وزير مكافحة الفساد التونسي لـ«الشرق الأوسط»: سنحاكم المتورطين في «وثائق بنما»

العيادي: نضغط دوليًا لاسترجاع الأموال المهربة للخارج.. والمواطنون شركاء في محاربة الفاسدين

كمال العيادي
كمال العيادي
TT

وزير مكافحة الفساد التونسي لـ«الشرق الأوسط»: سنحاكم المتورطين في «وثائق بنما»

كمال العيادي
كمال العيادي

قال كمال العيادي وزير الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد التونسي إن تونس تأتي في مقدمة البلدان التي تخوض حربًا على الفساد، وإن هذه الحرب تعتمد على إرساء ترسانة قوانين رقابية ورادعة للموظفين الفاسدين، كما تعتمد على تغيير عقلية الموظف وسلوكه ليحافظ على المال العام ويحسن التصرّف فيه، وإن المواطنين ومنظمات المجتمع المدني يشاركون بفعالية في هذه الحرب، وإنّ وزارته بصدد إعداد قانون لحماية الأشخاص الذين يقومون بالتبليغ عن شبهات الفساد في الإدارات العمومية.
وأكد كمال العيادي في حوار لـ«الشرق الأوسط» أنه سيتم إلغاء نتائج أي مناظرة انتداب تتعلق بها شبهة فساد ومنع الشركات العمومية، التي يتورط المسؤولون عنها في شبهات فساد من المشاركة في الصفقات العمومية. وفيما يلي نص الحوار:
* ما مدى انتشار ظاهرة الفساد في تونس وتفشي ظواهر كثيرة (مثل الرشوة واختلاس الأموال والتهرب من دفع الجباية واستغلال النفوذ وإساءة التصرف في المال العام) وما مدى خطورة ذلك على الاقتصاد الوطني؟ وما استراتيجيتكم لمقاومة الفساد والحد منه على الأقل؟
- مهما كانت درجة انتشار ظاهرة الفساد في تونس فإنها تمثل خطرًا كبيرًا على الاقتصاد الوطني، وتضرب منظومة الأخلاق ومبدأ المساواة، وبالتالي تؤثر على روح المبادرة الاقتصادية وتقلّص بدرجة كبيرة من الاستثمارات، وخصوصًا منها تلك المتسمة بالتجديد، ويكون تأثيرها أكبر على الشباب الذي هو عماد المستقبل في تونس.
وحسب عدد من المؤشرات في المجال، تحتل تونس مرتبة متقدّمة في تصنيف الدول التي تحارب الفساد، ونعمل منذ تولي وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد على تلافي هذا الوضع من خلال تكريس عدد من المبادئ على أرض الواقع. أول هذه المبادئ، وأهمّها في نظرنا، هو إقحام المواطن في الحرب على الفساد، إذ إن جهود المؤسّسات الرسمية في مكافحة الفساد لا تؤتي ثمارها إذا لم يكن للمواطن والمجتمع المدني الدور الأبرز في هذا المجهود. ولتجاوز الخطابات الرنانة والعبارات الإنشائية في الموضوع، اتخذنا عددًا من القرارات المباشرة نذكر منها على سبيل المثال تشريك منظمات المجتمع المدني في تركيبة لجان مناظرات الانتداب بالوظيفة العمومية، وإلغاء كل مناظرة تعلقت بها شبهات فساد جدية، كما أتممنا إعداد نصّ قانوني يقضي بإقصاء من تعلقت بهم قضايا فساد من المشاركة في الصفقات العمومية. كما ينصبّ عملنا على تطوير المنظومة القانونية للتصريح بالمكاسب وتقنين مسألة تضارب المصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع، بالإضافة إلى إرساء منظومة متكاملة للتبليغ عن حالات الفساد.
* بالإضافة إلى وزارتكم، هناك عدة هيئات ولجان ومنظمات لها التوجه والأهداف نفسها. أليس في هذا تشتيت للجهود، وهل هناك تنسيق بين هذه الأطراف؟
