السيد  -  حمدان السالم  -  بان فرات الجواهري  -  حسن قاسم
كريم السيد - حمدان السالم - بان فرات الجواهري - حسن قاسم

أجمع مثقفون وأكاديميون عراقيون على حتمية التغيير الكبير الذي طرأ على مفهوم القراءة والتزود بالمعارف في السنوات الأخيرة بعد ثورة الإنترنت التي انتشرت في كل البلدان العربية بالشكل الذي أفرز نوعا جديدًا من القراءة التي تتسم بالسطحية والميسرة والسريعة للفوز بأكبر قدر من المعلومات، الأمر الذي أفرز تراجعًا في القراءة الورقية.
يقول الكاتب والأكاديمي في كلية الإعلام جامعة بغداد الدكتور حمدان السالم: «القراءة كانت وما زالت عند الكثيرين تحقق متعة خاصة لا سيما الكتاب الورقي. فقد يشعر القارئ بنكهة خاصة وهو يتلمس أوراقه ويقلبها وأحيانا يؤشر عليها أو يضع خطا تحت كلماتها فيتولد نوع من الألفة بين القارئ والكتاب. أما اليوم وفي ظل التطور التقني الذي وضعنا أمام مكتبة عالمية مفتوحة اسمها الإنترنت، فإن القارئ وجد نفسه أمام كم هائل مجاني من الكتب وبمختلف التخصصات في حين ما زالت ساعات اليوم باقية على حالها، بل إن الوقت لم يعد كما في السابق بفعل تعدد وتنوع وسائل الإعلام التي راحت تستحوذ على الوقت أيضا».
ويضيف السالم: «اليوم القارئ يعيش إشكالية الوقت والقراءة فلم يعد القارئ لديه متسع من الوقت ليجلس ساعات طوالا ليقرأ كتابا واحدا بل راح يتصفح ربما عشرات الكتب أو المطبوعات على شاشة الكومبيوتر ليطلع عليها بشكل سريع عله يقع على مبتغاه. التعدد والتنوع ترك القارئ مثل متبضع في سوق كبيرة تحوي كل شيء. أما الشباب اليوم فقليل منهم تنمطوا على قراءة الكتب الورقية وأغلبهم وجدوا في الإنترنت ضالتهم وحاصرتهم مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام من خلفهم ومن أمامهم، فأضاعوا الفرصة للقراءة الجادة الرصينة التي تحتاج الوقت والتفرغ فنتج عن ذلك قراءة سطحية وثقافة بسيطة ووعي محدود. اهتموا بالتقنيات ولم يهتموا بالمضمون. ونرى ذلك عند طلبة الجامعة، فإن أغلبهم لا يمتلك الحد الأدنى من المعلومات وأن القراءة آخر اهتماماتهم».
وتشاركه الرأي الكاتبة بان فرات الجواهري حفيدة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري بالقول: «بوجود الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي انحسرت القراءة بشكل ملموس وكادت تصل نسبة قراءة الكتب والصحف ولمجلات إلى 10 في المائة في حين أن هذه النسبة كانت معكوسة بغياب المواقع المذكورة.
ومع زيادة التوتر والسرعة في كافة مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية أصبحت الصورة والعبارة المختصرة هي الأسرع انتقالا إلى القارئ والأكثر استيعابا من القصص الطويلة والمقالات المسهبة».
وأضافت: «في مواقع التواصل الاجتماعي مثلا نرى أن القراء لم يعودوا متواصلين مع بعضهم فهم لا يقرأون لغيرهم أكثر من سطرين أو أربعة، وربما لا يتابعون أصلا ما لم يكن الموضوع يخص مشاكلهم أو توجهاتهم».
ويعزو الكاتب والإعلامي حسن قاسم، تراجع مفهوم القراءة إلى تحكم آليات القراءة الإلكترونية، وشيوع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في عمليات التعبير، وامتدت تلك الظاهرة لتشمل قراءة الكتب المصفوفة على نظام pdf، وهو صيغة ملفات طورت من قبل شركة أدوبي (Adobe)؛ حيث تستخدم لإنشاء مستندات تحافظ على محتواها (من نصوص وخطوط وصور وألوان) بشكل كامل دون أي تغيير. وقد توفرت المئات من العناوين المهمة التي تمثل إصدارات مختلفة التاريخ حيث صار بالإمكان الحصول على أمهات الكتب والمصادر القديمة جنبًا إلى جنب مع الإصدارات الحديثة.
