قارئ الشبكة العنكبوتية.. «حاطب ليل»

التكنولوجيا بدلاً من أن ترفع من معدل القراءة.. أسهمت في تسطيحها

محمد تنفو  -  رشيد منسوم
محمد تنفو - رشيد منسوم
TT

قارئ الشبكة العنكبوتية.. «حاطب ليل»

محمد تنفو  -  رشيد منسوم
محمد تنفو - رشيد منسوم

تجمع الآراء على أن «العالم قبل الإنترنت هو غير العالم بعد الإنترنت»، وأن «الزمن لم يعد الزمن نفسه، والجغرافيا لم تعد الجغرافيا نفسها، والناس لم يعودوا الناس أنفسهم». حقائق يؤكدها المفكر الفرنسي إدغار موران، بقوله إنه «يستعمل الإنترنت ليس، فقط، من أجل البريد الإلكتروني، ولكن للحصول على المعلومة ومتابعة نشرات الأخبار»، ملاحظا أن «الإنترنت متعدّدة الاستعمالات مثل اللغة، فبالإمكان استعمالها لكتابة الأشعار، كما يمكن أن تستعملها المافيات والمجرمون». غير أن أهم استعمال للإنترنت، برأي موران، يبقى «دمقرَطة الثقافة»، قبل أن يتقدم، أكثر، ليرى أن «للإنترنت قوة تحريرية رائعة تخدم بعض الحركات، مثلا في إيران والصين وتونس ومصر كانت وسيلة للتواصل، سمحت للشباب والجماهير بالتحرك فورا. وعندما ننظر لقضية (ويكيليكس) فهي مهمة، حيث تم الكشف عن ملفات سرية في غاية الأهمية. فثمة أشياء نكتشفها وأخرى تغيب عنا.
على مستوى مفهوم وفعل القراءة، وكيف صارت القراءة في زمن الإنترنت، في منطقتنا العربية، يرى الباحث والناقد المغربي محمد تنفو، أن «فعل القراءة الحقيقي غائب في مجتمعنا العربي. فالشاب العربي عازف عن القراءة، ويقرأ ما يقارب حجم قصة قصيرة جدا في السنة. لذلك؛ صار هذا الشاب يفتقر إلى قدرات تسعفه على الفهم والبناء والتأويل والنقد والتقويم».
وفي مقابل رصده هذا العزوف عن القراءة الفاعلة والفعالة، يتحدث تنفو عن «انشغال الشاب العربي بالشبكة العنكبوتية، وهو انشغال يصل إلى درجة الإدمان والهوس. وما دام هذا الشاب غير محصن بشكل كبير، ويفتقر إلى مناعة حقيقية تمكنه من الإبحار في العوالم الافتراضية المفيدة، فإنه يصير ضحية لهذه الشبكة؛ إذ يقوم بدور (حاطب ليل) لا يكتفي بجمع الحطب المفيد القادر على الإنارة الحقيقية، بل يحمل المفيد وغير المفيد».
يرى تنفو، أن «المواقع الإلكترونية التي تحتل قصب السبق، بالنسبة لاهتمام الشاب العربي، هي المواقع الإباحية، ومواقع تبادل الصداقات، والمواقع الشخصية للفنانين والفنانات.... فداخلها لا يمل ولا يكل. أما دخول المواقع الثقافية المفيدة فيكون من باب الواجبات المنزلية التي يصدرها الأستاذ مدججا بسلاح النقطة». لذلك؛ يتحدث تنفو، بمرارة، عن الشاب العربي الذي صار «ضحية التكنولوجيا وكبش فدائها»، ملاحظا أنه «بدلا من أن ترفع التكنولوجيا من معدل القراءة، أسهمت في إقبارها وتسطيحها. ومن ثم، دقت هذه التكنولوجيا، بفعل فاعل، مسمارا قاتلا في جسد الكتاب الورقي».
في المقابل، لاحظ تنفو كيف أن مجموعة من المجلات، في العالمين العربي والغربي «انتقلت من مرحلة الولادة الحقيقية الورقية إلى مرحلة الولادة الافتراضية»، مشيرا إلى أن «العالم الغربي ما زال يهتم بالفعل القرائي الحقيقي، بخلاف العالم العربي الذي يعاني داء فقدان مناعة القراءة، بسبب تحول الفعل القرائي إلى فعل يماثل الولادة القيصرية. لذلك؛ فتوجيه أصابع الاتهام إلى التكنولوجيا يعد ضربا من الجنون وسوء الفهم».
