هيرتسوغ: كنا سنطلق عملية تتجاوب مع المبادرة العربية لكن نتنياهو رفضها

ليفني تنادي بكتلة مانعة ضد رئيس الوزراء وليبرمان.. وباراك: هناك نزعات فاشية في الحكومة المرتقبة

وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون يدلي بتصريحات للصحافيين في تل أبيب عقب إعلان استقالته بعد فقده الثقة في رئيس الوزراء (رويترز)
وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون يدلي بتصريحات للصحافيين في تل أبيب عقب إعلان استقالته بعد فقده الثقة في رئيس الوزراء (رويترز)
TT

هيرتسوغ: كنا سنطلق عملية تتجاوب مع المبادرة العربية لكن نتنياهو رفضها

وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون يدلي بتصريحات للصحافيين في تل أبيب عقب إعلان استقالته بعد فقده الثقة في رئيس الوزراء (رويترز)
وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون يدلي بتصريحات للصحافيين في تل أبيب عقب إعلان استقالته بعد فقده الثقة في رئيس الوزراء (رويترز)

اتهم يتسحاق هيرتسوغ، زعيم المعارضة الإسرائيلية، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالهروب نحو اليمين المتطرف، بدل أن يشارك في صنع لحظات سلام تاريخية كان من شأنها تغيير وجه المنطقة، في إشارة إلى انسحابه من اتفاق كان وشيكًا معه، وتفضيله الاتفاق على ضم اليميني المتطرف أفيغدور ليبرمان إلى حكومته، وإعطائه المنصب الأكثر حساسية، أي وزارة الدفاع.
وكشف هيرتسوغ في ندوة سياسية أمس أن العملية السياسية التي عكف على إطلاقها خلال محادثاته الائتلافية مع نتنياهو كانت تتجاوب لأول مرة مع بعض مركبات مبادرة السلام العربية، وتشمل مفاوضات مع الدول المعنية، مضيفا أنه «بعكس ما روّج حول توسلي بغية دخول الحكومة، فإني حصلت على مطالبي ومنها حقيبتا الخارجية والدفاع، والتمتع بحق الفيتو على البناء في المستوطنات». وأوضح هيرتسوغ أنه لا ينوي الاستقالة بغية إرضاء جهات يسارية متطرفة انجرت وراء التحريض والعنف، أو اليمين المتطرف الذي يجر رئيس الوزراء.
وفي مقابلة على القناة التلفزيونية الثانية في إسرائيل، كشف هيرتسوغ مزيدًا من التفاصيل المهمة، ومن بينها أن زعماء العالم قالوا لنتنياهو إنهم لا يثقون به في الأمور المتعلقة بالسلام الإسرائيلي - الفلسطيني، وأنه يجب خلق مناخ أكثر قبولًا لجهود السلام.
وفي هذا السياق قال هرتسوغ: «كانت هناك لحظة فريدة حيث هناك مجموعة من القادة العرب المعتدلين الذين يبدون استعدادا لتنفيذ خطوة دراماتيكية، وكان من الممكن أن يكون هناك تغيير تاريخي في المنطقة، ولكن نتنياهو هرب بسبب ضغوط من حزبه (الليكود)». كما أقر هيرتسوغ بأن معظم تفاصيل الاتفاق للانضمام إلى ائتلاف نتنياهو كانت مكتوبة، ولكن «في اللحظة الأخيرة، عندما كان واضحا بأنه ينبغي إدراج البنود الدبلوماسية في الاتفاق فضل نتنياهو التوقف والذهاب مع ليبرمان.. لقد قرر أن ذلك أمر صعب بالنسبة إليه».
وكان نتنياهو قد اتفق مع ليبرمان بعدما كاد يوقع مع هيرتسوغ على ضمه للحكومة وأعطاه وزارة الدفاع، وهو ما أثار انتقادات واسعة وغضبًا كبيرًا ومتناميًا في إسرائيل.
واشتعل الجدل أمس بين ليبرمان ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق إيهود باراك الذي قاد الحكومة الإسرائيلية كذلك، بعدما شارك سياسيون ومثقفون وكتاب ورجال أمن في حفلة انتقاد نتنياهو وليبرمان. وقال ليبرمان عن باراك إنه آخر من يتحدث، لأنه ترك خلفه دولة أطلال مشتعلة، وعمليات عسكرية فاشلة، وسلسلة صفقات أمنية مشكوك فيها.