أما ما يخص المحتوى أو مضمون القراءة الإلكترونية فهو خاضع لنوعية الخطاب المرسل وطبيعة مرسله ومستقبله، وهذه العناصر الثلاثة هي من يتحكم بشكل الخطاب المقروء، فعلى سبيل المثال تعج منشورات «فيسبوك» بالأخطاء الإملائية واللغوية والأخطاء في المعنى. ولو توفرت خدمة التصحيح في «فيسبوك» لتغيرت الكثير من المنشورات نحو الأفضل، لأن القراءة ذاتها قد تأثرت كثيرًا بتلك الأخطاء التي شاعت فغيرت نظرتنا للغة العربية، فبسبب الكتابة الخاطئة، صارت القراءة خاطئة هي الأخرى، وترسخت تلك الأخطاء لتكون مظهرًا واضحًا من مظاهر القراءة الإلكترونية، وهذا ما يؤكد مقولة أن الكتابة في السابق كانت للنخبة المنتجة للثقافة، وأن فعل القراءة يقع على العامة من الناس، أما الآن فقد أطاحت وسائل التواصل الاجتماعي بتلك المقولة، وصارت الكتابة فعلاً شعبيًا لا قوانين تحكمه، وصار الجميع يكتب وينشر ما يشاء، وبالتالي أصيبت القراءة بالمرض.
تغير طقوس الحياة هو السبب
بدوره يستعين الكاتب والإعلامي كريم السيد بتعريف مفهوم القراءة بأنها طريقة حياة، بحسب ما يقوله الأديب توينبي، وهذا معناه أنها كطريقة خاضعة للمؤثرات وتنوع الأدوات، ويلفت بالقول: «من المؤكد وفي حدود الحديث عن القراءة، فإن تغير الحياة يغير معها الطقوس والأدوات الخاصة بالقراءة. والعراق بلد معروف أنه بلد يقرأ، وبلد يشهد حراكا معرفيا وتغييرات اجتماعية وسياسية وأحداثا وظروفا خاصة يعيشها الإنسان، ثورة التكنولوجيا والسرعة وفرت بدائل معرفية للكتاب، كمواقع الإنترنت والصحف وتوفر المكتبات الصورية والسينمائية والوثائقية، وهذا بدوره سيشكل مساحة تؤثر على المساحة القديمة التي كان الكتاب الورقي يشكل جزءا كبيرا منها علاوة على الصحف والمجلات».
أما بخصوص جدية القراءة فإن السرعة وسهولة الوصول إلى المعلومة قد تكون نافعة بتوفير الجهد إلا أن توفرها بهذا الكم يجعل منها قراءة سريعة تعتمد الوصول إلى النتائج والمعطيات بدلا من الإسهاب والتعمق وتعدد المصادر.. إن الإقبال على الكتاب بشكل خاص وعلى وسائل المعرفة ينبع من حاجة أساسية لفك إشكالات الحياة والتعمق أكثر في معارفها أو استذواق أجناسها الأدبية والفنية، والفارق بين الشباب والجيل القديم هو فارق الاستعانة بالأدوات، فالبعض لا يزال يفضل الكتاب الورقي وطقوس العيش في عوالمه على الكتاب الإلكتروني الذي يختلف عن الورقي من جوانب صحية واقتصادية.. في العراق هناك وعي جيد بالإقبال على الكتاب متمثلا بحملات مدنية تدعو لعدم نسيان العلاقة مع الكتاب وطقوس أسبوعية يوقرها شارع الكتب والمكتبات «شارع المتنبي» مع نشاط حركة الترجمة وازدهار عصر المكتبات الإلكترونية.
وتختتم الدكتورة سحر خليفة تدريسية في الجامعة العراقية، نظرتها لمفهوم القراءة بالقول «بالتأكيد أن مفهوم القراءة قد تغير في عالمنا العربي وربما في العالم أجمع لأن الوسائل قد تغيرت وتغير معها طريقة عرض المضمون فأهم ما يميز هذا العصر من سمات هي السرعة، فأمام هذا الكم الهائل من المعلومات المتاحة عبر وسائل الاتصال الحديثة لا يمكن للفرد أن يكتفي بمضامين قليلة.
فلكي تستطيع مواكبة ما يستجد في أي مجال من المجالات سواء السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية وحتى الاقتصادية يجب عليك أخذ شيء من كل شيء وبالتالي فإن القراءة السريعة لا يمكن أن ترسخ المعلومة لذلك يتجه معظم القراء إلى قراءة السطور القصيرة وربما يكتفون بالعناوين لأن الوقت المتاح للقراءة لا يمكن أن يستوعب هذا الحجم الهائل من المعلومات».



إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

جاك دريدا
جاك دريدا
TT

إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

جاك دريدا
جاك دريدا

في كتابها الباذخ «الفرنسيون: أو حياتي في ظل النظرية» تقدم الكاتبة والمحررة الأكاديمية إيميلي إيكين شهادة استثنائية تجمع بين سيرة تطوّر وعيها الشخصي والتأريخ الفكري الدقيق لحركة الفكر البنيوي والتفكيكي التي اجتاحت الكليات والمعاهد الأميركية في ثمانينات القرن الماضي، فتستعيد تجربتها الفتية عندما وصلت إلى جامعة هارفارد طالبةً يافعةً قادمةً من أوساط الغرب الأوسط الأميركي المحافظ، لتجد نفسها مأخوذةً بسحر الأفكار الآتية من باريس، والتي شكلت الشيفرة السرية والرمز الثقافي المميز للنخب الفكرية المتمردة في الثلث الأخير من القرن الماضي.

جيل دولوز

ترسم إيكين عبر كتابها الممتد على أربعمائة وتسعين صفحة صورة مجموعة من الفلاسفة ومحللي النفس واللغويين الفرنسيين الذين أحدثوا زلزالاً معرفيّاً في الغرب زحزح المسلمات التقليدية حول المعنى والذات، متتبعةً تفاصيل الرحلة المعقدة التي قطعتها هذه الأفكار من مقاهي حي السوربون وأروقة المدرسة العليا للأساتذة بباريس إلى قاعات المحاضرات في ييل وهارفارد وكولومبيا.

وتصف الكاتبة حالة الانجذاب العاطفي والفكري الشديد نحو «النظرية الفرنسية»؛ إذ كانت تمثل لطالبة قادمة من بيئة بروتستانتية محافظة العالم المغاير والأنماط شديدة الخطورة والمفعمة بالشحنات المعرفية والحسية في آن واحد، حيث كان تعلّم المفردات التي تتضمنها هذه النظرية أشبه باستبدال للهوية والموطن الأصلي بمنظومة معجمية شاسعة تمنح صاحبها بطاقة عبور فورية إلى عوالم الوجاهة الذهنية.

وتعبّر عن تلك اللحظة الاستثنائية بتوصيف الشغف الذي ينتاب المرء عند رؤية الواقع واللغة والنفس البشرية وهي موضع التفكيك والتشريح جهاراً، حيث كانت مفردات مثل «المفارقة» - أي التناقض الظاهري -، و«الدال العائم» - أي المفهوم أو الرمز المنفصل عن مدلول محدد، مما يجعله قابلاً للامتلاء بأي معنى يُسقط عليه مثل مصطلحات (الحرية) أو (الشعب)، و«الحاضر - أبداً» - أي البنى المسبقة التي تشكل وعينا قبل أن ندركها - تشكل ترسانة الأسلحة الفكرية الأبرز لطلاب الدراسات العليا الراغبين في الانفصال عن النمطية الثقافية السائدة والتحرر من الدوغمائيات التقليدية.

لوي ألتوسير

يتناول الكتاب ثمانية أعلام محوريين شكلوا القوام الصلب لهذه الحركة الفكرية، وهم ميشيل فوكو وجاك دريدا ورولان بارت وجاك لاكان ولوي ألتوسير وجيل دولوز وفيلكس غوتاري وبول دي مان، مع استحضار كاشف لرموز مبكرة من قماش جان بول سارتر وكلود ليفي ستروس. وتتجلى المفارقة المركزية التي يقيم عليها النص بنيانه السردي في كون هؤلاء المفكرين الذين أعلنوا قاطبةً «موت المؤلف» واعتبروا السيرة الشخصية مجرد وهم آيديولوجي، قد عاشوا بالذات حياةً طافحةً بالدراما والفضائح المدوية والمآسي الإنسانية المفجعة. ترسم إيكين بأسلوب مفعم بالحيوية صوراً تفصيلية لهؤلاء الأعلام، كاشفةً عن جوانب شديدة التناقض في سلوكياتهم اليومية التي تجاور في غرابتها نصوصهم الأشد تعقيداً واستغلاقاً.

