ليبيا: حكومة الثني ترفض مجددًا تسليم السلطة لحكومة السراج

عدت زيارات الوفود الرسمية لحكومة الوفاق الوطني انتهاكًا للمعايير الدولية

عبد الله الثني
عبد الله الثني
TT

ليبيا: حكومة الثني ترفض مجددًا تسليم السلطة لحكومة السراج

عبد الله الثني
عبد الله الثني

دخل الصراع على السلطة في ليبيا أمس مرحلة جديدة، بعدما أعلنت الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني أنها لن تسلم السلطة إلى حكومة الوفاق الوطني، التي يترأسها فائز السراج، ما لم تنل ثقة مجلس النواب، فيما سخر الفريق خليفة حفتر، القائد العام للجيش الليبي، من رئيس بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا مارتن كوبلر، الذي طلب عقد اجتماع معه، متعللا بعدم توفر الوقت الكافي لديه.
وأعلنت حكومة الثني في بيان لها صدر حين كان السراج يقوم بزيارة مفاجئة إلى القاهرة، أنها لن تعترف بحكومته إذا لم يعتمدها بشكل رسمي وقانوني البرلمان، الذي يتخذ من مدينة طبرق بشرق البلاد مقرا له، وقال البيان إننا «لن نسلم المهام التي على عاتقنا لحكومة الوفاق الوطني المقترحة ما لم تنل ثقة مجلس النواب المنتخب والممثل الشرعي والوحيد للشعب الليبي حتى لو منح العالم برمته ثقته لهذه الحكومة».
واستنكرت حكومة الثني مواقف بعض الدول الأوروبية، خصوصا إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وهولندا ومالطا وإسبانيا، التي رأت أنها غضت الطرف عن الحكومة المعترف بها دوليا، وأصرت في المقابل على التعامل مع حكومة السراج في سابقة لم تحدث في العالم على الإطلاق، ورأت أن زيارات مسؤولي هذه الدول إلى العاصمة الليبية طرابلس تمثل محاولة لفرض أمر واقع والهيمنة على سيادة الدولة ومقدرات الشعب من خلال استغلال الأموال الليبية المجمدة في دعم حكمة لم تنل ثقة مجلس النواب حتى الآن. كما انتقدت حكومة الثني أيضا، حكومتي تونس والجزائر بسبب تجاهلهما توجيه دعوة لها لحضور الاجتماعات المغاربية، أو المتعددة الأطراف التي عقدت على أراضيهما مؤخرا.
وانتقدت الحكومة المؤقتة الليبية، المنبثقة عن مجلس النواب المنتخب المعترف به دوليا، التي تتخذ من طبرق مقرا لها، زيارات الوفود الرسمية لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، وقالت الحكومة في بيان نشرته على صفحتها الرسمية بموقع «فيسبوك»، أمس، إن تجاهل الدول الغربية لحكومة شرعية تمارس مهامها بصورة رسمية ومعترف بها في جميع أنحاء العالم، وإصرارها على التعامل مع حكومة الوفاق الوطني المقترحة يعد انتهاكا صارخا لكل المعايير الدولية في التعامل بين الدول، وكأنها تريد فرض أمر واقع جديد في ليبيا، والهيمنة على سيادة الدولة الليبية ومقدرات الشعب الليبي، من خلال استغلال الأموال الليبية المجمدة في الخارج في دعم حكومة لم تنل ثقة مجلس النواب المنتخب، قالبة بذلك موازين ما هو متعارف عليه دوليا في مثل هذه الأمور.
ولاحقا أعلنت حكومة الثني، وقف أعمال وزير فيها، يشغل منصب نائب رئيس حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، حيث أعلنت إعفاء وزير التعليم فتحي المجبري من العمل وتكليف مسؤول آخر بمهام منصبه.
ويضم المجلس الرئاسي لحكومة السراج تسعة أعضاء، لكن سبعة منهم فقط يرافقونه في طرابلس، بينما يرفض الاثنان الآخران الانضمام إلى المجلس بسبب محاولة إقصاء الفريق خليفة حفتر عن المشهد السياسي، وأيضا على خلفية اتهامات وجهاها مؤخرا لجماعة الإخوان المسلمين بمحاولة السيطرة على قرارات وسياسات حكومة السراج، التي لم تبدأ عملها رسميا بعد على الأرض.
إلى ذلك، أوضح بيان، وزعه مكتب القائد العام للجيش الليبي الفريق حفتر، أنه اعتذر إلى الدبلوماسي الألماني مارتن كوبلر، الذي يتولى رئاسة بعثة الأمم المتحدة، بعدما طلب الأخير بشكل رسمي عقد لقاء بينهما في مقر قيادة الجيش الليبي بمدينة المرج شرق البلاد، وأضاف أنه أبلغ كوبلر ما نصه: «ليس لدينا وقت نضيعه في الحديث معك».
وأدان حفتر ما وصفه بالقصف الإرهابي الغاشم الذي شنته ميلشيات متطرفة مساء أول من أمس على مظاهرة في مدينة بنغازي تدعم الجيش الليبي، ما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات وفقا لمصادر طبية.
ورأى حفتر أن «هذا القصف يؤكد أن العدو الإرهابي الذي نحاربه لا يعرف للإنسانية قيمة ولا يستحق شفقة أو رحمة».
وفي المقابل، قال المبعوث الأممي كوبلر إنه مصدوم تمامًا من حادثة قصف المدنيين في ساحة الكيش في بنغازي، معربا عن إدانته الشديدة ما وصفه بالجريمة البشعة التي خلفت عددا من القتلى والجرحى من الأبرياء، وعد الهجمات ضد المدنيين «جريمة حرب».
وأعلن المكتب الإعلامي لقيادة الجيش الليبي أن مقاتلاته قصفت الأماكن التي خرجت منها القذائف المتعددة التي استهدفت مظاهرة ساحة الكيش في بنغازي، حيث لقي أربعة أشخاص مصرعهم وأصيب أكثر من 25 آخرين في مدينة بنغازي. وأطلقت جماعات إرهابية، ما زالت تتحصن بالمدينة، قذائف على مسيرة مؤيدة لقوات حفتر، حيث كان نساء وأطفال ضمن المصابين عندما سقطت القذائف.
إلى ذلك، نفت مديرية أمن العاصمة الليبية طرابلس، حدوث عمليات اغتيال ضد رجال الشرطة في المدينة، التي تسيطر عليها الميلشيات المتطرفة منذ نحو عامين. وزعم بيان لمكتب العلاقات العامة بالمديرية، عدم صحة الأخبار المتناقلة عن عمليات اغتيال ضباط بالشرطة بطرابلس، داعيا السكان إلى «التحقق من الأمر وعدم إثارة مثل هذه المعلومات التي تدعو للفتنة». لكن البيان نفسه تجاهل أي إشارة إلى المعلومات التي أكدتها عدة مصادر في العاصمة عن اغتيال أكثر من 12 من ضباط الجيش بالمدينة.
وقالت غرفة عمليات الجيش الوطني الذي يقوده حفتر، في بيان نشرته عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إن التنظيمات الإرهابية في طرابلس أعلنت عبر هذه الاغتيالات الحرب على الجيش الليبي بالمنطقة الغربية بشكل مباشر، ورأت أن الهدف هو إخراج العسكريين من المدينة ودليل آخر على ظهور تنظيم داعش رسميا، داعية إلى ضرورة وضع حد لعمليات الإرهاب بالعاصمة التي تُخضع طرابلس منذ نحو عامين لهيمنة ميليشيات فجر ليبيا المتطرفة.



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».