المكلا.. محرَّرة

الجيش اليمني يسانده التحالف العربي خاض أكبر معركة ضد «القاعدة» في حضرموت

المكلا.. محرَّرة
TT

المكلا.. محرَّرة

المكلا.. محرَّرة

استغلت التنظيمات الإرهابية في اليمن ضعف الدولة خلال العقد الأخير، سواء في شمال الشمال أو في المدن الجنوبية، فعملت على الاستفادة من الأوضاع غير المستقرة في البلاد. ومن ثم بسطت سيطرتها بقوة السلاح، كما فعل الحوثي والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح في صنعاء، أو تنظيم «القاعدة» في مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، وكذلك في محافظتي أبين وشبوة. غير أن التنظيم لجأ إلى تغيير استراتيجيته التي كانت تحت إطار حرب العصابات والهجمات الانتحارية، والكمائن التفجيرية، إلى السيطرة على مدن بكاملها، كما حدث في زنجبار وجعار (في أبين)، وأخيرا المكلا. لكن ذلك لم يدم طويلا؛ إذ أعلنت قوات التحالف العربي مساندتها للحكومة اليمنية لمحاربة التنظيم الإرهابي، وكما طردت ميليشيات الحوثي وصالح من عدن ومدن أخرى بالجنوب، أطلقت أكبر عملية تستهدف تنظيم القاعدة في المكلا بعد أكثر من سنة على سيطرتهم عليها، ومن ثم نجحت في تحريرها بأقل التكاليف والخسائر وخلال وقت قياسي.

