الانتخابات الرئاسية الأفغانية.. العنف يقترع

كابل خططت لحماية المرشحين.. لكن توالي الهجمات كشف ضعف قدرتها على توفير الأمن

الانتخابات الرئاسية الأفغانية.. العنف يقترع
TT

الانتخابات الرئاسية الأفغانية.. العنف يقترع

الانتخابات الرئاسية الأفغانية.. العنف يقترع

في سياق الاستعدادات للانتخابات الرئاسية، أجرت الحكومة الأفغانية ترتيبات أمنية خاصة بتأمين مرشحي الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل 2014، حيث خصصت 35 جنديا مسلحا لحماية كل مرشح، لكن هذا القرار نزع أي إحساس بالأمن في المجتمع الأفغاني بشأن الانتخابات الرئاسية القادمة. وتوقعت وسائل إعلام وناشطون سياسيون ومراقبون أجانب أن تشهد الأيام التي تسبق الانتخابات الرئاسية أعمال عنف. وقد حذر مقاتلو طالبان من أنهم سيستهدفون المرشحين الرئاسيين ويرتكبون المزيد من أعمال العنف خلال الأيام التي ستسبق عملية الاقتراع.
كانت الجماعة المتشددة قد رفضت عروض المصالحة التي قدمتها الحكومة خلال الأشهر القليلة الماضية، وأعلنت في كثير من المناسبات رفضها أي شكل من أشكال الديمقراطية، وطالبت عوضا عن ذلك بفرض الشريعة الإسلامية في المجتمع الأفغاني. وتوعدت حركة طالبان بحملة من العنف لعرقلة العملية الانتخابية التي ستجري في 5 أبريل المقبل، ودعت مقاتليها إلى مهاجمة موظفي مراكز الاقتراع والناخبين وقوات الأمن قبل يوم الانتخابات. كما نفذت سلسلة هجمات دامية في الأشهر الماضية استهدفت خصوصا الأماكن التي يرتادها الأجانب.
ومنذ بداية الحملة الانتخابية في الثاني من فبراير (شباط) الماضي، أعلنت وسائل الإعلام الأفغانية ومراقبو الانتخابات عن سبع محاولات اغتيال والعديد من حوادث العنف المتعلقة بالانتخابات في المناطق الريفية. كان آخر الهجمات التي نفذتها طالبان أفغانستان الهجوم المسلح على فندق «سيرينا» الفخم في كابل والذي أدى إلى مقتل تسعة أشخاص على الأقل. ويرتاد الفندق دبلوماسيون أجانب وعمال منظمات دولية وشخصيات أفغانية بارزة.
وشن مسلحون تابعون لحركة طالبان أمس هجوما انتحاريا استهدف مكتبا للجنة الانتخابية في العاصمة كابل، مما أدى إلى مقتل شرطيين اثنين، كما دارت مواجهات بين قوات الأمن الأفغانية قرب مكتب للجنة الانتخابية المستقلة في منطقة دارلمان غرب العاصمة الأفغانية لأكثر من أربع ساعات. ووقع الهجوم بالقرب من منزل أشرف غني، الذي يعد من أبرز المرشحين لخلافة الرئيس حميد كرزاي. وقال أحد أعضاء حملة غني، إن المرشح الخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي لم يكن في كابل وقت وقوع الانفجار، إذ كان يقوم بحملة انتخابية في ولاية باكيتا شرق البلاد. وأبلغت قوات الأمن اللجنة بأن مكتبها قد يستهدف في الهجمات.
ويعتقد الخبراء الأمنيون أن تهديد طالبان باستهداف المرشحين الرئاسيين ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد، وأن هذا يتوقع أن يعرقل العملية الانتخابية ككل. ويبدي ثلاثة من بين أبرز المرشحين الرئاسيين، عبد الله عبد الله وزير الخارجية السابق، وزلماي رسول الشخصية السياسية البارزة في المجتمع الأفغاني، وأشرف غني وزير المالية السابق في حكومة كرزاي، عداء واضحا لطالبان. ويقول مراقبون مستقلون في كابل إن توالي الهجمات يكشف زيف الادعاءات الحكومية بقدرتها على توفير الأمن في البلاد خلال الانتخابات الرئاسية.
