المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

تأثرت بالمواقع الإلكترونية والتمويل والتوزيع ومطالبات بدعمها حكوميًا

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير
TT

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

المجلات الثقافية العربية.. في الرمق الأخير

منذ بدايات القرن العشرين، واجهت المجلات الثقافية العربية فترات ازدهار وفترات اضمحلال، تبدو جلية مع فترات الحراك السياسي والاجتماعي. وطرحت أزمة الإغلاق المفاجئ لمجلة «دبي» الثقافية مؤخرا، تساؤلات عدة حول أزمة المجلات الثقافية هل هي غياب الدور أم الرسالة؟ أم العجز عن مخاطبة جيل الشباب الذي يحلق في فضاءات مواقع «السوشيال ميديا»؟ أم أنها أزمة الصحافة الورقية بشكل عام؟ استطلعت «فضاءات» آراء عدد من رؤساء تحرير المجلات والملاحق والمواقع الثقافية في العالم العربي، في محاولة للوقوف على أسباب الأزمة التي ظهر تشعبها وارتباطها بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وارتباط المجلات الثقافية بالدور الإقليمي للدولة وتصدير توجهاتها عبر الثقافة واجهةً لها، وتسليط الضوء على التحديات التي تواجهها في عدد من الدول.
في مصر، تعاني المجلات الثقافية عثرات كثيرة، لكنها تحاول الصمود، فهي تعاني بشكل جلي معضلة التمويل، فضلا عن تراجع الصحافة الورقية المصرية بوجه عام، ما دعا وزارة الثقافة المصرية في أبريل (نيسان) الماضي لتشكيل لجنة عليا لتقييم أوضاع المجلات الثقافية، وبحث غلق بعضها أو دمجها. بدأت أزمة «المجلات الثقافية» منذ بداية سبعينات القرن الماضي، حيث تراجعت الحركة الثقافية مع هجرة المثقفين واستهداف الثقافة من قبل الدولة ممثلة في ملاحقات واعتقالات، فقد توقفت في ذاك الوقت مجلات «الكاتب»، «الطليعة»، «الفكر المعاصر»، «المجلة» والتي كان لها دورها في تقديم جيل جديد من المبدعين والأدباء. أما في التسعينات، فتصدرت وزارة الثقافة المشهد ودفعت بعدد من المجلات منها «فصول»، و«القاهرة» التي تحولت الآن إلى جريدة أسبوعية، ومجلة «إبداع»، و«سطور». وكانت من أبرز المجلات الخاصة «وجهات نظر» التي كان لها طابع مميز، ومجلة «أدب ونقد» التي كانت تصدر عن حزب التجمع منذ عام 1984، ومجلة «الكتابة الأخرى» التي تصدر وتتوقف من آن لآخر، ومجلة «أمكنة» الفصلية للشاعر علاء خالد، وهي أيضا غير ثابتة في الصدور، كذلك توقفت مجلة «تحديات ثقافية» التي كان يصدرها الشاعر مهدي بندق.
يقول رئيس تحرير مجلة «الهلال» الروائي سعد القرش: «أزمة المجلات الثقافية في الوطن العربي تؤكد أن المال لا يصنع الثقافة، لكنه قد يصنع أنشطة صاخبة، ويصنع مجلات عدد قرائها في بلد الصدور أكبر من عدد كتابها، لكنه لا يضمن استمراريتها». ويشير إلى أن «سبب الأزمة غياب المراكز الثقافية الكبرى في العالم العربي، كمصر وبغداد وبيروت ودمشق، والتحولات السياسية الجارفة التي تمر بها؛ ما أدى إلى خلل كبير، فضلا عن افتقار المجلات الثقافية إلى العمق الثقافي والقدرة على الإنجاز وتحدي المواقع الثقافية الإلكترونية». وعن وضع مجلة «الهلال» التي ظلت صامدة منذ صدورها قبل 125 عاما، يقول: «المجلة مدعومة بكتابها العرب الذين يتنازلون عن أجورهم في مقابل رؤيتهم للمجلة التي تربوا عليها».
ويشير إلى أن «مشكلة الهلال كباقي المجلات المصرية تعاني غياب الدولة عن التوزيع، حيث إن الشركة القومية المنوطة بالتوزيع والتي تحتكره لا تقوم بدورها، فلا توزع المجلة في الدول العربية، فالكتاب العرب لا يرون إبداعهم، ورغم ذلك هم مستمرون في دعمنا».
