الإفراج عن تقرير «لجنة شيلكوت» البريطانية بشأن حرب العراق

التحقيقات استغرقت 7 سنوات.. والخلافات حول قدر المعلومات السرية التي يمكن نشرها سبب تأخيره

الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش يقلد رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وسام الحرية الرئاسي في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض في واشنطن  يناير 2009 (غيتي)
الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش يقلد رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وسام الحرية الرئاسي في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض في واشنطن يناير 2009 (غيتي)
TT

الإفراج عن تقرير «لجنة شيلكوت» البريطانية بشأن حرب العراق

الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش يقلد رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وسام الحرية الرئاسي في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض في واشنطن  يناير 2009 (غيتي)
الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش يقلد رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وسام الحرية الرئاسي في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض في واشنطن يناير 2009 (غيتي)

يتم الإفراج أخيرا عن تقرير لجنة شيلكوت البريطانية الخاصة بتحقيقات حرب العراق في السادس من يوليو (تموز) المقبل. والقول إنه من التقارير التي طال فعلا انتظارها سيكون بخسا وتحقيرا من شأن التقرير المهم للغاية. والتحقيقات التي اتخذت اسمها من اسم رئيس اللجنة، السير جون شيلكوت، كانت قد بدأت في عام 2009 للتحقيق في دور المملكة المتحدة في حرب العراق.
وعلى الرغم من بدء التحقيقات قبل 7 سنوات وآخر جلسات الاستماع المعنية بذات القضية كانت في عام 2011. فإن نشر تقرير اللجنة قد تأخر مرارا وتكرارا في جزء كبير منه؛ بسبب الخلافات حول قدر المعلومات السرية التي يمكن الإفراج عنها، ومن جانب الإنصاف، يبدو مؤكدا أن التقرير سوف يكون شاملا.
وفي خطاب أرسله السير شيلكوت إلى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يعلن فيه عن ميعاد نشر التقرير، وكشف في خطابه أنه بلغ 2.6 مليون كلمة إجمالا. وللقيمة المرجعية، فإن هذا الرقم المذكور يساوي ضعف عدد الكلمات التي تحويها سلسلة روايات هاري بوتر كاملة وثلاثة أضعاف عدد الكلمات الواردة في إنجيل الملك جيمس.
غير أن هذه الحقيقة من غير المرجح أن تسبب هدوءا لدى النقاد؛ حيث تحتل حرب العراق مكانا جدليا مميزا في التاريخ البريطاني الحديث، وربما بأكثر مما تحتله الحرب نفسها في الولايات المتحدة الأميركية. ويتساءل الكثيرون ما إذا كانت الـ15 مليون دولار التي أنفقت في إجراء التحقيقات وإعداد التقرير سوف تسفر حقا عن أي عمل حقيقي وملموس.
كانت بريطانيا الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في غزوها للعراق عام 2003، وهي الحقيقة التي أكسبت، في وقت لاحق، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير لقب «كلب بوش الأمين». ولقد كانت تكاليف الحرب باهظة للغاية بالنسبة للمملكة المتحدة؛ حيث لقي 179 جنديا بريطانيا مصرعهم خلال الصراع الذي دام بين عامي 2003 و2011، كما تعرض الكثيرون للإصابات المختلفة. وفي السنوات الأخيرة، يبدو أن هناك حالة من الإجماع المتزايد داخل بريطانيا أن تلك الحرب كانت من القرارات الخاطئة. ولقد أعلن جيريمي كوربين، زعيم حزب العمال المعارض، أنه يود «الاعتذار للشعب العراقي للمعاناة الرهيبة التي ساعد البريطانيون في حدوثها» إذا ما تم انتخابه رئيسا لوزراء البلاد. ولقد أشار إلى احتمال أن يواجه بلير المحاكمة جراء الحرب غير المشروعة التي خاضها.
