مبادرة لحل الأزمة الليبية تتضمن إلغاء قانون العزل السياسي والعودة للدستور الملكي

أمين «التحالف الوطني الديمقراطي» كشف في حوار مع «الشرق الأوسط» عن أهم بنودها

مبادرة لحل الأزمة الليبية تتضمن إلغاء قانون العزل السياسي والعودة للدستور الملكي
TT

مبادرة لحل الأزمة الليبية تتضمن إلغاء قانون العزل السياسي والعودة للدستور الملكي

مبادرة لحل الأزمة الليبية تتضمن إلغاء قانون العزل السياسي والعودة للدستور الملكي

تسلمت الحكومة والبرلمان وعدة مؤسسات ليبية مبادرة جديدة تتضمن مقترحات للخروج من الأزمة الراهنة التي تعصف بالبلاد، وتتضمن المبادرة التي تقدم بها حزب «التحالف الوطني الديمقراطي» بنودا، من بينها العودة للدستور الملكي، الذي يرجع لمطلع خمسينات القرن الماضي، وإلغاء قانون العزل الذي تسبب في إبعاد كثير من السياسيين عن العمل العام.
وقال إبراهيم فتحي عميش الأمين العام للحزب، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، أمس، إن المبادرة جرى إرسالها إلى رئيس وأعضاء المؤتمر الوطني العام (البرلمان المؤقت)، ولرئيس المحكمة الدستورية العليا، ولرئيس مجلس الوزراء وأعضاء الحكومة، وللأحزاب وقوى المجتمع السياسي ومنظمات المجتمع المدني.
وتأتي المبادرة بينما تستعد البلاد لتشكيل لجنة لإعداد دستور جديد، وسط عراقيل ومشكلات سياسية وأمنية متفاقمة. ويحظى حزب «التحالف الوطني الديمقراطي» بمكانة خاصة في ليبيا، كونه من أوائل الأحزاب التي أسستها المعارضة الليبية في الخارج، ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي، في ثمانينات القرن الماضي، وبسبب تعدد الأقطاب المنضوية تحت لوائه منذ البداية من قوميين وناصريين وإسلاميين معتدلين. ومن أشهر مؤسسي الحزب وزير الخارجية الليبي الراحل منصور الكيخيا، الذي اختطفه القذافي في التسعينات من القرن الماضي، وعثر على جثته بعد الإطاحة بالنظام السابق.
وقال عميش، وهو متخصص في القانون الدستوري والنظم السياسية، إن المبادرة شملت مقترحات، منها إصدار قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، بحيث يجبّ ما قبله من قوانين العزل السياسي، ويفسح المجال لتحقيق أول شروط المصالحة الوطنية، وتطبيق قواعد العدالة الانتقالية. وتتضمن أيضا أن يقوم البرلمان بإصدار قرار بإلغاء «الإعلان الدستوري المؤقت»، الصادر في صيف 2011، وإعلان العودة إلى الشرعية الدستورية، وذلك بتفعيل دستور دولة الاستقلال الصادر في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1951، وأن يقوم البرلمان بتشكيل حكومة مصغرة تتولى اختصاصات الملك الدستورية، وتدعو إلى إجراء انتخابات مجلس النواب، واختيار مجلس للشيوخ يتولى مهام المؤتمر الوطني العام، الذي سيكون في حكم المنحل بمجرد انعقاد البرلمان. وإلى أهم ما جاء في الحوار..
> على أي أساس جرى التوصل إلى المبادرة المطروحة حاليا؟
- هذا جرى بعد النظر والمراجعة والدراسة لمبادرات سياسية مقدمة من أطراف وطنية كثيرة. من بين هذه الأطراف جماعات وأحزاب وتكتلات ومنظمات للمجتمع المدني. وكانت قد دعت، في مجملها، لحوار وطني شامل يتم التوافق من خلاله على خارطة طريق تستجيب لمتطلبات المرحلة، وتتجاوز عقبات الوصول لانتخاب «الهيئة التأسيسية» لصياغة دستور البلاد. كما تقدمت بعض هذه المبادرات بمقترح أن يقوم «البرلمان» بإصدار قرار بإلغاء «الإعلان الدستوري المؤقت»، الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي السابق، في الثالث من أغسطس (آب) عام 2011، وإعلان العودة إلى الشرعية الدستورية، وذلك بتفعيل دستور دولة الاستقلال الصادر في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1951، وأضاف هذا المقترح أن يقوم البرلمان بتشكيل حكومة مصغرة تتولى اختصاصات الملك الدستورية وتدعو إلى إجراء انتخابات مجلس النواب، واختيار مجلس للشيوخ يتولى مهام البرلمان الذي سيكون منحلا بمجرد انعقاد مجلسي البرلمان الجديدين.
