المغرب يواصل المزاحمة العالمية بـ«الزيتون».. رغم «نوبة الجفاف»

تضاعفت زراعته بعد اجتذاب استثمارات عربية ودولية

مزارع الزيتون الحديثة في المغرب شهدت نموًا كبيرًا خلال الأعوام الأخيرة
مزارع الزيتون الحديثة في المغرب شهدت نموًا كبيرًا خلال الأعوام الأخيرة
TT

المغرب يواصل المزاحمة العالمية بـ«الزيتون».. رغم «نوبة الجفاف»

مزارع الزيتون الحديثة في المغرب شهدت نموًا كبيرًا خلال الأعوام الأخيرة
مزارع الزيتون الحديثة في المغرب شهدت نموًا كبيرًا خلال الأعوام الأخيرة

تفاوت تأثير الجفاف على زراعة الزيتون بالمغرب، بين أوضاع كارثية في بعض المناطق «البورية» التي تعتمد على الأمطار، وانعدام أي تأثير في الضيعات المسقية (المزارع التي يجري ريها). وتوقع رشيد بنعلي، رئيس اتحاد منتجي الزيتون في المغرب، أن ينخفض الإنتاج في المزارع التي تعتمد على الأمطار بنحو 40 إلى 50 في المائة، مقارنة مع العام الماضي، بخلاف الضيعات المسقية.
ويضيف بنعلي أنه «بعد تأكد تأخر الأمطار، كانت هناك محاولات لإنقاذ بعض البساتين البورية السهلة الولوج، عبر جلب الماء بالصهاريج ومد قنوات للري.. غير أن هذه العملية جاءت متأخرة في كثير من الأحيان. أما في المناطق الجبلية والوعرة، فلم نستطع فعل أي شيء».
وتضاعفت المساحات المزروعة بالزيتون في المغرب خلال السنوات الأخيرة لتناهز 1.2 مليون هكتار. وازدادت هذه المساحات بوتيرة 45 ألف هكتار في السنة في المتوسط، نتيجة الاستثمارات الكبرى التي عرفها القطاع في ضيعات عصرية من جهة، ومن تحويل كثير من الأراضي الزراعية المعتمدة على الأمطار من زراعة الحبوب إلى غرس الزيتون، في إطار برامج مدعومة من طرف الحكومة وحساب الألفية، من جهة ثانية.
وبدأ المغرب في الطموح إلى مزاحمة الأوائل عالميا في مجال إنتاج الزيتون وزيوته. ومنذ عامين عرف إنتاج المغرب وصادراته من زيت الزيتون تصاعدا قويا مع بداية إنتاج الأشجار التي غرست في إطار هذه البرامج والاستثمارات. ويرتقب أن يدخل جيل جديد من أشجار الزيتون مجال الإنتاج هذه السنة.
ويرى بنعلي أنه من الصعب حاليا إعطاء تخمين دقيق حول حجم الإنتاج المنتظر خلال الموسم الحالي. فرغم أن الأمور تسير بشكل جيد في الضيعات المسقية التي تعتمد في معظمها أساليب زراعية عصرية، فإن تهديد التقلبات المناخية لا يزال قائما. ويقول: «حاليا، نحن في قلب مرحلة الإزهار التي بدأت مطلع الشهر الحالي، والتي تتطلب خلالها أشجار الزيتون رعاية خاصة. وحتى الآن، لم تهب الرياح الشرقية الساخنة التي نتخوف منها خلال هذه الفترة من السنة، لأنها تحرق الأزهار الفتية وتؤدي إلى تساقطها، وبالتالي إلى ضعف الإنتاج».
وفي انتظار نهاية شهر مايو (أيار) الجاري، وتحول الأزهار إلى حبوب، يراقب المزارعون الرياح القادمة من الشرق. غير أن التهديدات المناخية لا تتوقف عند هذا الحد، فحبة الزيتون الفتية لم تتمسك بعد بقوة بالأغصان، ولا تزال مهددة في حال هبوب رياح قوية خلال الأشهر المقلبة، خصوصا نهاية الصيف وبداية الخريف.. ويجنى الزيتون في المغرب ابتداء من شهر أكتوبر (تشرين الأول)، ويستمر ذلك خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) .
