الاهتمام الدولي باقتصاد إيران: «كثير من الضجيج.. قليل من الطحن»

مخاوف النظام المصرفي مستمرة.. وهجوم على إغراءات كيري بـ«اللعب في دائرة الخطر»

إيرانيون يتسوقون في إحدى أسواق العاصمة طهران (رويترز)
إيرانيون يتسوقون في إحدى أسواق العاصمة طهران (رويترز)
TT

الاهتمام الدولي باقتصاد إيران: «كثير من الضجيج.. قليل من الطحن»

إيرانيون يتسوقون في إحدى أسواق العاصمة طهران (رويترز)
إيرانيون يتسوقون في إحدى أسواق العاصمة طهران (رويترز)

رغم مرور أكثر من أربعة أشهر كاملة على الإعلان عن رفع العقوبات الأميركية عن إيران، وفتح الباب واسعًا أمام الشركات العالمية للمضي قدمًا نحو التعامل المالي والاستثماري مع طهران، لا تزال الصورة غائمة إلى حد كبير، ويبدو أن الاهتمام الاقتصادي الدولي بالتعامل مع إيران ينصب بصورة كبيرة على «استطلاع الفرص»، و«حجز الأماكن»، وقد توقف عند مرحلة «جس النبض»، دون التمكن من المرور إلى مرحلة الاستثمارات الكبرى التي طمحت لها طهران طويلًا.. لتستقر الصورة ثابتة عند مشهد «الضجيج بلا طحن».
وطوال الشهور الماضية عقب رفع العقوبات، لم تتوقف المطارات الإيرانية عن استقبال «الزيارات الاستطلاعية»، سواء على مستوى الشركات، أو على المستويات الرسمية.. وخلالها يعلن عن خطط طموحة لاستثمارات واتفاقات تتخطى حاجز المليارات من الدولارات. لكن النتائج الفعلية تبدو أقل حجما من الصورة التي يراد تصديرها، خاصة في ظل تعويق الذراع المالية المصرفية لترسيخ أي تعاون حقيقي بين العواصم الغربية وطهران.
في خلفية المشهد الاقتصادي ما يشي بضعف التعامل الدولي مع إيران حتى الآن، وإذا كانت المعاملات البنكية هي مؤشر مهم على توجه الاستثمارات نحو بلد عاني من قطيعة على غرار إيران، فإن أغلب البنوك ما زالت تتحاشى حتى الآن التعامل مع طهران.
ولعل حديث وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى عدد من المسؤولين التنفيذيين البارزين بالبنوك الأوروبية في العاصمة البريطانية لندن بنهاية الأسبوع الماضي، مستغلا زيارته للمشاركة في قمة مكافحة الفساد، يشير بقوة إلى الخوف الكامن في حركة الاقتصاد العالمي تجاه طهران.
وسعى كيري إلى طمأنة المصارف الأوروبية على وجه الخصوص، قائلا إنه أصبح بإمكانها استئناف الأنشطة التجارية مع إيران، طالما «تحققت من شركائها التجاريين»، وهي بالطبع إشارة ذات مغزى، وتشير إلى تجنب التعامل مع شخصيات ذات صلة بتلك التي تواجه العقوبات الأميركية.
لكن أغلب البنوك لا تزال مترددة، وخصوصا الأوروبية منها، والتي تمثل «القلب النابض» للنظام المصرفي العالمي، إذا اعتبرنا أن عقل ذلك النظام يقع في نيويورك، والأخيرة هي التي يصدر عنها محددات الخطوات التي يجب «اتباعها» أو «حظرها»، إلى جانب الدور الأهم من حيث المرور الإلكتروني - لكل سنت يجري تحويله على مستوى العالم تقريبا - تحت الأعين الفاحصة لما يمكن تسميته بـ«الرقابة المالية الأميركية».
وسبب تردد البنوك الأوروبية هو خشية «الدخول في المحظور»، خصوصًا أن الصورة المؤكدة لدى أغلب اقتصاديي العالم هي أن النظام الإيراني يمارس بصورة واسعة نظام «التعامل من الباطن»، عبر تصدير شخصيات تظهر في الصورة على أنها تمارس الاستثمار، في حين أن المقربين من النظام هم العقول الحقيقية التي تتحكم فيه وتتربح منه. وكشف شبكة تعاملات مستقبلا من هذا النوع، من شأنها أن تسفر عن خسائر جسيمة للبنك؛ حتى وإن كان ضحية وحسن النية.
وسبق أن واجهت بنوك عالمية، على غرار «بي إن بي باريبا» و«ستاندرد تشارترد»، غرامات مالية كبرى بلغت مليارات الدولارات على سبيل التعويضات، حين اخترق بعضها حظر التعامل مع إيران وقت العقوبات.
