المكلا.. محرَّرة

الجيش اليمني يسانده التحالف العربي خاض أكبر معركة ضد «القاعدة» في حضرموت

المكلا.. محرَّرة
TT

المكلا.. محرَّرة

المكلا.. محرَّرة

استغلت التنظيمات الإرهابية في اليمن ضعف الدولة خلال العقد الأخير، سواء في شمال الشمال أو في المدن الجنوبية، فعملت على الاستفادة من الأوضاع غير المستقرة في البلاد. ومن ثم بسطت سيطرتها بقوة السلاح، كما فعل الحوثي والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح في صنعاء، أو تنظيم «القاعدة» في مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، وكذلك في محافظتي أبين وشبوة. غير أن التنظيم لجأ إلى تغيير استراتيجيته التي كانت تحت إطار حرب العصابات والهجمات الانتحارية، والكمائن التفجيرية، إلى السيطرة على مدن بكاملها، كما حدث في زنجبار وجعار (في أبين)، وأخيرا المكلا. لكن ذلك لم يدم طويلا؛ إذ أعلنت قوات التحالف العربي مساندتها للحكومة اليمنية لمحاربة التنظيم الإرهابي، وكما طردت ميليشيات الحوثي وصالح من عدن ومدن أخرى بالجنوب، أطلقت أكبر عملية تستهدف تنظيم القاعدة في المكلا بعد أكثر من سنة على سيطرتهم عليها، ومن ثم نجحت في تحريرها بأقل التكاليف والخسائر وخلال وقت قياسي.

