عشرات القتلى بتفجيرين لـ «داعش» استهدفا طالبي التجنيد في عدن

وقعا قرب منزل العميد الصبيحي قائد «معسكر بدر».. والحكومة اليمنية تؤكد استمرارها في ملاحقة المتطرفين

جانب من موقع التفجير في خور مكسر بعدن الذي استهدف معسكرا للتجنيد (أ.ف.ب)
جانب من موقع التفجير في خور مكسر بعدن الذي استهدف معسكرا للتجنيد (أ.ف.ب)
TT

عشرات القتلى بتفجيرين لـ «داعش» استهدفا طالبي التجنيد في عدن

جانب من موقع التفجير في خور مكسر بعدن الذي استهدف معسكرا للتجنيد (أ.ف.ب)
جانب من موقع التفجير في خور مكسر بعدن الذي استهدف معسكرا للتجنيد (أ.ف.ب)

أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن التفجيرين اللذين وقعا أمس في خور مكسر بعدن وأسفرا عن مقتل أكثر من 40 شخصا وإصابة العشرات، ويعد الهجوم الثاني من نوعه للتنظيم بعدن خلال أقل من أسبوعين. وقع التفجيران في حي خور مكسر وسط عدن التي أعلنها الرئيس عبد ربه منصور هادي عاصمة مؤقتة بعد سقوط صنعاء بيد المتمردين في سبتمبر (أيلول) 2014؛ فقد فجر انتحاري حزامه الناسف وسط تجمع للمجندين قرب «معسكر بدر» القريب من منزل قائده العميد عبد الله الصبيحي.
وقالت مصادر عسكرية لـ«الشرق الأوسط» إن أكثر من مائة قتيل وجريح سقطوا جراء العمليتين الإرهابيتين اللتين استهدفتا تجمعا للمجندين أمام منزل القائد الصبيحي بحي الإنشاءات بخور مكسر، وبوابة معسكر بدر التدريبي.
من جانبه، أعرب رئيس الوزراء الدكتور أحمد عبيد بن دغر، عن إدانته واستنكاره الشديدين للعمليتين اللتين استهدفتا مجندين.
وأجرى رئيس الوزراء، الذي يشارك حاليا في القمة العالمية للعمل الإنساني بإسطنبول، عددا من الاتصالات الهاتفية من مقر إقامته، بقيادات السلطة المحلية بمحافظة عدن، والقيادات الأمنية والعسكرية، للوقوف أولا بأول على تفاصيل الحادث الإرهابي الجبان.
وأكد أن «أيادي الغدر والتطرف التي امتدت مجددا لتضرب في عدن، محاولة بائسة وعبثية للرد على الهزائم الساحقة التي تلقتها من الجيش الوطني والمقاومة بدعم من التحالف العربي، بعد دحرها من عدد من المناطق وآخرها محافظة حضرموت التي ظلت مسيطرة عليها لأكثر من عام».
وأشار رئيس الوزراء إلى أن «الإرهابيين والمجرمين لن ينالوا من عزم وتصميم الدولة والحكومة وأشقائها في التحالف العربي، على الاستمرار في استئصال شأفة الإرهاب وملاحقة عناصره المتطرفة أينما وجدوا في اليمن، حماية للأمن والاستقرار الداخلي والإقليمي والدولي».
الشاب العشريني أكرم العيسائي، أحد شهود العيان من أبناء حي الإنشاءات مسرح العملية الإرهابية، روى واقعة التفجير الإرهابي.. وقال العيسائي لـ«الشرق الأوسط» إنه في وقت مبكر من صباح الاثنين، وتحديدًا في تمام الساعة الثامنة والنصف، قام انتحاري بتفجير نفسه أمام بوابة منزل الصبيحي وسط تجمع للشباب العسكريين، حد قوله.
وأردف: «قام انتحاري بالدخول إلى وسط المجندين العسكريين عندما كانت مجموعة كبيرة من الشباب المستجدين في السلك العسكري، منتظرين للجنة الترقيم العسكري داخل بيت الصبيحي، وفجأة وقع الانفجار الذي تبين مؤخرًا أنه كان بحزام ناسف». العيسائي كشف لـ«الشرق الأوسط» عن مشاهدة الشباب قبل حصول العملية الإرهابية لسيارة مارة كانت تصور قبل الانفجار بـ10 دقائق.
وأوضح أن إفادات كثيرين من شهود العيان رصدت وجود الانتحاري بين العسكريين منتظرا بصورة طبيعية، ليقوم بتفجير نفسه وسط جموع الشباب العسكريين الذين تساقطوا بين قتلى وجرحى، وعددهم قد يصل إلى أكثر من مائة.
وقال إن امرأة كانت تقود سيارة أثناء مرورها إلى منزلها الذي يقع في الحي الذي يوجد فيه منزل القائد الصبيحي وقت العملية الإرهابية، أصيبت إصابة خطيرة، وجرح عدد من المدنيين في الواقعة، على حد قوله.
وخلال دقائق من تفجير انتحاري نفسه بحزام ناسف بحشد من المجندين الشباب أمام بوابة القائد العسكري عبد الله الصبيحي، استهدفت مجموعة إرهابية بوابة «معسكر بدر» بعبوة ناسفة سقط على أثرها عدد من القتلى والجرحى.