ويسلط القرش الضوء على الأسباب الكامنة وراء الأزمة: «بداية من عهد جمال عبد الناصر أشك أن هناك حاكما مصريا قرأ كتابا، فالدولة في حالة عداء مع المثقفين الذين كان يسميهم السادات «الأراذل»، فلا توجد رؤية لدى أي رئيس أو للدولة ككل تتعلق بالثقافة، قد تكون المجلات الثقافية مجرد واجهة لبعض الدول، لكنها بالنسبة لمصر دور ورسالة وعبء نتحمله».
«الأزمة..أزمة تلقٍ بالأساس» هكذا يكشف الروائي أشرف الخمايسي، الذي يعمل في مجلة «الثقافة الجديدة» التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، عن واقع بعض المجلات الثقافية المصرية التابعة للدولة، قائلا: «للأسف مجلات مثل (مسرحنا) و(خيال) لا تباع منها سوى 20 نسخة في دولة تعداد سكانها يفوق 90 مليون نسمة، أما مجلة «الثقافة الجديدة» فهي توزع ما بين ألفين إلى 3 آلاف نسخة»، مضيفا: «للأسف المجلات الثقافية تخاطب المثقفين فقط، وهذا خطأ فادح، فالمثقفون يكتبون لنفسهم، يقرأون ما يكتبونه وما يكتبه أصدقاؤهم في أضيق الحدود، بل ويشترون الأعداد التي ينشر بها ما يكتبون فقط».
وعن حل الأزمة من وجهة نظر صاحب رواية «منافي الرب»، يرى أنه «لا بد من التوجه للناس ولعامة الشعب من غير المثقفين؛ فالهدف أن نخاطبهم ونعبر عنهم، هذه المجلات أداة لتوصيل الثقافة ونشرها، ولا يصح أن تظل منغلقة على جماعة بعينها، وإتاحة الفرصة لكل من يرغب في نشر إبداعه دون قيود وتعنت».
ويحاول شباب المبدعين المصريين التغلب على الوضع المظلم في الصحافة الثقافية بوجه عام، بمبادرات فردية وجماعية عدة للبحث عن بدائل ممكنة وقنوات لنشر إبداعاتهم. تحدثنا إلى الكاتب سامح فايز، وهو صحافي يكتب في عدد من المجلات والجرائد الثقافية من بينها جريدة «القاهرة» الأكثر استقرارا نظرا لدعم الدولة لها، والذي كانت له تجربتان في تأسيس موقعين ثقافيين؛ لنشر الأخبار والفعاليات الثقافية والإبداع الشبابي على الإنترنت، هما: «الشباك»، و«كتب وكُتاب»، ومؤخرا أسس مبادرة جديدة أسماها «التيار الثقافي البديل». يقول: «النشر في المجلات الثقافية منغلق على جماعات معينة، وهذه المبادرة رد فعل على حالة الإحباط التي تسود في الوسط الثقافي المصري، في ظل تراجع دور وزارة الثقافة المصرية وحالة التردي السائدة منذ عام 2000 تقريبا». ويرجع الأسباب في أزمة المجلات الثقافية إلى «عدم مجارات التغييرات الاجتماعية والسياسية التي تواجه المجتمعات العربية، وعدم الاستجابة للتطورات التكنولوجية التي أفرزتها الصحافة الإلكترونية، وتطور الـ«سوشيال ميديا» وانجذاب الشباب لها، فهم يتابعون الأخبار والفعاليات عبرها، فما الذي سيجعل الشباب ينتظر مجلة تصدر كل شهر؟
ويضيف فايز: «صحيح أن بعض المجلات التابعة للوزارة شهدت طفرة بعد تغيير إدارتها مثل: (عالم الكتب) و(إبداع)، لكن ذلك لن يدوم لأن ذلك مرهون بتغيير الإدارة وفقا لمدة عمل محددة». ويشير إلى أنه حينما ترأس تحرير موقع «كتب وكتاب» تصفحه 30 ألف مستخدم، وتابعه 20 ألف على «فيسبوك»، وكانت تجربة ناجحة جدا سدت ثغرة في الوسط الثقافي، لمتابعته الفورية للفعاليات الثقافية، إلا أن الأزمة المالية وعدم وجود تمويل أطاحت به بعد أشهر».
وتحاول الهيئة المصرية العامة للكتاب، التابعة لوزارة الثقافة المصرية، اتباع استراتيجية لتطوير المجلات التي تصدر عن الهيئة، كما وقعت الهيئة مؤخرا برئاسة د.هيثم الحاج على بروتوكول لطباعة مجلة «أدب ونقد» الخاصة، ودعمها في إطار دعم النشاط الثقافي للأحزاب، وشكلت لجنة لإعادة تقييم المجلات الثقافية التي تصدر عنها وتقنين أوضاعها.
