«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

100 سنة على المعاهدة التي قسَّمت الشرق الأدنى

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام
TT

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

«سايكس ـ بيكو».. حفل الختام

لماذا اعترضت القيادات اليهودية الصهيونية على معاهدة «سايكس - بيكو» البريطانية الفرنسية واعترضت كذلك على «إعلان بلفور»، الشهير بـ«وعد بلفور»؟ وكيف استطاعت تحقيق رغبتها وسط رضوخ بريطانيا لإرادتها؟
ثم كيف ترى هذه القيادات خرائط «سايكس - بيكو» المستقبلية، التي تتبلور بفعل الأوضاع الداخلية المضطربة في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا، التي نجت منها - حتى الآن - مصر؟ وهل ستؤدي «سايكس – بيكو» المستقبلية إلى ظفر إسرائيل بالاعتراف الدولي بها كـ«دولة يهودية» بصورة طبيعية كردة فعل على قيام دول - أو دويلات - سنية وشيعية وكردية وعلوية؟!

ما أشبه اليوم بالبارحة! قبل مائة سنة، ولدت ما باتت تُعرف بـ«معاهدة سايكس - بيكو» بين بريطانيا وفرنسا، بمعرفة ومشاركة إيطاليا وروسيا، هادفة إلى تقاسم السيطرة والنفوذ على الشرق العربي في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية بنهاية الحرب العالمية الأولى. وها نحن اليوم نرى دول «الهلال الخصيب» تتفكك وتتفتت ممهدة الطريق أمام نشوء عدة كيانات جديدة.
في كلتا الحالتين، عملت القيادات اليهودية ثم الإسرائيلية (منذ 1948) وتعمل على طلب حصتها من الغنائم. وكما في الأمس، تدور اليوم أيضا نقاشات وحوارات كثيرة في أوساط القيادات الإسرائيلية، سواء على مستوى الساسة أو الخبراء الاستراتيجيين والمثقفين، حول ماهية الصراع القائم في العالم العربي، ودور دول الغرب الكبرى في هذا الصراع وأهدافها منه.
وفي الآونة الأخيرة، في سياق حضور بعض هذه النقاشات التي من خلالها جرى الكشف عن مزيد من الأسرار، أو تأكيد أسرار كانت قد كُشفت وطمست سريعا.
كمثال، يتبين أن أبرز رموز القيادة اليهودية، ممثلة بحاييم وايزمن، الذي أصبح لاحقا أول رئيس للدولة العبرية، أدارت حوارات مثابرة مع دول الغرب إبان الحرب العالمية الأولى، كي يصار إلى تحديد حصتها. ويروي المؤرخ موشيه طلانسكي أن قيادة الحركة الصهيونية في مطلع القرن العشرين «لم تحسم رأيها بسهولة إزاء أطراف الصراع في تلك الحرب. فكما كان هناك مَن أراد اتخاذ موقف لصالح بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، طالب البعض باتخاذ موقف لصالح ألمانيا وحلفائها في النمسا وتركيا. ولقد طلبت الجالية اليهودية في دول المحور الألماني، وفي فلسطين (التي كانت خاضعة لحكم العثمانيين الأتراك)، تأييد ألمانيا بحجة أن الوقوف ضد هذا المحور سيكلف اليهود الألمان ثمنا باهظا من الملاحقة. وفي المقابل، سعى بقية القادة اليهود، وفي مقدمتهم وايزمن، لتأييد بريطانيا وحلفائها؛ لأن اتجاه الحرب واضح لصالحها، ويمكن أن تكون نتيجة موقف كهذا إتاحة الفرصة بإنشاء دولة يهودية.
ويوضح طلانسكي أن القرار الذي اتخذ في البداية كان وقوف اليهود على الحياد، باعتباره الأفضل لمستقبل العلاقات مع الطرف المنتصر. غير أن موقف الحياد هذا لم يصمد طويلا؛ إذ إن وايزمن أدار حوارات سرية مع البريطانيين، وتمكن من التوصل إلى عدة اتفاقيات معهم، في صلبها دعم بريطانيا وفرنسا مقابل موافقتيهما على تسليم فلسطين للحركة الصهيونية وإنشاء دولة يهودية.