من جهته، يرى الشاعر والمترجم المغربي رشيد منسوم، أنه «على مجرى التاريخ، كانت القراءة، بصفتها محاولة لفهم وتأويل العالم الغامض ولترميم العزلة المتجذرة في صقيع الكينونة، ثابتا من ثوابت المتخيل الإنساني، أكد من خلالها الإنسان أنه ليس مجرد خطوات بلا أقدام في صحراء، أو مجرد عابر بلا أثر في الوجود». ولأن «الكائن هش لا يحتمل فكرة الوجود، هكذا منفصلا عن الطبيعة وعن التاريخ»، فقد كانت القراءة، يضيف منسوم: «السبيل لمنح الإنسان عمق امتداداته وظلاله وكان العالم ككتاب ضخم ومفتوح يؤسس لفكرة المرآة التي تربط بين السماء والأرض، والتي تحدث عنها ميشال فوكو في كتابه (الكلمات والأشياء). كان الفهم والتحليل والتأويل والتركيب والنقد والإبداع عمليات ذهنية تجعل من القراءة نشاطا حقيقيا معقدا وعميقا. غير أن ظهور وسائل التكنولوجيا الحديثة، وما رافقها من تعاط سلبي، خصوصا من لدن الشباب، لحوامل جديدة، قد أفرز لنا نوعا جديدا من القراءة يمكن أن نطلق عليه (القراءة الزائفة)».
يشدد منسوم على أن ما ينتهي إليه من أحكام «ليس حكم قيمة اعتباطيا بقدر ما هو نحت في اللغة. فثمة، فعلا، استعارات شعرية أزهرت في اللغة لتوصيف فعل التصفح الذي يميز هذا النوع من القراءة الزائفة كـ(ركوب الأمواج) و(الإبحار)، نكاية في العمق وانتقاما من التأويل. هو إذن انتصار السطح على حلم بورخيس الذي طالما تخيل الجنة على هيئة مكتبة. فعالم اليوم يبدو أنه غير معني لا بجاك ديريدا ولا بهانز جورج غادامير أو جيل دولوز، فهو يقدم لنا ذاته، هكذا: «أنا أتسـَـــلفــَـن إذن أنا موجود». صورة طازجة وأشباح من دون ظلال. لا وجود لأثر يفضي إلى شيء. ثمة، فقط، دروب ودروب ومتاهة من دون طعم».
ينتهي منسوم إلى القول بأن «تصور فعل القراءة كما تصوغه العولمة بعين التكنولوجيا الحديثة يروم إفراغ العالم مما تبقى من المعنى لتفقد التفاحة كل استعاراتها وظلالها الأنطولوجية والجمالية، لتصير تلك الفاكهة الطازجة الملفوفة بلا ذاكرة في قطع من البلاستيك في (سوبر ماركت). إنها قراءة توحي بأننا، من خلال موت الكتاب الورقي، لم نعد امتدادات للغابة، كمعبد للرموز والدلالات. حقا إنه لمن سحر العولمة أن تمنحنا (أيفونات) بشاشات ذكية، وتحوّل معظمنا إلى شاشات مسطحة أحادية البعد، من دون أن يتعدى امتدادنا في الوجود تلك المادة اللزجة الذي تسري في أحشائها وتشدنا إليها، تماما، كالحبل السري».
وفي سياق رصد هذه التحولات التي يعرفها العالم، على مستوى وسائط التواصل، يرى الباحث والناقد المغربي سعيد يقطين، أن العصر الحالي يمكن وصفه بتسميات كثيرة، فهو «عصر المعلومات» و«عصر الصورة» و«عصر التكنولوجيا الجديدة للإعلام والتواصل» و«العصر الرقمي»، بما هي تسميات تتآزر، بحسب كاتب «النص المترابط» و«من النص إلى النص المترابط»، لتوصيف عصر مختلف بطابعه الخاص، حتى وإن كان هناك تفاوت، بين الأمم والشعوب، في دخوله والإسهام في تحولاته الكبرى؛ كما تشترك في إيحائها إلى قواسم مشتركة، تجد مدلولها الحقيقي في كوننا ندخل حقبة حضارية جديدة من تاريخ البشرية، عنوانها المركزي هو الانتقال إلى المرحلة الرقمية، التي تهمين فيها الأجهزة الرقمية التي من خلالها يتم التواصل.
