الانتخابات الرئاسية الأفغانية.. العنف يقترع

كابل خططت لحماية المرشحين.. لكن توالي الهجمات كشف ضعف قدرتها على توفير الأمن

الانتخابات الرئاسية الأفغانية.. العنف يقترع
TT

الانتخابات الرئاسية الأفغانية.. العنف يقترع

الانتخابات الرئاسية الأفغانية.. العنف يقترع

في سياق الاستعدادات للانتخابات الرئاسية، أجرت الحكومة الأفغانية ترتيبات أمنية خاصة بتأمين مرشحي الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل 2014، حيث خصصت 35 جنديا مسلحا لحماية كل مرشح، لكن هذا القرار نزع أي إحساس بالأمن في المجتمع الأفغاني بشأن الانتخابات الرئاسية القادمة. وتوقعت وسائل إعلام وناشطون سياسيون ومراقبون أجانب أن تشهد الأيام التي تسبق الانتخابات الرئاسية أعمال عنف. وقد حذر مقاتلو طالبان من أنهم سيستهدفون المرشحين الرئاسيين ويرتكبون المزيد من أعمال العنف خلال الأيام التي ستسبق عملية الاقتراع.
كانت الجماعة المتشددة قد رفضت عروض المصالحة التي قدمتها الحكومة خلال الأشهر القليلة الماضية، وأعلنت في كثير من المناسبات رفضها أي شكل من أشكال الديمقراطية، وطالبت عوضا عن ذلك بفرض الشريعة الإسلامية في المجتمع الأفغاني. وتوعدت حركة طالبان بحملة من العنف لعرقلة العملية الانتخابية التي ستجري في 5 أبريل المقبل، ودعت مقاتليها إلى مهاجمة موظفي مراكز الاقتراع والناخبين وقوات الأمن قبل يوم الانتخابات. كما نفذت سلسلة هجمات دامية في الأشهر الماضية استهدفت خصوصا الأماكن التي يرتادها الأجانب.
ومنذ بداية الحملة الانتخابية في الثاني من فبراير (شباط) الماضي، أعلنت وسائل الإعلام الأفغانية ومراقبو الانتخابات عن سبع محاولات اغتيال والعديد من حوادث العنف المتعلقة بالانتخابات في المناطق الريفية. كان آخر الهجمات التي نفذتها طالبان أفغانستان الهجوم المسلح على فندق «سيرينا» الفخم في كابل والذي أدى إلى مقتل تسعة أشخاص على الأقل. ويرتاد الفندق دبلوماسيون أجانب وعمال منظمات دولية وشخصيات أفغانية بارزة.
وشن مسلحون تابعون لحركة طالبان أمس هجوما انتحاريا استهدف مكتبا للجنة الانتخابية في العاصمة كابل، مما أدى إلى مقتل شرطيين اثنين، كما دارت مواجهات بين قوات الأمن الأفغانية قرب مكتب للجنة الانتخابية المستقلة في منطقة دارلمان غرب العاصمة الأفغانية لأكثر من أربع ساعات. ووقع الهجوم بالقرب من منزل أشرف غني، الذي يعد من أبرز المرشحين لخلافة الرئيس حميد كرزاي. وقال أحد أعضاء حملة غني، إن المرشح الخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي لم يكن في كابل وقت وقوع الانفجار، إذ كان يقوم بحملة انتخابية في ولاية باكيتا شرق البلاد. وأبلغت قوات الأمن اللجنة بأن مكتبها قد يستهدف في الهجمات.
ويعتقد الخبراء الأمنيون أن تهديد طالبان باستهداف المرشحين الرئاسيين ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد، وأن هذا يتوقع أن يعرقل العملية الانتخابية ككل. ويبدي ثلاثة من بين أبرز المرشحين الرئاسيين، عبد الله عبد الله وزير الخارجية السابق، وزلماي رسول الشخصية السياسية البارزة في المجتمع الأفغاني، وأشرف غني وزير المالية السابق في حكومة كرزاي، عداء واضحا لطالبان. ويقول مراقبون مستقلون في كابل إن توالي الهجمات يكشف زيف الادعاءات الحكومية بقدرتها على توفير الأمن في البلاد خلال الانتخابات الرئاسية.