وبالفعل، تمكن وايزمن من التوصل إلى اتفاق كهذا، مقابل إرسال وحدات قتالية يهودية إلى الجبهة خلال الحرب، وتشكيل شبكة جواسيس كبيرة من اليهود في فلسطين تجمع المعلومات للبريطانيين. ولقد استغرقت المفاوضات بينهما ثلاث سنوات، انتهت بـ«إعلان بلفور» الشهير باسم صاحبه، آرثر جيمس بلفور، الذي صاغه في رسالة موجهة بتاريخ 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 إلى الزعيم اليهودي اللورد ليونيل والتر دي روتشيلد، ويعلن فيها تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين تقوده الحركة الصهيونية «على أن لا تُمس فيها حقوق أبناء الطوائف الأخرى».
ويضيف طلانسكي أن قادة الحركة الصهيونية ما كانوا راضين عن هذه الصياغة، ذلك أنهم طالبوا بإنشاء دولة يهودية، وأرادوا أن يتضمن الوعد ترسيمًا للحدود تشمل كامل فلسطين. ويومذاك زعموا أن الشعب الذي يعيش في فلسطين ليس فلسطينيا، ولا عربيا كذلك، كما هو الانطباع العام، إنما هم مجموعات من المهاجرين الذين قدموا إلى البلاد من دول حوض البحر المتوسط والجزيرة العربية لأغراض مؤقتة.
لكن معارضة اليهود تفاقمت أكثر عند الكشف عن «معاهدة سايكس - بيكو»؛ إذ إن هذه المعاهدة، التي وقعت يوم 16 مايو (أيار) 1916 كانت كما أشرنا آنفا سرية، وكشف عن مضمونها فلاديمير لينين، قائد الثورة الشيوعية في روسيا، في مطلع العام 1918، أي بعد «إعلان بلفور». وتبين منها أن بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية وإيطاليا، لم تتطرق إلى الدولة اليهودية، بل منحت العرب دولة شرقي نهر الأردن (الذي اعتبرته الصهيونية جزءا من أرض إسرائيل)، وقسمت فلسطين إلى ثلاث مناطق: الشمال (الجليل حتى حيفا) تحت سلطة فرنسا، والجنوب والوسط تحت حكم بريطانيا، ومدينة القدس ومحيطها تحت إدارة دولية.
هذا ما اعتبره الصهاينة اليهود خدعة بريطانية وطعنة في الظهر، ومن ثم أعلنت بعض التنظيمات اليهودية الحرب على بريطانيا حينما تولت الانتداب على فلسطين عام 1922، وعندما وقف العرب أيضا ضد المعاهدة، حاول بعض القادة اليهود إقامة اتصال مع بعض القادة العرب للتنسيق ضد بريطانيا.
* بعد 100 سنة
اليوم، مع بلوغ «سايكس – بيكو» الـ100 سنة، يتفق القادة الإسرائيليون بإجماع تام على أننا نشهد «حفل الختام» لتلك المعاهدة. ويقولون: «إن المعاهدة أصلا لم تطبَّق بحذافيرها، بل جرى تعديل حدودها عدة مرات عبر التاريخ الحديث، حتى رأينا شكلها الأخير خلال سبعينات القرن الماضي في العراق وسوريا والأردن ودول الخليج». ولكن الأحداث المأساوية في العالم العربي تدل على أن خريطة العالم العربي ما بعد «سايكس – بيكو» لن تعود كما كانت أبدا.