بعد وصول ميليشيات المتمردين إلى محافظة شبوة اليمنية الجنوبية المحاذية لمحافظة حضرموت، سارع عشرات المسلحين تحت لافتة تنظيم «القاعدة» إلى مدينة المكلا الساحلية الاستراتيجية، التي تعد ثالث أهم مدينة يمنية من الناحية الاستراتيجية بعد صنعاء وعدن؛ بسبب موقعها على بحر العرب. وساهم غياب الدولة وانقلاب المتمردين على حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي في تسهيل السيطرة على المكلا؛ بسبب الفوضى التي صاحبت عملية الانقلاب وقطع التواصل بين المركز والمدن البعيدة عن صنعاء.
هناك عدة روايات لكيفية سقوط المكلا بيد «القاعدة»؛ إذ تتحدث مصادر عسكرية عن إرسال الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح ضباطا وجنودا موالين له من قوات الحرس الجمهوري والأمن المركزي وجهاز الأمن القومي، بأزياء مدنية بواسطة حافلات نقل عام من صنعاء إلى المكلا. وحدث ذلك قبيل أيام من سقوط المكلا بيد «القاعدة» في أبريل (نيسان) 2015، كذلك كشفت مصادر صحافية آنذاك توقيف عدد من الحافلات في نقاط عسكرية بمحافظة حضرموت وتأكدوا من هوياتهم، لكنهم سمحوا لهم بالمرور بتوجيهات عليا من قيادتي وزارة الدفاع ووزارة الداخلية اللتين كانت تسيطر عليهما الميليشيات الانقلابية. وخلال بضعة أيام أعلن تنظيم «القاعدة» المتطرف سيطرته على المكلا بشكل كامل وفرض ما يسمونه «لجان الحسبة» التي حلت محل أجهزة الدولة، وإدارات المؤسسات العامة والميناء.
* «قوس القاعدة»
يركز تنظيم «القاعدة» في تحركاته على المناطق التي يمكن تسميتها «قوس القاعدة»، وتمتد من الحدود السعودية - اليمنية الغربية، ويمتد شرقا عبر محافظات صعدة والجوف ومأرب وشبوة وأبين وحضرموت والبيضاء. وهذا هو قوس الانتشار القاعدي الأساسي الذي تتحرك داخله عناصر وقيادة التنظيم المتطرف، باعتبار مناطق المحافظات المذكورة مناطق جبلية وعرة، يتمكن قيادة التنظيم من التنقل فيها بحرية وبصورة آمنة.
وبطبيعة الحال، يخشى «القاعدة» كما هي حال التنظيمات الإرهابية، مثل جماعة الحوثية وتنظيم داعش من وجود دولة قوية مستقرة. ولذا سعى قادة «القاعدة» - ومن خلفهم المتمردون الانقلابيون - بكل قوتهم لنشر الفوضى والدمار في كل المدن، وتنفيذ عمليات نوعية تستهدف قيادات عسكرية وأمنية وسياسية بهدف زعزعة الأمن والاستقرار.
* استهداف القبيلة
قبل بضع سنوات كشفت صحف أميركية عن مشروع جديد استهدف القبيلة في اليمن، ومنع «القاعدة» من الاحتماء بها، وسمى «مشروع استراتيجية الارتباط ما بعد القبيلة»، وخصص له مبلغ 3.4 مليون دولار، بالاشتراك مع جهاز الأمن القومي اليمني. ولكن، بعد انقلاب الحوثي ما عاد معروفا بالضبط ما إذا كان المشروع استمر أم توقف.
كما سبقت الإشارة، ساهم الانقلابيون بشكل مباشر في تمدد «القاعدة» بمحافظات الجنوب، ولقد كشفت الحكومة أخيرا عن علاقتهم بما حدث في المكلا بالذات. وأكدت أن تطهير المدينة من العناصر الإرهابية فضح علاقة الانقلابيين ودورهم في دعم الإرهاب والتطرف، وتماهي أجنداتهم والإرهابيين وتعاونهم المشترك عبر تهريب السلاح والمشتقات النفطية، والتقاء مصلحتهم في تبادل الأدوار الهادفة إلى خلط الأوراق ونشر الفوضى والانفلات الأمني، لعرقلة جهود الدولة في مكافحة الإرهاب والتطرف.
* «الحسبة»
عندما سيطر «القاعدة»في أبريل (نيسان) 2015 على المكلا، كان سكان المدينة المسالمة يعتقدون سكانها بأن جميع المنتمين لهذا التنظيم هم من أتباع صالح، الذي وجه القيادات العسكرية والأمنية الموالية له بتسليم معسكرات الجيش والأمن للإرهابيين. ولقد بُذلت جهود كبيرة من قبل أعيان المدينة لسد الفراغ الذي تركته أجهزة الدولة ومؤسساتها عبر إنشاء مجلس أهلي تمكن من تجنيب المدينة المواجهات المسلحة. كذلك عقد أهالي المدينة اتفاقيات مع قيادات التنظيم المتطرف بينهم ناصر الوحيشي، الذي قتل بعدها بغارة لطائرة أميركية من دون طيار (درون). ونص الاتفاق في حينه على تسليم المرافق كافة وإداراتها إلى المجلس الأهلي الحضرمي، وأن من حق المجلس الأهلي أن يُعين من شاء رئيسا له، على أن يتحمل المجلس الأهلي إدارة الأمن العام ومرافقه. غير أن هذا الاتفاق ظل حبرا على ورق. ولم ينسحب المتشددون من المقرات العسكرية والأمنية؛ حيث أدار المسلحون الشؤون الأمنية والقضائية وفرضوا أفكارهم وممارساتهم المتشددة على الجامعات والمدارس في المكلا، التي لا تزال مغلقة بأوامر من قيادتهم. واستغلوا أيضا المرافق الاقتصادية في تمويل أنشطتهم؛ حيث تقول بعض المصادر إن قيادة «القاعدة» كانت تتسلم مبلغ 5 ملايين دولار أميركي يوميا، من عوائد المشتقات النفطية والبضائع التي كانت تصل إلى ميناء المكلا.
ولكن على الرغم من القوة المسلحة التي تمتع بها التنظيم وبفضلها فرض سيطرته على المدينة، فإن السكان لم يخضعوا لسلطة الأمر الواقع، بل عبروا عن رفضهم لممارسات ما يسمى «لجان الحسبة» في احتجاجات ومظاهرات. ورفعت في هذا الاحتجاجات شعارات ترفض الإرهاب و«القاعدة». كذلك شهد السكان استيلاء مسلحي «القاعدة» على أموال البنوك، إضافة إلى أسلحة ثقيلة استولى عليها من المعسكرات، وإطلاقهم سجناء من السجن المركزي بينهم قيادات من التنظيم.
* عملية التحرير
سبق عملية تحرير المكلا غارات جوية مكثفة لقوات التحالف العربي في أعقاب طلب تلقته هذه القوات من الحكومة اليمنية الشرعية لمساعدتها في طرد عناصر التنظيم من المدينة المحتلة. وبالفعل، استهدفت الغارات الجوية التي شنها طيران التحالف العربي مراكز المسلحين في الميناء والمعسكرات التي اقتحموها، حيث سقط خلالها قتلى وجرحى من قيادة العناصر الإرهابية. وكانت هذه الغارات تمهيدا للاجتياح البري للقوات المشتركة التي تضم قوات يمنية أغلبهم من أبناء محافظة حضرموت، إضافة إلى قوات النخبة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وأكد العميد عون القرني، مساعد قائد عملية تحرير المكلا، بعد إنجاز تحرير المدينة، أن العملية تعد «رسالة واضحة وقوية إلى من يدعم الإرهاب في اليمن». وأضاف القرني «أن التحالف العربي يقف مع اليمن من أجل الشرعية»، لافتا إلى أن «القاعدة» فقد مصادر تمويله في المكلا. ومن ناحية أخرى، عد العميد مسلم الراشدي، قائد القوات الإماراتية في حضرموت، أن «تحرير مدينة المكلا اليمنية من قبضة تنظيم القاعدة هو نصر استراتيجي ليس لأهل اليمن والخليج فقط، بل للعالم أجمع».