يقول الكاتب الصحافي مصطفى عبد الله، رئيس تحرير جريدة «أخبار الأدب» السابق، وعضو لجنة التقييم بالهيئة المصرية العامة للكتاب: «شكّل وزير الثقافة لجنة عليا لبحث آليات النشر بالمجلات التي زاد عددها عن 20 مجلة ولا تحقق مبيعات منذ عشرات السنين ومستمرة في الصدور برغم ضعف عدد القراء، واللجنة التي تضم الدكتور جابر عصفور وعددا من كبار المثقفين في مصر، تحاول النظر في استمرار هذه المجلات أو دمجها وإغلاق بعضها».
ويعزي عبد الله السبب الرئيسي لأزمة أغلب المجلات الثقافية في مصر إلى «نمطيتها وجمودها، ووجود هيئة تحرير ثابتة أدى بها إلى هذا الوضع المتردي، حيث تحرص هيئة التحرير على صدورها بغض النظر عن محتواها ومضمونها، فلا سياسة توزيع ولا سعي للقارئ، وتتجسد المأساة في تراكم الأعداد المرتجعة في المخازن». ويرى عبد الله أن «للصحافة الإلكترونية تأثيرا مباشرا في المجلات الثقافية، وكان لها أيضا أثر كبير على حركة الإبداع ذاته، فخلقت فضاء واسعا لأدباء الصعيد، وقلصت معاناتهم لنشر إبداعاتهم، وكشفت زيف الأدباء المُدعين»
وعن أزمة مجلة «دبي» الثقافية التي كان يكتب بها عمودا ثابتا، قال: «أصبح المسؤولون عن المجلات الثقافية في وضع حرج بعد الإغلاق المفاجئ لـمجلة «دبي»، التي كانت تنعم بالاستقرار، وكان توزيعها يتخطى 70 ألف نسخة شهريا، وكذلك أزمة مجلة «العربي» التي كانت توزع أكثر من 100 ألف نسخة، وهي أرقام قياسية للمجلات الثقافية، وتعرض تلك المجلات الناجحة للإغلاق أمر ينبئ بخطورة حجم المشكلة أمام المجلات الخليجية التي قامت بدور كبير في مد الجسور الثقافية بناء على رؤية ثقافية، لكنها للأسف لم تعكس الواقع الخليجي؛ لذا أعتقد أن هذا سبب رئيسي في اختلالها».
التخلي عن المشروع الثقافي أيضا سبب رئيسي وراء أزمة المجلات الثقافية، وهو ما لفت إليه الروائي إبراهيم فرغلي، عضو هيئة تحرير مجلة «العربي» الكويتية، الذي يقول: «أغلب المجلات العربية تصدر بدعم حكومي من الدول التي تصدرها، ولكن الاختلاف ربما يكمن في المناخ الذي تأسست فيه هذه المجلات على يد رواد من المثقفين ومن أصحاب الرؤية السياسية الذين كانوا يرون في تطور العقل العربي ضرورة للتنمية، أما الآن ففي ظل الاستقطابات السياسية دخلت الحكومات طرفا يريد أن يراقب كل شيء، إما خوفا من الفتن الطائفية، أو خوفا من الحسابات السياسية الدقيقة، وبالتالي لم يعد للمشروع الثقافي الآن الأولوية كما كان الأمر في الماضي». ويضيف: «أي دولة قد تفرض حالا من التقشف فسيصيب الثقافة قبل غيرها. طبعا هذه مفارقة مؤلمة؛ لأن الواقع الراهن بكل ما نراه فيه من تغيرات واضطرابات وتنام للعنف وانتشار الإرهاب يكاد يؤكد أن الثقافة التي كانت حكرا على الدوريات والمؤسسات الثقافية تحتاج إلى أن تدخل في نسيج التعليم العام لكل الدول العربية وليس التخلي عن المشروع الثقافي».
ويسلط فرغلي الضوء على أسباب أخرى «طبعا هذا كله يأتي مع وجود جيل جديد يتعاطى ثقافة جديدة ويتابع ما يحدث في العالم ويفقد الثقة بسرعة في أي مطبوعة تبدو له جامدة أو بعيدة عن روح العصر وثقافته. ويلفت إلى أن الحل يكمن في «ضرورة أن يدخل العلم والاهتمام بالعلوم مع الثقافة والفكر اليوم في شكل مطبوعات شابة تناسب روح العصر وتقدم الأسئلة العميقة في أشكال صحافية تناسب الشباب. الثقافة ليست ترفا وليست أولوية مؤجلة كما قد يتصور البعض».
