وزير مكافحة الفساد التونسي لـ«الشرق الأوسط»: سنحاكم المتورطين في «وثائق بنما»

العيادي: نضغط دوليًا لاسترجاع الأموال المهربة للخارج.. والمواطنون شركاء في محاربة الفاسدين

كمال العيادي
كمال العيادي
TT

وزير مكافحة الفساد التونسي لـ«الشرق الأوسط»: سنحاكم المتورطين في «وثائق بنما»

كمال العيادي
كمال العيادي

قال كمال العيادي وزير الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد التونسي إن تونس تأتي في مقدمة البلدان التي تخوض حربًا على الفساد، وإن هذه الحرب تعتمد على إرساء ترسانة قوانين رقابية ورادعة للموظفين الفاسدين، كما تعتمد على تغيير عقلية الموظف وسلوكه ليحافظ على المال العام ويحسن التصرّف فيه، وإن المواطنين ومنظمات المجتمع المدني يشاركون بفعالية في هذه الحرب، وإنّ وزارته بصدد إعداد قانون لحماية الأشخاص الذين يقومون بالتبليغ عن شبهات الفساد في الإدارات العمومية.
وأكد كمال العيادي في حوار لـ«الشرق الأوسط» أنه سيتم إلغاء نتائج أي مناظرة انتداب تتعلق بها شبهة فساد ومنع الشركات العمومية، التي يتورط المسؤولون عنها في شبهات فساد من المشاركة في الصفقات العمومية. وفيما يلي نص الحوار:
* ما مدى انتشار ظاهرة الفساد في تونس وتفشي ظواهر كثيرة (مثل الرشوة واختلاس الأموال والتهرب من دفع الجباية واستغلال النفوذ وإساءة التصرف في المال العام) وما مدى خطورة ذلك على الاقتصاد الوطني؟ وما استراتيجيتكم لمقاومة الفساد والحد منه على الأقل؟
- مهما كانت درجة انتشار ظاهرة الفساد في تونس فإنها تمثل خطرًا كبيرًا على الاقتصاد الوطني، وتضرب منظومة الأخلاق ومبدأ المساواة، وبالتالي تؤثر على روح المبادرة الاقتصادية وتقلّص بدرجة كبيرة من الاستثمارات، وخصوصًا منها تلك المتسمة بالتجديد، ويكون تأثيرها أكبر على الشباب الذي هو عماد المستقبل في تونس.
وحسب عدد من المؤشرات في المجال، تحتل تونس مرتبة متقدّمة في تصنيف الدول التي تحارب الفساد، ونعمل منذ تولي وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد على تلافي هذا الوضع من خلال تكريس عدد من المبادئ على أرض الواقع. أول هذه المبادئ، وأهمّها في نظرنا، هو إقحام المواطن في الحرب على الفساد، إذ إن جهود المؤسّسات الرسمية في مكافحة الفساد لا تؤتي ثمارها إذا لم يكن للمواطن والمجتمع المدني الدور الأبرز في هذا المجهود. ولتجاوز الخطابات الرنانة والعبارات الإنشائية في الموضوع، اتخذنا عددًا من القرارات المباشرة نذكر منها على سبيل المثال تشريك منظمات المجتمع المدني في تركيبة لجان مناظرات الانتداب بالوظيفة العمومية، وإلغاء كل مناظرة تعلقت بها شبهات فساد جدية، كما أتممنا إعداد نصّ قانوني يقضي بإقصاء من تعلقت بهم قضايا فساد من المشاركة في الصفقات العمومية. كما ينصبّ عملنا على تطوير المنظومة القانونية للتصريح بالمكاسب وتقنين مسألة تضارب المصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع، بالإضافة إلى إرساء منظومة متكاملة للتبليغ عن حالات الفساد.
* بالإضافة إلى وزارتكم، هناك عدة هيئات ولجان ومنظمات لها التوجه والأهداف نفسها. أليس في هذا تشتيت للجهود، وهل هناك تنسيق بين هذه الأطراف؟