خلال حوار بين البروفسور شاؤول مشعال، وهو من مواليد العراق ويعمل باحثا في أكاديمية متعددة المجالات في مدينة هرتسليا ومستشارا استراتيجيا لعدة مؤسسات، والبروفسور يوآف غلبار، وهو ابن عائلة عسكرية ويعمل باحثا في جامعة حيفا، قال الأخير: «إن ما يجري في العالم العربي اليوم هو نتاج الصراع التاريخي بين حضارات الشرق والغرب، ولا علاقة له بالقضية الفلسطينية أو بالصراع بين إسرائيل والعرب. وأردف أن هذا الصراع ممتد في عمق التاريخ.. منذ آلاف السنين والعالم يعيش صدامات بين الحضارتين الغربية والشرقية، تشتد وترتخي حسب الظروف، لكنها لم تتوقف أبدًا.. بين اليونان والفرس، ثم بين الإسكندر المقدوني والفرس، ثم بين البيزنطيين والعرب، ثم بين الأتراك والسلاجقة، ثم بين العثمانيين والأوروبيين. واليوم وبعد 250 سنة من سيطرة الحداثة في عالمنا، يشعر البشر خصوصا في الشرق بخيبة أمل شديدة، وهم يعودون إلى الدين بشكل واسع، ثم يثورون عليه لكي يعيدوا عهد الخلافة الإسلامية في المنطقة». ويقتبس غلبار تصريحات للشيخ يوسف القرضاوي، الذي دعا إلى «دولة إسلامية تحت قيادة السلطان رجب طيب إردوغان (الرئيس التركي) تشمل العالم العربي كله». كما يقتبس «أبو بكر البغدادي» زعيم تنظيم داعش المتطرف الذي يسعى، كما يزعم، إلى إقامة «حكم الدولة الإسلامية وشرائعها».
ويرد مشعال بأن العالم العربي «يسير وراء خطط الغرب ومصالحه، ولكن من مصائبه الكبرى أنه لم يتعلم من تجربة الغرب». ويضيف: «إنهم مثلنا نحن اليهود، لا توجد لديهم مؤسسة واحدة تعد مرجعية دينية كحال الفاتيكان في روما؛ ولذلك تجد انفلاتا في الرؤية الدينية. والعرب والمسلمون، كل منهما على حدة وكليهما معا، يتغنون بأمجاد الأندلس. ويتمنون أن يكون هناك كيان واحد يمثلهم ويعبر عن قوتهم العددية والاقتصادية في العالم، وبعدما فشلت حركات القومية العربية في تحقيق ذلك، تحاول اليوم الحركات الإسلامية صنع ذلك».
ويتابع مشعال: «إنهم (أي العرب) لا يفهمون أن هذا غير ممكن لأسباب موضوعية ودولية، لكن المتطرفين الإسلاميين يصرون على ذلك وهم يحاولون فعله بطرق بدائية عنيفة مثلما فعلت وتفعل (القاعدة) ومثلما تفعل (داعش)، وما زلت أذكر شريط الفيديو الذي يظهر فيه شاب من مقاتلي (داعش) يحمل علم التنظيم ويعبر خط الحدود ما بين العراق وسوريا وهو يصيح: (باي.. باي.. سايكس – بيكو). إنهم يعتبرون معركتهم اليوم ضد (سايكس – بيكو)، ولكنهم بأيديهم، يستعيضون اليوم عن (سايكس – بيكو) القديمة التي تحدثت عن ثلاث دول عربية في الشرق العربي، التي أصبحت تؤلف بمرور الزمن نحو عشر دول، بعشرات الدول؛ فسوريا ستصبح ثلاث أو أربع دول، وكذلك العراق واليمن. هذا التفتت هو النقيض من (سايكس – بيكو)».
* مكانة إسرائيل
إذا كان مشعال وغلبار يتحدثان عن هذا الوضع كتصوير خرائط جيو سياسية، فإن هناك من يرى في إسرائيل أنه يحتاج إلى خطوات عملية تحفظ لإسرائيل مكانة وحصة. بعض هذه القوى تريد أن يكون الدور الإسرائيلي إيجابيا، بمعنى اكتشاف فرصة تقلب المعادلات في الشرق الأوسط وتجعل من إسرائيل حليفة للقوى التي تحارب ضد الإرهاب وتسعى إلى تثبيت الدول العربية وتعيد لها الاستقرار. وأصحاب هذه الفكرة هم من الوسط السياسي، وخصوصا من اليساريين المعارضين للحكومة، وأيضا من قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بغالبيتها.
