اليونان محطة المهاجرين السوريين الأولى إلى أوروبا

لاجئ سوري يكشف لـ {الشرق الأوسط} : ثمانية آلاف دولار سعر جواز السفر المسروق عبر شبكة من المهربين

اليونان محطة المهاجرين السوريين الأولى إلى أوروبا
TT

اليونان محطة المهاجرين السوريين الأولى إلى أوروبا

اليونان محطة المهاجرين السوريين الأولى إلى أوروبا

بدأ رنين الهاتف في تمام الساعة الثامنة والنصف مساء، وعرف عاصم الموضوع الذي ستدور حوله المكالمة حتى قبل أن يرد عليها، كما عرف أيضا أن هذه المكالمة ربما تكون بمثابة دفعة لبدء حياته مرة أخرى. بيد أن التجارب الصعبة والإحباطات السابقة قد علمته أن لا يتوقع الكثير. لقد صار هذا النوع من المكالمات الهاتفية أمرا روتينيا للغاية، لدرجة أنه لا يذكر حتى موضوع المكالمة، إلا بعد مرور عشر دقائق من وقت إنهائها. ويقول عاصم: «بالمناسبة، كانت هذه المكالمة عبارة عن اتصال وارد من شقيقي، وكانت لإبلاغي بالذهاب لمقابلة المهرّب».
يقيم عاصم، البالغ من العمر 25 سنة، وشقيقه الذي يبلغ عمره 18 سنة، في مكان لا يرحب بهما. وهما اثنان من بين نحو 40 ألف لاجئ، وطالب للجوء السياسي (وفقا لتقديرات الأمم المتحدة) موجودين حاليا في اليونان.
وتعتبر اليونان من الدول التي تكافح، في ظل مرورها بأسوأ أزماتها الاقتصادية منذ عقود، ويتدفق إلى أراضيها المهاجرون غير الشرعيين من خلال شواطئها. ويوفر هذان الأمران معا مزيجا متقلبا؛ حزب النازيين الجدد «الفجر الذهبي»، الذي يشتمل برنامجه على تبني القومية المتشددة والعنصرية المطلقة، والذي يشغل حاليا 18 مقعدا في البرلمان اليوناني. ويقع مقر الحزب في منطقة عاصم، ولكنه يقول إن ذلك الأمر لا يضايقه كثيرا. ويوضح قائلا: «الشرطة هي التي تثير قلقي أكثر من الفاشيين، وهذا هو السبب وراء ندرة خروجي من منزلي، ففي حال قبضت الشرطة علي، ربما أقضى ستة شهور في السجن».
يستغل «الفجر الذهبي» تصعيدا تدريجيا للاستياء الشعبي. ويشعر كثير من الأشخاص في اليونان بأن بلدهم أصبح بمثابة الباب الخلفي السري غير الشرعي للوصول إلى أوروبا، فهو أسهل طريق يمكن من خلاله الوصول إلى أرض الميعاد بالنسبة لعشرات الآلاف من المهاجرين البائسين الذين يقومون برحلاتهم مقبلين من الشرق في كل عام.
بيد أن اليونان أصبحت في حقيقة الأمر بمثابة السياج لأوروبا. وقد يكون هذا البلد هو المكان الذي يدخل من خلاله أعداد ضخمة من المهاجرين إلى أوروبا، ولكنه ليس بالمكان الذي يريدون الإقامة فيه. ويقول عاصم: «بالطبع لا نريد البقاء هنا، ولا يرغب أحد مطلقا في الإقامة في هذا المكان. ولا يحب أي شخص أن يكون لاجئا في هذا البلد». إنه تحول قاسٍ في الأحوال بشكل كبير؛ فهو لا يريد البقاء هنا، كما أن اليونانيين لا يريدون أن يكونوا في هذا البلد أيضا، ومع ذلك، فمن شبه المستحيل بالنسبة له أن يغادر البلاد.
إن مقاطع الفيديو البراقة التي يعرضها مجلس السياحة اليوناني في حلقات رائعة في محطات مترو أثينا تصور جنة رعوية جميلة تشترك في القليل من السمات، مع المعيشة الخانقة التي يعاني منها عاصم، حيث يقيم خمسة منهم في غرفة في ضاحية محددة الملامح لمدة ستة أشهر في المدينة. وأخبرني عاصم (وهو يضحك ساخرا من الموقف برمته) أن «الأمر يتمثل في رغبتي في السفر دوما. فقط لم أرغب مطلقا في السفر بهذه الصورة».
منذ 10 أشهر، لم يسافر عاصم وعائلته خارج دمشق. بيد أن الغارة الجوية المدمرة التي تم شنها على منطقتهم في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أجبرتهم على بيع منزلهم وممتلكاتهم وسيارتهم، وبدء رحلة شاقة تحت مسؤولية مهربي الأشخاص. وفي الوقت الحالي، تشتتت أسرة عاصم عبر أوروبا، حيث توجد والدته وشقيقاته في ألمانيا، بينما يقيم والده في تركيا، وتقيم عماته وخالاته في السويد، في حين يقيم أخواله وأعمامه في الدنمارك.
