حسابات «القرم»

بوتين أراد ترك بصمة تاريخية لشخصه بضمه شبه الجزيرة.. ومواجهته مع الغرب باتت مفتوحة على كل الاحتمالات

حسابات «القرم»
TT

حسابات «القرم»

حسابات «القرم»

غالبية القادة السياسيين يبذلون جهودا كبيرة ليذكرهم التاريخ إيجابا عندما يتنحون أو يرحلون، والقليل منهم يأتيه في مرحلة ما من حكمه، حدث تاريخي مفاجئ، يعرف كيف يوظفه ويكون من ثم أهم لبنة في إرثه السياسي. أحد هؤلاء القليلين، هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي دخل خلال الفترة القليلة الماضية، بقوة، على خط الثورة الأوكرانية المحلية، وحرك مسألة منطقة القرم، مما خلق أزمة دولية كبرى. وباسترداده القرم، صار بوتين ثالث زعيم روسي - سوفياتي، بعد ستالين وخروشوف، يتخذ خطوة تاريخية كبيرة تجاه شبه الجزيرة. وبات بوتين، من دون شك، اللاعب الرئيس في تطورات الأزمة، وشخصية مثيرة للجدل على المستوى الدولي.
يجمع محللون كثيرون على أن بوتين تحرك في البداية بدافع الرد على الثورة التي أطاحت حليفه الرئيس فيكتور يانوكوفيتش الشهر الماضي وبسبب شعوره بأن الغرب لعب دورا خفيا كبيرا في تلك الانتفاضة التي دامت بضعة أشهر. لكن توابع التحرك الروسي والإيعاز إلى القرم بتنظيم استفتاء سريع من أجل الانضمام إلى روسيا، تقاطعت لاحقا مع مشروع قديم لدى القوميين الروس، يدعو لتصحيح ما يعدونه خطأ من الزعيم السوفياتي أوكراني الأصل، نيكيتا خروشوف بالتنازل عن القرم لأوكرانيا عام 1954. وهكذا، ضرب بوتين عصفورين بحجر: ثأر للإهانة التي لحقت بحليفه، وحقق حلما روسيا قديما أدخله التاريخ.

