إشكالية الانتخابات واختطاف السلطة

في سبيل ولاية ثالثة.. حكومة المالكي تواصل «اجتثاث» الثروة والديمقراطية (الحلقة الأخيرة)

إشكالية الانتخابات واختطاف السلطة
TT

إشكالية الانتخابات واختطاف السلطة

إشكالية الانتخابات واختطاف السلطة

تناولت حلقة أمس، بعض ملامح العراق في ظل ولاية نوري المالكي الأولى وسمات تلك الفترة. وتعرضت في السياق، إلى حجم الفساد الذي انتشر في البلاد، والعنف الذي ارتفعت وتيرته، وخصوصا في السنوات القليلة الماضية. وكذلك العلاقة مع إيران، ودور قاسم سليماني، قائد فيلق القدس السابق، والمسؤول الآن في الجيش الثوري الإيراني، وكيف انقلب موقف المالكي من سوريا ونظامها، من مشار لها بدعم الإرهاب في العراق إلى حليف داعم لاقتصادها بالنفط.
في هذه الحلقة، وهي الثالثة والأخيرة، نتابع ملف المالكي خلال ولايته الثانية في الحكم، وأبرز ما حصل فيها، بدءا من التجديد إلى تلاعبه بالسلطة القضائية، واستخدام مادة (4) لإرهاب خصومه منتقديه على مستوى السلطات الثلاث، مع استمرار لجوئه إلى قانون الاجتثاث كلما احتاجه في واحدة من معاركه الكثيرة. والبداية مع ملابسات تجديد الولاية.

حسب من توسطوا لأن يكون نوري المالكي رئيسا للوزراء مرة ثانية، فقد عاش المالكي لحظات شديدة القلق، إلى درجة أنه لم يتوقف عن الاتصال بالمعنيين، للاستفسار عن توقيع الاتفاق المتعلق بذلك، وعقد جلسة البرلمان الأولى، لكن المالكي الذي حصل ما أراده، سرعان ما أدار ظهره لمن ساعدوه وساهموا في تجديد ولايته. كيف حدث ذلك، وما الذي جرى حتى انقلب المالكي على مريديه.
جرت الانتخابات العامة في أبريل (نيسان) 2010، وأظهرت النتائج حصول «القائمة العراقية» على الأصوات الأكثر، جن جنون المالكي، فهدد بتحريك الجيش، فقد عمل لهذه اللحظة طيلة السنوات الأربع الأولى، لحظة الفوز بولاية ثانية والاحتفاظ برئاسته للوزراء، ولا يستبعد مراقبون، أن يكون انشغاله في الحكم والرئاسة والاحتفاظ بالسلطة، واحدا من أسباب فشله في إدارة العراق، وكان بإمكانه إجراء مصالحة حقيقية مع الأطراف السياسية الأخرى ضمن شراكة وطنية حقيقية، لكن المشكلة أن الجيش الذي بني ليكون للعراق، أصبح جيش المالكي عمليا، بينما صارت أجهزة الشرطة تابعة له.
كذب المالكي النتائج، ومفوضية الانتخابات على إعلانها بأن الانتخابات أسفرت عن فوز القائمة العراقية برئاسة إياد علاوي، بـ91 مقعدا، وحصول دولة القانون على 89 مقعدا، لو لم يكن نوري المالكي في السلطة، ولم يشاركه جعفر محمد باقر الصدر، الذي أدخل لقائمته عددا من النواب، ما كانت دولة القانون لتحصل على ما حصلت عليه من مقاعد. ولأن الأصوات للقوائم وليست للأفراد. فقد اضطرت المفوضية العامة للانتخابات إلى إعادة الفرز للخروج من المأزق، فظهرت النتائج عينها، وكان المالكي رفض التحالف مع القوى الشيعية الأخرى، ظنا منه أنه سيحصل على العدد الكافي لتشكيل الحكومة منفردا، اعتمادا على تكتله الانتخابي، أي دولة القانون. مساء ذلك اليوم، ظهر المالكي غاضبا متجهما مكتئبا، فقد أعد نفسه لمقاعد كافية تعيده إلى رئاسة الوزراء من دون حاجة إلى دعم أي من الكتل الأخرى.