ميدانيا، تمت عملية التحرير بغطاء جوي مكثف لطائرات التحالف، تكللت بتحرير مدينة المكلا ومينائها، وأيضا كامل ساحل حضرموت، بما فيه مدينة الشحر وميناء الضبة النفطي ومنطقة غيل باوزير شرقي المكلا. ولقد أكدت القيادة السياسية اليمنية على مواصلة معركتها مع التنظيمات الإرهابية؛ إذ شددت الحكومة في بيان لها أنها لن تتوانى عن «تقديم أي جهد أمني أو سياسي لإلحاق الهزيمة بالإرهاب وملاحقة عناصره الظلامية أينما وجدوا على أرض الوطن»، ومواصلة الضغط وبكل الوسائل الممكنة والعمل مع شركائها في التحالف العربي والمجتمع الدولي، للقضاء على العوامل المساعدة على تمدد الإرهاب وتوفير البيئة المواتية لانتشاره، والمتمثلة في إنهاء انقلاب ميليشيا الحوثي وصالح على الشرعية الدستورية.
وفي هذا السياق، صرح نائب الرئيس علي محسن الأحمر، عقب إنجاز تحرير المكلا، بأن «موقف الدولة ثابت في مكافحة الإرهاب، وهو موقف يتجاوز ادعاءات من يغذيها بمشاريعه الميليشاوية ويسعى لاستخدامها كمبرر لوجوده اللاشرعي»، في إشارة إلى الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وأردف الأحمر: «إن هزيمة الإرهاب والتطرف يعد المسمار قبل الأخير في نعش الانقلابيين الذين طالما سعوا بكل جهدهم إلى إلصاقها باليمنيين كعصا غليظة يلوحون بها نحو مخالفيهم بهدف إجبارهم على إدانة الولاء لهم، كما أنها الورقة الأهم والأكثر خطورة في كواليسهم، التي استجدوا من خلالها الآخرين وحاولوا خلقها للإيمان ببقائهم».
* نكسة الإرهابيين
من ناحية أخرى، يقول سعيد عبيد، المحلل الاستراتيجي اليمني في شؤون التنظيمات الإسلامية: «إن تنظيم القاعدة استفاد من هشاشة الأوضاع، واختار حضرموت، لكن قراره اختيار حضرموت كان اختيارا خاطئا؛ لأن المكلا ليست بيئة حاضنة له. وبالفعل جوبه برفض شعبي عارم من قبل أهالي حضرموت. كذلك كانت سيطرة التنظيم على المكلا خطأ تكتيكيا، وخسر فيها بسبب ذلك الخطأ قياداته وعناصره». واستطرد عبيد قائلا: «التنظيم خسر في المكلا وساحل حضرموت نتيجة عدم امتلاكه أي مشروع سياسي أو اجتماعي، يمكنه من خلاله استمالة المواطن اليمني، بالتالي، كانت خسائره متواصلة، ولم يخسر في فترة واحدة قصيرة».
وعدد المحلل الاستراتيجي اليمني جوانب هذه الأخطاء في الممارسة فقال: «إن تنظيم القاعدة كان يفرض قيودا على حركة السكان ويشدد على حريتهم، كما قام التنظيم بفرض خطباء وموجهين تابعين له، وتعاملت عناصره في مختلف أنحاء حضرموت مع الناس بتعال واستعلاء، اعتقادا منهم بأنهم أكثر فهما للإسلام وتعاليمه من غيرهم».
أما راضي صبيح، وهو صحافي من أبناء حضرموت، فقال: «إن هناك عدة عوامل ساهمت في استعادة مدينة المكلا في وقت وجيز أبرزها: حجم القوة والآليات العسكرية الضخمة والدعم اللامحدود من قوات التحالف العربي، رافق ذلك تغطية إعلامية كبيرة دولية ومحلية، بالإضافة إلى أن أفراد وجنود الجيش هم من أبناء محافظة حضرموت ما شكل قوة ودعما مجتمعيا لهم وعقبة أمام القاعدة في الدخول في صراع مع قبائل المحافظة».
* فرحة السكان
والحقيقة أن تحرير المكلا كانت مناسبة احتفالية للسكان الذين خرجوا للشوارع مهللين فرحين بهذا الانتصار. وتروي نور محمد علي، وهي من سكان المكلا، أن «الاحتفالات لم تتوقف ليلة دخول القوات المشتركة إلى المدينة». مضيفة: «كان مسلحو الحسبة يفرضون علينا كل القيود، ويمنعون عنا الغناء ويعتقلون أي شاب يسمع موسيقى بجواله. لقد استغلوا طيبة أهل المكلا ورفضهم لحمل السلاح ليستبيحوا مدينتهم المسالمة».
وتابعت نور أن يوم دخول الجيش اليمني مع قوات التحالف «كان يوما تاريخيا لكل السكان، فقد علت الزغاريد مع أزيز الرصاص، والشكر لكل من ساهم في تحرير مدينتهم.. لقد انتظر السكان بفارغ الصبر إشراقة الشمس للخروج إلى شوارع مدينتهم ومشاهدتها محررة بعيدا عن رجال الحسبة، وكانت الابتسامة تعلو وجوه السكان الذين ذهبوا إلى خور المكلا للاحتفال بهذا النصر الكبير».
وحقا، بعد يوم واحد من تحرير المدينة، عاود ميناء المكلا عمله، تحت إشراف السلطة المحلية، وباشرت الوكالات الملاحية ودوائر الشؤون البحرية والجمارك والخدمات العامة عملها بطريقة إيجابية، وسارت حركة الشحن والتفريغ بصورة اعتيادية. واستقبل الميناء في اليوم نفسه ناقلتين الأولى محملة بـ5 آلاف و800 طن متري من المازوت، فيما الناقلة الثانية تحمل 9 آلاف و500 طن متري من مادة القمح، إضافة إلى رسو 12 سفينة خشبية تحمل بضائع، ورسو في منطقة البويا العائمة بالميناء ناقلة بترول وعلى متنها 12 ألفا و400 طن متري.
* مدينة المكلا.. في سطور
- المكلا هي عاصمة إقليم حضرموت وعاصمة محافظة حضرموت وثالث أهم مدينة يمنية بعد صنعاء وعدن. تطل المدينة على بحر العرب ويقسمها خور المكلا إلى نصفين، وهي تقع إلى الشرق من عدن وتبعد عنها بنحو (1080 كم).
- بنيت المدينة في منطقة سهلية بين البحر والجبل. وحسب بعض المصادر التاريخية، أسست المدينة في مطلـع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)؛ إذ بوشر بالاستقرار في موقعها في السنة 1035.
- كانت تسمى قديما بـ«الخيمة» حسب المصادر التاريخية، ولم تعرف باسمها الحالي إلا عند إنشاء الإمارة الكسادية في السنة 1115هـ. وازدادت شهرتها ومكانتها عندما اتخذتها السلطنة القعيطية حاضرة لها في سنة 1915م، وأقام فيها السلطان واتخذها مقرا للحكم.
- يبلغ عدد سكانها أكثر من نصف مليون نسمة حسب إحصاءات عام 2005. أما سكانها الأصليون فمن الحضر وتعد مجتمعا حضريا نسبيا، بالنسبة إلى بقية مدن اليمن ذات العمق الريفي والقبلي.
- تتميز المكلا بطابعها المعماري الخاص، وتشتهر بجمال مآذنها ومبانيها البيضاء التي ترتفع إلى أربعة طوابق. ومن أشهر معالم المدينة المعمارية: قصر السلطان القعيطي، حصن الغويزي، والمكتبة السلطانية.
- تتميز المكلا بطابع سياحي خاص؛ مما جعلها محطة استثمارية كبيرة تجتذب المستثمرين والسياح، كما أن رقي أهلها وتحضرهم كان أهم العوامل التي مكنتها من البروز سياحيا وثقافيا، بالإضافة إلى استقرار الأمن فيها.