خلق حدث اقتطاع القرم من أوكرانيا وضمها إلى روسيا، واقعا سياسيا جديدا داخل أوروبا وشكل ما يمكن عده أول تغيير في الحدود الدولية داخل القارة العجوز منذ الحرب العالمية الثانية (إذا استثنينا طبعا تغير الحدود الذي نجم عن تفكك يوغوسلافيا في مطلع التسعينات من القرن الماضي)، وأصبح من ثم بمثابة تحد للدول الغربية التي كان ينظر إليها دوما على أنها الفاعل الرئيس في المسرح الدولي.
«الأسد الجريح»، ممثلا في الغرب بقيادة الولايات المتحدة ورئيسها باراك أوباما، يدرك الآن، أنه أصيب في كبريائه في غمرة أحداث لم يكن مستعدا لها، وأن استعادة كرامته تتطلب الرد، والأخطر من ذلك، تشكل إحساس جديد لدى الغرب بمؤسساته السياسية والعسكرية، بأن التسليم بالأمر الواقع الجديد يعني إطلاق يد بوتين لتكرار «سيناريو القرم» في مناطق أخرى، سواء في الشرق الأوكراني وربما حتى في باقي أوكرانيا ومولدوفا. طبعا، الدول الغربية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) باشرت على الفور، إطلاق عقوبات تمثلت في منع مسؤولين مقربين من بوتين من الحصول على تأشيرات دخول وتجميد أي أصول محتملة لهم، وواضح أن «عملية العقوبات»، التي جرت على دفعتين حتى الآن، ستتواصل وستكون لها تداعيات.
كما أن رهان البعض على أن الأزمة جرى احتواؤها، وأن الأسوأ ولى، قد لا يكون دقيقا، بحسب خبراء في السياسة الدولية. ويقول مدير البرنامج الروسي في معهد «تشاتام هاوس» بلندن، كيير غيلس، لـ«الشرق الأوسط»، إن «منطقة القرم ضاعت من أوكرانيا ولا تستطيع العودة إلى سيادتها»، لكن هناك «خطرا حقيقيا بحدوث اضطرابات في الشرق الأوكراني تتسبب فيها مجموعات روسية الأصل في المنطقة، تخطئ تقدير الحسابات وتدفع بالأمور نحو مواجهات عسكرية». ويشدد غيلس على أن «هذا النوع من المواجهة لا تريده روسيا الآن، وإذا اندلع فإنه سيكون طويلا ودمويا». ويذهب باحث آخر مقيم بلندن وملم بملف المنطقة، هو جوناثان إيل، في هذا الاتجاه التحليلي نفسه، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «في حال امتنع الغرب عن اتخاذ إجراءات أقوى ضد روسيا وشجعها على اعتبار خيار القرم طريقا جيدا لتوسيع النفوذ، فستكون هناك ردود عسكرية أكثر في المستقبل، ومن هذا المنظور يمكن القول إن الأسوأ قد بدأ للتو» على عكس اعتقاد أننا تجاوزناه.
وللتدليل على أن تداعيات اقتطاع القرم من أوكرانيا ستطول، يربط محللون الأزمة الحالية بمحطات سابقة، بدأت مع ارتفاع عائدات النفط عام 2005، مما دفع القيادة السياسية الروسية إلى ضخ أموال كبيرة لتعزيز الترسانة العسكرية للبلاد ثم السعي لجس نبض نفوذها وسط جيرانها في محيطها الغربي، وكان من نتائج ذلك، تجربة الخيار العسكري في جورجيا عام 2008. ويقول إيل، الذي يشغل منصب مدير الدراسات في المعهد الملكي للدراسات الأمنية والدفاعية (مقره لندن ومعروف اختصارا بكلمة روسي)، إن «روسيا استخلصت من درس جورجيا أن الخيار العسكري مفيد على المستوى الدولي، وعليه كررت التجربة بالقرم في عام 2014». ويصف إيل، روسيا تحت قيادة بوتين بأنها «عائدة بحزم وثقة، وتريد اتخاذ خطوات لحماية مصالحها الأمنية». ويتابع أن «من المهم للمجتمع الدولي الآن إذا كان يريد حماية أمن أوروبا، أن يتصرف بطريقة مختلفة عن تحركه خلال أزمة جورجيا عام 2008، وألا يشجع روسيا على اعتقاد أن سياستها الحالية هي الأفيد لها مستقبلا».