المملكة العربية السعودية، تواجه المجلات الثقافية أزمات أيضا وتحديدا المجلات الخاصة، وفقا للمثقف السعودي محمد السيف، رئيس تحرير «المجلة العربية»، الذي يقول: «هناك عزوف كبير من الشباب وجمهور القراء في الوطن العربي عن المواد الدسمة والموضوعات الأدبية الكلاسيكية، التي كانت تطرحها المجلات الثقافية في القرن الماضي، وهناك تأثير كبير ومباشر من مواقع (السوشيال ميديا) على كل من المجلات والمواقع الثقافية». ويشير «تعرضت (الفيصل) منذ عامين لأزمة تمويل وتوقفت وعادت لتصدر كل شهرين، كذلك تستمر معاناة مجلات أخرى مثل «المنهل»، و«القافلة»، لكن المجلة العربية لا تواجه تلك الأزمة؛ لأنها «مدعومة من الدولة ولها ميزانية مستقلة تكفل لها الاستقرار، فضلا عن حرصها على التواصل مع الأدباء والمبدعين الشباب من مختلف أنحاء الوطن العربي، ومد جسور التواصل معهم عبر نشر موضوعات متنوعة وتهمهم ومقابلات معهم ونشر إبداعاتهم، والحرص على التوزيع الجيد لها».
وحول تأثر المجلات الثقافية بوجود المواقع الثقافية الإلكترونية، يقول: «لم تؤثر تلك المواقع في المجلات، بل إنها أيضا تتعرض لأزمات أكبر ومشكلات مادية تؤدي لإغلاقها، فضلا عن عدم التفاعل معها أيضا».
ويرى السيف أنه «على الصحافة الثقافية بوجه عام أن تتقبل قدرها الحتمي بالإغلاق أو التواري؛ لأن الأزمة ليست فقط تمويل أو توزيع؛ مؤكدا «مفتاح الأزمة هو المضمون الذي تقدمه الصحافة الثقافية للجمهور».
وفي لبنان، أغلقت عدة مجلات ثقافية خلال القرن العشرين منها: «الأديب» الشهرية التي استمرت في الصحافة الأدبية من سنة 1942 إلى سنة 1983. وفي عام 2013 صدر العدد الورقي الأخير من مجلة الآداب البيروتية التي كانت واحدة من أهم المجلات الثقافية والأدبية في العالم العربي. أما في الوقت الحالي، فقد انعكست حالة الترهل والتشظي السياسي على الصحافة الثقافية، ورغم أن وزارة الثقافة اللبنانية أطلقت العام الماضي مجلة فصلية هي «شؤون ثقافية»، في محاولة لإنعاش المقاومة الثقافية، إلا أن أزمة الملحق الثقافي في جريدتي «النهار» و«السفير» كانت بمثابة طامة كبرى في الوسط الثقافي العربي لما لهما من ثقل. يقول الشاعر عباس بيضون، رئيس الملحق الثقافي بجريدة السفير، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»: «توقفت المجلات الثقافية منذ زمن بعيد، وهنالك أسباب عدة لتدهور الصحافة الثقافية في لبنان؛ أولها: بالطبع الوضع السياسي الذي يفرض على الجمهور أن يستقي الثقافة والمعلومات والأخبار من مصادر تتفق مع مواقفه وانتماءاته السياسية، ثانيها: انتشار المواقع الإلكترونية الثقافية التي أصبحت أسرع وأقرب للجمهور، ثالثها: مشاكل التمويل التي أصبحت تطيح ليس بالصحافة فقط، بل بصناعة النشر ككل، بسبب تكلفة الورق وانخفاض العائد». ويرى بيضون أن قدر الصحافة الثقافية هو الاضمحلال والتواري في ظل كل هذه الظروف، أما عن المثقف اللبناني وأين ينشر إبداعه، فقال: «يتجهون للمواقع الإلكترونية». وبصوت يحدوه تشاؤم كبير: «لا أجد حلولا للأزمة، وعلى ما يبدو أنها مستمرة ولن تجد المجلات الثقافية مخرجا؛ لأن الأسباب عميقة ومتجذرة ومتشابكة؛ لكن ربما يمكن للدولة والمؤسسات الاقتصادية الخاصة أن تقوم بدور في التمويل والدعم، ولا بد للمجتمع أن يتحمل المسؤولية تجاه الصحافة الثقافية وإلا فلا مفر من الإغلاق».



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