«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
TT

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني بها الرئيس دونالد ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على ملف العلاقات الروسية مع واشنطن، التي كانت بالكاد شهدت انفراجة واسعة في الأشهر الأخيرة الماضية، وشهدت إطلاق عملية تطبيع للتعاون الاقتصادي والتجاري تُوجت بصفقة الديزل التي أثارت الكثير من الجدل في الولايات المتحدة وخارجها. ومع أن الكرملين أعرب في أول تعليق رسمي عن الأمل بألّا تؤثر النتائج على مواقف الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية والعلاقات مع موسكو، فإن تعليقات متشائمة برزت على مستوى محللين وصفوا سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ بأنها «السيناريو الأسوأ» بالنسبة إلى روسيا.

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف معلقاً على الفوز الكبير للديمقراطيين في الانتخابات النصفية والذي وُصف بأنه بمثابة «موجة زرقاء» اكتسحت معاقل الجمهوريين، إن موسكو تأمل أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي».

واعتبر الناطق أن الإدارة الأميركية حققت رزمة من الإنجازات على هذا الصعيد، كان أحدثها «نجاح جهود ميلانيا ترمب في حفظ السلام والعمل الإنساني»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته السيدة الأولى في الولايات المتحدة لإنجاز «هدنة أوليشكي» الإنسانية.

وقال بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين حول النتائج: «يواصل الرئيس ترمب ممارسة صلاحياته. ونأمل بصدق أن يواصل جهوده في حفظ السلام. هناك تطوراتٌ جارية، وستُعقد الجولة المقبلة من المباحثات الثلاثية قريباً». وعند سؤاله عما إذا كان الكونغرس الأميركي سيتدخل لعرقلة تحركات الرئيس ترمب، أجاب الناطق الروسي بأن «هذا شأنٌ أميركي داخلي، نحن نأمل أن الأمور ستسير على ما يرام».

في السياق ذاته، جاء تعليق السياسي غريغوري كاراسين، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (الشيوخ)، الذي أكد أن الرئيس الأميركي «من غير المرجح أن يغيّر مساره السياسي بعد انتخابات الكونغرس». وأكد كاراسين قناعة بأن ترمب «سيواصل النهج نفسه الذي اتبعه حتى الآن في القضايا الخارجية والداخلية».

تخوّف روسي من تداعيات سلبية

في المقابل، رجّح خبراء روس تداعيات سلبية للغاية على العلاقة مع موسكو، وحيال الصراع الروسي - الأوكراني، بل توقع المحلّل البارز بافيل شوميلوف أن «تضعف قبضة ترمب على السلطة بعد انتخابات التجديد النصفي».

ومع إشارة شوميلوف إلى تداعيات فوز الديمقراطيين في مجلس النواب على ملف العقوبات المفروضة على روسيا في إطار عرقلة أي مساعٍ لتخفيف بعض القيود أو إلغائها، رأى المحلل الروسي أن «لدى ترمب فرصة واحدة لتخفيف حدة التأثيرات على سياساته تجاه روسيا وملف التسوية في أوكرانيا، من خلال تسريع خطواته في الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية».

في غضون ذلك، أشارت يوليا دافيدوفا، الأستاذة المشاركة في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، إلى أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي أمر شائع في الولايات المتحدة. وبحسب رأيها، يعود ذلك إلى «إرهاق» الناخبين بالضغوط الرئاسية وما يترتّب عليها من أصوات احتجاجية.

وفي منظور دافيدوفا، فإن فوز الديمقراطيين «يزيد من خطر الخلافات حول الميزانية وإغلاق الحكومة» الأميركية، وفي الوقت نفسه سيحول دون تطبيق مبادرات ضريبية جذرية ونمو غير منضبط في الإنفاق الحكومي. ووفقاً للخبيرة الروسية، فإن هذا الوضع السياسي سيزيد بلا شك من حدة النقاشات حول سقف الدين والضرائب والإنفاق الاجتماعي.

في الوقت نفسه، يعتقد المحلل ياروسلاف كاباكوف أن هذا يعني بالنسبة للولايات المتحدة مواجهة ترمب عقبات سياسية كثيرة، بينها التحقيقات، والصراع حول الميزانية، والتعريفات الجمركية، والسياسة الخارجية... في حين سيتقلّص هامش إطلاق مبادرات إدارية جديدة بشكل حاد.

والأهم بالنسبة إلى روسيا - وفق كاباكوف - وجود احتمال بأن يصيب «شلل» سلطة ترمب، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمدى قدرة الإدارة على الحفاظ على نافذة لعقد اتفاقيات اقتصادية. ومع توقع الخبراء تراجعاً في سلطة ترمب، فإن السؤال الأبرز هو عن «مدى هذا التراجع».

يرجح في أوساط المحللين الروس

بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس أن تكون اتصالات الولايات المتحدة

مع روسيا محدودة

«سيناريوهات» ثلاثة

كان خبراء روس قد وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة عشية توجّه الناخبين الأميركيين إلى مراكز التصويت:

السيناريو الأول: «كونغرس منقسم» رأوا أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويستعيد الديمقراطيون بموجبه السيطرة على مجلس النواب، في حين يبقى مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، أو ينتقل إلى الديمقراطيين بفارق ضئيل. بالنسبة لروسيا، كان هذا سوف يعني «انفراجة مؤقتة»، بسبب انشغال الكونغرس والبيت الأبيض بالصراعات الداخلية، ما قد يُعرقل مبادرات كل منهما، ويقلّل تركيز واشنطن على السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستبقى العقوبات المفروضة على روسيا سارية - وهي مدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء - ولكن حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه.

ورأى هذا السيناريو أنه إذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين فستكون أمام الرئيس فرصة قوية للتوصّل إلى اتفاقات واسعة مع روسيا بشأن قضايا مختلفة.

السيناريو الثاني - وهو الذي حصل بالفعل: سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، وقد وصفه الخبراء بأنه سيكون «أسوأ سيناريو بالنسبة إلى روسيا»؛ إذ سيجري الديمقراطيون تحقيقات ضد ترمب، ويعرقلون تعييناته، ويُصعّدون من حدة الخطاب التشديدي للعقوبات. لكن هذا السيناريو استبعد نجاح الديمقراطيين في عزل ترمب، لكن بالنسبة لروسيا هذا يعني فرصاً أقل لعقد صفقات سريعة، ومخاطر أكبر لفرض ضغوط عقابية جديدة.