ويبدو أن الرئيس بوتين كان مدركا عجز الغرب عن الرد عليه عسكريا خلال الأزمة الأخيرة، ولذا عرف كيف يستغل الفرصة السانحة ويعيد القرم إلى بلاده في غفلة من الحسابات السياسية الدولية. والجميع يعرف أن الغرب لا يمكنه الرد عسكريا على الأزمة الأخيرة، لسببين رئيسين: الأول هو عدم امتلاك حلف شمال الأطلسي الإطار القانوني لتحريك قوات ردا على اقتطاع أرض من دولة ليست عضوا فيه (أوكرانيا لديها برنامج شراكة مع الأطلسي فقط)، والثاني المناخ السياسي الحالي في الولايات المتحدة وأوروبا غير الميال لأي مواجهة عسكرية، خصوصا إذا كانت مع دولة كبرى مثل روسيا تملك حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي وسلاح الردع النووي. لكن هذا لا يعني أن الأميركيين والأوروبيين لم يطرحوا الخيار العسكري خلال الأزمة. ويقول غيلس بهذا الصدد: «بكل تأكيد، كان هناك نوع من النقاش داخل الحلف الأطلسي حول الخيارات العسكرية، مع تطور الأزمة، والأهم من ذلك، سيكون هناك نقاش أكثر الآن حول الخطوات المستقبلية إذا تطورت الأمور وحدث قتال أوسع في مناطق مثل الشرق الأوكراني ونتجت عن ذلك عمليات نزوح للاجئين». ويشدد على أن «الخيار العسكري لدى حلف الأطلسي لم يعد مطروحا الآن، لكنه لم يستبعد كليا من الطاولة».
وبدأ الرئيس الأميركي، أول من أمس، زيارة إلى أوروبا قادته إلى لاهاي، حيث شارك في قمة مجموعة السبع للأمن النووي، ومنها يتوجه إلى بروكسل للمشاركة في القمة الأميركية - الأوروبية. ويتوقع أن تأخذ الأزمة الأوكرانية وتعزيز أمن دول أوروبا الشرقية، حيزا كبيرا من محادثات الرئيس الأميركي. وذكرت معلومات مسبقة أن أوباما يريد تقديم ضمانات أمنية قوية إلى الدول الصغيرة التي انضمت إلى الحلف الأطلسي بعد انفصالها عن الاتحاد السوفياتي، في إشارة إلى موسكو بأن الغرب لن يتساهل إذا تكرر سيناريو القرم في مناطق أخرى.
ومع استبعاد الخيار العسكري، ركز الأميركيون والأوروبيون على أمرين: فرض عقوبات ضد مسؤولين روس وأوكرانيين كبار، والسعي لعزل روسيا في منظمات دولية مثل «مجموعة الثماني» و«منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية». ويجمع محللون على أن سلاح العقوبات يعد فعالا أكثر من سلاح العزلة، كما يلاحظون أن العقوبات الأميركية جاءت أقوى من الأوروبية، واستهدفت مباشرة الدائرة الضيقة المقربة من الرئيس بوتين، وخصوصا تلك التي تمارس ما يمكن تسميته السلطة المالية في روسيا. وقال جوناثان إيل: «إذا أخذت مثلا بعض رجال الأعمال المقربين من بوتين، فإن هؤلاء يحتاجون دوما إلى السفر من أجل ترتيب شؤونهم المالية في الخارج، وعليه (فإن الإجراءات المتخذة بحقهم) تسبب ضررا معتبرا لهم». ويذهب غيلس في نفس الاتجاه متوقعا تأثيرا قويا للعقوبات، ويقول: «في عالم اليوم المتداخل، سيكون هناك أثر على الاقتصاد الروسي من ناحية الأموال والقدرة على الاقتراض من السوق العالمية. فالسوق المالية العالمية، خصوصا سوقي لندن ونيويورك، ستسعى بموجب الإجراءات الجديدة، لفرض أسعار أعلى على الروس عند محاولاتهم الاقتراض في المستقبل».
ويشير محللون إلى أن الفرق بين العقوبات الأميركية ونظيرتها الأوروبية مرده إلى طبيعة اتخاذ القرار لدى الجانبين. فالولايات المتحدة مثلها مثل روسيا تستطيع أن تتحرك منفردة ومستقلة، ولذا كان سهلا عليها اتخاذ عقوبات قوية ضد الدائرة الضيقة المقربة من الرئيس بوتين، بينما يتطلب الأمر من الاتحاد الأوروبي، عندما يريد اتخاذ عقوبات جماعية، موافقة من كل الدول الأعضاء الـ28. ومعروف أن مصالح الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تتباين بشكل كبير في علاقتها مع روسيا. ويقول مصدر أوروبي، تحدثت إليه «الشرق الأوسط»، إن بريطانيا وبولندا هما الوحيدتان اللتان طالبتا بعقوبات فعالة ضد المقربين من بوتين وهو ما عارضته الدول الأخرى في الاتحاد.