> ماذا عن المبادرات السابقة التي دعت للحكم الفيدرالي والأخرى التي دعت لاستعادة النظام الملكي؟
- نعم.. توجد مبادرات كثيرة جرى الاطلاع عليها قبل صياغة المبادرة التي تم تقديمها للمسؤولين الحاليين في الدولة.. ومن تلك المبادرات السابقة كان هناك ما يركز على كيفية تشكيل الهيئة التأسيسية للدستور، ومعايير انتخاب أعضائها، مشترطة قناعاتها بإقامة الحكم (الفيدرالي)، وأخرى طالبت باستعادة النظام الملكي، ودعوة السيدة محمد الحسن الرضا، باعتباره الوريث (الملكي) الشرعي، وباعتبار أن شكل الحكم الملكي في دستور الاستقلال من المبادئ فوق الدستورية، التي إذا ما نزعت عنه فإنه يتفكك ويتلاشى تلقائيا. وترى جماعات أخرى أن النظام الوطني الديمقراطي بشكله البرلماني الجمهوري هو الأمثل لليبيا.
> ما علاقة المبادرة بالمخاوف من تقسيم البلاد؟ وهل لهذه المخاوف ما يبررها؟
- توجد مخاوف حقيقية في الشارع الليبي من اتساع هوة الخلاف بين الأطراف السياسية والميليشيات المسلحة بالقدر الذي يصعب معه، ولسنين طويلة، تحقيق استقرار سياسي. البعض في الشارع يتوجس خيفة من أن ما يحدث في ليبيا وما يصنع لها عمدا هو عملية مخطط لها من قوى إقليمية ودولية ذات أطماع، وليس مصالح فقط، استراتيجية، سياسية واقتصادية، تمهّد لها الطريق، وتعبّده بعض العناصر والكيانات المحلية، سواء بوعي سياسي منها أو من دونه، تستهدف تقسيم ليبيا عن طريق إثارة الفتن الجهوية والعصبوية وانتشار فوضى السلاح.
> كيف يمكن للمبادرة الجديدة تجنيب ليبيا مثل هذا المصير؟
- الحل بسيط، ويكمن في قبول الجميع بالاحتكام لأحكام الفقه الدستوري وللمواثيق والعهود الدولية، ولقواعد القانون الدولي، ولنتائج الاستفتاء السياسي العام وإلى صناديق الاقتراع، لكن مع شرط أن يكون لكل القوى الوطنية الحق في التعبير عن الرأي. وفي هذا الإطار، لا بد من إلغاء ما سُمّي بقانون العزل السياسي، واستبداله قانون تحت مسمى تنظيم مباشرة الحقوق السياسية به، يُستخلص من روح المصالحة الوطنية وشروط العدالة الانتقالية، وتعود بموجبه كوادر وقوى وخبرات وطنية كشريك أساسي ضمن المشهد والحراك السياسي العام باتجاه الاستقرار السياسي وبناء مؤسسات الدولة.
> ألم يكن هناك توافق حول هذه القوانين والقرارات؟
- ما حدث يأتي نتيجة حتمية للصراعات التي قامت داخل أروقة البرلمان، بين الكتل الحزبية، وانعكست هذه الصراعات سلبا على قوانين وقرارات البرلمان منذ اليوم الأول لانعقاد أولى جلساته، وأعاقت مسيرة التحول الوطني الديمقراطي السلس من الثورة إلى بناء الدولة، وأصبح المواطن يردد مقولة إن «الحزبية إجهاض للديمقراطية»، وهي المقولة التي كان رأس الحكم الذي ثار عليه الليبيون يرسخ لها، ويقتل ويسجن ويدمر، ويعاقب المدن والقرى، ويرسخ لمركزية بغيضة جعلت حياة المواطن الليبي محصورة بين السجل المدني والسجون أو المقبرة. ولم تعِ هذه الجماعات ذلك المفهوم الحقيقي والدور الوطني الفعّال للأحزاب السياسية، باعتبارها حجر الزاوية في الأنظمة الديمقراطية، وممارسة التنافس السلمي في عملية تبادل السلطة، وهي تقوم باقتراح السياسات العامة من خلال برامجها وأهدافها التي تحدد معالمها خيارات المواطنين حيال تصورهم للمصلحة الوطنية. وإذا كان من الممكن أن تقوم الأحزاب في غياب الديمقراطية، فإن الديمقراطية لا تقوم في ظل غياب الأحزاب السياسية.