وإنه لبيان جريء، ولكن يبدو أن الكثيرين يؤيدون وجهة نظر كوربين حول تلك المسألة. وفي أحد استطلاعات الرأي التي جرت عام 2013، اعتقدت نسبة 53 في المائة ممن شملهم الاستطلاع أن تلك الحرب كانت خاطئة، بينما اعتقدت نسبة 27 في المائة منهم أن الحرب كانت قرارا صحيحا، واعتقدت نسبة 48 في المائة من المواطنين أن بلير قد تعمد تضليل الرأي العام البريطاني حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، وأفادت نسبة 22 في المائة أن رئيس الوزراء السابق ينبغي أن يحاكم بوصفه مجرم حرب. (وتظهر استطلاعات الرأي الأخرى أن كثيرًا من المواطنين البريطانيين كانوا يبالغون في حجم المعارضة للحرب في ذلك الوقت، حتى نكون منصفين).
وكان التأخير المطول في إصدار تقرير لجنة شيلكوت قد أضاف زخما كبيرا إلى أجواء الشك والريبة وتبادل الاتهامات حول حرب العراق. ولكن الآن من الصعب القول ما إذا كانت التحقيقات التي طال انتظارها سوف تساعد في إنهاء حالة الجدل التي تحيط بمشاركة بريطانيا في الحرب، أو ربما تزيد من حدة الجدال الدائر حول تلك الحرب.
في حين إن كانت هناك تحقيقات بريطانية سابقة في الحرب على العراق، فإن لجنة شيلكوت، والمعروفة رسميا باسم لجنة التحقيقات العراقية، قد صُممت لأن تكون أكبر وأشمل مراجعة رسمية للمشاركة البريطانية في الحرب على العراق. ولقد كُلف السير جون شيلكوت برئاسة اللجنة التي تضم خمسة من الأعضاء والمعنية بالتدقيق في الأحداث الجارية في الفترة بين عام 2001 و2009 بهدف الوقوف على «الدروس التي ينبغي الاستفادة منها» من تلك الحرب.
بعد عدد من الخطط المبدئية للإبقاء على سرية التحقيقات، أعلن السير شيلكوت أن التحقيقات سوف تتم علانية «حيثما كان ذلك ممكنا». ومُنحت هيئة اللجنة الحق في استدعاء أي مواطن بريطاني للإدلاء بشهادته، على الرغم من عدك إمكانية إجبار الرعايا الأجانب في بريطانيا على القيام بالمثل. ولقد قال السير شيلكوت بنفسه أنه على الرغم من أن التحقيقات لا ترقى لمستوى المحاكمة القضائية ولا يمكنها توجيه اللائمة بحق أي إنسان، فإن اللجنة لن تخجل من توجيه الانتقادات اللازمة.
عقدت جلسات الاستماع العلنية في الفترة بين شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2009 وفبراير (شباط) عام 2011. واشتملت قائمة الشهود على مسؤولين في الاستخبارات البريطانية، والدبلوماسيين، والضباط العسكريين، والمسؤولين السياسيين. ولقد استدعي السيد بلير، الذي استقال من منصبه كرئيس لوزراء البلاد في عام 2007، للشهادة أمام اللجنة مرتين (على الرغم من صيحات المارة التي وصمته بالقاتل خارج مبنى التحقيقات، فإنه بدا واثقا بنفسه بشكل ملحوظ، وأخبر اللجنة أنه ليس لديه ما يندم عليه حول إسقاط صدام حسين ونظام حكمه). وإجمالا، استدعت اللجنة أكثر من 150 شاهدا واستعرضت أكثر من 150 ألف وثيقة، بتكلفة إجمالية بلغت 15 مليون دولار.
في عام 2009 عندما بدأت التحقيقات، كان من المتوقع على نطاق واسع أن يتم نشرها نتائج التحقيقات في عام 2011 أو 2012، ولكن الأمر لم يكن كذلك. وإحدى المشكلات الواضحة في تأخير نشر التقرير كانت أن إنتاج وثيقة تضم 2.6 مليون كلمة من المهام الصعبة، وأن القليل من الناس كانوا يعلمون بحجم العمل المطلوب من لجنة التحقيق في بداية الأمر، وفقا لصحيفة «لندن تايمز»، وقيل إن المسودة الأولى لتقرير اللجنة كانت مليئة بالأخطاء. وكانت هناك مشكلة أخرى مؤسفة وغير متوقعة، وهي وفاة السير مارتن جيلبرت، وهو أحد المؤرخين الذين عملوا في اللجنة، الذي أصابه المرض وتوفي في عام 2015.

*خدمة {واشنطن بوست} خاص بـ {الشرق الأوسط}



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.