ويلاحظ متخصصون أن سلاح العزلة الذي أشهره الغرب في وجه روسيا وتمثل خصوصا في إلغاء اجتماع «مجموعة الثماني» المقرر في منتجع سوتشي في وقت لاحق من العام الحالي ثم التهديد بطرد روسيا من المجموعة كليا، يعد عديم الفاعلية. ويقول جوناثان إيل: «إنه لا يوجد أي تأثير لهذا الأمر، فروسيا لا يعنيها على الإطلاق عدم دعوتها لحضور اجتماعات مجموعة الثماني، والروس يعرفون أن أي عزلة ستكون مؤقتة بناء على تجارب سابقة». ويشير إلى أن «مجموعة الثماني» لا تمثل أهمية كبيرة بالنسبة لروسيا، على عكس الأمم المتحدة التي تنظر إليها بأنها منظمة مهمة، وهي تعلم أنه لا يمكن عزلها منها بسبب امتلاكها العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي. ويرى محللون آخرون أن «مجموعة الثماني لا تعمل أصلا بشكل جيد، ولو كانت تؤدي دورا فعالا لتفادينا من الأصل نزاع أوكرانيا».
وإضافة إلى العقوبات والعزلة، سيتعين على روسيا الآن تحمل تكلفة مالية كبرى بعد ضمها القرم التي يسكنها نحو مليوني نسمة. وتفيد تقارير بأن شبه الجزيرة باتت الآن بحاجة إلى شبكات لوجيتسكية جديدة لتوفير الغاز والماء والطرق من البر الروسي، من دون الاعتماد على أوكرانيا. وتفيد تقارير بأن القرم تعتمد بنسبة 80 في المائة على أوكرانيا في التزود بالماء والكهرباء. ويقول فاليري شالي، مدير «مركز رازومكوف الأوكراني للدراسات السياسية والاقتصادية»، إنه سيتعين على روسيا تحمل تكلفة تصل إلى خمسة مليارات يورو سنويا بعد ضمها القرم. إلا أن جوناثان إيل يرى في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن أمر التكلفة المالية لا يشكل قلقا لروسيا، و«موسكو أظهرت في مناسبات كثيرة أنها تقبل تكبد معاناة اقتصادية من أجل توسيع نفوذها وتلبية مطالب أمنية».
كذلك، سيتعين على روسيا دفع ثمن سياسي باهظ تجاه التطورات الأخيرة. فموسكو بابتلاعها منطقة القرم، تكون قد خسرت أوكرانيا إلى الأبد، وكان من التداعيات الفورية لاستفتاء القرم، توقيع الاتحاد الأوروبي مع الحكومة الأوكرانية الجديدة على شق سياسي من اتفاق شراكة قد يمهد على المدى المتوسط لعملية انضمام، علما بأن امتناع يانوكوفيتش عن توقيع هذا الاتفاق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي كان سبب الشرارة الأولى لكل ما حدث في المنطقة. كما يتوقع أن يسرع حلف شمال الأطلسي الآن، مساعيه لضم أوكرانيا دون وجود اعتراض كبير لدى السلطات الجديدة في كييف. وبكل تأكيد، سيفعل حلف الأطلسي الأمر ذاته مع جورجيا التي ترتبط مع الحلف بشراكة أيضا. ومن هذا المنظور، يكون بوتين قد تسبب في إحداث توجس أمني لدى عدوه اللدود (حلف الأطلسي) وساعده على الاقتراب أكثر تجاه الحدود الروسية.
وحول دور بوتين في الأزمة الأوكرانية إجمالا، يقول محلل غربي إن جذور النزاع تتعلق أساسا بمن يملك التأثير في الفضاء السوفياتي السابق، والقضية لم تكن أبدا مرتبطة بوضع الروس في القرم ولم تكن هناك أي مؤشرات على أن روس القرم يعانون التمييز. ويصر على أن جذور الأزمة بدأت بالثورة التي أطاحت يانوكوفيتش من قبل الشعب الأوكراني والرئيس بوتين تدخل لاحقا و«كان مصرا على إظهار من السيد في المنطقة».



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.