وفي حال شابت الانتخابات المقبلة حملة دموية فإن ذلك سيثير شكوكا حول تأكيدات المانحين الدوليين أن التدخل المكلف في أفغانستان نجح في خلق دولة فعالة. وتستعد قوات الحلف الأطلسي القتالية بقيادة الولايات المتحدة للانسحاب من أفغانستان بعد 13 عاما من القتال ضد التمرد الذي اندلع بعد الإطاحة بنظام طالبان من الحكم في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول). وتوترت العلاقات بين كرزاي وواشنطن بشكل كبير بسبب قرار الرئيس الأفغاني عدم التوقيع على اتفاق يتعلق بإبقاء قوة أميركية صغيرة في بلاده بعد 2015 للقيام بمهمات لمكافحة الإرهاب وتدريب القوات الأفغانية. وتضم قائمة المرشحين البارزين الآخرين إضافة إلى غني، كلا من عبد الله عبد الله الذي جاء في المرتبة الثانية في انتخابات الرئاسة 2009، ووزير الخارجية السابق زلماي رسول.
بيد أن توالي العنف لا يعني أن الحكومة الأفغانية لم تتخذ التدابير الأمنية الملائمة خلال الانتخابات. وقال المتحدث باسم وزير الداخلية الأفغاني، محمد نجيب، إن الحكومة مستعدة بشكل كامل لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة. وأكد على أن نحو 400.000 جندي وشرطي أفغاني مستعدون للانتشار في البلاد لردع أي تهديد للعملية الديمقراطية.
ووصف المتحدث تهديد طالبان باستخدام العنف بأنه لا يعدو كونه نوعا من الدعاية، قائلا إن الحكومة الأفغانية متيقظة، وإن مثل هذه التحركات لن تثنيها عن إجراء الانتخابات. وأضاف أن هناك أربع مناطق فقط في أفغانستان هي التي تواجه تهديدا أمنيا جديا، لكن الحكومة اتخذت خطوات للتعامل مع هذا التحدي.
وخلال شهادته أمام لجنة الخدمات المسلحة في واشنطن الأسبوع الماضي، حذر قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال جوزيف دانفورد من الارتفاع في أعمال العنف المتعلقة بالانتخابات، لكنه قال إن القدرة المادية للقوات الأمنية الأفغانية كافية للتعامل مع التحدي الأمني. وقال دانفورد «ما من شك يخامرني في أننا نعلم هذا سواء عن طريق المعلومات الاستخبارية أو عن طريق المصادر العلنية، من أن التمرد يركز على تعطيل الانتخابات في عام 2014، وركز على سحق روح وإرادة القوات الأفغانية في عام 2014، لأنهم يعتقدون أننا سنغادر بنهاية 2014، التي يعتقدون أنها ستكون سنة حاسمة للغاية. ولذا، نتوقع أن نرى هجمات واسعة النطاق لصنع إحساس بانعدام الأمن».
ويعتقد خبراء الأمن أنه على الرغم من حقيقة أن تهديد طالبان للعملية الانتخابية قائم ووشيك للغاية، فإن العنف خلال الحملات الانتخابية يتوقع أن يظل داخل نطاق السيطرة. ففي انتخابات 2009 البرلمانية عندما شنت طالبان هجمات ضد الانتخابات البرلمانية المدعومة من الولايات المتحدة، لم تسفر هذه الهجمات سوى عن مصرع 31 مدنيا و26 شرطيا خلال يوم الاقتراع.
شملت إحصاءات القتلى هذه الأشخاص الذين قتلوا في الهجمات التي شنتها طالبان والذين سقطوا ضحية العنف بين الجماعات والأحزاب المتنافسة في الانتخابات. هذه المرة تشكل طالبان تهديدا محددا للعملية الانتخابية، فقالت في بيان لها عبر الإنترنت «أصدرنا أوامرنا للمجاهدين باستخدام القوة في مناطقهم لتعطيل هذه الانتخابات المخزية - باستخدام كل العاملين والناشطين والمصوتين والضباط وأفراد الأمن. إنها فريضة على كل أفغاني أن يؤدي واجبه لإفشال أحدث مؤامرات الغزاة التي تتخفى في زي انتخابات».