وفي حال شابت الانتخابات المقبلة حملة دموية فإن ذلك سيثير شكوكا حول تأكيدات المانحين الدوليين أن التدخل المكلف في أفغانستان نجح في خلق دولة فعالة. وتستعد قوات الحلف الأطلسي القتالية بقيادة الولايات المتحدة للانسحاب من أفغانستان بعد 13 عاما من القتال ضد التمرد الذي اندلع بعد الإطاحة بنظام طالبان من الحكم في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول). وتوترت العلاقات بين كرزاي وواشنطن بشكل كبير بسبب قرار الرئيس الأفغاني عدم التوقيع على اتفاق يتعلق بإبقاء قوة أميركية صغيرة في بلاده بعد 2015 للقيام بمهمات لمكافحة الإرهاب وتدريب القوات الأفغانية. وتضم قائمة المرشحين البارزين الآخرين إضافة إلى غني، كلا من عبد الله عبد الله الذي جاء في المرتبة الثانية في انتخابات الرئاسة 2009، ووزير الخارجية السابق زلماي رسول.
بيد أن توالي العنف لا يعني أن الحكومة الأفغانية لم تتخذ التدابير الأمنية الملائمة خلال الانتخابات. وقال المتحدث باسم وزير الداخلية الأفغاني، محمد نجيب، إن الحكومة مستعدة بشكل كامل لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة. وأكد على أن نحو 400.000 جندي وشرطي أفغاني مستعدون للانتشار في البلاد لردع أي تهديد للعملية الديمقراطية.
ووصف المتحدث تهديد طالبان باستخدام العنف بأنه لا يعدو كونه نوعا من الدعاية، قائلا إن الحكومة الأفغانية متيقظة، وإن مثل هذه التحركات لن تثنيها عن إجراء الانتخابات. وأضاف أن هناك أربع مناطق فقط في أفغانستان هي التي تواجه تهديدا أمنيا جديا، لكن الحكومة اتخذت خطوات للتعامل مع هذا التحدي.
وخلال شهادته أمام لجنة الخدمات المسلحة في واشنطن الأسبوع الماضي، حذر قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال جوزيف دانفورد من الارتفاع في أعمال العنف المتعلقة بالانتخابات، لكنه قال إن القدرة المادية للقوات الأمنية الأفغانية كافية للتعامل مع التحدي الأمني. وقال دانفورد «ما من شك يخامرني في أننا نعلم هذا سواء عن طريق المعلومات الاستخبارية أو عن طريق المصادر العلنية، من أن التمرد يركز على تعطيل الانتخابات في عام 2014، وركز على سحق روح وإرادة القوات الأفغانية في عام 2014، لأنهم يعتقدون أننا سنغادر بنهاية 2014، التي يعتقدون أنها ستكون سنة حاسمة للغاية. ولذا، نتوقع أن نرى هجمات واسعة النطاق لصنع إحساس بانعدام الأمن».
ويعتقد خبراء الأمن أنه على الرغم من حقيقة أن تهديد طالبان للعملية الانتخابية قائم ووشيك للغاية، فإن العنف خلال الحملات الانتخابية يتوقع أن يظل داخل نطاق السيطرة. ففي انتخابات 2009 البرلمانية عندما شنت طالبان هجمات ضد الانتخابات البرلمانية المدعومة من الولايات المتحدة، لم تسفر هذه الهجمات سوى عن مصرع 31 مدنيا و26 شرطيا خلال يوم الاقتراع.
شملت إحصاءات القتلى هذه الأشخاص الذين قتلوا في الهجمات التي شنتها طالبان والذين سقطوا ضحية العنف بين الجماعات والأحزاب المتنافسة في الانتخابات. هذه المرة تشكل طالبان تهديدا محددا للعملية الانتخابية، فقالت في بيان لها عبر الإنترنت «أصدرنا أوامرنا للمجاهدين باستخدام القوة في مناطقهم لتعطيل هذه الانتخابات المخزية - باستخدام كل العاملين والناشطين والمصوتين والضباط وأفراد الأمن. إنها فريضة على كل أفغاني أن يؤدي واجبه لإفشال أحدث مؤامرات الغزاة التي تتخفى في زي انتخابات».