هي مرحلة تختلف، من دون شك، عن سابقاتها؛ إذ تحسب على «عصر يلهث فيه قادمه يكاد يلحق بسابقه، وتتهاوى فيه النظم والأفكار على مرأى من بدايتها، وتتقادم فيها الأشياء وهي في أوج جدتها»، على رأي نبيل علي، في مؤلف «الثقافة العربية وعصر المعلومات». لذلك؛ صار المرور من فعل الكتابة إلى ربط الكتابة نفسها بمعطى جعل المكتوب، قابلا للرؤية والقراءة على الشاشة ضمن هذا التحول المتسارع، يستدعي من القارئ عدم الاكتفاء بمعرفة القراءة، فقط، بعد أن صار مطالبا بالتفاعل مع النص رقميا. أي أننا لم نعد، هنا، أمام القارئ العادي، أو حتى القارئ المثالي، الذي كانت تـُنـَـظـّر له الكتابات، ما قبل الرقمية، بل أمام «قارئ رقمي»، صار مطلوبا منه التوفر على «أنماط إدراك» خاصة تجعله مختلفا عن القارئ الورقي، فيما المؤلف لم يعد هو المبدع والمنتج المتحكم في نسيج نصوصه الإبداعية، بعد أن فقد سلطته، على رأي المفكر المغربي عبد السلام بن عبد العالي، في مؤلفه «ضد الراهن».
هكذا، تتأكد قيمة الإنترنت، على مستوى التواصل والإبداع الأدبي والثقافي، مع بعض الفروقات فيما يخص درجات التأثر بهذا الوضع الجديد، حسب البلدان ودرجة انخراطها وأخذها بأسباب التكنولوجيات الحديثة، من جهة التوفر على متطلبات الارتباط بالواقع الجديد. وفي هذا السياق، ينطلق يحيى اليحياوي، الباحث المغربي المتخصص في علوم الاتصال، من الخصوصية المحلية، لينتقد بعض الأفكار الجاهزة حول الإنترنت في بلده، وفي كثير من بلدان العالم، فيقول إن «علاقتنا بالثقافة في المغرب علاقة شاذة في الظروف الطبيعية، فما بالك لو أضيفت لها المستجدات التكنولوجية؟!».
من جانبها، تنظر الناقدة والروائية المغربية زهور كرام للتحولات الحالية المتسارعة التي يعرفها العالم من وجهة نظر إيجابية، تتلخص في أن «انتقال الحضارات من مستوى تواصلي إلى آخر، أكثر استثمارا لتطور الفكر البشري، يولد أشكاله التعبيرية التي تعبر عن حالة الوعي بهذا الانتقال. ولهذا، يحق لأفراد كل مرحلة تاريخية التعبير بواسطة الإمكانات والأدوات المتاحة؛ لأن تلك الإمكانات ليست مجرد وسائط، وإنما تعبر عن شكل تفكير مرحلة».
وبالإيجابية نفسها، في النظر إلى هذه التحولات، لكن مع اشتراط قدرة الأفراد على التعامل مع متطلبات المرحلة، يرى الباحث والقاص والناقد السينمائي المغربي محمد اشويكة، أن الرهان على القارئ الإلكتروني رهان على قارئٍ نوعي؛ لأنه يستطيع تجاوز عائق القراءة الكلاسيكية التي تكتفي بالمادة التي تشملها تضاعيف الحامل الورقي، منبها إلى أن «القراءة الإلكترونية تنمي الكفاية التكنولوجية التي تكشف النص بصفته متاهة، إذا لم يحسن القارئ اكتشافها، من خلال مهاراته الانتقالية عبر روابط النص، تضيع أجزاء كثيرة منه، ولا تكتمل المتعة».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.