ويضيف عاصم قائلا: «في بداية الأمر، ذهبنا إلى لبنان وأقمنا هناك لمدة شهر واحد، ثم تقدمنا بطلب للحصول على تأشيراتنا لدخول تركيا. وبعد ذلك، سافرنا إلى إسطنبول. أحببت المكان هناك، وكنت أريد الإقامة فيه، ووجدت وظيفة مصمم غرافيك، ولكن أرادت أسرتي المجيء إلى أوروبا، واضطررت إلى النزول على رغبتهم؛ فأنت تعرف مدى قوة الروابط الأسرية في منطقة الشرق الأوسط، حيث إن أفراد أسرتنا تربطهم أواصر قوية».
ومع زيادة حدة الحرب في سوريا، تضاءلت الخيارات أمام الأشخاص الراغبين في الهروب خارج البلاد. وفي جنوب تركيا، تقابلت مع فتاتين من اللاذقية، بدأتا حياة جديدة في مصر، قبل أن تضطرا إلى مغادرة مصر مرة أخرى بعد عزل الرئيس مرسي واشتداد حالة العداء ضد السوريين. والأدهى من ذلك أن جمهورية قبرص قد أعلنت مؤخرا أنها لن تدع السوريين يدخلون عبر حدودها مرة أخرى. كذلك، اكتشف صديق سوري، يعيش ويعمل في تركيا، أنه لا يوجد أمامه في الوقت الحالي سوى تسع دول في العالم بأسره يمكنه السفر إليها لقضاء إجازة دون الحصول على تأشيرة. «والأكثر من ذلك، أنني أحتاج إلى تأشيرة للدخول إلى الصومال»، حسبما ذكر عاصم، وهو في حالة استسلام للترويح عن نفسه.
ويعد الخيار الوحيد المتاح أمام معظم السوريين الذين يرغبون في الذهاب إلى أوروبا متمثلا في ذهابهم إلى اليونان، بصورة غير شرعية. فبمجرد دخولهم إلى هناك، لا يمكن إجبارهم على مغادرة البلاد، حيث يتم منحهم حق اللجوء السياسي، ويكون مسموحا لهم بالتقدم بطلب للحصول على إقامة، ولكن ليس هناك مفر من التقدم بطلب من الخارج، ولذا، لا يكون السفر إلى أوروبا عبر شبكة غامضة من المهربين هو الملاذ الأخير للوصول إلى هناك، ولكنه هو الخيار الوحيد المتاح. لقد اتبعت عائلة عاصم خط سير يسلكه كثيرون، لكن قصتهم تكشف كيف كانت رحلتهم مخاطرة لا يمكن التنبؤ بنتيجتها.
كانت خطتهم الأولى هي شراء جوازات سفر مزيفة من أحد مهربي الأشخاص، مع استخدام هذه الجوازات للسفر من إسطنبول إلى أي مكان آخر في أوروبا. ويشرح عاصم هذا الأمر قائلا: «إنهم يبحثون عن شخص ما يبدو مثلك. فيتم منح بعض الأموال للشخص الذي يمتلك جواز السفر، وينتظرون لمدة 30 يوما لحين الإبلاغ عن سرقة هذه الجوازات. بيد أن السعر المتعارف عليه لجواز السفر المسروق في إسطنبول يصل إلى 8000 دولار أميركي، وليس بإمكان الأسرة تحمل سداد تلك المصاريف. ولذا، لم يكن هناك بد أمام العائلة سوى اللجوء إلى الخيار الثاني».
ويضيف عاصم قائلا: «نصحنا البعض بالسفر بالقارب إلى أثينا، حيث يرون أن هذه الطريقة أسهل بكثير من السفر جوا من المطار هناك. ولذلك، فقد عقدنا صفقة مع أحد المهربين، حيث أخذ 1000 دولار أميركي من كل واحد منا، وأخبرنا أنه ستكون هناك حافلة تقلنا إلى الساحل في تمام الساعة الرابعة صباحا. ومن هذا المكان، سنأخذ القارب إلى اليونان».
إن الوضوح الذي يسترجع من خلاله عاصم تفاصيل تلك الرحلة يكشف لنا إلى أي مدى طبعت هذه الرحلة في ذهنه إلى أبعد الحدود. ويقول عاصم: «إنهم ينظمون تلك الرحلات بانتهاج مثل هذا الأسلوب. القارب عبارة عن زورق مطاطي، ولكن الجزء الأسفل منه مصنوع من الخشب. ولذلك، تجلس النساء والأطفال في قلب القارب، في حين يجلس الرجال فوق القطعة المطاطية حول الجزء الخارجي. كان طول القارب ستة أمتار، وكان على متنه أربعون شخصا».