ثمّة تفاصيل مفجعة عن حياة ألتوسير الذي أقدم في لحظة جنون عاصفة على خنق زوجته في سكنه بالجامعة وتجنب المحاكمة بسبب اضطرابه العقلي، في حين تشير السيرة إلى ارتباكه العاطفي العميق في شبابه الأولي واحتفاظه بعزلة نفسية حادة. هناك كذلك تفاصيل الرحلات الأكاديمية لميشيل فوكو في كاليفورنيا حيث مارس طقوس التجريب الذهني والجسدي واختبر المشروبات الأميركية، وانهمك في تقطيع حطب التدفئة مع الطلاب في الجبال، بالتوازي مع تطويره لنظريات الشمولية السلطوية والهيمنة المؤسسية. وينقلنا النص إلى العالم المسرحي للمحلل النفسي جاك لاكان الذي ابتدع أسلوب جلسات علاجية خاطفة ينهيها في غضون دقائق معدودة ليحصد من ورائها ثروات هائلة، واضعاً مريديه في حالة ذهول دائم عبر رسم عقد ورموز مبهمة على السبورة ثم المغادرة الفورية القاطعة للقاعة.

ميشيل فوكو

يتوقف الكتاب عند محطة جاك دريدا، المفكر الجزائري الجذور الذي حمل جراح التهميش والتمييز الإثني في صغره، ليشيد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية، متعرجاً نحو واقعة اعتقاله المأساوية في براغ بتهم مخدرات كاذبة حُبكت ضد هويته الفكرية. كما يفرد النص مساحةً واسعة للسقوط المدوّي لبول دي مان، الأب الروحي للتفكيك في جامعة ييل، حيث كشفت الوثائق المتأخرة بعد وفاته عن كتاباته الصحافية المؤيدة للاحتلال النازي في بلجيكا في أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي الفضيحة التي وجهت ضربةً قاضية لسمعة المدرسة التفكيكية في أميركا، وأعطت الخصوم السياسيين والفكريين أسلحةً فتاكة لتقويض الهالة الحصينة التي أحاطت بالنظريات الفرنسية لسنوات طويلة.

وتعتمد إيكين منهجاً أنثروبولوجياً فريداً في تفكيك هذه الشخصيات عبر تقسيم الفصول وفق موضوعات كبرى تشمل القتل والجنون والكلمات والمناورات، مفضلةً استكشاف الأفكار عبر الوقائع الملموسة والسلوكيات الشخصية لمبدعيها ومجاوزة التحليل الأكاديمي الصرف، مظهرة قدرةً فائقة على إيضاح المفاهيم المعقدة الشديدة الاستغلاق مثل «السلطة الحيوية» و«البانوبتيكون» و«الاستجواب الآيديولوجي»، فتفسر كيف أضحت هذه الطروحات مفاتيح أساسية لفهم التحولات الثقافية والتكنولوجية الكبرى في العصر الحالي، كما في مفهوم فوكو حول البانوبتيكون أو «المراقبة الشاملة» كتشخيص فصيح ومبكر لشبكات المراقبة الرقمية التي تحيط بالإنسان المعاصر عبر المؤسسات والشركات التكنولوجية العملاقة، وتدفعه لممارسة الرقابة الذاتية الصارمة على سلوكياته وأفكاره.

يمتد التحليل إلى تنبؤات رولان بارت في مقالته الشهيرة «موت المؤلف»؛ إذ يجد القارئ المعاصر أن فكرة إنتاج النصوص المستقلة عن وجود الذات الإنسانية قد تجسدت واقعياً عبر نماذج اللغويات الكبيرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تفرغ الكلمات والخطابات في هيئة نصوص متدفقة تعمل فيها اللغة لذاتها وبذاتها. تشير الكاتبة إلى أن الأفكار التفكيكية التي بدأت كنزعة تمردية في المحترفات الجامعية المغلقة قد انحلت تدريجياً في النسيج الثقافي العام، فأصبحت الفرضيات القائلة إن الحقيقة مجرد سردية تصنعها موازين القوى، وإن اللغة تملك طاقة إعادة تشكيل الواقع من القناعات المستقرة لدى الحركات الاجتماعية ورجال التسويق وأقسام العلاقات العامة وحتى الخصوم الآيديولوجيين في الحروب الثقافية المحتدمة.