- بحكم خطورة الفساد على حاضر تونس ومستقبلها، وبالنظر إلى الأحكام الدستورية التي لها علاقة بالفساد وإلى التزامات الجمهورية التونسية إزاء الاتفاقيات الدولية والإقليمية، وإزاء شركائها في مجال إرساء دعائم الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، فإنه من المؤكّد أن الوضع يتطلب مشاركة الجميع في الحرب على الفساد، ما دام هناك وضوح لأدوار مختلف الأطراف وتنسيق في العمل لضمان الفعالية والجدية، وهو ما تضمنته خطة عمل الوزارة في النقطة المتعلقة بتركيبة وأساليب عمل المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترجاع الأموال المنهوبة، الذي يمثل الإطار الأمثل لتنسيق الجهود وتبادل المعلومات والخبرات. كما ستعتمد وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد آليات للتواصل مع مختلف الأطراف التي لها علاقة بمكافحة الفساد وتنسيق جهودها.
* موضوع التبليغ عن الفساد من قبل الموظفين أو المواطنين يحتاج إلى تنظيم وتشجيع وحماية باعتباره واجبًا وطنيًا ومساعدًا على محاربة الفساد. هل فكرتم في ذلك؟
- يعتبر التبليغ عن الفساد إحدى الآليات المهمّة لإقحام المواطن في الحرب على الفساد وترتكز مقاربتنا على محورين متكاملين: يتعلق المحور الأول بتوفير تطبيقة إلكترونية لتسهيل تواصل المواطن مع الإدارة، ومن المكونات الأبرز لهذه التطبيقة فضاء للتبليغ عن شبهات الفساد. وبما أنّ هذه الآلية لا تكفي وحدها للتعاطي الجدّي والمسؤول مع البلاغات التي سترد على السلط الإدارية، فإنّنا بصدد العمل على وضع الإجراءات الداخلية المناسبة، التي من شأنها ضمان أقصى قدر ممكن من النجاعة في التعامل مع البلاغات الواردة على الوزارة.
كما انتهينا من إعداد مشروع قانون لحماية المبلغين عن الفساد في القطاع العام. وتمّ عرض هذا المشروع على شركائنا من جهات رسمية وأكاديميّين وعدد من منظمات المجتمع المدني، ونحن الآن بصدد دراسة مقترحاتهم وملاحظاتهم لإعداد صيغة جديدة تكون موضوع استشارة عمومية موسّعة لنضمن مساندة وانخراطًا أكبر في منظومة التبليغ.
* كيف ستتصرفون إزاء المفسدين الذين يمكن أن يكشف عنهم في إطار ما يعرف بوثائق بنما ويثبت تورطهم؟
- إنّ تولينا لوزارة تعنى بالحوكمة ومكافحة الفساد يحتّم علينا تكريس المبادئ المتفق عليها للحوكمة واحترامها احترامًا كليًا. ولعله من المفيد هنا التذكير بأنّ مبدأ علوية القانون هو دعامة كبرى ومبدأ أساسي للحوكمة. ويفترض هذا المبدأ احترام الحقوق الأساسية للأفراد ومن هذه الحقوق تمتّع الأشخاص بقرينة البراءة، حتى تثبت إدانتهم. كما أن هذا المبدأ يحتم احترام استقلالية القضاء، وهو ما نحن ملتزمون به، إذ إن القضاء قد تعهّد بالمسألة وسيكون تعاطينا مع هذه المسألة كالآتي: إذا ما تمّت إدانة شخص ما بمناسبة البحث في هذا الموضوع، وكان لهذا الشخص نفوذ في مؤسّسة اقتصادية، فإنّ هذه المؤسسة تمنع من المشاركة في الصفقات العمومية، إذ لم يكن له نفوذ في مؤسسة لها علاقة بالصفقات فإن القضاء مخول له اتخاذ العقوبات التي يراها مناسبة تجاه من تثبت إدانته.
* هناك 800 ملف فساد مالي بعشرات المليارات هي الآن معروضة على القطب القضائي المالي الذي يضم 8 قضاة فقط. هذا غير كافٍ ويتطلب سنوات طويلة من العمل والمتابعة. هل أنتم واعون بذلك؟ وهل تنسقون مع وزارة العدل لتجاوز هذا المشكل؟
- تحتاج عمليات البحث والتقصّي في ملفات الفساد المالي إلى تطوير مستمرّ للمهارات نظرًا لتعقّد عمليات الفساد المالي وتشعّبها وتعدد مسالك تبييض عائداتها. ونحن نسعى إلى تشريك أكبر عدد ممكن من القضاة في الدورات التكوينية المناسبة، التي تتاح لنا فرصة المشاركة فيها في إطار التعاون الدولي. كما أسدينا تعليماتنا إلى الأجهزة الرقابية التابعة للوزارة بتسهيل عمل السلطة القضائية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومدّهما بما يطلبانه من معطيات ووثائق، وكذلك خبرات، في إطار أعمال التحقيق في ملفات الفساد.كما تسعى الحكومة حاليًا لتعزيز إمكانيات القطب القضائي ليكون في وضعية تتماشى والأدوار التي بعهدته.