وفي ضوء القمر، تمكّن عاصم بالفعل من رؤية الجزيرة اليونانية التي كانوا يتجهون إليها، حتى عندما وقف على شواطئ تركيا. لقد بدت الجزيرة قريبة جدا لدرجة أنه أعتقد أن الوصول إليها لن يستغرق سوى 10 دقائق. ولم يأتي المهرب معهم، بل علم أحد الأشخاص كيفية قيادة القارب». وأضاف عاصم: «لم يسدد ذلك الشخص سوى نصف المبلغ المطلوب، بيد أنها مخاطرة كبيرة. ففي حال إلقاء القبض عليك، فستتم إدانة ذلك الشخص كما لو كان هو المهرب». كانوا متيقنين من أنه سيتم إلقاء القبض عليهم. ولم تستغرق الرحلة 10 دقائق، ولكنها استمرت لمدة ساعتين.
وكان عاصم متأكدا أنه سيتم رصدهم من قبل سفن خفر السواحل، أثناء سفرهم ليلا في اتجاه اليونان تحت ظلال السماء منقشعة الغيوم. وكان يجثم على صدر عاصم مصير بعض المسافرين السابقين الذين أبحروا ليلا، حيث سقط بعض منهم في تلك المنطقة في مياه البحر المتجمدة في شهر فبراير (شباط) وغرقوا. ويقول عاصم: «ما زلت مندهشا من نجاحنا في تلك الرحلة».
سافر 26 شخصا من أفراد عائلة عاصم إلى اليونان، ولكن والده لم يكن من بين هؤلاء الأشخاص، قُتل أخوه في الغارة الجوية التي تم شنها في ديسمبر (كانون الأول)، وبقي والده في دمشق للتخفيف عن والدته ومواساتها. وفي الوقت الحالي، وفي ظل القصف المستمر ومحاصرة المنطقة من قبل قوات الأسد، غادر والده أيضا سوريا، وهو حاليا عالق في تركيا في انتظار فرصته للقيام بالرحلة نفسها بالقارب واللحاق بباقي أفراد أسرته. ويضيف عاصم قائلا: «لقد حاول والدي بالفعل أن يقوم بتلك الرحلة أربع مرات، ولكن في كل مرة، كان يتم القبض عليه وإعادته. وأعتقد أنهم قد قاموا الآن بزيادة سفن خفر السواحل على الجانبين التركي واليوناني. ينجح قارب واحد فقط من بين كل خمسة أو ستة قوارب في العبور. وسيحاول والدي مجددا في الأسبوع المقبل».
كانت خطة الأسرة متمثلة في السفر إلى السويد. ويوضح عاصم قائلا: «ذهبت بقية أفراد عائلتي إلى هناك أولا. وكانت الفكرة أنني أنا وأخي سنسافر إلى هناك لاحقا»، وكان المهربون يتقاضون 3000 يورو عن كل شخص من أجل الحصول على جوازات سفر مزيفة لمغادرة اليونان، بيد أن العائلة لم يكن لديها المال الكافي لكل أفرادها. ولكن والدة عاصم وشقيقاته تم توقيفهن واكتشاف أمرهن أثناء تنقلهن بين الرحلات الجوية في ألمانيا.
وطبقا لقواعد الاتحاد الأوروبي، يجب عليك التقدم بطلب الحصول على حق اللجوء في أول بلد تصل إليه. ولذلك، تعين عليهم البقاء في ألمانيا، على الرغم من عدم معرفتهم بأي شخص هناك، وكذلك عدم قدرتهم على تحدث اللغة الألمانية.
إن على عاصم وأخيه الآن أن يلعبا لعبة الانتظار، طالما أنهما يحاولان الخروج من اليونان. ولقد حاولا بالفعل الخروج من اليونان ولكنهما فشلا أربع مرات عند استخدامهما لجوازات سفر مزورة. وفي كل مرة، يتم اكتشاف أمرهما وإعادتهما. ومع انتهاء موسم السياحة وعدم وجود مسافرين في المطارات، يصبح الفحص الأمني أكثر صرامة، كما ترتفع الأسعار التي يطلبها المهربون. انتهى عاصم من شرب قهوته وغادر المكان لمقابلة جهة اتصاله لمعرفة آخر معدلات الأسعار. ويخبرني عاصم قائلا: «إن المال الذي معنا بدأ ينفد، حيث إننا أنفقنا بالفعل كل الأموال التي جمعناها من بيع المنزل والسيارة».
ويضيف عاصم: «في اليوم التالي، قام ذلك الشخص بإرسال رسالة بريد إلكتروني إليّ، حيث طلب مني 5500 يورو مقابل كل فرد. وفي كل مرة يرتفع السعر».
وعلى الرغم من موقفه اليائس، فقد استطاع التحلي بروح دعابة مشوبة بالمرارة وكتب: «عنوان اليوم: سأموت في أثينا».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.