بكل المعايير والمقاييس القانونية، كانت رئاسة الوزراء من حق إياد علاوي، الذي تزعم الكتلة الانتخابية الأكبر في البرلمان، أي القائمة العراقية، لجأ المالكي وكتلته إلى لعبة القضاء الأعلى، الذي كان على رأسه أشخاص يبدو أنهم تعرضوا للتهديد بالاجتثاث، فهم كانوا قضاة في العهد السابق. عرضت المادة (73) من الدستور العراقي (2005)، التي تقول: «أولا: يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال 15 يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية». وكانت النتيجة متوقعة سلفا، بعد أن شعر الآخرون بميل القضاء والهيمنة عليه، فجاء تفسير المحكمة العليا بأن الكتلة المقصودة، هي التي تتألف داخل البرلمان وليست الفائزة. ومعلوم أن الكتلة التي تتألف داخل البرلمان تسقط قيمة الفوز، فإذا فاز شخص بصوت واحد، وتكتل مع آخرين داخل البرلمان يصبح رئيسا للوزراء، بينما الذي فازت كتلته من دون تأليف داخل البرلمان فإنه يقصى.
مع ذلك ظلت القائمة العراقية تطالب بحقها الدستوري، معتبرة حكم المحكمة غير صحيح وفيه انحياز ملحوظ، استمر الخلاف من شهر أبريل 2010 وحتى نوفمبر (تشرين الثاني)، وظل نوري المالكي يقدم تنازلات مختلفة وفي مجالات عدة، حتى كاد يتنازل عن كل شيء، إلا رئاسة الوزراء. وأخذ يلعب على وتر الطائفية، قائلا إن القائمة العراقية تتألف من السنة برئاسة شيعي، هو إياد علاوي، وإنها قائمة حزب البعث، وأكثر الكلام في ذلك، بينما استجابت القوى الأخرى للنتائج، ومنها المجلس الأعلى والقوى الكردية، وصرحت علانية، بأن رئاسة الوزراء من حق القائمة العراقية، غير أن الوضع لم يشهد انفراجا إلا بعد المبادرة التي قدمها رئيس إقليم كردستان، فالمالكي ظل يرفض حتى فكرة تحويل الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال، على أساس أن رئاسة الوزراء من حقه، بل رفض أي بديل آخر من الكتلة الشيعية، أي التحالف الوطني.
ودخلت إيران على الخط، وهي لم تكن بعيدة عما يجري على أي حال، وأصدر المرجع الدعوي محمد كاظم الحائري، فتوى تحرم انتخاب سياسي علماني، كي يلزم بها التيار الصدري الذي لم يكن موافقا على المالكي، وهذا الموقف الإيراني يشابه موقفهم الذي اتخذوه ضد أحمد الجلبي أيضا، عندما قدم اسمه مع آخرين، وأصروا أن يكون رئيس الوزراء إسلاميا من حزب الدعوة. فكان إبراهيم الجعفري الذي رافقه الفشل منذ أيامه الأولى.
جاءت مبادرة رئيس إقليم كردستان بعد اجتماعات مطولة، وقد لعب فخري كريم، الشخصية الإعلامية ورئيس مستشاري الرئيس جلال طالباني دورا كبيرا في إقناع القوى الكردية. وهذا ما كتبه صراحة فخري كريم نفسه، وبين أسفه على موقفه ذاك، في مقالات عدة نشرها في جريدة «المدى»، في أعقاب العنف الذي أطلقه المالكي وجماعته ضد المتظاهرين في ساحة التحرير، فقد استدعى المالكي العشائر لتفريقهم بالقوة، ثم قتل أبرز المناصرين، وهو هادي المهدي، في داره ليلة تسلمه تهديدات من عناصر مقربة من نوري المالكي، وهذا ما كشفت عنه زوجة هادي لوسائل الإعلام في حينها.
وأدناه بعض بنود وثيقة أربيل، التي وفقها جرى التجديد لنوري المالكي، وكان قد التزم بكلام كثير أمام الجميع، بل أقسم على تنفيذها.