ويرتقب أن يعرف الموسم الحالي تفاوتا كبيرا في الإنتاج حسب المناطق. ففي منطقة صفرو (وسط شمال المغرب) ذات التقاليد العريقة في زراعة الزيتون، التي فازت عدة مرات بجائزة أفضل زيوت الزيتون في أوروبا وأميركا، تسود توقعات إنتاج أدنى من المتوسط بسبب آثار الجفاف وتناوب السنوات.
ويقول محمد الباهي، رئيس مجموعة «زيت صفرو» التي تضم عدة تعاونيات لمنتجي الزيتون بالمنطقة: «منطقتنا جبلية وعرة، وتعتمد فيها زراعة الزيتون على الأمطار، إضافة إلى كونها منطقة باردة. ويستعمل المزارعون الأساليب التقليدية في جني الزيتون، التي تستعمل فيها العصي لضرب الأغصان وإسقاط حبات الزيتون. وهذا الأسلوب يؤدي إلى الإضرار بالأشجار، ويتسبب في تناوب مواسم الإنتاج، فالأشجار تنتج عاما وترتاح آخر».
أما في منطقة سكورة، قرب ورزازات في الجنوب، التي توسعت فيها زراعة الزيتون مؤخرا في إطار برامج الحكومة لتحويل الفلاحين إلى هذه الزراعة، فالأمور تسير بشكل أفضل.
ويقول المساوي التهامي، نائب رئيس مجموعة المحمدية لتعاونيات منتجي الزيتون في سكورة: «نستعمل نمط السقي التقليدي في الجنوب المغربي، الذي يعتمد على شبكة من القنوات التحت أرضية تربط بين مجموعة من الآبار المبثوثة في البساتين، وتسمى هذه التقنية (الخطارات). كما أن بساتين الزيتون تتميز بكثافة كبيرة، الشيء الذي يقلص من تأثير الرياح».
وأضاف المساوي قائلا: «مجموعتنا تضم 12 تعاونية، ينخرط فيها نحو 50 مزارعا. ونسعى للرفع من جودة منتجنا وجعله يستجيب إلى معايير التصدير». مشيرا إلى أن مجموعته تعاقدت مع منظمة ألمانية لمدة خمس سنوات، ستوفر خلالها المنظمة الأجنبية التكوين والدعم الفني للمزارعين، كما زودتهم بآلة حديثة لعصر الزيتون. وتوقع أن تشرع المجموعة قريبا في تصدير جزء من إنتاجها من زيت الزيتون البكر إلى الخارج.
وإلى جانب المنتجين المحليين، عرف القطاع توسعا كبيرا في الضيعات الكبرى العصرية، التي عرفت دخول استثمارات عربية وأوروبية ضخمة. فمن الخليج استثمرت مجموعة الظاهرة الإماراتية في نحو ألف هكتار من الأراضي في إطار اتفاقية مع الحكومة المغربية. وستعرف السنة الحالية بداية إنتاج نصف هذه المساحات التي غرست قبل خمس سنوات قريبا من مدينة فاس.
وأنجزت أغلبية هذه الاستثمارات في إطار اتفاقيات مع الحكومة عن طريق إيجار ضيعات في ملكية الدولة للمستثمرين الخواص، وبذلك يتجه المغرب ليصبح رقما صعبا في السوق الدولية لزيت الزيتون.
ومن المفارقات الجديدة للقطاع، نمو صادرات زيت الزيتون بمعدلات تفوق 20 في المائة خلال السنتين الأخيرتين رغم انكماش الإنتاج. ويفسر المهنيون هذه المفارقة بدخول الضيعات العصرية الجديدة حيز الإنتاج من جهة، وإلى ظروف عالمية ملائمة، من جهة ثانية. فخلال العام الماضي الذي تميز بانخفاض عام للإنتاج على المستوى العالمي استفادت زيوت الزيتون المغربية من ارتفاع الطلب الأوروبي وارتفاع الأسعار العالمية.
ويقول رشيد بنعلي، رئيس اتحاد منتجي الزيتون بالمغرب: «عندما ترتفع أسعار زيت الزيتون كثيرا؛ يفضل المغاربة التحول نحو الزبدة، وبالتالي يتراجع الطلب الداخلي، فنتوجه إلى التصدير لتعويضه، خصوصا أن الطلب موجود والأسعار مجزية».



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.