وجاء هجوم ليبرمان، أمس، ردًا على هجوم من باراك قال فيه إن تنحية وزير الدفاع موشيه يعالون، وتعيين ليبرمان محله يعد خطوة خاطئة ومتهورة، نصلي جميعًا كي لا ندفع ثمنها باهظًا. ورأى باراك خلال مقابلة مع القناة العاشرة الإسرائيلية أن التطورات الأخيرة، ولا سيما التطهير -حسب وصفه- المتمثل بتنحية الوزير يعالون يجب أن يقرع ناقوس الخطر، ويعدّ علمًا أسود فوق سلوك الحكومة ورئيسها. كما حمل باراك على الحكومة بشدة قائلا إنها «تعاني بداية نزعات فاشية».
لكن باراك ليس الوحيد الذي هاجم ليبرمان بضراوة. فقد كتب «يوفال ديسكين»، الرئيس السابق لجهاز الشاباك الإسرائيلي عن ليبرمان إنه «لم يرسَل يومًا إلى المعركة، ولم يُستدع في يوم من الأيام لتحمل مسؤولية اتخاذ أي قرار، وحين كان وزيرًا للخارجية لم يكن مرحبًا به، حتى لجأ إلى زيارة دول لا علاقة لبلادنا بها في العالم».
وأضاف موضحًا: «نريد أن نرسل أبناءنا إلى الجيش وإلى الحرب وهم في أيدٍ أمينة ومتزنة وذات قيم، وبالتأكيد هذه الأيدي ليست أيدي ليبرمان».
أما وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني فنادت أمس بوجوب تشكيل كتلة مانعة تجابه الحكومة، وإفساح القرار أمام الجمهور بتحديد قيادة هذه الكتلة. وفي بيان أصدرته قالت ليفني إن السياسيين والأحزاب المنادية بالقيم التي تختلف عن دعوة بنيامين نتنياهو عليهم التسامي فوق الغرور الأناني، وتشكيل الكتلة المانعة، سعيًا لكسب ثقة الجمهور، معربة عن أملها في صحوة الذين رفضوا قبل ثلاثة أعوام تشكيل هذه الكتلة، والإدراك بأنّها الخطوة الصحيحة في الظروف الحالية.
وتهدف الكتلة المانعة عادة إلى تعطيل مساعي رئيس الحكومة تشكيل ائتلاف جديد دون أن يتفق مع أحد مكونات هذه الكتلة، وهو ما يجبره على تغيير بعض الشركاء وبعض الخطط والبرامج السياسية.
وعلى مدار الأيام القليلة الماضية لم تتوقف هذه العاصفة ضد ليبرمان ونتنياهو، وبلغت ذروتها بإعلان وزير الدفاع موشيه يعالون الاستقالة، متهمًا جهات متطرفة وخطيرة بالاستيلاء على إسرائيل.
وقال يعالون أول من أمس: «لأسفي الشديد اختار سياسيون كبار في إسرائيل التفرقة بين أجزاء المجتمع الإسرائيلي والتحريض، بدل التوحيد والألفة.. لقد عبرت عن قلقي حيال مستقبل إسرائيل والأجيال المقبلة أكثر من مرة. وباعتقادي فإن وظيفة القيادة هي أن توجه الدولة على نحو أخلاقي، وفق بوصلة واضحة، عكس مهب الريح».
وتعهد يعالون بأنه سيعود للمنافسة على قيادة إسرائيل في تصريح مباشر ضد نتنياهو، الذي يرجح مراقبون أنه جاء بالمتطرف ليبرمان إلى وزارة الدفاع كنوع من العقاب ليعالون، ومن أجل استبعاد منافس محتمل له في حزب الليكود.
وكان خلاف دب مؤخرا بين نتنياهو ويعالون حول مواضيع عدة، خصوصًا في ما يتعلق بتأييد يعالون إعطاء حرية للضباط الإسرائيليين الكبار «في التعبير عن رأيهم». وقد شجع يعالون الضباط في الجيش على التعبير عن رأيهم، حتى لو كان موقفهم يتناقض مع موقف رؤسائهم العسكريين أو القادة السياسيين. وقد أثارت هذه التصريحات غضب نتنياهو الشديد، حيث قال ردًا على ذلك: «أصر على أنه يجب إبقاء الجيش خارج السياسة.. ومحاولة إدخال الجيش وقادته إلى الجدل السياسي مرفوضة، وتشكل خطرا على الديمقراطية. وفي النظام الديمقراطي الجيش يخضع لأوامر القيادة السياسية وليس العكس».
ومن جهته، عبر نتنياهو عن الأسف لخسارة يعالون بقوله «إن التعديل الوزاري لم ينجم عن عدم الثقة بيننا، بل من ضرورة توسيع رقعة الائتلاف الحكومي من أجل تحقيق الاستقرار السياسي لدولة إسرائيل في ضوء التحديات الكبيرة التي تواجهها».