- بحكم خطورة الفساد على حاضر تونس ومستقبلها، وبالنظر إلى الأحكام الدستورية التي لها علاقة بالفساد وإلى التزامات الجمهورية التونسية إزاء الاتفاقيات الدولية والإقليمية، وإزاء شركائها في مجال إرساء دعائم الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، فإنه من المؤكّد أن الوضع يتطلب مشاركة الجميع في الحرب على الفساد، ما دام هناك وضوح لأدوار مختلف الأطراف وتنسيق في العمل لضمان الفعالية والجدية، وهو ما تضمنته خطة عمل الوزارة في النقطة المتعلقة بتركيبة وأساليب عمل المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترجاع الأموال المنهوبة، الذي يمثل الإطار الأمثل لتنسيق الجهود وتبادل المعلومات والخبرات. كما ستعتمد وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد آليات للتواصل مع مختلف الأطراف التي لها علاقة بمكافحة الفساد وتنسيق جهودها.
* موضوع التبليغ عن الفساد من قبل الموظفين أو المواطنين يحتاج إلى تنظيم وتشجيع وحماية باعتباره واجبًا وطنيًا ومساعدًا على محاربة الفساد. هل فكرتم في ذلك؟
- يعتبر التبليغ عن الفساد إحدى الآليات المهمّة لإقحام المواطن في الحرب على الفساد وترتكز مقاربتنا على محورين متكاملين: يتعلق المحور الأول بتوفير تطبيقة إلكترونية لتسهيل تواصل المواطن مع الإدارة، ومن المكونات الأبرز لهذه التطبيقة فضاء للتبليغ عن شبهات الفساد. وبما أنّ هذه الآلية لا تكفي وحدها للتعاطي الجدّي والمسؤول مع البلاغات التي سترد على السلط الإدارية، فإنّنا بصدد العمل على وضع الإجراءات الداخلية المناسبة، التي من شأنها ضمان أقصى قدر ممكن من النجاعة في التعامل مع البلاغات الواردة على الوزارة.
كما انتهينا من إعداد مشروع قانون لحماية المبلغين عن الفساد في القطاع العام. وتمّ عرض هذا المشروع على شركائنا من جهات رسمية وأكاديميّين وعدد من منظمات المجتمع المدني، ونحن الآن بصدد دراسة مقترحاتهم وملاحظاتهم لإعداد صيغة جديدة تكون موضوع استشارة عمومية موسّعة لنضمن مساندة وانخراطًا أكبر في منظومة التبليغ.
* كيف ستتصرفون إزاء المفسدين الذين يمكن أن يكشف عنهم في إطار ما يعرف بوثائق بنما ويثبت تورطهم؟
- إنّ تولينا لوزارة تعنى بالحوكمة ومكافحة الفساد يحتّم علينا تكريس المبادئ المتفق عليها للحوكمة واحترامها احترامًا كليًا. ولعله من المفيد هنا التذكير بأنّ مبدأ علوية القانون هو دعامة كبرى ومبدأ أساسي للحوكمة. ويفترض هذا المبدأ احترام الحقوق الأساسية للأفراد ومن هذه الحقوق تمتّع الأشخاص بقرينة البراءة، حتى تثبت إدانتهم. كما أن هذا المبدأ يحتم احترام استقلالية القضاء، وهو ما نحن ملتزمون به، إذ إن القضاء قد تعهّد بالمسألة وسيكون تعاطينا مع هذه المسألة كالآتي: إذا ما تمّت إدانة شخص ما بمناسبة البحث في هذا الموضوع، وكان لهذا الشخص نفوذ في مؤسّسة اقتصادية، فإنّ هذه المؤسسة تمنع من المشاركة في الصفقات العمومية، إذ لم يكن له نفوذ في مؤسسة لها علاقة بالصفقات فإن القضاء مخول له اتخاذ العقوبات التي يراها مناسبة تجاه من تثبت إدانته.
* هناك 800 ملف فساد مالي بعشرات المليارات هي الآن معروضة على القطب القضائي المالي الذي يضم 8 قضاة فقط. هذا غير كافٍ ويتطلب سنوات طويلة من العمل والمتابعة. هل أنتم واعون بذلك؟ وهل تنسقون مع وزارة العدل لتجاوز هذا المشكل؟
- تحتاج عمليات البحث والتقصّي في ملفات الفساد المالي إلى تطوير مستمرّ للمهارات نظرًا لتعقّد عمليات الفساد المالي وتشعّبها وتعدد مسالك تبييض عائداتها. ونحن نسعى إلى تشريك أكبر عدد ممكن من القضاة في الدورات التكوينية المناسبة، التي تتاح لنا فرصة المشاركة فيها في إطار التعاون الدولي. كما أسدينا تعليماتنا إلى الأجهزة الرقابية التابعة للوزارة بتسهيل عمل السلطة القضائية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومدّهما بما يطلبانه من معطيات ووثائق، وكذلك خبرات، في إطار أعمال التحقيق في ملفات الفساد.كما تسعى الحكومة حاليًا لتعزيز إمكانيات القطب القضائي ليكون في وضعية تتماشى والأدوار التي بعهدته.