ويعتقد خبراء أفغان ودوليون أن الاختبار الحقيقي الذي يواجه الحكومة الأفغانية بشأن القضية الأمنية سيلوح عندما تبدأ القوات الأميركية في الانسحاب من أفغانستان في عام 2014. وقد وردت تقارير متضاربة بشأن توقيع اتفاق أمني بين الولايات المتحدة وأفغانستان تسمح بتمركز عدة آلاف من الجنود الأميركيين في المدن الكبرى وحولها للمشاركة في عمليات مواجهة الإرهاب والتمرد.
ويرى خبراء الأمن الإقليمي والعسكري أن الحرب في أفغانستان لن تحقق نتائجها دون مساعدة أمنية أميركية. ويمكن للمساعدات الأمنية الأميركية أن تأتي في صورتين، الأولى هي تمركز وحدات القوات الأميركية في مواقع محددة في أفغانستان لتنفيذ عمليات ومكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد. والثاني استمرار واشنطن في ضخ مليارات الدولارات لتمويل الآلة العسكرية الأفغانية الجديدة. ويريد المخططون الأميركيون من القوات الأمنية الأفغانية الوليدة تحمل المسؤولية الأمنية في أنحاء واسعة من المناطق الريفية الأفغانية، في الوقت الذي تترك فيه المناطق التي ستدور فيها معارك مكافحة الإرهاب إلى القوات الأميركية الخاصة.
ويرى خبراء السياسة الأفغان أن الرئيس الأفغاني حميد كرزاي لم يضع في حسبانه تلك الحقائق المتعلقة بالموقف الأمني في أفغانستان، عندما رفض في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي توقيع الاتفاقية الأمنية الثنائية مع واشنطن على الرغم من توصيات لجنة من شخصيات بارزة في الحكومة الأفغانية بضرورة توقيع الاتفاق قبل نهاية العام.
وقد أصرت الإدارة الأميركية على ضرورة توقيع كابل وواشنطن الاتفاقية الأمنية الثنائية قبل نهاية العام، وحذرت من أن الوجود العسكري الأميركي بعد عام 2014 ربما يواجه تهديدا ما لم تتم الموافقة على المعاهدة. وقد طالب وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ووزير الدفاع تشاك هيغل، بضرورة توقيع الاتفاقية بنهاية العام.
ويتفق الخبراء العسكريون المحليون مع الرأي الذي عبر عنه الكثيرون بأن القوات الأمنية الأفغانية لن تتمكن من تحمل المسؤولية الأمنية كاملة في أفغانستان، بالنظر إلى حقيقة أن الجنود الأفغان يعانون من قلة التدريب، ناهيك عن العدد الكبير من عمليات الهروب في صفوف المجندين والتي تعد الأعلى في العالم. لكن الرئيس الأفغاني لا يرى أن توقيع المعاهدة الأمنية الثنائية، التي تسمح للقوات الأميركية بالاحتفاظ بقوات خاصة في مناطق مختلفة أفغانستان، من منظور أمني. بل طلب تأجيل التوقيع إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية في أبريل.
ويجمع غالبية المحللين في كابل على التقييم الذين يرى أن علاقات الرئيس الأفغاني بواشنطن يشوبها التوتر والقلق، نتيجة لرفض الإدارة الأميركية مساندته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة المثيرة للجدل. وكانت وسائل الإعلام الأميركية قد وجهت انتقادات لاذعة لكرزاي على فوزه في الانتخابات الرئاسية عبر وسائل غير نزيهة. ونقلت وسائل الإعلام الأميركية عن مسؤولين أميركيين ما نقلوه عن المعارضة الأفغانية بأن الرئيس كرزاي فاز بالانتخابات عبر وسائل غير نزيهة.
وقال محلل سياسي بارز يقيم في كابل، طلب عدم ذكر اسمه «عدم توقيع الرئيس كرزاي للاتفاقية الأمنية الثنائية يعني رغبته في الاحتفاظ بمزيد من السلطات في يده لمنع الأميركيين مما فعلوه في الانتخابات الرئاسية عام 2009».