استنفار حوثي واعتقالات بعد أزمة الطائرة الإيرانية

حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي واعتقالات بعد أزمة الطائرة الإيرانية

حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)

تحولت تداعيات محاولة هبوط طائرة إيرانية في الأراضي اليمنية، الاثنين الماضي، من أزمة سياسية وعسكرية إلى مصدر خوف للسكان في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، بعدما أعقبتها حملات اعتقال واسعة وإجراءات أمنية غير مسبوقة في صنعاء والحديدة، بذريعة ملاحقة خلايا تجسسية وإرهابية، وسط مخاوف من أن يقود التصعيد إلى مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية.

وأجبر الجيش اليمني طائرة تابعة لشركة الطيران الإيرانية «ماهان إير»، على الهبوط في مطار الحديدة، بعد أن اخترقت الأجواء اليمنية رغم التحذيرات التي أطلقتها السلطات اليمنية، واستهدفت القوات الجوية اليمنية مدارج الهبوط والإقلاع في مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين الذين كانوا حشدوا أنصارهم لتنظيم استقبال استعراضي لوفدهم القادم من الأراضي الإيرانية.

وبينما أبدى سكان صنعاء والحديدة مخاوفهم من تبعات التصعيد الحوثي على حياتهم، شنت الجماعة حملات اعتقالات واسعة النطاق في المدينتين، طالت العشرات ممن لم يُكشف عن هوياتهم، بعد فرض حصار مطبق على المنازل والحارات التي جرت فيها الحملات.

وذكر شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» أن عدداً من الحارات المحيطة بشارع تونس في مديرية الثورة، في العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، شهدت استنفاراً وحصاراً استمرا قرابة يومين كاملين، وتسببا بحالة من الهلع في أوساط السكان، بعد أن نشرت أجهزة الأمن الحوثية عدداً كبيراً من عناصرها الملثمين وعرباتها المدرعة في المداخل وأقدمت على اقتحام منازل واعتقال عددٍ غير معروف من ساكنيها.

صورة لهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة التقطها أحد السكان (إكس)

وقيّدت عناصر الجماعة حركة تنقل أهالي الحارات التي نفذت فيها حملات الاعتقال، ولم تسمح بخروج أي شخص، في حين كان يجري احتجاز كل من يقترب منها أو يحاول الدخول إليها، ويجري التحقيق معه داخل العربات التابعة للحملة، قبل أن يقرّر قادة الحملة إطلاقهم أو اعتقالهم ومنعهم من التواصل مع أقاربهم.

مخاوف واعتقالات

كشفت مصادر مطلعة عن إجبار الجماعة الحوثية كل من أُفرج عنهم على التعهد بعدم الإفصاح، لأي كان، عمّا جرى خلال التحقيق معه، أو الكتابة والنشر في مواقع التواصل الاجتماعي، متوعدة بملاحقتهم في حال مخالفة هذا التعهد.

ونقلت المصادر عن أحد الشهود أنه جرى احتجازه والتحقيق معه ساعات عدة بسبب مروره في شارع تونس ووقوفه للسؤال عن سبب الإجراءات الأمنية المشددة، ولم يتم الإفراج عنه إلا بعد استكمال التحريات بشأنه.

غبار ودخان في مطار صنعاء بعد ضربات للجيش اليمني رداً على خروق الحوثيين وإيران (أ.ف.ب)

وحسب ما نقلت المصادر عمن جرى احتجازهم والتحقيق معهم، فإن الجماعة تزعم أنها كانت بصدد ضبط خلايا إرهابية وتجسسية تنشط في الحي وتستعد لتنفيذ عمليات تستهدف شخصيات ومواقع أمنية وعسكرية.

وشهدت أغلب شوارع وأحياء صنعاء ومدينة الحديدة (غرب) إجراءات أمنية مشددة، وانتشاراً للعربات التابعة لأجهزة أمن الجماعة، وتكثيف أعمال تفتيش المارة والسيارات، وإغلاق بعض الشوارع والمنافذ.

ووفقاً لتقدير المصادر، فإن هذه الإجراءات ترتبط بمخاوف الجماعة من رد الجيش اليمني على التصعيد الذي أقدمت عليه الجماعة بدعم من النظام الإيراني، وذلك باختراق السيادة اليمنية وإرسال طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء دون إذن من السلطات الشرعية.