بعد الديباجة، تأتي بنود الوثيقة، وهي بمثابة خارطة طريق لتجاوز الأزمة العراقية، التي تراكمت أثناء ولاية نوري المالكي الثانية: ففي محورها الأول الإداري والمالي، تعالج مسألة امتيازات أعضاء البرلمان والحكومة وكل الرئاسات، كإعادة النظر في القوانين الخاصة بامتيازات الأعضاء (الحقوق، الرواتب، الحمايات، التقاعد، السلطات القضائية والإدارية). فقد وصلت هذه الامتيازات إلى مستوى غير معقول، من رواتب ورواتب تقاعدية. وتحسين أداء البرلمان العراقي. ثم إعادة تشكيل لجنة التعديلات الدستورية بما يحقق مشاركة حقيقية لكل الكتل الفائزة في الانتخابات، وإكمال التعديلات المتفق عليها. وأن يصار إلى وضع سقف زمني لإكمال جميع القوانين التي يجيزها الدستور وإصدارها، شرط أن يكون هناك تنسيق متكامل بين الدائرة البرلمانية واللجنة القانونية واللجان المختصة بالبرلمان من جهة، وبين رئيس المجلس والكتل السياسية من جهة أخرى. ووفقا للترتيب التالي: قانون المحكمة الاتحادية، قانون النفط والغاز، قانون المصالحة الوطنية، قانون تنظيم المؤسسات الأمنية، قانون الأحزاب، قانون المجلس الاتحادي، قانون الانتخابات، قانون مفوضية الانتخابات، قانون الشبكة الإعلامية، قانون هيئة النزاهة، قانون المفتش العام، قانون ديوان الرقابة المالية، قانون هيئة التوازن، قانون الموارد الاتحادية، قانون السلطة التنفيذية، قانون العمل الصحافي وحماية الصحافيين. إنهاء مسألة مسؤوليات المناصب بالوكالة ومعالجتها (الوزير بالوكالة، رئيس الهيئات، وكلاء الوزارات... إلخ)، خلال فترة ثلاثة أشهر من بداية عمل المجلس، وتحقيق التوازن الدستوري في هذا المجال. تفعيل دور المؤسسات الإعلامية المختلفة باعتبارها السلطة الرابعة، وإصدار قانون العمل الصحافي وقانون حماية الصحافيين. ووضع آلية واضحة لاستدعاء ومحاسبة الوزراء وأعضاء السلطة التنفيذية وعدم حصر هذه المسألة بالرئاسة.
كذلك جاء في الملف الأمني: إصدار قانون الأجهزة الأمنية الذي يحدد واجبات الأجهزة الأمنية العامة وسلطاتها، بهدف تحقيق التكامل والابتعاد عن ازدواجية السلطات في الأجهزة الأمنية. وضرورة تدريب عناصر المؤسسات الأمنية بما يحقق تدعيمها بأكبر عدد من الحرفيين وأصحاب الخبرات. والأهم من ذلك، وضع المؤسسات الأمنية تحت مسؤولية مجلس النواب وفق السياقات الدستورية، وإصدار حزمة من القوانين لمعاقبة الأطراف التي تستخدم تلك المؤسسات لصالح الأطراف الخارجية أو الاستخبارية. وتحقيق التوازن الوطني في المناصب التالية: وكلاء الوزارات، السفراء، رؤساء الهيئات والمفوضيات المستقلة، في الوزارات الفردية والمؤسسات العسكرية والأمنية من درجة مدير عام فما فوق (قادة الفرق وديوان الوزارات.. إلخ).
ومن البنود المهمة أيضا: إصلاح أعمال السلطة التنفيذية. والعمل وفقا لأسس الكفاءة والحرفية، وتحقيق التوازن الدستوري في الوظائف العامة وفقا لقانون مجلس الخدمة العامة.
وإعادة النظر في التعيينات التي جرت سابقا، وتحقيق حقوق المحافظات وفقا للدستور. وتحقيق المشاركة الحقيقية للأطراف المشاركة في الحكومة في القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية. والمصادقة على نظام داخلي لتنظيم عمل مجلس الوزراء، وتحديد صلاحيات المجلس وأعضائه. كذلك منع التدخل المباشر في أعمال الوزارات عن طريق الوكلاء أو المديرين العامين لمصلحة حزبية، والتعامل مع الوزير باعتباره الرئيس الأعلى للوزارة، وهذا ما دفع بعض الوزراء إلى الاستقالة، بسبب تدخل مكتب مجلس الوزراء في عمل الوزير بصلاحيات شفوية من رئيس الوزراء.