وينطوي عمل إيكين على ثغرات منهجية تستدعي التوقف النقدي عندها، وفي مقدمتها اقتصار دراستها المكثفة على ثمانية أعلام من الرجال حصراً، وتهميش الدور التأسيسي الذي لعبته الفيلسوفات والمفكرات الفرنسيات البارزات في تلك الحقبة مثل هيلين سيكسوس وجوليا كريستيفا ولوس إريغاراي وسارة كوفمان ومونيك فيتيغ، وهن اللاتي قدمن إسهامات مفصلية في نقد المركزية الذكورية وإعادة صياغة مفاهيم الجسد والكتابة المتمردة.

ويلاحظ القارئ الفاحص أيضاً غياباً تاماً لرمز فكري محوري بحجم رينيه جيرار الذي أطر في مؤتمر جونز هوبكنز التاريخي عام 1966 بداية دخول النظرية إلى أميركا، والذي تتيح نظريته حول «الرغبة المحاكاتية» تفسيراً عميقاً للخصومات الشرسة وحالة التنافس الرهيب التي سادت بين أعلام البنيوية والتفكيك وهم يسعون لتحقيق التمرد والفرادة الذاتية عبر تقليد الأنماط المتصارعة.

يتوقف الكتاب عند محطة جاك دريدا، المفكر الجزائري الجذور الذي عاني من التمييز الإثني في صغره، ليشيّد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية

ويتعلق مأخذ آخر بطبيعة المنهج الذي اعتمدته الكاتبة؛ إذ غلب اهتمامها بالطرائف البايوغرافية والتفاصيل الشخصية على حساب الفحص الفلسفي الغائر للمتون والاحتجاجات النظرية، الأمر الذي قد يمنح انطباعاً مضللاً بأن الفلسفة مجرد صرعة ثقافية عابرة أو موضة فكرية ترتبط بزمن محدد. ويبدو أنها في محاولتها للتوفيق بين موقعها السابق كطالبة مأخوذة بالنظريات وموقعها الحالي بوصفها محررة صحافية مرموقة في جريدة «نيويورك تايمز»، قد فضلت تبسيط الأفكار لصالح الحبكة السردية المشوقة، متخليةً عن التعمق العلمي الذي تتطلبه مساجلات عاتية من وزن المناظرة التاريخية بين فوكو ودريدا حول فلسفة ديكارت وسؤال العقلانية.

ومع ذلك، فإن للفرنسيين قيمة استثنائية تستمدها من قدرة إيكين الباهرة على صياغة مراجعة فكرية ممتعة تجمع الرشاقة الصحافية إلى العمق الثقافي، متجنبةً السقوط في فخ الإدانة السطحية أو التبجيل الأعمى لهذه الحقبة المفصلية من تاريخ الفكر البشري.

في نهاية هذه الرحلة الممتدة عبر الأفكار والسير نخلص إلى أن القيمة الباقية للنظرية الفرنسية تكمن في منحنا أدوات النقد اليقظ والتفحص الصارم للغة، وإيقاظ التشكك الدائم أمام الشعارات السياسية التي تتزين بزي الحقائق السرمدية. وسيظل عمل إيكين دعوةً مفتوحةً لإعادة اكتشاف هؤلاء المفكرين المعقدين واستعادة روح المساءلة الفكرية الحرة في زمن تزداد فيه الحاجة إلى بناء وعي نقدي متماسك ومحصن ضد التبسيط والتضليل والسطحية المعرفية.


تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة
TT

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تتبع رواية «دارة بلقيس» للكاتب الأردني عبد الهادي المدادحة التحولات الدرامية العميقة التي تعصف بالمكان العمّاني وهويته التراثية، مبرزة التنازع الأزلي بين سحر الذاكرة الحميمة وأطماع الاستثمار العقاري الجاف. ويأخذنا الكاتب في رحلة لاستكشاف تفاصيل الحياة اليومية في جبل اللويبدة العريق، وتحديداً عمارة «جيهان 4» في شارع كلية الشريعة، رابطاً بين مصائر أبطاله وحركة النجوم والأبراج الفلكية في القبة التنجيمية بأوتادها الأربعة، ليعكس من خلالها تقلبات النفس البشرية ومشاعر العجز البشري أمام ويلات الواقع وقسوة التغيير.