حميد كرزاي ممنوع من دخول الانتخابات الرئاسية لفترة ثالثة على التوالي، لكنه يؤيد مرشحين بأعينهم في الانتخابات. ويرى غالبية المحللين أن حميد كرزاي له مصلحة في التأثير على نتائج الانتخابات المزمع إجراؤها في أبريل المقبل. ويبدي المخططون العسكريون الأميركيون قلقا بشأن التأخر في توقيع الاتفاقية الأمنية، والذي يرون أنه قد يتسبب في فراغ قانوني، ليترك القوات الأميركية دون سند قانوني في البلاد قرابة عشر سنوات لتدريب والإشراف على القوات الأفغانية التي لا تزال تفتقر إلى التدريب في مواجهة تمرد طالبان.
ويرى المسؤولون العسكريون الباكستانيون أن انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان سيؤدي لمستقبل مثير للشكوك إلى حد بعيد. فيقول مسؤول عسكري رفيع المستوى في إسلام آباد إن «نتيجة الحرب في أفغانستان لن تكون انتصارا أو هزيمة بالنسبة للقوات الأميركية.. وإن الانتصار الصريح غير ممكن لأن القوات الأميركية لم تتمكن من تحقيق أي من النتائج التي كان متوقعة مثل تحييد طالبان وإقامة حكومة أفغانية مستدامة، وتطوير اقتصاد أفغاني قوي، أو إقامة بيئة أمنية إقليمية مستقرة».
من ناحية أخرى، لا يتوقع أن تواجه القوات الأميركية هزيمة صريحة نتيجة الموقف العسكري الحالي السائد في أفغانستان. فيرى الخبراء العسكريون أن طالبان لن تتمكن عسكريا من هزيمة القوات الأميركية في أفغانستان. ويقول مسؤول عسكري باكستاني بارز «على مدى السنوات العشر الماضية ركزت الولايات المتحدة وحلفاؤها على النتائج الثابتة مثل القضاء على طالبان أو إنشاء حكومة أفغانية مركزية، وفشلوا في تحقيق أي من هذين الهدفين».
كانت الحرب الأفغانية قد شهدت أربع مراحل مميزة، المرحلة الأولى كانت حملات القصف الجوي التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر. والمرحلة الثانية اتحاد وحدات القوات الأميركية الخاصة مع قوات التحالف الشمالي التي أسقطت نظام طالبان بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2001. وكانت المرحلة الثالثة التحول إلى القوات العامة التي بدأت بعد إنشاء الجيش الأميركي مواقع عسكرية في المدن الرئيسة مثل كابل وقندهار. والمرحلة الرابعة عودة القوات الأميركية إلى عمليات مكافحة التمرد التي بدأت في أعقاب تمرد طالبان الذي شمل جنوب أفغانستان.
كانت أبرز ملامح إخفاق الوجود الأميركي في أفغانستان هي عدم قدرة أميركا على إقامة بنية دولة مركزية يمكن الاعتماد عليها في تولي مسؤولية الحكم في المناطق الأفغانية. وعلى الرغم من ضخ واشنطن مليارات الدولارات في الاقتصاد الأفغاني ومؤسسات الدولة، فقد ظلت قدرات الدولة الأفغانية على الحكم محدودة للغاية. وقد أدى ذلك إلى حالة من الإحباط بين الجيش الأميركي والمسؤولين المدنيين المقيمين في أفغانستان تجاه حكومة كرزاي، الذي أصيب هو الآخر بخيبة أمل تجاه المسؤولين الأميركيين ولم يفوت مناسبة واحدة دون توجيه انتقادات لاذعة للإدارة الأميركية والجيش الأميركي بسبب استهداف المدنيين في العمليات العسكرية.
هذه الشكوك التي تحيط بأفغانستان انعكست في الخطاب الأخير للرئيس حميد كرزاي، والذي رفض فيه المطالب بتوقيع الاتفاقية الأمنية الثنائية مع واشنطن. وقال كرزاي، في خطابه أمام المجلس الأعلى الأفغاني الذي ناقش توقيع الاتفاقية الأمنية «إذا وقعت الاتفاقية ولم يحل السلام فمن سيتحمل المسؤولية أمام التاريخ؟ وربما كان ذلك هو السبب في أنني طلبت ضمانات».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.