أفلام أوروبا..أبرز المتنافسين على السعفة الذهبية لمهرجان «كان»
ثلاثة عشر فيلما من تلك التي تؤلف المسابقة الرسمية في مهرجان «كان» المنعقد حاليًا هي أوروبية والثمانية الأخرى، من بين 21 فيلما في المجموع، هي من خارج أوروبا.
هذا التوزيع اعتيادي يقع كل سنة فيميل الميزان العددي لصالح الأفلام الأوروبية في هذه المسابقة، بينما يميل الميزان ذاته لصالح الأفلام غير الأوروبية في المسابقة الثانية المسماة «نظرة ما».
الأفلام الأوروبية المتسابقة على السعفة الذهبية هي ثلاثة فرنسية وواحد فرنسي - بلجيكي وثم فيلمان بريطانيان وفيلمان رومانيان وفيلمان إسبانيان وفيلم واحد من كل من الدنمارك وهولندا وألمانيا. هذا مع العلم أن المساهمات التمويلية الفرنسية تمتد لتشمل معظم الأفلام الأخرى المشتركة سواء أكانت أوروبية أو غير أوروبية ما يجعل الفواصل ضيقة إلى حد بعيد وتعتمد على الحصة التي ينالها كل فيلم غير فرنسي من شركة إنتاج أو من شركة توزيع فرنسية.
الأفلام القادمة من خارج أوروبا هي ثلاثة أميركية وفيلم واحد من كل من كوريا والبرازيل والفلبين وكندا و- في آخر لحظة - إيران.
لا يعرف المتابع مهما خبر هذا المهرجان النظام الذي يعمل عليه المهرجان حين يقرر أي من الأفلام المعروضة على مديره تييري فريمو ولجنته من الاختياريين سيدخل المسابقة وأي منها سيتم إما إرساله إلى أقسام أخرى أو إعادته إلى أصحابه مع كلمة شكر. لذلك، وجود ثلاثة أفلام أميركية وثلاثة فرنسية يبقى سرًّا غريبًا خصوصًا مع خلو المسابقة من دول منتجة أخرى سواء أكانت أوروبية (إيطاليا والسويد والبرتغال مثلاً) أو لاتينية (الأرجنتين أو تشيلي أو المكسيك).
خفايا
يلاحظ كل عام أيضًا أن الأفلام الأميركية المنتقاة هي تلك المدجّنة، غالبًا، بالسمات الأوروبية في الإخراج. فيلم جيم جارموش في المسابقة «باترسون» هو نموذجي في هذا الوضع، وفي السابق أفلام هال هارتلي وديفيد لينش وألكسندر باين، ولو أن المهرجان يمنح الفرصة أيضًا لمخرجين أميركيين لا يتبعون قواعد سينما المؤلف مثل جف نيكولز وفيلمه «لفينغ» هذا العام، ومثل أفلام كلينت ايستوود، في أعوام سابقة.
الملاحظة الأعم، التي تثمر عنها الدورات المتتابعة، هي أن معظم الأفلام التي تصل إلى خط النهاية في مهرجان كان هي تلك التي تم شراؤها للتوزيع من قِـبل شركات فرنسية إن لم يكن سبق لها أو لشركات إنتاج أن ساهمت في تمويلها. والمعتقد أن الفيلم لكي يصل إلى مستوى الترشيح لقبوله كأحد أفلام المسابقة عليه أن يكون مرتبطًا أساسًا بشركة توزيع فرنسية تتقدّم به. هذا لا يعني أن هذا هو شرط المهرجان الرسمي ولا أنه لا توجد أفلام يتقدّم بها مخرجوها العالميون من دون عقد شراء، لكن حقيقة أن غالبية ما يعرض، عامًا بعد عام، من أفلام تتنافس على السعفة الذهبية يحمل العلامات التجارية لشركات التوزيع الفرنسية أمر مثير جدًا للملاحظة.
هناك من يقول إن هذه الشركات تقدّم ما لديها من أفلام والمهرجان يقرر. هذا صحيح. القرار الأخير هو للمهرجان بالطبع، لكن هل النظام الذي تتم به «فلترة» الأفلام المختارة هو صحيح؟
الأفلام الفرنسية المشتركة لا تستحق السعفة أو جائزة لجنة التحكيم هذا العام وإن كان لا بد من اختيار واحد منها فليكن «خليج مهمل» لبرونو دومون. هذا يعود إلى حرفة دومون ورغبته في إنجاز عمل مختلف عن أعماله السابقة. وهو وإن لم يكن اختلافًا جذريًا إلا أنه اختلاف نوعي كاف لاعتبار الفيلم أحد أفضل أفلام المخرج حتى اليوم.