كما شهدت مدينة الحديدة اعتقالات على نحو واسع النطاق طالت العشرات من السكان في عدد من الأحياء والشوارع المحيطة بالمطار، دون الكشف عن الأسباب والدوافع، في حين رجّح متابعون أن المستهدفين بالحملة ممن التقطوا صوراً بهواتفهم لهبوط الطائرة الإيرانية ونشروها في مواقع التواصل الاجتماعي.

الجماعة الحوثية نفَّذت حملات اعتقال وانتشار أمني بعد أزمة الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

وقال شاهد عيان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر الجماعة كثفت من انتشارها في مختلف الشوارع والأحياء، خصوصاً جهة الشرق، بالقرب من المطار، وأوقفت العشرات لتفتيش هواتفهم.

حسابات التصعيد

قوبلت الإجراءات الحوثية والإيرانية بغضب واستنكار واسعين؛ لما تمثله من تعقيد للأزمة اليمنية وزيادة لمعاناة السكان في ظل تردي الأحوال المعيشية وتراجع المساعدات الإغاثية الدولية.

وتحدث سكان في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن مخاوفهم من أن تؤدي الخطوات التصعيدية الحوثية، والعمليات العدائية ضد منشآت حيوية في جنوب السعودية، إلى المزيد من التدهور الاقتصادي وأزمات في المواد والسلع الضرورية.

وفسّر مدرس وأكاديمي في جامعة صنعاء الأعمال التصعيدية الحوثية بمحاولة فرض شروط معقدة لأي تسوية سياسية متوقعة في المستقبل، حيث تحاول الجماعة تحسين وضعها التفاوضي بعدما واجهته من خسائر اقتصادية وعسكرية بسبب الضربات الأميركية والإسرائيلية رداً على عملياتها في البحر الأحمر والمواجهة التي اصطنعتها مع تل أبيب.

الجيش اليمني منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء بعدد من الضربات (أ.ف.ب)

وذهب الأكاديمي الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته؛ حفاظاً على سلامته، إلى أن الجماعة توجه رسائل اختبار لقياس ردات الفعل المحلية والإقليمية والدولية، وأن ثمة احتمالات لأن تكون تلقت توجيهات إيرانية بذلك، للحصول على مكاسب مزدوجة للطرفين في ظل التوتر الذي ما يزال قائماً في المنطقة.

وبيَّن الأكاديمي، أن قادة الجماعة الحوثية الذين يسيطرون على جامعة صنعاء، يتناقلون يومياً أحاديث عن لقاءاتهم بقيادات عليا أو تلقيهم اتصالات تحثهم على المزيد من التعبئة في أوساط الطلاب وموظفي الجامعة والأكاديميين.

وكشف عن استعدادات كبيرة كانت الجماعة تجريها لتنظيم حفل استقبال كبير لوفدها العائد من طهران في مطار صنعاء، قبل أن تضطر إلى إلغائه بعد تلقيها تحذيرات بعدم السماح بهبوط الطائرة فيه.

ويخشى اليمنيون أن يقود هذا التصعيد إلى مزيد من التشديدات الأمنية وتقييد الحريات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الإنسانية؛ ما يجعل المدنيين الطرف الأكثر تأثراً بأي مواجهة أو حسابات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود اليمن.


تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
TT

تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)

تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع عودة التصعيد العسكري للحوثيين، بالتزامن مع تداعيات استئناف الحرب على إيران، التي بدأت تلقي بظلالها على حركة التجارة وإمدادات السلع إلى البلاد، في وقت حذّرت فيه الأمم المتحدة من اتساع رقعة الجوع وتراجع قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة بسبب النقص الحاد في التمويل.

وقالت مصادر حكومية وأخرى تجارية لـ«الشرق الأوسط» إن موردي السلع يواجهون صعوبات متزايدة في إيصال الشحنات إلى البلاد، مع استمرار الاضطرابات التي تشهدها حركة الملاحة في المنطقة.

وأوضحت المصادر أن مئات الحاويات لا تزال عالقة في موانئ إقليمية منذ أشهر نتيجة تعطل خطوط الشحن المرتبطة بمضيق هرمز، في حين تتصاعد المخاوف من تأخر وصول شحنات جديدة وارتفاع إضافي في تكاليف النقل.