أما السيناريو الثالث، الذي كان يبدو مفضّلاً لدى الكرملين لكن نتائج الانتخابات بدّدته، فكان يتمثل في محافظة الجمهوريين على سيطرة مريحة في مجلس الشيوخ. ورأى خبراء روس أنه رغم كونه «السيناريو الأفضل بالنسبة لنا، فإنه لا يشكّل اختراقاً؛ إذ سيتمتّع ترمب بمزيد من الحرية، وستكون الصفقات مع روسيا ممكنة. لكن الأمر الأهم هو أن المشاعر المعادية لروسيا في الكونغرس لن تختفي، وسيتعيّن فرض أي اتفاق بالقوة».

الواقع أنه حتى قبل التصويت توقع العديد من الخبراء الروس أن خسارة السيطرة على الكونغرس ستُعقّد جهود ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما من خلال التأثير على تطوير العلاقات مع روسيا والضغط على أوكرانيا. لكن في المقابل، رأى خبراء أن ترمب لن يُقدم على تراجع كبير في سياسته الخارجية، التي اعتمدت أصلاً على علاقاته الشخصية ورؤيته الخاصة، كما ذكر نائب مجلس «الدوما» وعالم السياسة ألكسندر أسافوف.

ترمب يواصل دوره المحوري خارجياً

أسافوف أعرب عن قناعة بأن ترمب «سيواصل اتخاذ قراراته بنفسه. ومع ذلك، لا أستبعد أن تتباطأ وتيرة إعادة بناء العلاقات بشكل ملحوظ؛ إذ سيتوجّب على الرئيس الأميركي حل المشاكل داخل الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي سيلجأ بنشاط إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع الكونغرس من عرقلة تحركاته، على الرغم من أن هذا الأداء سيضاعف المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة.

عالمة السياسة أناستاسيا غافاروفا تشارك أسافوف هذا الرأي؛ فوفق تحليلها سيبقى أهم شيء في العلاقات مع روسيا دون تغيير، ألا وهو الاعتماد على العلاقات الشخصية والتقلّبات المعتادة. وأردفت: «أعتقد أن ترمب سيواصل في المستقبل القريب التمسك بنهجه السابق، وسيسعى لعقد صفقات، حتى في إطار ثلاثي مع الصين». وأوضحت عالمة السياسة الروسية أنه «بشكل عام، ونظراً لضعف صلاحياته السياسية الداخلية، من المرجح أن يحاول ترمب تحقيق نجاح تاريخي في مجال يُعتبر أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية، ألا وهو السياسة الخارجية».

وفي سياق متّصل، أضافت غافاروفا: «لن يتخلّى ترمب عن فكرة إحياء مشروع إمداد الغاز (نورد ستريم 2). وبشكل أعمّ عن جني الأرباح من تجارة المحروقات في أوروبا. وهناك أيضاً قضايا أمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ... وكلها تتطلّب حواراً مع روسيا، وهو حوار لن يتخلى عنه، وإن لم يخلُ الأمر من ردود فعل عاطفية». وأردفت: «سيعرقل الكونغرس الاتفاقيات القائمة، وسيعرقل عملية التنفيذ. لكن في جوهر الأمر، فعل الكونغرس المؤيد لترمب الشيء نفسه فيما يتعلق بروسيا؛ لذا لن يتغير الكثير على أرض الواقع».

سياسة الرئيس ترمب الروسية أمام حسابات التأثير المحتمل لتغيّر ميزان القوى في الكونغرس (أ.ف.ب)

حول الحرب الإيرانية وحساباتها

في المقابل، رأى المحلل السياسي ألكسندر ليونوف أن الكونغرس سوف يشكل رادعاً إضافياً للرئيس ترمب إذا ما أشعل جولة جديدة من الحرب مع إيران. وبحسب المحلل، فإن استئناف الأعمال العدائية أمرٌ واردٌ كـ«عمل يائس من جانب الرئيس الأميركي»، لكن السؤال هو: هل سيُقدم على ذلك بعد التطوّرات المتعلقة بهذه النتائج؟

ومن ثم، أكّد ليونوف أنه «من حيث المبدأ، التصعيد مُمكن. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الحرب نفسها، على سبيل المثال، تتطلّب تمويلاً إضافياً. وهل سيحصل ترمب على هذا التمويل في هذا الكونغرس؟ لنتذكّر ما قاله الجمهوريون: إذا استمر ترمب في التودّد إلى روسيا عبر ملف وقود الديزل وغيره، فلن يُصوّتوا لصالحه ببساطة».

عودة إلى المحلل ياروسلاف كاباكوف، الذي يرجّح أن يكون لفوز الديمقراطيين آثار سلبية على روسيا على المدى القصير وبشكل مباشر؛ فقد يتخذ الكونغرس موقفاً أكثر صرامة بشأن العقوبات وأوكرانيا؛ لذا لا يُعوّل على رفع سريع للقيود. ويضيف: «لكن لا توجد علاقة مباشرة بين فوز الديمقراطيين وتشديد العقوبات». وسيظل موقف ترمب واستعداده للتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا العاملَ الحاسم.

واستطراداً، بالنسبة للأصول الروسية - وفق كاباكوف - لا يكمن الخطر الرئيس، وفي الوقت نفسه «الفرصة الأهم»، في الانتخابات، بل في المفاوضات اللاحقة بين واشنطن وموسكو. فإذا سارع ترمب بالمفاوضات بعد الانتخابات، فقد يفوق أثر الانفراج الجيو-سياسي الإشارة السلبية الصادرة عن الكونغرس الجديد. وخلص المحلل الخبير إلى أنه في حال التوصل إلى موقف توافقي بين الحزبين لتشديد الضغط على روسيا، فستشهد السوق الروسية انخفاضاً جديداً.

ترجيح تراجع الاتصالات

في أي حال، فإن الرأي الغالب لدى أوساط المحللين الروس أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس من المرجح أن تكون اتصالات الولايات المتحدة مع روسيا محدودة. ولكن في المقابل، ومع انتظار اتضاح الموقف الرسمي في أوكرانيا، بدا الارتياح واضحاً في تعليق بعض الخبراء. وبرغم التوقعات بأن هزيمة الجمهوريين في الكونغرس ستوفر «مهلةً مؤقتةً لأوكرانيا»، ترى بعض التعليقات أنها لن تُنقذها تماماً.