هؤلاء يطالبون الحكومة الإسرائيلية بالخروج بمبادرة سياسية تبدي فيها الاستعداد لتسوية القضية الفلسطينية، مؤكدين أنه من دون هذه التسوية لن توافق أي دولة عربية على بناء علاقات طبيعية مع إسرائيل.
ولكن في المقابل، ثمة من ينظر إلى الأمر على أنه فرصة للعربدة الإسرائيلية وتصفية القضية الفلسطينية، مثل أحزاب اليمين المتطرف الممثلة في الحكومة وفي مقدمتها حزب «البيت اليهودي». هذا الحزب المتطرف يمثله اليوم في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) ثمانية نواب، لكن استطلاعات الرأي العام تعطيه 15 نائبا في الانتخابات المقبلة، ما يمنحه تأثيرا كبيرا في سياسة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. أضف إلى ذلك أن نتنياهو نفسه يفتقر إلى رؤية واضحة في الموضوع، وهو منشغل في تثبيت حكمه وانتظار التطورات.
* حلف إقليمي؟
في هذه الأثناء، أجرى معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، عدة بحوث في الموضوع، بمشاركة كادر كبير من الباحثين الاستراتيجيين والجنرالات السابقين. وخرج كل مرة بما يشبه الاستغاثة «تعالوا ننتهز الفرصة للمساهمة في إحداث التغيير الإقليمي». صاغ هذا الموقف رئيس المعهد، الجنرال عاموس يدلين، الذي رشحه حزب العمل في الانتخابات الأخيرة (عام 2015) ليكون وزير الدفاع في الحكومة؛ إذ دعا يدلين إلى أن تكون البداية من الحرب السورية قائلا: «إسرائيل محتارة منذ خمس سنوات، لا موقف محددا مما يحدث في سوريا. وهناك من يبرر هذه السياسة، لكن حان وقت إعادة التفكير. بات واجبا تحديد موقف، وهو الوقوف ضد بشار الأسد ونظامه، أولا بسبب الجانب الأخلاقي، فهو ما زال يستخدم السلاح الكيماوي، وهذا يذكرنا بواجب الاستيعاب بأن الأسد قاتل تسبب بكارثة إنسانية بشعة.. نحو 400 ألف قتيل (غالبيتهم بأيدي الجيش) ونحو مليوني جريح و11 مليون لاجئ. وثانيًا، كبشر، وخاصة كيهود، بفعل الوزن الاستراتيجي، فإن طرد الأسد مصلحة إسرائيلية. والمسار الراديكالي، الذي تقوده طهران ويمر عبر الأسد إلى حزب الله، يشكل التهديد الملموس الأكبر على أمننا». ويستطرد يدلين: «هناك من سيقول: إن التهديد الناجم عن (داعش) ليس أقل خطورة، ولذلك يجب الاستعداد له أولا. طبعا لا يجوز الاستخفاف بهذه المسألة، ولكن معالجة مسار (طهران - بغداد - دمشق - بيروت) يجب أن يحظى بالأولوية الاستراتيجية، وذلك لسبب بسيط هو أن المجتمع الدولي تجند لمواجهة ظاهرة (داعش)، بل إنه ينجح حاليا في وقف تقدمها. أضف إلى ذلك أن نهاية نظام الأسد ستضعف، على الأرجح، جاذبية (داعش)؛ لأنه سيكون للغالبية السنية في سوريا؛ إذ ذاك بديل سني معتدل. في المقابل، ستبقى إسرائيل وحيدة تقريبا أمام تهديد المسار الإيراني، وليس لديها من تعتمد عليه باستثناء نفسها؛ لذا عليها العمل بأولوية مطلقة إزاء تعزز مسار (طهران - الأسد – نصر الله). إن إيران وحليفاتها أخطر على إسرائيل عشرات الأضعاف من (داعش). وعلى إسرائيل بلورة استراتيجية تتركب من عدة أمور. وشرط أساسي هو إقامة تحالف إقليمي، حتى لو لم يكن معلنا، مع جهات في العالم السني، وذلك بالشراكة مع الولايات المتحدة، وربما كذلك التوصل إلى تفاهمات هادئة مع روسيا، التي خلافا لإيران، لا ترى في الأسد عاملا ضروريا في الاتفاق المستقبلي في سوريا».