وينعكس هذا الوضع مباشرة على أسعار السلع، في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية، في وقت يعاني فيه السكان أصلاً تراجع القدرة الشرائية وانهيار العملة وارتفاع معدلات الفقر.

الحوثيون يصعّدون رغم التحذيرات الدولية من تفاقم الأزمة الإنسانية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، ارتفعت أسعار عدد من السلع الأساسية خلال الجولة الأولى من الحرب بأكثر من 20 في المائة، في حين كانت الزيادات أكبر في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد فرض الجماعة رسوماً جمركية مرتفعة على شحنات القمح والدقيق الواردة عبر الموانئ الخاضعة للحكومة، تجاوزت 100 في المائة، ما أدى إلى زيادة أسعار الدقيق، وهو الغذاء الرئيسي لمعظم السكان، ولا سيما في المحافظات الجبلية.

تحذيرات أممية

وتأتي هذه التطورات بينما تؤكد الأمم المتحدة أن اليمن لا يزال يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل استمرار الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية واتساع انعدام الأمن الغذائي.

ووفق تقرير أممي حديث، فإن استمرار النزاع، وتراجع التمويل، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع تكلفة الواردات، عوامل تدفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أشد من الفقر والجوع، ما لم تتوفر موارد إضافية تضمن استمرار برامج الإغاثة.

وأشار التقرير إلى أن 18.3 مليون شخص يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع توقع انتقال مزيد من المديريات إلى مرحلة الطوارئ الغذائية، ووصول بعض المناطق إلى مستويات كارثية من الجوع.

كما أوضح أن 22.3 مليون شخص -يمثلون أكثر من ثلثي سكان اليمن- سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، بينهم 5.2 مليون نازح داخلياً، إضافة إلى المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

تمويل متراجع

وحذّرت الأمم المتحدة من أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه أزمة تمويل غير مسبوقة، إذ لم يتجاوز ما جرى توفيره حتى نهاية مايو (أيار) 12.7 في المائة من إجمالي 2.16 مليار دولار تحتاج إليها خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، الأمر الذي دفع وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها وحصر تدخلاتها بالحالات الأشد احتياجاً.

الأطفال والنساء يظلون الأكثر تضرراً من سوء التغذية في اليمن (الأمم المتحدة)

وأكد التقرير أن الأطفال والنساء يظلون الفئة الأكثر تضرراً في اليمن، مع توقع إصابة 2.2 مليون طفل دون الخامسة بسوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 500 ألف يعانون سوء التغذية الوخيم، إلى جانب 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة معرضات لسوء التغذية.

وأضاف التقرير الأممي أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية في اليمن أصبحت خارج الخدمة كلياً أو جزئياً، في وقت يزيد فيه استمرار تفشي الكوليرا والحصبة والدفتيريا، إلى جانب تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، من احتمالات وقوع أزمات صحية واسعة، في حين يحتاج 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والإصحاح البيئي.


العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
TT

العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)

يوماً بعد يوم، تكتسب العاصمة المصرية الجديدة زخماً سياسياً من خلال فعاليات تعزز مكانتها رسمياً وشعبياً، وإن ظل الإشغال السكني محدوداً.

وحسب تصريحات رسمية لرئيس شركة «العاصمة الإدارية الجديدة»، خالد عباس، فإن «عدد السكان المقيمين في المدينة حالياً تجاوز 30 ألف مواطن، مع زيادة يومية في أعداد المنتقلين إلى العاصمة».

وتوقع عباس، في تصريحات تلفزيونية الشهر الماضي، وصول عدد السكان المقيمين بنهاية العام الحالي إلى ما بين 50 و60 ألف شخص، استناداً إلى طلبات تركيب عدادات الخدمات التي تلقتها شركة «العاصمة».

ويعود تاريخ مشروع العاصمة الجديدة إلى مارس (آذار) 2015، حين بدأ بوصفه محاولة لتخفيف الضغط عن القاهرة عبر إنشاء مدينة جديدة على مساحة نحو 700 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 170 ألف فدان، تُنفذ على 3 مراحل. وتبلغ مساحة المرحلة الأولى نحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان)، بما يعادل تقريباً نصف مساحة القاهرة، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان.

من افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وكان من المقرر بدء تشغيلها فعلياً عام 2020، لكن جائحة «كوفيد-19» وما تبعتها من توترات جيوسياسية في المنطقة والعالم، أدّتا إلى تأجيل التشغيل الرسمي للمدينة إلى عام 2024، حين بدأ نقل الوزارات إلى الحي الحكومي تدريجياً، تلا ذلك انتقال البرلمان ومؤسسات الدولة الرسمية.