بعد وصول ميليشيات المتمردين إلى محافظة شبوة اليمنية الجنوبية المحاذية لمحافظة حضرموت، سارع عشرات المسلحين تحت لافتة تنظيم «القاعدة» إلى مدينة المكلا الساحلية الاستراتيجية، التي تعد ثالث أهم مدينة يمنية من الناحية الاستراتيجية بعد صنعاء وعدن؛ بسبب موقعها على بحر العرب. وساهم غياب الدولة وانقلاب المتمردين على حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي في تسهيل السيطرة على المكلا؛ بسبب الفوضى التي صاحبت عملية الانقلاب وقطع التواصل بين المركز والمدن البعيدة عن صنعاء.
هناك عدة روايات لكيفية سقوط المكلا بيد «القاعدة»؛ إذ تتحدث مصادر عسكرية عن إرسال الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح ضباطا وجنودا موالين له من قوات الحرس الجمهوري والأمن المركزي وجهاز الأمن القومي، بأزياء مدنية بواسطة حافلات نقل عام من صنعاء إلى المكلا. وحدث ذلك قبيل أيام من سقوط المكلا بيد «القاعدة» في أبريل (نيسان) 2015، كذلك كشفت مصادر صحافية آنذاك توقيف عدد من الحافلات في نقاط عسكرية بمحافظة حضرموت وتأكدوا من هوياتهم، لكنهم سمحوا لهم بالمرور بتوجيهات عليا من قيادتي وزارة الدفاع ووزارة الداخلية اللتين كانت تسيطر عليهما الميليشيات الانقلابية. وخلال بضعة أيام أعلن تنظيم «القاعدة» المتطرف سيطرته على المكلا بشكل كامل وفرض ما يسمونه «لجان الحسبة» التي حلت محل أجهزة الدولة، وإدارات المؤسسات العامة والميناء.
* «قوس القاعدة»
يركز تنظيم «القاعدة» في تحركاته على المناطق التي يمكن تسميتها «قوس القاعدة»، وتمتد من الحدود السعودية - اليمنية الغربية، ويمتد شرقا عبر محافظات صعدة والجوف ومأرب وشبوة وأبين وحضرموت والبيضاء. وهذا هو قوس الانتشار القاعدي الأساسي الذي تتحرك داخله عناصر وقيادة التنظيم المتطرف، باعتبار مناطق المحافظات المذكورة مناطق جبلية وعرة، يتمكن قيادة التنظيم من التنقل فيها بحرية وبصورة آمنة.
وبطبيعة الحال، يخشى «القاعدة» كما هي حال التنظيمات الإرهابية، مثل جماعة الحوثية وتنظيم داعش من وجود دولة قوية مستقرة. ولذا سعى قادة «القاعدة» - ومن خلفهم المتمردون الانقلابيون - بكل قوتهم لنشر الفوضى والدمار في كل المدن، وتنفيذ عمليات نوعية تستهدف قيادات عسكرية وأمنية وسياسية بهدف زعزعة الأمن والاستقرار.
* استهداف القبيلة
قبل بضع سنوات كشفت صحف أميركية عن مشروع جديد استهدف القبيلة في اليمن، ومنع «القاعدة» من الاحتماء بها، وسمى «مشروع استراتيجية الارتباط ما بعد القبيلة»، وخصص له مبلغ 3.4 مليون دولار، بالاشتراك مع جهاز الأمن القومي اليمني. ولكن، بعد انقلاب الحوثي ما عاد معروفا بالضبط ما إذا كان المشروع استمر أم توقف.
كما سبقت الإشارة، ساهم الانقلابيون بشكل مباشر في تمدد «القاعدة» بمحافظات الجنوب، ولقد كشفت الحكومة أخيرا عن علاقتهم بما حدث في المكلا بالذات. وأكدت أن تطهير المدينة من العناصر الإرهابية فضح علاقة الانقلابيين ودورهم في دعم الإرهاب والتطرف، وتماهي أجنداتهم والإرهابيين وتعاونهم المشترك عبر تهريب السلاح والمشتقات النفطية، والتقاء مصلحتهم في تبادل الأدوار الهادفة إلى خلط الأوراق ونشر الفوضى والانفلات الأمني، لعرقلة جهود الدولة في مكافحة الإرهاب والتطرف.
* «الحسبة»
عندما سيطر «القاعدة»في أبريل (نيسان) 2015 على المكلا، كان سكان المدينة المسالمة يعتقدون سكانها بأن جميع المنتمين لهذا التنظيم هم من أتباع صالح، الذي وجه القيادات العسكرية والأمنية الموالية له بتسليم معسكرات الجيش والأمن للإرهابيين. ولقد بُذلت جهود كبيرة من قبل أعيان المدينة لسد الفراغ الذي تركته أجهزة الدولة ومؤسساتها عبر إنشاء مجلس أهلي تمكن من تجنيب المدينة المواجهات المسلحة. كذلك عقد أهالي المدينة اتفاقيات مع قيادات التنظيم المتطرف بينهم ناصر الوحيشي، الذي قتل بعدها بغارة لطائرة أميركية من دون طيار (درون). ونص الاتفاق في حينه على تسليم المرافق كافة وإداراتها إلى المجلس الأهلي الحضرمي، وأن من حق المجلس الأهلي أن يُعين من شاء رئيسا له، على أن يتحمل المجلس الأهلي إدارة الأمن العام ومرافقه. غير أن هذا الاتفاق ظل حبرا على ورق. ولم ينسحب المتشددون من المقرات العسكرية والأمنية؛ حيث أدار المسلحون الشؤون الأمنية والقضائية وفرضوا أفكارهم وممارساتهم المتشددة على الجامعات والمدارس في المكلا، التي لا تزال مغلقة بأوامر من قيادتهم. واستغلوا أيضا المرافق الاقتصادية في تمويل أنشطتهم؛ حيث تقول بعض المصادر إن قيادة «القاعدة» كانت تتسلم مبلغ 5 ملايين دولار أميركي يوميا، من عوائد المشتقات النفطية والبضائع التي كانت تصل إلى ميناء المكلا.