عمليا، يقول يدلين، ما يقوله قادة الجيش، إن إسرائيل لن تحقق شيئا من «سياسة الانتظار»، التي يتبعها نتنياهو. وهؤلاء يحذرون من انفجار الأوضاع أيضًا ضد إسرائيل؛ بسبب الجمود في عملية السلام. ويسخرون منه كيف توجه إلى الولايات المتحدة ودول الغرب طالبا «الحصة الإسرائيلية» من التسوية السياسية في سوريا؛ إذ أعلن الشهر الماضي أن «الجولان ستبقى جزءا لا يتجزأ من إسرائيل». لكن المقربين من نتنياهو يزعمون أنه «في الواقع يفتش عما هو أكبر من الجولان، ألا وهو الاعتراف العربي بإسرائيل كدولة يهودية»، ففي إسرائيل يتوقعون أن تنتهي الحرب في سوريا والعراق وليبيا واليمن، بعد وقت طويل، بتمزق شديد وتشكيل دول جديدة على أسس طائفية أو فئوية: علوية وشيعية وسنية وكردية ودرزية. وفي هذا الوضع سيكون المطلب الإسرائيلي من العرب بالاعتراف بها «دولة يهودية» مطلبا شرعيا.
الخبير العسكري، أليكس فيشمان، يقول: «إن السبيل الذي اختاره نتنياهو لصد الضغوط التي يمارسها الجيش وبقية أجهزة الأمن الإسرائيلية عليه، هو ضربهم بأفيغدور ليبرمان. فهذه القيادات بالإجماع تطلب منه تغيير سياسة الجمود، وانتظار المجهول، وإطلاق مبادرة سياسية مع الفلسطينيين، وإيجاد صيغة للتفاهم مع الدول العربية للتعاون في مكافحة الإرهاب. وحسب فيشمان «يعاني نتنياهو معاناة شديدة من جراء هذا الموقف، وقراره ضم ليبرمان إلى حكومته وتسليمه وزارة الدفاع مكان موشيه يعلون، جاء في إطار الرد على هذه المعاناة».
وبغض النظر عن كيفية انتهاء النقاش الداخلي في إسرائيل، خصوصا مع بدء مرحلة حكومة اليمين المتطرف المدعومة من ليبرمان، فإن «حفل الختام» لـ«معاهدة سايكس – بيكو» بعد مرور 100 سنة عليها، يؤهل إسرائيل لبدء عملية حوار جديدة حول شكل آخر من أشكال «سايكس - بيكو» آتية.
وهنا يتخيل أحد آيديولوجيي اليمين المتطرف، الدكتور شيمعون غيلر، المرحلة على أنها «فرصة لليمين لإقناع الغرب بأن إسرائيل هي القوة الوحيدة المضمونة في المنطقة لخدمة مصالحهم. وأن الصراع الإسرائيلي - العربي لن ينتهي - كما يتوهمون - بإعادة أراضي 1967 وحل قضية اللاجئين؛ لأن العرب لم يقبلوا إسرائيل في الماضي، ولن يقبلوها في أي ظرف قادم». ويتابع غيلر أن «جذور هذا الصراع بدأت إبان الحرب العالمية الأولى، حين لم يكن هناك احتلال إسرائيلي، ولا لاجئون فلسطينيون. إنهم (العرب) يريدون إعادة الدولة الإسلامية الكبرى، وما على إسرائيل إلا أن تبني لنفسها القوة والتحالفات الغربية المناسبة لضمان وجودها وتطورها؛ حتى تهزم هذه الفكرة».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.