وعلى ذلك، تتحاشى أغلب البنوك الأوروبية التعامل مع إيران لحين وضوح الصورة بشكل أكبر، خاصة في ظل وجود عدد آخر من العقوبات الاقتصادية الواقعة على إيران، والتي تحظر جوانب من التعاملات المالية.. وهي العقوبات التي لا تزال تمنع من جهة أخرى النظام المالي الأميركي من الانفتاح الدولاري المباشر على طهران. وبالتالي، فإن الربط المصرفي يصبح غاية في الصعوبة بين الطرفين الأهم في هذه المعادلة؛ إيران والعالم الغربي.
واتصالًا بذلك، عبر «دويتشه بنك» الأسبوع الماضي عن تلك المخاوف صراحة، قائلا في بيان له إن «بعض العقوبات التي فرضت (من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) على إيران لا تزال قائمة.. وكذلك بعض من القيود الإضافية غير المتصلة بالعقوبات»، مؤكدا في ختام البيان «دون مواربة»: «وعليه، يواصل دويتشه بنك بشكل عام الحد من أعماله المتصلة بإيران».
ولا تزال إيران تهاجم الولايات المتحدة علانية على فترات، متهمة واشنطن بأنها تقف خلف تعويق عودة الاستثمارات إلى طهران. وبالأمس، أكد نائب وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي أن المصارف الأوروبية الكبرى لا تزال تتردد أمام التعامل مع إيران بعد أربعة أشهر على بدء تطبيق الاتفاق النووي.
وقال عراقجي، وهو أحد المفاوضين الرئيسيين الإيرانيين في الملف النووي، إن «المصارف الأوروبية الكبرى لم تبدأ العمل مع المصارف الإيرانية، إلا أن مؤسسات متوسطة وصغيرة أقامت علاقات، خصوصا فتح خطابات اعتماد»، حسب ما نقل عنه التلفزيون الرسمي. وانتقد عراقجي «جهات الضغط الأميركية المتطرفة والنظام الصهيوني وبعض الدول بتشجيع النزعة المعادية لإيران، من أجل الحيلولة دون استفادة إيران من ثمار الاتفاق النووي»، متابعا أن إيران «مارست ضغوطًا» على الولايات المتحدة والدول الأوروبية لتسوية هذه المسألة.
ويرى كثير من المراقبين أن إيران تمارس على واشنطن ضغوطًا ابتزازية، على غرار ذات النوع الذي مارسته إسرائيل طويلا على ألمانيا، استغلالا لقضية «الهولوكوست». خصوصا أن الإدارة الأميركية كانت المحرك الرئيس خلف قرار رفع العقوبات، وهو ما يحملها بالتبعية مهمة إثبات صحة موقفها وقرارها، وتبييض وجه إيران.
ورغم سعي كيري للتخفيف من حدة المواقف، مع التشكيك القوي من كثير من البنوك الأوروبية في جدية استئناف الدعم الغربي للشركات التي تتعامل مع إيران، فإن ذلك الخطاب الأميركي «المزدوج» حصل على رد غاية في الحدة من شخصية ذات قيمة بارزة وتاريخ قوي في المجالين؛ المصرفي والسياسي.
وقبل يومين، أوضح ستيورات ليفي، كبير المستشارين في بنك «إتش إس بي سي»، في مقال رأي بصحيفة «وول ستريت جورنال» أن إيران تريد من واشنطن إقناع البنوك «غير الأميركية»، خاصة الأوروبية، بأن ممارسة الأعمال التجارية المتصلة بإيران «أصبحت قانونية»، بل وأيضا من شانها أن تشجع إيران على الالتزام باتفاقية رفع العقوبات، والتزاماتها النووية.
وقال ليفي إنه «من المفارقات أن كثيرًا من هذه المؤسسات المالية اجتمعت قبل ما يقرب من 10 أعوام مع وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون، وناقشت المواضيع المصرفية الإيرانية، ولكن بهدف حماية سلامة النظام المالي العالمي ضد الخطر الذي تشكله إيران»، وأنه خلال تلك الأعوام وما تلاها، أطلع المسؤولون الأميركيون البنوك العالمية الكبيرة على نشاطات إيران غير القانونية، سواء في مجال الإرهاب، أو غسل الأموال.
وأظهر ليفي معارضته واندهاشه لتوجهات أميركا الحالية، بما فيها دعوات كيري، قائلا إن «أميركا تطالب البنوك غير الأميركية القيام بما تعتبره غير قانوني للبنوك الأميركية»، متابعا أن الدول الغربية بإمكانها رفع العقوبات عن إيران، لكن في النهاية عندما تحدث مشكلات بشأن غسل الأموال أو الأنشطة المالية المتعلقة بدعم الإرهاب، على القطاع الخاص الإجابة عن ذلك، والقطاع الخاص هو يتحمل مسؤولية تقييم تلك المخاطر.



العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.


«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».