في هذه الأثناء، بدت الأوساط الروسية قلقة حيال أن «معظم الديمقراطيين البارزين يُدافعون باستمرار عن تقديم المساعدات لأوكرانيا، وبالتالي يُمكن للكونغرس البدء في تهيئة الظروف اللازمة لدعم أوكرانيا. مع ذلك، لا ينبغي اتخاذ خطوات سريعة على الفور؛ فحتى لو قرّر الديمقراطيون زيادة المساعدات لكييف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات قد يستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات. وهذا في حين أن كييف بحاجة ماسّة إلى المساعدات الآن». وهذا ما لحظه الخبير مالك دوداكوف، الذي كتب: «بالطبع، سيحتفل الأوروبيون والأوكرانيون الآن بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن تُعاد جميع المساعدات بالكامل في أي وقت قريب».

وأخيراً، أيضاً في سياق التوقعات، رأى ألكسندر ليونوف، مدير مركز «بنتا للأبحاث السياسية»، أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس سيكون كبح جماح رغبة ترمب في التقارب مع روسيا أسهل بكثير.

وتابع: «يمكننا الآن مناقشة ما إذا كانت المساعدات لأوكرانيا ستُستأنف، ومقدارها... إلا أن النتيجة الرئيسة التي يمكن تأكيدها بوضوح هي أن التقارب مع روسيا لن يكون ممكناً بعد الآن. من الواضح أن فرص بوتين، على سبيل المثال، في مناقشة مشاريع اقتصادية مشتركة مع ترمب عبر (كيريل) ديميترييف ستتضاءل، على ما أعتقد. لذلك، من المرجح أن يتم تقليص هذا النهج».وبحسب ليونوف، قد يبدأ الكونغرس بالضغط على روسيا بشأن المبادرات التشريعية في أعقاب الهجمات الروسية المطوّلة على قطاع الطاقة الأوكراني ومقتل المدنيين.


جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
TT

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل بانتصاره بعدما تجاوز اختبار البقاء؟ فالسيناتور عن جورجيا، البالغ 39 سنة، خرج من الانتخابات النصفية وقد عزز موقعه بين الوجوه التي يراقبها حزب يبحث عن قيادة، وعن صيغة تجمع ناخبين توحدهم الاعتراضات على الرئيس، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل. وفي ملامحه الهادئة وخطابه الحازم، يجد مؤيدوه وعداً بتجديد سياسي لا يكتفي بتغيير الأعمار. غير أن الطريق من أتلانتا إلى الزعامة الوطنية ليس مفتوحاً تلقائياً. فقد نفى أوسوف رغبته في خوض انتخابات الرئاسة عام 2028، وتعهد خلال الحملة بإكمال ولايته في مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن فوزه على الجمهوري مايك كولينز يعيد طرح السؤال الذي لا يستطيع نفي الطموح إلغاءه: هل يملك هذا السياسي القدرة على تحويل ائتلاف محلي ناجح إلى مشروع يجمع حزباً منقسماً، ويمنحه سبباً للحكم يتجاوز معارضة ترمب؟

ولد جوناثان (جون) أوسوف في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا وكبرى مدنها، في فبراير (شباط) 1987، وتخرّج في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن، قبل حصوله على درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد المرموقة في العاصمة البريطانية. وفي خلفيته العائلية، يتحدّر أوسوف من عائلة يهودية الأب، وهو متزوّج من الطبيبة أليشا كرامر، ولهما ابنتان.

في بدايات مسيرته، التحق أوسوف متدّرباً بمكتب جون لويس، أحد أبرز رموز حركة الحقوق المدنية، ثم عمل مساعداً للنائب هانك جونسون في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. وبحسب سيرته الشخصية، لم يصل إلى السياسة من خارج مؤسساتها، لكنه لم يمضِ حياته المهنية كلها داخلها.

صحافي استقصائي

أوسوف عمل في الصحافة الاستقصائية وإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدار شركة «إنسايت تي دبليو آي». وتُقدمّ حملته هذه التجربة بعدِّها أساس اهتمامه بانتهاكات الحقوق وإساءة استخدام السلطة. وفي هذا المسار ما يفسّر، بالفعل، جانباً من شخصيته العامة، بوصفه سياسياً يهتم بكيفية رواية القضية، وباختيار التفاصيل التي تجعل فساداً مؤسسياً أو تقصيراً إدارياً ظاهرة مفهومة لجمهور لا يتابع جلسات اللجان.

اختباره الانتخابي الكبير الأول جاء عام 2017، حين ترشّح لمجلس النواب في إحدى دوائر ولايته جورجيا، وسرعان ما تحوّلت تلك الانتخابات الخاصة إلى مواجهة وطنية مبكّرة مع ترمب في ولايته الأولى. وبحسب صحيفة الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة، كسب أوسوف اهتماماً وجمع أموالاً... غير أنه خسر أمام الجمهورية كارين هاندل. تلك الخسارة كانت تنبيهاً مهماً إلى أن الحماسة الوطنية والظهور الإعلامي لا يكفيان للفوز، بل لا بد للمرشح الذي يطمح لأن يغدو رمزاً لحزبه من أن ينجح في إقناع ناخبين لا يريدون التصويت لرمز حزبي.

تجربة ناجحة حملته إلى مجلس الشيوخ

وحقاً، عاد أوسوف ليجرّب حظه، هذه المرة، في انتخابات مجلس الشيوخ. وهذه المرة هزم منافسه الجمهورية ديفيد بيرديو في جولة الإعادة يوم 5 يناير (كانون الثاني) 2021، بالتزامن مع فوز زميله القس الديمقراطي رافائيل وارنوك.

بهذا الفوز أصبح أوسوف أول سيناتور يهودي يمثل جورجيا، كما أصبح وارنوك أول سيناتور أسود لها. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» جاء هذان الانتصاران التاريخيان قبل يوم واحد من اقتحام الكابيتول، فارتبط صعودهما بلحظة كشفت عمق الصراع على الديمقراطية الأميركية.