ولكن على الرغم من القوة المسلحة التي تمتع بها التنظيم وبفضلها فرض سيطرته على المدينة، فإن السكان لم يخضعوا لسلطة الأمر الواقع، بل عبروا عن رفضهم لممارسات ما يسمى «لجان الحسبة» في احتجاجات ومظاهرات. ورفعت في هذا الاحتجاجات شعارات ترفض الإرهاب و«القاعدة». كذلك شهد السكان استيلاء مسلحي «القاعدة» على أموال البنوك، إضافة إلى أسلحة ثقيلة استولى عليها من المعسكرات، وإطلاقهم سجناء من السجن المركزي بينهم قيادات من التنظيم.
* عملية التحرير
سبق عملية تحرير المكلا غارات جوية مكثفة لقوات التحالف العربي في أعقاب طلب تلقته هذه القوات من الحكومة اليمنية الشرعية لمساعدتها في طرد عناصر التنظيم من المدينة المحتلة. وبالفعل، استهدفت الغارات الجوية التي شنها طيران التحالف العربي مراكز المسلحين في الميناء والمعسكرات التي اقتحموها، حيث سقط خلالها قتلى وجرحى من قيادة العناصر الإرهابية. وكانت هذه الغارات تمهيدا للاجتياح البري للقوات المشتركة التي تضم قوات يمنية أغلبهم من أبناء محافظة حضرموت، إضافة إلى قوات النخبة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وأكد العميد عون القرني، مساعد قائد عملية تحرير المكلا، بعد إنجاز تحرير المدينة، أن العملية تعد «رسالة واضحة وقوية إلى من يدعم الإرهاب في اليمن». وأضاف القرني «أن التحالف العربي يقف مع اليمن من أجل الشرعية»، لافتا إلى أن «القاعدة» فقد مصادر تمويله في المكلا. ومن ناحية أخرى، عد العميد مسلم الراشدي، قائد القوات الإماراتية في حضرموت، أن «تحرير مدينة المكلا اليمنية من قبضة تنظيم القاعدة هو نصر استراتيجي ليس لأهل اليمن والخليج فقط، بل للعالم أجمع».
ميدانيا، تمت عملية التحرير بغطاء جوي مكثف لطائرات التحالف، تكللت بتحرير مدينة المكلا ومينائها، وأيضا كامل ساحل حضرموت، بما فيه مدينة الشحر وميناء الضبة النفطي ومنطقة غيل باوزير شرقي المكلا. ولقد أكدت القيادة السياسية اليمنية على مواصلة معركتها مع التنظيمات الإرهابية؛ إذ شددت الحكومة في بيان لها أنها لن تتوانى عن «تقديم أي جهد أمني أو سياسي لإلحاق الهزيمة بالإرهاب وملاحقة عناصره الظلامية أينما وجدوا على أرض الوطن»، ومواصلة الضغط وبكل الوسائل الممكنة والعمل مع شركائها في التحالف العربي والمجتمع الدولي، للقضاء على العوامل المساعدة على تمدد الإرهاب وتوفير البيئة المواتية لانتشاره، والمتمثلة في إنهاء انقلاب ميليشيا الحوثي وصالح على الشرعية الدستورية.
وفي هذا السياق، صرح نائب الرئيس علي محسن الأحمر، عقب إنجاز تحرير المكلا، بأن «موقف الدولة ثابت في مكافحة الإرهاب، وهو موقف يتجاوز ادعاءات من يغذيها بمشاريعه الميليشاوية ويسعى لاستخدامها كمبرر لوجوده اللاشرعي»، في إشارة إلى الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وأردف الأحمر: «إن هزيمة الإرهاب والتطرف يعد المسمار قبل الأخير في نعش الانقلابيين الذين طالما سعوا بكل جهدهم إلى إلصاقها باليمنيين كعصا غليظة يلوحون بها نحو مخالفيهم بهدف إجبارهم على إدانة الولاء لهم، كما أنها الورقة الأهم والأكثر خطورة في كواليسهم، التي استجدوا من خلالها الآخرين وحاولوا خلقها للإيمان ببقائهم».
* نكسة الإرهابيين
من ناحية أخرى، يقول سعيد عبيد، المحلل الاستراتيجي اليمني في شؤون التنظيمات الإسلامية: «إن تنظيم القاعدة استفاد من هشاشة الأوضاع، واختار حضرموت، لكن قراره اختيار حضرموت كان اختيارا خاطئا؛ لأن المكلا ليست بيئة حاضنة له. وبالفعل جوبه برفض شعبي عارم من قبل أهالي حضرموت. كذلك كانت سيطرة التنظيم على المكلا خطأ تكتيكيا، وخسر فيها بسبب ذلك الخطأ قياداته وعناصره». واستطرد عبيد قائلا: «التنظيم خسر في المكلا وساحل حضرموت نتيجة عدم امتلاكه أي مشروع سياسي أو اجتماعي، يمكنه من خلاله استمالة المواطن اليمني، بالتالي، كانت خسائره متواصلة، ولم يخسر في فترة واحدة قصيرة».