أما المنصب المتفق عليه، وكان مطروحا منذ وزارة إياد علاوي، وهو مجلس السياسات، وكان ضمن اتفاق أربيل، فقد سوفه المالكي في الجلسة الأولى للبرلمان، بحجة أنه ليس من الدستور، بينما هو أهم نقطة في اتفاق أربيل. ولم يعلن نوري المالكي عن نياته تلك إلا بعد أن أجري التجديد بتكليف من رئيس الجمهورية. وبعدها أخذ يسوف في موضوع الوزارات الأمنية، فربطها كلها بمكتبه، من وزارة الدفاع، التي جعلها وكالة لوزير الثقافة، وتلك إحدى العجائب أن يكون وزير الثقافة وزيرا للدفاع، وعلى وجه الخصوص في بلد مثل العراق. وها هي السنة الرابعة، أي نهاية ولايته الثانية، تمر بينما البلاد بلا وزير داخلية ولا أمن ولا دفاع، فقد وضعها المالكي كلها في يده، لهذا كيف يساءل عن الوضع الأمني؟
بعدها أخذ المالكي في تشتيت القائمة العراقية، من طريق تقديم اتهامات عبر القضاء، مثلما حصل لنائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي. هنا لم يصدر القضاء مذكرة اعتقال بحقه، إلا بعد أن أصبح خارج بغداد، وخرج المالكي يقول: إن لديه وثائق الإدانة منذ ثلاث سنوات، وهذه بحد ذاتها جريمة، إذ هي تستر على جريمة. وصدر بحق الهاشمي ثلاثة أحكام غيابية بالإعدام. وما زال حتى هذه الساعة، من الناحية البرلمانية، نائبا لرئيس الجمهورية. ثم فعل المالكي قانون الاجتثاث ضد الآخرين، وعلى وجه الخصوص في الانتخابات التي كانت على الأبواب.
أما على صعيد الموقف مما يجري في سوريا، فقد التزم المالكي جانب نظام بشار الأسد، وقدم له العون، بتمرير أسلحة من إيران، وإمداده بالنفط، والسماح للمقاتلين من الميليشيات بالعبور إلى سوريا، ومنها لواء أبو الفضل العباس، وعصائب أهل الحق وسيد الشهداء. ويشرف محمد كوثراني، عضو المكتب السياسي لحزب الله اللبناني، على تجنيد العراقيين إلى سوريا. وتدخله يوازي تدخل قاسم سليماني في الشأن العراقي وقوته. وصار مشهد تشييع القتلى العراقيين داخل المدن العراقية ملحوظا، من دون أن تتقدم حكومة المالكي بموقف لصد ذلك، بل على العكس إذ حاربت الميليشيات، لكنها أبقت على ميليشيا عصائب أهل الحق، لاستخدامها وقت الحاجة، ضد التيار الصدري الذي يرفض الولاية الثالثة للمالكي.
وعلى صعيد آخر، عمد رئيس الوزراء إلى تجميد دور المؤسسات المستقلة، كالبنك المركزي. لقد جرى استغلال سفر محافظ البنك، وهو رجل معروف بنزاهته واختصاصه المالي والاقتصادي، وأحد العاملين في مؤسسات دولية تابعة للأمم المتحدة، وأصدر القضاء الذي صار ألعوبة بيد المالكي، أمرا بإلقاء القبض عليه بتهمة الفساد. وقد ألقي القبض على نائبه، الاختصاصي الآخر في مجال المال محمد صالح مظهر، وجرى اعتقال الموظفات في البنك أيضا. ويتعلق الأمر بالاحتياط المالي، وهو نحو 68 مليار دولار، كما صرح الدكتور الشبيبي، إذ أراد المالكي الحصول على قرض منها، ما يعرض البلاد إلى هزة مالية.
ومع أن شأن البنك المركزي حسب الدستور، تابع للبرلمان، وكذلك هيئة النزاهة، إلا أن المالكي راح يصدر التعليمات عن طريق مجلس القضاء الأعلى. وإذا تمكن من قمع مظاهرات الشباب ضد الفساد المالي والإداري، وضد العنف واستخدام كواتم الصوت ضد المخالفين، فإن مظاهرات المنطقة الغربية تمكنت من الصمود لأكثر من عام، مع ما أصاب منطقة الحويجة من هجمة شرسة راح ضحيتها أكثر من 30 متظاهرا، لكن الاعتصامات ظلت تحرج نوري المالكي، حتى اتهمها بحماية الإرهاب، مع أنها كانت سلمية.