ويعتقد خبراء أفغان ودوليون أن الاختبار الحقيقي الذي يواجه الحكومة الأفغانية بشأن القضية الأمنية سيلوح عندما تبدأ القوات الأميركية في الانسحاب من أفغانستان في عام 2014. وقد وردت تقارير متضاربة بشأن توقيع اتفاق أمني بين الولايات المتحدة وأفغانستان تسمح بتمركز عدة آلاف من الجنود الأميركيين في المدن الكبرى وحولها للمشاركة في عمليات مواجهة الإرهاب والتمرد.
ويرى خبراء الأمن الإقليمي والعسكري أن الحرب في أفغانستان لن تحقق نتائجها دون مساعدة أمنية أميركية. ويمكن للمساعدات الأمنية الأميركية أن تأتي في صورتين، الأولى هي تمركز وحدات القوات الأميركية في مواقع محددة في أفغانستان لتنفيذ عمليات ومكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد. والثاني استمرار واشنطن في ضخ مليارات الدولارات لتمويل الآلة العسكرية الأفغانية الجديدة. ويريد المخططون الأميركيون من القوات الأمنية الأفغانية الوليدة تحمل المسؤولية الأمنية في أنحاء واسعة من المناطق الريفية الأفغانية، في الوقت الذي تترك فيه المناطق التي ستدور فيها معارك مكافحة الإرهاب إلى القوات الأميركية الخاصة.
ويرى خبراء السياسة الأفغان أن الرئيس الأفغاني حميد كرزاي لم يضع في حسبانه تلك الحقائق المتعلقة بالموقف الأمني في أفغانستان، عندما رفض في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي توقيع الاتفاقية الأمنية الثنائية مع واشنطن على الرغم من توصيات لجنة من شخصيات بارزة في الحكومة الأفغانية بضرورة توقيع الاتفاق قبل نهاية العام.
وقد أصرت الإدارة الأميركية على ضرورة توقيع كابل وواشنطن الاتفاقية الأمنية الثنائية قبل نهاية العام، وحذرت من أن الوجود العسكري الأميركي بعد عام 2014 ربما يواجه تهديدا ما لم تتم الموافقة على المعاهدة. وقد طالب وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ووزير الدفاع تشاك هيغل، بضرورة توقيع الاتفاقية بنهاية العام.
ويتفق الخبراء العسكريون المحليون مع الرأي الذي عبر عنه الكثيرون بأن القوات الأمنية الأفغانية لن تتمكن من تحمل المسؤولية الأمنية كاملة في أفغانستان، بالنظر إلى حقيقة أن الجنود الأفغان يعانون من قلة التدريب، ناهيك عن العدد الكبير من عمليات الهروب في صفوف المجندين والتي تعد الأعلى في العالم. لكن الرئيس الأفغاني لا يرى أن توقيع المعاهدة الأمنية الثنائية، التي تسمح للقوات الأميركية بالاحتفاظ بقوات خاصة في مناطق مختلفة أفغانستان، من منظور أمني. بل طلب تأجيل التوقيع إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية في أبريل.
ويجمع غالبية المحللين في كابل على التقييم الذين يرى أن علاقات الرئيس الأفغاني بواشنطن يشوبها التوتر والقلق، نتيجة لرفض الإدارة الأميركية مساندته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة المثيرة للجدل. وكانت وسائل الإعلام الأميركية قد وجهت انتقادات لاذعة لكرزاي على فوزه في الانتخابات الرئاسية عبر وسائل غير نزيهة. ونقلت وسائل الإعلام الأميركية عن مسؤولين أميركيين ما نقلوه عن المعارضة الأفغانية بأن الرئيس كرزاي فاز بالانتخابات عبر وسائل غير نزيهة.
وقال محلل سياسي بارز يقيم في كابل، طلب عدم ذكر اسمه «عدم توقيع الرئيس كرزاي للاتفاقية الأمنية الثنائية يعني رغبته في الاحتفاظ بمزيد من السلطات في يده لمنع الأميركيين مما فعلوه في الانتخابات الرئاسية عام 2009».