يتعامل المخرج هنا مع أحداث تقع في عام 2010 في خليج صغير يقع على الساحل الشمالي لفرنسا. إلى هناك تعود عائلة فرنسية لتمضية إجازة الصيف غير مدركة أن جرائم اختطاف وربما قتل، وقعت في هذا المكان. سيحافظ المخرج على اللغز وسيزوّده بلفتات كوميدية وسيخرج بفيلم أفضل من العملين الفرنسيين الآخرين المقدّمين وهما «البقاء عموديًا» لألان غويرودي و«متبضّعة شخصية» لأوليفر أساياس.
البلجيكيان جان - بيير ولوك داردين يوفران أفضل هذه المجموعة عبر «فتاة مجهولة»، إنتاج بلجيكي - فرنسي مشترك حول طبيبة لم تفتح باب عيادتها ذات يوم لمن رن جرسه. كانت بمشادة مع مساعدها. المرأة (السوداء) التي قرعت الجرس وُجدت في صباح اليوم التالي مقتولة عند حافة النهر. تشعر الطبيبة بأنها مسؤولة وتنطلق لمعرفة من قد تكون القتيلة أكثر مما يهمها معرفة من القاتل. يتسلل الفيلم عبر شخصيات كثيرة تدرك أن أحدها لا بد أن يكون قاتلاً.
هناك ثغرات من المواقف غير المحاكة جيدًا لكن المشهد الذي كان عليه أن يكشف الحقيقة كاملة يجيء أضعف المشاهد من حيث مصداقيّـته. على ذلك، يرمي الفيلم نقده الواضح على شخصيات عدّة كانت تخلّـت عن أخلاقياتها. لم يعد أحد منها يتمسك بفعل الشيء الصحيح، ليس من حيث ارتكاب الجريمة فقط، بل من حيث كيفية التعامل معها ومدى ارتباط الموقف الشخصي بالرقعة الاجتماعية حوله.
مشاغل اجتماعية
الأخوان داردين اسمان أوروبيان كبيران وذلك هو شأن المخرج بدرو المودوفار الذي عرض هنا فيلمه الأخير «جولييتا». الاشتراك الأول له منذ بضع سنوات والفيلم المغترب أكثر من أعماله الأخرى من حيث رغبته تقديم عمل جاد. ليس أن أعماله السابقة، التي منها «فولفر» و«كل شيء عن أمي» و«وردة سرّي» لم تكن جادّة، بل تبدو إزاء هذا الفيلم كما لو كانت أكثر هدفًا للتسلية. هذا إذا ما استثنينا أعماله الأسبق طوال الثمانينات والتسعينات التي كانت، في معظمها، جانحة للغرابة حيثما كان ذلك مبررًا.
«جولييتا» هو مجموع ثلاث قصص قصيرة كتبتها الكندية أليس مونرو أحب تكوين فيلمه الإنجليزي الأول منها. حسنا أنه تراجع وعاد إلى اللغة الأم كونه بذلك حافظ على هوية العمل ولو أن قام بنقل الأحداث من مواقعها الكندية إلى مدريد وكتب لها سيناريو آخر غير ذلك الذي قام به سابقًا. ما يربط هذا الفيلم بأعمال المودوفار أكثر قليلاً من سواه، هو أنه يعاود تقديم حكاية بحث نساء عن حاجات مضت وغابت في الماضي. نبشها من جديد يأتي عقب شعور بأن هذا الأمس لا يمكن له أن يغيب وإن كان من خلال سر تحتفظ به بطلتا الفيلم الأم وأبنتها الشابة.
المشاغل الاجتماعية ذات النقر على الجانب السياسي منها ليس ما يشغل بال معظم المخرجين الأوروبيين. لكن في حين يوفر الأخوان داردين قدرًا من هذه المشاغل، فإن شعلة الاهتمام الأساسية تبقى تابعة للمخرج كن لوتش الذي يمارسها بقوّة ورقة في الوقت نفسه في فيلمه الأكثر من جيد «أنا، دانيال بلايك».