ويمكن إدراج هذه الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في 135 صفحة من القطع المتوسط، في إطار الرواية الاجتماعية الفلسفية التي تتوسل بالفلك الأسطوري لتفكيك الواقع؛ حيث تُسلط الضوء على قصص إنسانية متشابكة لجيران يتقاسمون المكان والذكريات، كالسيدة أليس بركات الشغوفة بعالم الفلك، وصديقة طفولتها الدكتورة سعاد الصبّان التي تقع ضحية لشَرَك عقاري يقوده أحد السماسرة المغامرين بهدف هدم دارتها التراثية، ليمثّل الكتاب صرخة أدبية تدافع عن أصالة الأحياء العريقة في مواجهة زحف الأسمنت الحداثي.

بدأت الرواية التي صمم غلافها «عيد بنات»، باستهلال أسطوري لافت مستوحى من الموروث الفلكي العربي حول قصة مقتل رجل غدراً في الأسواق البعيدة، فيأخذك في رحلة بحث وثأر أبدية من القاتل «سهيل» الذي فرّ نحو السماء الجنوبية. ومن هذا الفضاء السديمي الفسيح، يهبط المدادحة بسرديته بسلاسة نحو جغرافية عمّانية شديدة الواقعية والدقة، ليتجول بالقارئ بين شارع كلية الشريعة، وكلية تيراسانتا، وساحة باريس، ومستشفى لوزميلا، عارضاً تفاصيل دراسة بطلته للطب في القاهرة، ومسترجعاً أحداثاً تاريخية وإقليمية مأساوية تركت ندوباً في وعي الشخصيات ونفسياتها.

من أجواء الرواية

«تتعدد رغباتنا وتتنوع وربما تتناقض، فليست كل رغبة ثبت وجودها، يثبت عدم وجود رغبات أخرى معاكسة لها في الاتجاه، فالحياة كأنها ميدان حرب وساحة صراع بين رغباتنا من جهة وما ينازعها ويعارضها من جهة أخرى، ففي الحياة ثمة متسع لكل هذا.

ثم تضيف: كثيرة هي الأشياء التي تجري في حياتنا بلا حساب أو مراجعة، تصبح شيئاً يشبه العادة، نؤمن بها ونعمل بمقتضاها ولا نبحث لها عن دليل عقلي يثبت الفائدة منها أو الضرر. أحياناً تصبح الفكرة مثل العادة أيضاً، تؤتى بلا دليل عقلي قاطع على صحتها.

نفرح ونشعر بوجودنا عند زيادة قدرتنا على التأثير في العالم من حولنا، ونحزن عندما تنقص القدرة على الفعل والتأثير. نلجأ إلى التنجيم سعياً وراء الفرح أو هرباً من حزننا الذي يشعرنا بالعجز».

وكان قد صدر للمدادحة: «قالت لي العرافة»، قصص (2015)، «على جمر الغضا.. قراءة في تاريخ الحكومات الأردنية»، دراسة سياسية، (2016)، «هوامش البساط الأحمر»، رواية، (2018)، «كرك موبا... رسائل المدينة»، رواية، (2021)، و«حارسة»، رواية، (2022)، و«رعاش المدينة»، رواية، (2026).


«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»
TT

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

في العدد 718 (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول 2026) من مجلة «القافلة» السعودية التي تصدرها شركة «أرامكو»، يتأمل الدكتور عبد الله المطيري معنى السياحة بوصفها حالةً وجودية تتجاوز التنقل، والترفيه، مستكشفاً جذورها اللغوية، والفلسفية.

كما يتتبّع الكاتب محمود مبشر، نشأة صناعة الورق في سمرقند، مستعرضاً الجدل حول أصولها، وتطورها، وكيف أسهمت تحسينات الصُنّاع السمرقنديين في إنتاج الورق الذي أصبح ركيزةً لازدهار التأليف، والنسخ، وانتشار المعرفة في الحضارة الإسلامية.

الإرهاق الوظيفي

وتطرح قضية العدد مسألة «الإرهاق الوظيفي»؛ عن جذوره، وتداعياته، وطرق تشخيصه، وسبل الوقاية منه، والتعافي. كما يتتبّع فريق «القافلة» جذور المفهوم منذ ظهور «الوهن العصبي»، وصولاً إلى تبلور مصطلح (Burnout)، والاعتراف به من منظمة الصحة العالمية، مستعرضاً أسبابه النفسية، والاقتصادية، والمهنية. حيث يميّز هادي الدخيل بين ضغوط العمل الطبيعية والاستنزاف المزمن، ويتحدث عن العلامات الخفية للإرهاق، وتطوّرها التدريجي. ويناقش الدكتور أحمد الخلف آثار الإرهاق الوظيفي في الصحة النفسية، والجسدية، والحياة الشخصية، وسبل الوقاية، والتعافي. أما نايف الفهد، فإنه ينظر إلى المشكلة من زاوية المنظمات، مؤكداً ارتباطها بثقافة العمل، وأساليب الإدارة، وتوزيع الأعباء.