إما إعادة انتخابه، بالأمس، فتمنحه الآن حجة أقوى... مفادها بأن نجاحه الأول لم يكن واقعة يتيمة.

هدوء لا يستبعد الهجوم

المفارقة في السيناتور أوسوف أن صورته الشابة، وقوامه النحيل، وملامحه الهادئة قد توحي بأنه سياسي يتجنب الاشتباكات، في حين أن جاذبيته لدى جمهور ديمقراطي تقوم على قدرته على خوضها.

إنه لا يعرض الاعتدال بوصفه خفضاً دائماً للصوت أو الإحجام عن تسمية الخصم. بل يجمع أداءً منضبطاً وانتقادات حادة، ما يمنح أنصاره إحساساً بأن الدفاع عن المؤسّسات لا يقتضي الظهور بمظهر العاجز أمام من يهاجمها.

وخلال حملته، استهدف ما سماه «تبعية» السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (التي خسرت سباقها لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين) لترمب، وواجه الرئيس بانتقادات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

ووفق «أسوشييتد برس»، كانت تجمّعات أوسوف تُعَدّ بعناية، بينما يحوّل مساعدوه مقاطع خطبه سريعاً إلى مواد تنتشر على المنصّات. وهنا كانت تلتقي خبرته بالصورة مع حاجة الحزب إلى ناطق بليغ يستطيع الوصول إلى جمهور ما عادت البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية كافية لاستمالته.

لكن مهارة التواصل ليست برنامجاً، في حين أن قيمة أوسوف السياسية تتوقّف على استخدام هذا الانتشار لبناء ثقة تستمر بعد انتهاء المواجهة. إذ سبق للديمقراطيين أن عرفوا مرشحين جذّابين ومقاطع رائجة، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الشك في قدرتهم على تحسين الحياة اليومية. وبالتالي، سيكون اختباره الأصعب أن يحافظ على وضوح خطابه حين يصبح مُطالَباً بتفسير تسويات تشريعية معقّدة، لا بمهاجمة خصم انتخابي فقط.

الاقتصاد عبر الفساد

يحاول جون أوسوف، في صلب عرضه السياسي، وصل سؤالين كثيراً ما يفصل بينهما الخطاب الحزبي: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ولمن تعمل السلطة؟

إنه يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة. وفي نصِ نشره عن الفساد، ربط بين اختلال السياسة وقدرة المؤسسات المالية على شراء المنازل، منتقداً اعتماد النظام السياسي على أموال الشركات والأثرياء عبر الحزبين.

غير أن خطابه هذا امتد تشريعياً، حين شارك في جهود لحظر تداول أعضاء الكونغرس الأسهم. فقد طرح مع السيناتور مارك كيلي مشروعاً لحظر «لجان العمل السياسي» التابعة للشركات الربحية، لكن لم يجر إقراره بعد. أما على صعيد الرقابة، فقد أسهم في إقرار قانون لتعزيز الإشراف المستقل على السجون الفيدرالية، بما يتيح له الاستناد إلى حصيلة عملية إلى جانب الوعود.

وتشمل مواقفه الدفاع عن قانون «الرعاية الصحية الميسَّرة»، والسعي إلى استعادة الإعانات المعزّزة لأقساط التأمين، ومعارضة التغييرات الجمهورية في التأمين الصحي «ميديكيد». وبحسب الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» تناول أيضاً قضية شراء الشركات الكبرى المساكن، واستخدم أدوات التحقيق في مجلس الشيوخ لتوثيق أثر قيود الإجهاض في الرعاية الطبية. وهذه الملفات تمنح عباراته عن السلطة والمال ترجمة ملموسة: فاتورة تأمين، ومنزل يصعب شراؤه، وعلاج تتدخل فيه السياسة.

تنسجم هذه المقاربة مع تقرير في الـ«وول ستريت جورنال» عن توحّد الديمقراطيين حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وبحسب التقرير، اعتبر 89 في المائة من الناخبين كلفة الحياة عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم. ويضيف أن الاتفاق على المشكلة لا يحسُم العلاج، إذ يستطيع الوَسَطي والتقدمي الشكوى من الفاتورة نفسها، ثم الاختلاف جذرياً حول الضرائب والتأمين ودور الحكومة. وهنا يبدأ العمل الذي أخّره الانتصار ولم ينجزه.

ائتلاف بلا قطيعة

في الحقيقة، لا يختصر جون أوسوف نفسه في جناح آيديولوجي واحد، كونه يحتاج إلى تعبئة القاعدة الديمقراطية، وإلى طمأنة مستقلين وناخبين قابلين للانتقال بين الحزبين. وفي جورجيا، يمر بناء غالبية ديمقراطية عبر ربط قوة الناخبين السود بقطاعات من الضواحي والشباب والأقليات، مع تجنّب منح المتردّدين انطباعاً بأن التصويت للحزب يتطلب تبنّي جميع مواقف أكثر تياراته صخباً. وفعلاً، وفق مصادر إعلامية حصل أوسوف على تأييد حتى بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين الذين أشادوا بعمله في الإغاثة والبنية التحتية والتمويل الفيدرالي. وتضيف المصادر أن هذه نقطة مهمة في فهم أسلوبه، إذ يمكنه مهاجمة ترمب وطنياً، والعمل مع جمهوريين محلياً، وإقناع بعضهم بأن العلاقة معه تُقاس أيضاً بما ينجزه لدوائرهم. فالاستقطاب الوطني لا يلغي تماماً مساحة المصالح المشتركة.

مع ذلك، يصعب اعتبار أوسوف نقيضاً جذرياً للتقدميين، فمقاومة نفوذ الشركات، والرقابة على السلطة، وحماية الحقوق، مواضيع يتقاطع فيها معهم. في حين يتعلّق الاختلاف بترتيب الأولويات وصياغة الرسالة وحدود الالتزام ببرامجهم. وهو لا يجعل الانتماء إلى اليسار عنوان مشروعه، ولا يثبت استقلاله عنه بتبنّي خطاب خصومه، بل يحاول إبقاء مساحة تسمح لمجموعات مختلفة بأن تجد سبباً لتأييده. أيضاً، لا يجوز افتراض أن نتيجة الانتخابات تكشف وحدها التركيب الدقيق لذلك الائتلاف. فمعرفة حجم اختراق أوسوف بين الجمهوريين، أو أثر مشاركة الشباب والناخبين السود، تحتاج إلى بيانات تفصيلية. ثم إن فوزه جاء في موجة وطنية مواتية وأمام منافس واجه مشاكل سياسية. وبالتالي، فالنجاح يثبت قدرته على استثمار الفرصة، لكنه لا يثبت بعد أن نموذجه قابل للنقل إلى كل ولاية.