كاد عام 2012 يكون الأخير في ولاية نوري المالكي، فقد جمع معارضوه في البرلمان، نحو 170 صوتا، تكفي لسحب الثقة منه وتزيد، بعد أن رفض المثول أمام البرلمان بعد أن استدعي مرات عدة، وقد تسلم رئيس الجمهورية جلال طالباني قائمة الأسماء، ولم يبق سوى أن يقدمها إلى البرلمان لسحب الثقة. هنا تدخلت إيران، مثلما تدخلت في المرة الأولى في تعيين إبراهيم الجعفري، وفي التجديد لنوري المالكي في ولايته الثانية. ولم يبق ذلك سرا، فقد أفشى أحمد الجلبي الأمر في لقاء مع قناة «البغدادية»، إذ سئل عن تعطيل سحب الثقة، فقال: «إيران أوقفته بالضغط على جلال طالباني». وبطبيعة الحال لها اليد الطولى. ثم قالها نواب من كتلة التيار الصدري أيضا، إن إيران أوقفت سحب الثقة.
إلا أن حدثا وقع لم يكن في الحسبان، إذ فرت عناصر إرهابية من سجني التاجي وأبو غريب، فخرج وزير العدل العراقي حسن الشمري، يتحدث عن تفاصيل مذهلة، تتعلق بما حدث، بعد أن أشارت أصابع الاتهام إلى وزارته. وصرح على فضائيات، بأن هروب هذه المجاميع له علاقة بالوضع السوري، فهناك من أمر بسحب فوج الحماية من السجون، التي فتحت أبوابها للإرهابيين، كي يلتحقوا بـ«القاعدة» وما يسمى بـ«داعش»، على خلفية التخويف من سقوط النظام السوري من قبل الأميركيين، وقد تزامن هذا مع ما تناقلته الأخبار من اتجاه الأميركيين إلى اتخاذ قرار باستخدام القوة ضد النظام السوري.
في تلك الأثناء، بدا نوري المالكي كمن كان نائما واستيقظ فجأة ليكتشف وجود إرهاب، مع أن الإرهاب لم يتوقف على امتداد فترتي ولايتيه الأولى والثانية في مدن العراق كافة، وعلى وجه الخصوص بغداد والموصل. قرر المالكي شن حملة عسكرية على المناطق الغربية. واتجهت القوات إلى أماكن الاعتصامات لتفريقها وإزالة الخيم التي كان المتظاهرون يستخدمونها في الساحات. وجرت اعتقالات عشوائية. لكن الأهم، هو أن تحريك القوة العسكرية لا يجري بأمر من رئيس الوزراء والقائد العام، إنما يتعلق بموافقة البرلمان العراقي والتنسيق مع مجلس الأمن الوطني الأعلى، وهذا ما لم يحصل. ووجهت هذه الحملة، ذات الحسابات الانتخابية لا الأمنية، بالاعتراض من قبل التيار الصدري والمجلس الأعلى والأحزاب الكردية، التي فتحت أبوابها لاستقبال ضحايا الهجمة العسكرية من الأسر والأفراد.
غير أن تلك الحملة، التي استعرض بها نوري المالكي قوته وصلاحياته التي لم يمنحها له الدستور، لم توقف الإرهاب. فهذه بغداد والأنبار والموصل والحلة وكربلاء تتعرض يوميا إلى هجمات إرهابية، فما فائدة الحملة العسكرية والحرب على المدن؟
بعد فشل الحملة العسكرية، راح المالكي يتوسل العشائر لمحاربة المسلحين، وأخذ يتحدث عن الوحدة الوطنية، وينتقد المحاصصة، ويدعو إلى اعتماد الكفاءة في المناصب، مع أنه لم يعتمد كفؤا في أي منصب من المناصب الخطيرة، سوى في الأمن أو التعليم أو إدارة البلاد. وكم من عراقي كفؤ أتى من الخارج ليخدم بلاده بما تحصله من علوم وخبرات ووجد الأبواب وقد سدت أمامه بسور حزبي وأسري أخذ يزحف بقوة من داخل المنطقة الخضراء إلى خارجها؟
كان يمكن للعراق، خلال فترة الثماني سنوات التي قضاها نوري المالكي رئيسا للوزراء وقائدا عاما للقوات المسلحة وغيرهما من المناصب، أن يتقدم كثيرا في سياسته الداخلية وفي تحقيق المصالحة الوطنية، وفي سياسته الخارجية أيضا. لكن تبين أن أهم ما لدى المالكي هو البقاء في المنصب. وهو يطمح الآن، في ولاية ثالثة، ويتقدم باتجاهها بقوة، على الرغم مما بينه وبين بقية الكتل السياسية الأخرى.

نماذج من العمليات الإرهابية أثناء ولاية المالكي الأولى  



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.