من جهته، أوضح الدكتور ميثاق الحريري، مدير العلاقات العامة بمكتب الصحة والسكان بعدن، أن مستشفى الجمهورية الحكومي المركزي وسط عدن في حالة طوارئ دائمة منذ وقوع العمليات الإرهابية صباح أمس، وأن هناك 6 غرف عمليات تنشط لإنقاذ الجرحى ويشارك فيها 60 طبيبا وجراحا من مختلف التخصصات، على حد قوله.
وقال الحريري لـ«الشرق الأوسط» إن كثيرا من الجرحى وضعهم حرج، وإنهم في غرف العمليات وسط جهود كبيرة يبذلها الأطباء لإنقاذهم، مشيرًا إلى أن الإصابات تنوعت بين خطيرة ومتوسطة، وسط حالة استنفار للتبرع بالدم لصالح الجرحى.
وأشار إلى أن سيارات الصحة والإسعاف تقوم بعمليات نقل متواصلة لعدد كبير من الجرحى لعمل الأشعة في مستشفيات «النقيب» و«الوالي» و«صابر» الأهلية، ومن ثم تتم إعادتهم إلى مستشفى «الجمهورية» لاستكمال العمليات، نظرًا لعدم وجود أشعة في المستشفى الحكومي. وأوضحت مصادر محلية مطلعة أن حصيلة التفجيرات الإرهابية وصلت حتى كتابة التقرير إلى 42 قتيلا وأكثر من 70 جريحا، وأن العدد قابل للزيادة نتيجة للحالات الحرجة التي يمر بها كثيرون في غرف العمليات المركزية.
إلى ذلك، قال شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» إنه لا صحة للأخبار التي تشير إلى أن منفذ التفجير الانتحاري امرأة، مشيرين إلى أن تلك المعلومات خاطئة، وأن المرأة التي أصيبت بإصابات خطيرة جدا، كانت مارة عندما وقع التفجير الانتحاري، وكانت تقود سيارتها بنفسها في الطريق إلى منزلها الذي يقع بجانب بيت العميد الصبيحي.
وأوضحوا أن المرأة هي الضحية المدنية، إلى جانب 3 آخرين كانوا مارين وقت التفجير الإرهابي الذي كان بحزام ناسف واستهدف تجمعا من المجندين العسكريين أمام منزل العميد الصبيحي قائد «اللواء 39» بحي الإنشاءات.
وتأتي عمليتا خور مكسر الإرهابيتين بعد يوم واحد من اتهام محافظ عدن اللواء عيدروس الزبيدي، أحزابا سياسية بالوقوف وراء إسقاط عدن في الفوضى واستغلال معاناة الناس.
وكانت قوات هادي المدعومة من التحالف، استعادت السيطرة على عدن في يوليو (تموز) الماضي، من المتمردين الذين سيطروا على أجزاء واسعة منها. إلا أن القوات الحكومية تواجه منذ ذلك الحين صعوبة في فرض الأمن الكامل في المدينة التي شهدت تناميا في نفوذ الجماعات المسلحة، وبينها تنظيما «القاعدة» و«داعش». وسبق للتنظيمين تبني هجمات عدة في عدن ومناطق يمنية أخرى، خصوصا في الجنوب، تركزت على رموز سلطة الدولة، خصوصا قوات الأمن من الجيش والشرطة، إضافة إلى بعض المسؤولين السياسيين. ففي 15 مايو (أيار) الماضي، تبنى تنظيم داعش هجوما انتحاريا بحزام ناسف استهدف عشرات المجندين من الشرطة في مدينة المكلا مركز محافظة حضرموت (جنوبي شرق)، ما أدى إلى مقتل 41 شخصا. وكانت المكلا ومناطق من ساحل حضرموت تحت سيطرة تنظيم القاعدة لأكثر من عام، قبل أن تستعيدها القوات الحكومية بدعم من قوات التحالف في 24 أبريل (نيسان). ولا يزال تنظيم القاعدة موجودا في مناطق أخرى بحضرموت. وفي أبريل، قتل 20 مجندا من الجيش في كمين نصبه متشددون في محافظة أبين المجاورة لحضرموت، حيث تتمتع «القاعدة» أيضا بنفوذ واسع. وفي فبراير (شباط)، قتل 14 شخصا على الأقل في هجوم استهدف معسكر تدريب للجيش في عدن، تبناه تنظيم داعش.
وأفادت التنظيمات الإرهابية إلى حد كبير من النزاع المستمر منذ أكثر من عام بين الحكومة والمتمردين، لتعزيز نفوذها في اليمن.
وتسعى الأمم المتحدة بدعم من عدد من الأطراف المعنية بالنزاع اليمني، إلى التوصل لحل للنزاع من خلال مشاورات سلام بدأت في الكويت في 21 أبريل الماضي، وواجهتها عثرات عدة حالت دون تحقيق اختراق جدي.
وأعلن المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، إسماعيل ولد الشيخ، أمس، عبر «تويتر»، أن وفدي المفاوضات عاودا اللقاءات المباشرة بعد تعليق الوفد الحكومي مشاركته فيها الثلاثاء الماضي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.