إسرائيل وحدود التوازن

يشكل ملف إسرائيل اختباراً كاشفاً لموقعه داخل الحزب. فأوسوف يجمع تأييد أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكومتها، وصوّت لتقييد بعض مبيعات السلاح، من دون تبني وقف شامل للدعم العسكري. وفي بيان رسمي بشأن التصويت الذي جرى عام 2025، رفض أوسوف صمت مجلس الشيوخ على حرمان المدنيين في غزة وتجويع الأطفال، مع تأكيد أهمية ردع الهجمات على الإسرائيليين وانتقاد «حماس» واحتجازها الرهائن.

غير أن هذه الموازنة لم تكن مريحة انتخابياً له. إذ أثارت مواقفه من السلاح انتقادات في أوساط يهودية مؤيدة لإسرائيل، لكنها لم تجعله تلقائياً ممثلاً لمواقف الجناح الأكثر يسارية. والأدق أنها تعكس محاولة للفصل بين حماية الإسرائيليين ومنح حكومة بنيامين نتنياهو «موافقة مفتوحة» على طريقة إدارة الحرب. وهنا تصبح هويته اليهودية جزءاً من سياق مواقفه، لا تفسيراً كافياً لها.

هذه القضية تبيّن حجم المهمة أمام أي قائد ديمقراطي مقبل. فجمع الناخبين حول الأسعار أسهل من توحيدهم حول حرب وهوية وطنية وحدود استخدام القوة. كما يستطيع أوسوف أن يقدّم أسلوباً لإدارة التباين، لكن احتواءه داخل ائتلاف انتخابي لا يعني تسويته سياسياً. وبالتالي، إذا اتسع دوره، فسيواجه مطالب متعارضة للحصول على إجابات أكثر حسماً.

اختبار ما بعد الفوز

عموماً، تكمن جاذبية أوسوف في جمع عناصر يحتاج إليها الديمقراطيون: سن أصغر، وخبرة تشريعية متراكمة، وقدرة على التواصل، وسجل انتصارات في ولاية تنافسية. لكنه في المقابل، لم يتولَّ منصباً تنفيذياً، ولم يختبر بعد إدارة تنافس وطني داخل حزبه. لكن الأهم أن الفوز الكبير الأخير لا يمنح الحزب الديمقراطي تفويضاً مفتوحاً.


نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)
TT

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة الحزب. لكن التمييز يظل ضرورياً بين نجم انتخابي صاعد، وصاحب مشروع وطني، ومرشح رئاسي محتمل. فالانتصار قد يفتح الباب، لكنه لا يمنح الفائز تلقائياً تنظيماً وطنياً أو برنامجاً جاهزاً للرئاسة.

جيمس تالاريكو، الذي اخترق تكساس، مثّل فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ إحدى أبرز المفاجآت. فالمشرّع والمعلم السابق، البالغ 37 سنة، يجمع خطاباً اقتصادياً شعبوياً ولغة دينية يستمدها من دراسته اللاهوتية. وتكمن أهميته في مخاطبة جمهور محافظ ثقافياً من داخل مفرداته الأخلاقية، مع تحدّي نفوذ الأثرياء. وهو يطرح سؤالاً يتجاوز مستقبله الشخصي: هل يستطيع الديمقراطيون استعادة لغة الإيمان من دون تبني سياسات اليمين؟

أما عبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وذلك عن ميشيغان، فقد منح فوزه الجناح التقدمي حجّة ضد القول إن الفوز في الولايات المتأرجحة يتطلّب دائماً الابتعاد عن اليسار. لقد خاض السيد حملة تقدمية صريحة، بدعم من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. لكن قدرته على تحويل هذا الانتصار نفوذاً وطنياً ستتوقف على أدائه التشريعي وتوسيع تحالفاته، لا على رمزية الاختراق وحدها.

هينوهوسا (أ.ب)

روب ساند وآدم هاميلتون، لقد قدم فوز الأول بحاكمية آيوا والآخر بمقعد كانزاس في مجلس الشيوخ نموذجين مختلفين في الاستقلالية عن العلامة الحزبية. ركز ساند على المساءلة وتحسين الحكم، في حين قدّم هاميلتون، القس الذي كان جمهورياً في بداية العام، نفسه جسراً إلى المعتدلين. وهما يمنحان الوسطيين حجة موازية لحجة التقدميين: يمكن توسيع الخريطة أيضاً بمرشحين يتركون مسافة بينهم وبين الحزب الوطني.

جينا هينوهوسا في تكساس، وكيشا لانس بوتومز في جورجيا، وآمي أكتون في أوهايو، الحاكمات الجديدات، يفتح فوزهنّ مسارات جديدة للقيادة ورصيداً يحتاج إلى إنجاز. وتكتسب بوتومز مكانة تاريخية كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة ولاية. لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية يعني أن اختبار الخدمات والموازنات سيبدأ سريعاً، وقد يعيد ترتيب الشعبية التي صنعتها الحملات.

ومع ذلك، حافظت بعض الأسماء الديمقراطية الراسخة على حضورها. فقد تعزّز موقع جوش شابيرو بانتصاره في بنسلفانيا، واحتفظ حاكم ماريلاند ويس مور وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر برصيد تنفيذي بعد إعادة انتخابهما. ويظل غافين نيوسوم وآندي بشير ومارك كيلي ضمن الأسماء المطروحة وطنياً، إلى جانب أوكاسيو كورتيز في النقاش حول قيادة التقدميين، بحسب «أسوشييتد برس».