> وما شروط الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية في المبادرة الجديدة؟
- اقترحنا نصوصا ببعض شروط الحرمان، بحيث تُطَبق على من تلطخت يداه بدماء الليبيين، ومارس جرائم القتل المباشر أو غير المباشر إبّان حكم الطاغية المنهار، وتطبق على كل من ثبتت سرقته للمال العام سواء قبل ثورة 17 فبراير أو خلالها أو بعدها. كما تطبق على كل من خطط ونفّذ عمليات أو محاولات اغتيال استهدفت الليبيين في الداخل أو الخارج، وكل من تعاون أو تعامل أو كان عضوا في أحد المنظمات أو الكيانات الموصوفة من المجتمع الدولي بأنها تمارس الإرهاب، ويُطبق الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية أيضا على كل من كان عضوا قياديا في الحرس الثوري أو اللجان الثورية، وعلى كل من كان عضوا في جهاز الأمن الداخلي أو الأمن الخارجي وقام بقتل أو تعذيب أو مطاردة أو اختطاف المعارضين لنظام الطاغية المنهار. وكذلك يسري الحرمان على كل من تولى إحدى الوظائف أو شغل أحد المناصب القيادية، ولم يكن قد انحاز إلى ثورة 17 فبراير، والتحق بصفوفها بعد قيامها، وآمن بمشروعيتها وأهدافها.
> وما دور المؤتمر الوطني هنا؟
- في حال الموافقة على هذه المبادرة من كل الأطراف، سيتوجب على المؤتمر الوطني العام أن يصدر قانونا بمهام واختصاصات الهيئة التأسيسية بصياغة أو تعديل مشروع دستور دائم للبلاد، يستمد من روح دستور دولة الاستقلال الصادر عام 1951. ولأن المؤتمر الوطني العام هو صاحب الولاية العامة في التشريع، وإلى أن تنتهي الهيئة التأسيسية من إعداد وصياغة مشروع الدستور، وإجراء الاستفتاء الشعبي العام عليه. وبعرض المؤتمر الوطني العام على الشعب الليبي الاستفتاء على شكل نظام الحكم بـ«نعم» أو بـ«لا»، وتحديد خياراته لأحد ثلاثة أو أربعة أنظمة، أو أقل من شكل نظام الحكم، وهي «برلماني رئاسي»، أو «فيدرالي ملكي»، أو «رئاسي برلماني»، أو «فيدرالي جمهوري».
> ربما يرى البعض أنه من الصعب تنفيذ مثل هذه المطالب في دولة يغيب عنها القانون؟
- أولا القانون يُعرف بصفة عامة بأنه مجموعة القواعد التي تنظم الروابط الاجتماعية، وتتوفر على جزاء يكفل إطاعتها واحترامها. ولأن القانون يرتبط ارتباطا حتميا بالروابط والعلاقات التي تقوم بين الأفراد بعضهم بعضا، أو بين الأفراد والمجتمع الذي يضمهم، أو بين المجتمعات بعضها بعضا، فإن تنظيم هذه الروابط وهذه العلاقات لا يتحقق المقصود منه إلا إذا قام على قواعد تسمو على الأشخاص وتحقق في ظلها معاني الحيدة والمساواة والعدل.
> قد يتخوف البعض من أن المبادرة الجديدة ربما تتعارض مع الكيانات السياسية الموجودة حاليا كالبرلمان، وأهداف «ثورة 17 فبراير 2011».
- لا، على الإطلاق. المبادرة، كما قلت، ترتكز في مجملها على مبادئ القانون الدولي وأحكام الفقه الدستوري، مع الاستدلال بالسوابق التاريخية الدولية، لترسم خارطة طريق تستمد قوتها من مبادئ وأهداف ثورة 17 فبراير، ومن أحكام الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي في الثالث من أغسطس (آب) 2011 بتعديلاته الصادرة في 13 مارس (آذار) 2012 والخامس من يوليو (تموز) من العام الماضي، كما أنها تستمد آليات نجاحها من كون المؤتمر الوطني العام هو السلطة الشرعية القائمة التي انتخبها الليبيون لتولي السلطة التشريعية، بشروط وأحكام الإعلان الدستوري في الفترة الباقية من المرحلة الانتقالية.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.