حميد كرزاي ممنوع من دخول الانتخابات الرئاسية لفترة ثالثة على التوالي، لكنه يؤيد مرشحين بأعينهم في الانتخابات. ويرى غالبية المحللين أن حميد كرزاي له مصلحة في التأثير على نتائج الانتخابات المزمع إجراؤها في أبريل المقبل. ويبدي المخططون العسكريون الأميركيون قلقا بشأن التأخر في توقيع الاتفاقية الأمنية، والذي يرون أنه قد يتسبب في فراغ قانوني، ليترك القوات الأميركية دون سند قانوني في البلاد قرابة عشر سنوات لتدريب والإشراف على القوات الأفغانية التي لا تزال تفتقر إلى التدريب في مواجهة تمرد طالبان.
ويرى المسؤولون العسكريون الباكستانيون أن انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان سيؤدي لمستقبل مثير للشكوك إلى حد بعيد. فيقول مسؤول عسكري رفيع المستوى في إسلام آباد إن «نتيجة الحرب في أفغانستان لن تكون انتصارا أو هزيمة بالنسبة للقوات الأميركية.. وإن الانتصار الصريح غير ممكن لأن القوات الأميركية لم تتمكن من تحقيق أي من النتائج التي كان متوقعة مثل تحييد طالبان وإقامة حكومة أفغانية مستدامة، وتطوير اقتصاد أفغاني قوي، أو إقامة بيئة أمنية إقليمية مستقرة».
من ناحية أخرى، لا يتوقع أن تواجه القوات الأميركية هزيمة صريحة نتيجة الموقف العسكري الحالي السائد في أفغانستان. فيرى الخبراء العسكريون أن طالبان لن تتمكن عسكريا من هزيمة القوات الأميركية في أفغانستان. ويقول مسؤول عسكري باكستاني بارز «على مدى السنوات العشر الماضية ركزت الولايات المتحدة وحلفاؤها على النتائج الثابتة مثل القضاء على طالبان أو إنشاء حكومة أفغانية مركزية، وفشلوا في تحقيق أي من هذين الهدفين».
كانت الحرب الأفغانية قد شهدت أربع مراحل مميزة، المرحلة الأولى كانت حملات القصف الجوي التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر. والمرحلة الثانية اتحاد وحدات القوات الأميركية الخاصة مع قوات التحالف الشمالي التي أسقطت نظام طالبان بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2001. وكانت المرحلة الثالثة التحول إلى القوات العامة التي بدأت بعد إنشاء الجيش الأميركي مواقع عسكرية في المدن الرئيسة مثل كابل وقندهار. والمرحلة الرابعة عودة القوات الأميركية إلى عمليات مكافحة التمرد التي بدأت في أعقاب تمرد طالبان الذي شمل جنوب أفغانستان.
كانت أبرز ملامح إخفاق الوجود الأميركي في أفغانستان هي عدم قدرة أميركا على إقامة بنية دولة مركزية يمكن الاعتماد عليها في تولي مسؤولية الحكم في المناطق الأفغانية. وعلى الرغم من ضخ واشنطن مليارات الدولارات في الاقتصاد الأفغاني ومؤسسات الدولة، فقد ظلت قدرات الدولة الأفغانية على الحكم محدودة للغاية. وقد أدى ذلك إلى حالة من الإحباط بين الجيش الأميركي والمسؤولين المدنيين المقيمين في أفغانستان تجاه حكومة كرزاي، الذي أصيب هو الآخر بخيبة أمل تجاه المسؤولين الأميركيين ولم يفوت مناسبة واحدة دون توجيه انتقادات لاذعة للإدارة الأميركية والجيش الأميركي بسبب استهداف المدنيين في العمليات العسكرية.
هذه الشكوك التي تحيط بأفغانستان انعكست في الخطاب الأخير للرئيس حميد كرزاي، والذي رفض فيه المطالب بتوقيع الاتفاقية الأمنية الثنائية مع واشنطن. وقال كرزاي، في خطابه أمام المجلس الأعلى الأفغاني الذي ناقش توقيع الاتفاقية الأمنية «إذا وقعت الاتفاقية ولم يحل السلام فمن سيتحمل المسؤولية أمام التاريخ؟ وربما كان ذلك هو السبب في أنني طلبت ضمانات».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.