عالم التوحش الرقمي

في أدب وفنون، تناقش بثينة العيسى حال النشر في عالم التوحش الرقمي، وكيف أسهمت الفيديوهات القصيرة واقتصاد الانتباه في تراجع القراءة.

وتشير العيسى إلى دراسةٍ أميركية امتدت من 2003 حتى 2023، وجد فيها الباحثون أنَّ «القراءة من أجل المتعة» بين الشَّباب قد انخفضت بنسبة 40 في المائة خلال عشرين عاماً. وربطت هذه الدِّراسة بوضوحٍ بين تطوُّر البيئة الرقمية وتراجع القراءة.

وقالت: ليس من المبالغة القول إنَّ شركات التكنولوجيا قد نجحت في توجيه الضربة الأقسى للكتاب عبر التاريخ، ووحده المستقبل سيكشف إن كانت ضربةً قاصمة أم لا، وإن كان الكتاب قادراً على النَّجاة هذه المرة أم لا، وبأي شكلٍ؟ وما الثمن؟ لكن الضربة أسوأ من (...) إلقاء مخطوطات «بيت الحكمة» في نهرِ دجلة على يد المغول؛ إذ لم ينجح أيٌّ من هؤلاء في التسبّب في نكوصٍ قرائي بنسبة 40 في المائة، مهما أرادوا ذلك.

وتقول الكاتبة: الكتاب كائنٌ مشاغب، رعوي، ولا يمكن ضبطه، ينجو باستمرارٍ من المنع، والحرق، والغرق، ويتحالف مع الورّاقين من حفظة الذاكرة، ومع القراصنة، والمهرِّبين، والصعاليك إن اقتضى الأمر. تمتَّع الكتاب، عبر التاريخ، بمرونة قتالية مدهشة، وقد انتصر غالباً أمام الفاشية، لكنه اليوم يحاربُ خصماً مختلفاً تماماً، وفي معركةٍ مختلفة تماماً، وبأدواتٍ مختلفة تماماً، فهل سينجو؟ ومرَّة أخرى: بأي شكل؟ وما الثَّمن؟

وتضيف: هذا شيءٌ لم نتخيل أن نقوله في يومٍ من الأيام، لكننا لو خُيّرنا بين الرقابة الكلاسيكية والعيش في مناخ رقمي مملوء بالكتب التي لا يقرأها أحد، لاخترنا الرقابة في شكلها الأوَّل، الواضح، والصريح؛ لأن محاربتها أسهَل، ولأنها لا تخفي آثارها بهذه البراعة، ولا تجعل الواحد منّا يشعرُ بفشله الشخصي بسبب اعتلالٍ بُنيوي في المنظومة. ففي حين تستهدف الرقابة الكلاسيكية منع الكتب نفسها، تعمل المنصات الرقمية على تقويض قدرتنا على القراءة، من دون أن تضطر إلى منع كتابٍ واحد، أو شيطنته. وقد وجدت نبوءة راي برادبيري في روايته «451 فهرنهايت» فرصةً للتحقق أخيراً: «لست مضطراً إلى حرق الكتب لتدمير الثقافة، كل ما عليك فعله أن تُوقف الناس عن قراءتها».

وتقول العيسى: لقد نجح رأس المال الحر، في الشمال العالمي «المتحضّر»، في تحقيق ما لم تنجح الرقابة في تحقيقه قط. وتضيف: من الواضح أننا لا نعيش في عالم أورويل القائم على القمع الصريح، بل في عالم هكسلي الذي يرتكز على التخدير، والترفيه المتواصل، فما الذي حدث فعلاً؟ وأين نحن من نبوءة أورويل في رواية «1984»، بأن وسيلة التحكّم في الأفراد هي الألم، ونبوءة هكسلي في رواية «عالم جديد شجاع» التي تصوّر المتعة وسيلةً للتحكّم في الأفراد؟ وبعبارة موجزة: خشي أورويل أن يدمِّرنا ما نكرهه، وخشي هكسلي أن يدمِّرنا ما نحبُّه.