* هل ستتابعون مسألة استرجاع الأموال المهربة إلى الخارج؟ وهل تعتقدون أن ذلك ممكن؟
- نعم، يحظى هذا الموضوع بقدر كبير من اهتمامنا، وسنباشر في القريب العاجل عملية النظر في مدى ملاءمة التشريع والإجراءات والسياسات الوطنية لمقتضيات الفصلين الثاني والخامس من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ويتعلق الفصل الخامس من هذه الاتفاقية بمسألة استرداد الموجودات. وسنحاول ممارسة مزيد من الضغط على عدد من الدول والمنظمات الدولية لمساعدتنا على تعقب الأملاك المهربة واسترجاعها. كما تعمل الحكومة حاليًا على وضع إطار قانوني جديد لتفعيل استرجاع الأموال المهربة.
* واضح أن ملف الفساد ملف ثقيل ومتشعب ويتطلب آليات وخططًا وإرادة قوية لردع المخالفين ووقف النزف. ألا تخشى أن تغادر هذه الوزارة يومًا ما دون أن تكون قد حققت نتائج مهمة على درب الحد من الفساد؟
- أنا أسعى لوضع تجربتي وخبرتي في مجال مكافحة الفساد في خدمة بلدي ونحن مقتنعون بإمكانية تغيير الأمور نحو الأفضل، وهو ما نسعى إليه كل يوم بمساندة من الفريق الحكومي ونواب الشعب وعدد من منظمات المجتمع المدني.
ونحن مدركون أنّ التحدّيات كبيرة، وأنّ النجاح لا يكون إلاّ بالعمل الدؤوب والصادق في ظل وجود إرادة سياسية لمكافحة الفساد. علما بأن الفساد موجود في تونس كما في غيرها من البلدان حتى التي حققت نجاحًا في مكافحته، ولكن المهم هو بذل الجهد للتقليص من الفساد والحد من انتشاره، وأؤكد لكم أنّنا بدأنا في تحقيق بعض النجاحات.
* هل ستكتفون بالقوانين للحرب على الفساد أو هنالك برنامج ثقافية تزرع الفضيلة وتنهى عن الفساد بجميع أشكاله لتجنب الإضرار بالبلاد واقتصادها؟
- نبذل جهدًا كبيرًا للتسويق لميثاق سلوك وأخلاقيات العون العمومي مع العمل على إرساء مواثيق سلوك قطاعية، كما نحاول إرساء ثقافة الترشح للمناصب العليا، وقد بدأنا بالفعل في ذلك من خلال فتح باب الترشح لخطة المدير العام للمصالح الإدارية والوظيفة العمومية. كما أن مسألة التصريح بالمكاسب لعدد من المسؤولين السياسيين والإداريين تدخل في هذا الباب ونقوم الآن بإعداد مشروع نص قانوني مناسب.
ويتمثل المستوى الثاني في تشريك المواطن في الحرب ضد الفساد، أما المستوى الثالث، فإننا نقوم الآن باستكشاف سبله مع وزارتي التربية والثقافة أساسًا، ويتعلق بتعزيز روح المواطنة والمسؤولية والنزاهة لدى الناشئة، وهو ما سيمكّن من إعداد جيل جديد متشبع بمقومات النزاهة. ويضاف إلى كل هذا دور منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في مرافقة عملية تغيير السلوك والعقليات.
* هل من برنامج يركز على إصلاح الإدارة التونسية لتكون إدارة محايدة وشفافة ونزيهة؟
- تشهد الإدارة التونسية، الآن عمليتي إصلاح جذريتين، تتمثلان في تحديث التصرف المالي من خلال مشروع القانون الأساسي للميزانية المعروض على مجلس نواب الشعب، الذي سيغير مقاربة التصرف من مقاربة مبنية على استهلاك الميزانية المالية المقررة إلى مقاربة مبنية على النجاعة، وكذلك تحديث التصرف في الموارد البشرية من خلال مراجعة النظام الأساسي العام لأعوان الوظيفة العمومية.
وسنشرع في مراجعة وتعديل الإجراءات بالإدارات العمومية وتعميمها مع التركيز في مرحلة أولى على الإجراءات ذات العلاقة المباشرة بالخدمات المقدّمة للعموم. وجدير بالذكر أن هذه الإصلاحات تتمّ بطريقة منفتحة وتشاركية، وتحتاج إلى بعض الوقت لتعطي ثمارها، إلا أننا مقرون العزم على استكمالها في أحسن الآجال.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.