وعدد المحلل الاستراتيجي اليمني جوانب هذه الأخطاء في الممارسة فقال: «إن تنظيم القاعدة كان يفرض قيودا على حركة السكان ويشدد على حريتهم، كما قام التنظيم بفرض خطباء وموجهين تابعين له، وتعاملت عناصره في مختلف أنحاء حضرموت مع الناس بتعال واستعلاء، اعتقادا منهم بأنهم أكثر فهما للإسلام وتعاليمه من غيرهم».
أما راضي صبيح، وهو صحافي من أبناء حضرموت، فقال: «إن هناك عدة عوامل ساهمت في استعادة مدينة المكلا في وقت وجيز أبرزها: حجم القوة والآليات العسكرية الضخمة والدعم اللامحدود من قوات التحالف العربي، رافق ذلك تغطية إعلامية كبيرة دولية ومحلية، بالإضافة إلى أن أفراد وجنود الجيش هم من أبناء محافظة حضرموت ما شكل قوة ودعما مجتمعيا لهم وعقبة أمام القاعدة في الدخول في صراع مع قبائل المحافظة».
* فرحة السكان
والحقيقة أن تحرير المكلا كانت مناسبة احتفالية للسكان الذين خرجوا للشوارع مهللين فرحين بهذا الانتصار. وتروي نور محمد علي، وهي من سكان المكلا، أن «الاحتفالات لم تتوقف ليلة دخول القوات المشتركة إلى المدينة». مضيفة: «كان مسلحو الحسبة يفرضون علينا كل القيود، ويمنعون عنا الغناء ويعتقلون أي شاب يسمع موسيقى بجواله. لقد استغلوا طيبة أهل المكلا ورفضهم لحمل السلاح ليستبيحوا مدينتهم المسالمة».
وتابعت نور أن يوم دخول الجيش اليمني مع قوات التحالف «كان يوما تاريخيا لكل السكان، فقد علت الزغاريد مع أزيز الرصاص، والشكر لكل من ساهم في تحرير مدينتهم.. لقد انتظر السكان بفارغ الصبر إشراقة الشمس للخروج إلى شوارع مدينتهم ومشاهدتها محررة بعيدا عن رجال الحسبة، وكانت الابتسامة تعلو وجوه السكان الذين ذهبوا إلى خور المكلا للاحتفال بهذا النصر الكبير».
وحقا، بعد يوم واحد من تحرير المدينة، عاود ميناء المكلا عمله، تحت إشراف السلطة المحلية، وباشرت الوكالات الملاحية ودوائر الشؤون البحرية والجمارك والخدمات العامة عملها بطريقة إيجابية، وسارت حركة الشحن والتفريغ بصورة اعتيادية. واستقبل الميناء في اليوم نفسه ناقلتين الأولى محملة بـ5 آلاف و800 طن متري من المازوت، فيما الناقلة الثانية تحمل 9 آلاف و500 طن متري من مادة القمح، إضافة إلى رسو 12 سفينة خشبية تحمل بضائع، ورسو في منطقة البويا العائمة بالميناء ناقلة بترول وعلى متنها 12 ألفا و400 طن متري.
* مدينة المكلا.. في سطور
- المكلا هي عاصمة إقليم حضرموت وعاصمة محافظة حضرموت وثالث أهم مدينة يمنية بعد صنعاء وعدن. تطل المدينة على بحر العرب ويقسمها خور المكلا إلى نصفين، وهي تقع إلى الشرق من عدن وتبعد عنها بنحو (1080 كم).
- بنيت المدينة في منطقة سهلية بين البحر والجبل. وحسب بعض المصادر التاريخية، أسست المدينة في مطلـع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)؛ إذ بوشر بالاستقرار في موقعها في السنة 1035.
- كانت تسمى قديما بـ«الخيمة» حسب المصادر التاريخية، ولم تعرف باسمها الحالي إلا عند إنشاء الإمارة الكسادية في السنة 1115هـ. وازدادت شهرتها ومكانتها عندما اتخذتها السلطنة القعيطية حاضرة لها في سنة 1915م، وأقام فيها السلطان واتخذها مقرا للحكم.
- يبلغ عدد سكانها أكثر من نصف مليون نسمة حسب إحصاءات عام 2005. أما سكانها الأصليون فمن الحضر وتعد مجتمعا حضريا نسبيا، بالنسبة إلى بقية مدن اليمن ذات العمق الريفي والقبلي.
- تتميز المكلا بطابعها المعماري الخاص، وتشتهر بجمال مآذنها ومبانيها البيضاء التي ترتفع إلى أربعة طوابق. ومن أشهر معالم المدينة المعمارية: قصر السلطان القعيطي، حصن الغويزي، والمكتبة السلطانية.
- تتميز المكلا بطابع سياحي خاص؛ مما جعلها محطة استثمارية كبيرة تجتذب المستثمرين والسياح، كما أن رقي أهلها وتحضرهم كان أهم العوامل التي مكنتها من البروز سياحيا وثقافيا، بالإضافة إلى استقرار الأمن فيها.



سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».