* هل ستتابعون مسألة استرجاع الأموال المهربة إلى الخارج؟ وهل تعتقدون أن ذلك ممكن؟
- نعم، يحظى هذا الموضوع بقدر كبير من اهتمامنا، وسنباشر في القريب العاجل عملية النظر في مدى ملاءمة التشريع والإجراءات والسياسات الوطنية لمقتضيات الفصلين الثاني والخامس من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ويتعلق الفصل الخامس من هذه الاتفاقية بمسألة استرداد الموجودات. وسنحاول ممارسة مزيد من الضغط على عدد من الدول والمنظمات الدولية لمساعدتنا على تعقب الأملاك المهربة واسترجاعها. كما تعمل الحكومة حاليًا على وضع إطار قانوني جديد لتفعيل استرجاع الأموال المهربة.
* واضح أن ملف الفساد ملف ثقيل ومتشعب ويتطلب آليات وخططًا وإرادة قوية لردع المخالفين ووقف النزف. ألا تخشى أن تغادر هذه الوزارة يومًا ما دون أن تكون قد حققت نتائج مهمة على درب الحد من الفساد؟
- أنا أسعى لوضع تجربتي وخبرتي في مجال مكافحة الفساد في خدمة بلدي ونحن مقتنعون بإمكانية تغيير الأمور نحو الأفضل، وهو ما نسعى إليه كل يوم بمساندة من الفريق الحكومي ونواب الشعب وعدد من منظمات المجتمع المدني.
ونحن مدركون أنّ التحدّيات كبيرة، وأنّ النجاح لا يكون إلاّ بالعمل الدؤوب والصادق في ظل وجود إرادة سياسية لمكافحة الفساد. علما بأن الفساد موجود في تونس كما في غيرها من البلدان حتى التي حققت نجاحًا في مكافحته، ولكن المهم هو بذل الجهد للتقليص من الفساد والحد من انتشاره، وأؤكد لكم أنّنا بدأنا في تحقيق بعض النجاحات.
* هل ستكتفون بالقوانين للحرب على الفساد أو هنالك برنامج ثقافية تزرع الفضيلة وتنهى عن الفساد بجميع أشكاله لتجنب الإضرار بالبلاد واقتصادها؟
- نبذل جهدًا كبيرًا للتسويق لميثاق سلوك وأخلاقيات العون العمومي مع العمل على إرساء مواثيق سلوك قطاعية، كما نحاول إرساء ثقافة الترشح للمناصب العليا، وقد بدأنا بالفعل في ذلك من خلال فتح باب الترشح لخطة المدير العام للمصالح الإدارية والوظيفة العمومية. كما أن مسألة التصريح بالمكاسب لعدد من المسؤولين السياسيين والإداريين تدخل في هذا الباب ونقوم الآن بإعداد مشروع نص قانوني مناسب.
ويتمثل المستوى الثاني في تشريك المواطن في الحرب ضد الفساد، أما المستوى الثالث، فإننا نقوم الآن باستكشاف سبله مع وزارتي التربية والثقافة أساسًا، ويتعلق بتعزيز روح المواطنة والمسؤولية والنزاهة لدى الناشئة، وهو ما سيمكّن من إعداد جيل جديد متشبع بمقومات النزاهة. ويضاف إلى كل هذا دور منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في مرافقة عملية تغيير السلوك والعقليات.
* هل من برنامج يركز على إصلاح الإدارة التونسية لتكون إدارة محايدة وشفافة ونزيهة؟
- تشهد الإدارة التونسية، الآن عمليتي إصلاح جذريتين، تتمثلان في تحديث التصرف المالي من خلال مشروع القانون الأساسي للميزانية المعروض على مجلس نواب الشعب، الذي سيغير مقاربة التصرف من مقاربة مبنية على استهلاك الميزانية المالية المقررة إلى مقاربة مبنية على النجاعة، وكذلك تحديث التصرف في الموارد البشرية من خلال مراجعة النظام الأساسي العام لأعوان الوظيفة العمومية.
وسنشرع في مراجعة وتعديل الإجراءات بالإدارات العمومية وتعميمها مع التركيز في مرحلة أولى على الإجراءات ذات العلاقة المباشرة بالخدمات المقدّمة للعموم. وجدير بالذكر أن هذه الإصلاحات تتمّ بطريقة منفتحة وتشاركية، وتحتاج إلى بعض الوقت لتعطي ثمارها، إلا أننا مقرون العزم على استكمالها في أحسن الآجال.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.