ورغم تنفيذ الدولة مشروعات للطرق وخطوط المواصلات، لا يزال حجم الإشغال السكني محدوداً مقارنة بحجم الإشغال الحكومي الرسمي، لا سيما في ظل كثرة الفعاليات الرسمية الهادفة إلى تعزيز مكانة العاصمة، وكان آخرها افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، الذي يحاكي، بحسب بيانات رسمية، أحدث مراكز السيطرة عالمياً.

لكن الخبير العقاري أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر»، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «نسبة الإشغال طبيعية رغم محدوديتها»، موضحاً أن «المدن الجديدة عادة ما يكون الإشغال السكني فيها تدريجياً مع زيادة الخدمات والأحداث».

وأضاف: «قبل سنوات، كان الناس يعدّون مدناً مثل القاهرة الجديدة وأكتوبر بعيدة، لكن اليوم يجري التسويق للعقارات بمستوى قربها من الجامعة الأميركية بالتجمع الخامس بوصفها وسط البلد الحالية».

وفي تصريحاته، دافع رئيس شركة «العاصمة» عن نسب الإشغال، مؤكداً أنها «ليست قليلة»، وقال إن «مساحة المرحلة الأولى تعادل 4 أضعاف مساحة مدينة الشيخ زايد أو مدينة الشروق». وأضاف: «العاصمة ليست مجرد مبانٍ محدودة وسط الصحراء، كما يتصور البعض»، مشيراً إلى اكتمال أعمال البنية التحتية للمرحلة الأولى بالكامل، وبيع نحو 70 في المائة من أراضي العاصمة لمطورين عقاريين.

وتعول مصر على العاصمة الجديدة بوصفها «خطوة محورية تُعيد تنظيم مؤسسات الدولة داخل بيئة عمرانية متطورة تعتمد على أحدث البنى التحتية والتكنولوجيا»، حسب التصريحات الرسمية.

وتستضيف العاصمة الجديدة حالياً الاجتماعات الرسمية للحكومة والمؤتمرات الصحافية لمختلف الجهات الرسمية، إضافة إلى المقابلات الرسمية للمسؤولين. وأخيراً خصصت منطقة مجهزة لمتابعة مباريات كأس العالم، سُميت «الفان زون»، إضافة إلى استضافتها مؤتمرات رسمية عدة.

وفي إطار تسهيل الوصول إلى العاصمة، بدأت مصر أخيراً تشغيل خط «مونوريل» شرق النيل، ليربط القاهرة بالعاصمة الجديدة.

وقال عبد الفتاح إن «نسب الطلب على حجز الوحدات السكنية في العاصمة لا تزال أقل من الطلب على وحدات مماثلة في القاهرة الجديدة، وإن كان الطلب عليها في تزايد»، موضحاً أن «مشروعات العاصمة لا تزال في مرحلتي التخطيط والإنشاء، وأن كثيرين يسعون إلى حجز وحدات بتسهيلات لتكون مقراً سكنياً لهم في المستقبل».

مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وأضاف: «يبلغ متوسط سعر المتر السكني للشقق في العاصمة نحو 50 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً)، ويرتفع إلى 85 ألفاً في الفيلات»، مشيراً إلى أن «الأسعار في العاصمة أقل مقارنة بالقاهرة الجديدة، بسبب اختلاف مستوى الخدمات واكتمال تنفيذ المشروعات». وأكد عبد الفتاح أن «العاصمة تُمثل مستقبل السكن في السوق العقارية»، متوقعاً «زيادة الإقبال عليها خلال الفترات المقبلة».

وتستهدف العاصمة الجديدة نحو نصف مليون نسمة في مرحلتها الأولى. لكن عضو مجلس الشيوخ المصري السابق الخبير الاستراتيجي، الدكتور عبد المنعم سعيد، يتوقع أن يصل تعداد السكان في العاصمة إلى مليون نسمة بحلول 2030، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الزخم الرسمي الذي اكتسبته العاصمة الجديدة بالافتتاحات الأخيرة ونقل الوزارات والمؤسسات الرسمية، عزز من وجودها»، لافتاً إلى أحداث ومؤتمرات زادت من شعبيتها.

وأضاف: «حجم الإشغال طبيعي، لا سيما مع كونها جديدة»، متوقعاً زيادة تدريجية في السكان وفي الدور الرسمي والسياسي مع مرور الوقت، أسوة بتجارب دول أخرى بما عواصم جديدة.