آداب وفنون

وفي هذا العدد من «القافلة» يتتبّع بدر الدين عرودكي المسيرة الإبداعية للكاتبة الفرنسية نيللي آلار، من التمثيل، وكتابة السيناريو، إلى الرواية. وفي زاوية شعر نقرأ نصًّا للشاعرة جيهان عمر. ويناقش ياسر مدخلي إدارة المشاريع الإبداعية، والتحوّل الذي يشهده القطاع الثقافي السعودي من نشاط إبداعي إلى صناعة اقتصادية. ويستعرض خليل صويلح سيرة أبي خليل القباني، رائد المسرح العربي الحديث، ورحلته من دمشق إلى القاهرة، وشيكاغو. ويتتبّع يوسف الحربي تحوّل العمل الفني من منجز جمالي إلى أصلٍ استثماري، ودور المزادات والإعلام ورأس المال في صناعة قيمته السوقية. ويناقش حمادي كيروم محاولات اقتباس رواية «مدام بوفاري» سينمائياً، واختلاف رؤى جان رونوار وكلود شابرول وفنسنت مينيلي في نقل عالم فلوبير إلى الشاشة. ويتحدث الدكتور فراس طرابلسي عن تطوّر الموسيقى التصويرية من إضافة جمالية إلى شريكٍ أساسي في بناء السرد السينمائي، وصناعة المعنى. فيما يعرّفنا طاهر الزهراني على تجربة الفنانة السعودية زهرة الغامدي، التي تستلهم أعمالها التركيبية من الأرض، وذاكرة المكان، والطبيعة الجنوبية.

علوم وآفاق

وفي علوم، تناقش الدكتورة ندى الأحمدي تطوّر فهم الأحلام في أبحاث علم الأعصاب الحديثة، وإمكانات «هندسة الأحلام»، وحدودها الأخلاقية. ويتحدث علاء حليفي عن «المدن الإسفنجية»، بوصفها نموذجاً عمرانياً يتعايش مع دورة الماء، ويسهم في الحد من الفيضانات. ويتأمل محمد سناجلة تطورات الحوسبة العاطفية، وإمكان إنشاء «متحف للعواطف» يحفظ آثار المشاعر الإنسانية. فيما يتناول الدكتور فهد المرشدي الفيتامينات، ومصادرها، ومخاطر نقصها، أو الإفراط فيها، مؤكداً أنها ليست بديلاً عن نمط الحياة الصحي. ويتناول محمد الصيعري رهان الحوسبة الكمّية، والتجربة السعودية في هذا المجال، مسلطاً الضوء على إطلاق أول حاسوب كمّي في المملكة، وأول منصة تجارية للحوسبة الكمّية في الشرق الأوسط.

وفي آفاق، يكتب عبد الله الضامن عن «فخ الغضب»، وكيف تستثمر المنصات الرقمية الانفعال والسخط لزيادة التفاعل، فيما يناقش الدكتور خالد حنفي أثر الخوارزميات في صعود الشعبويات الرقمية، وتشكيل الوعي، والسلوك، والهوية. وتتحدث مهى قمر الدين عن تحوّل الهدوء من حاجة إنسانية فطرية إلى سلعة وامتياز في عالم يزداد ضجيجاً. ويأخذنا هشام الحميد إلى كوبا، مستعرضاً ملامحها التاريخية، وعمارتها، وسياراتها الكلاسيكية، وثقافتها النابضة بالموسيقى، والفنون.

وفي «فكرة العدد»، تستعرض مهى قمر الدين تجربة اللوحات البنية على الطرق السريعة في فرنسا، وكيف تحوّلت من أدوات إرشادية إلى وسائط بصرية وثقافية تجمع بين التصميم، والفن، والسياحة، والسلامة المرورية.

ويتحدث ملف العدد عن «النسيان»، بوصفه وظيفةً بيولوجية ضرورية، لا مجرد خلل في الذاكرة. حيث يتناول الدكتور عبد الله العقيبي دور النسيان في التكيّف، واتخاذ القرار، والفرق بين النسيان الطبيعي والمرضي، كما يستعرض حضوره في الأدب، والفنون، والذاكرة الجمعية، ومحاولات الإنسان مقاومته بالكتابة، والتقنية، وصولاً إلى دوره في تشكيل التجربة الإنسانية، والهوية الفردية.