«الطباخ».. كتاب يعرض تطورالطبخ وآداب المائدة

الانتقال من الصيد إلى الزراعة أفقد الأنثى حرفة الطهي لصالح الرجل

«الطباخ».. كتاب يعرض تطورالطبخ وآداب المائدة
TT

«الطباخ».. كتاب يعرض تطورالطبخ وآداب المائدة

«الطباخ».. كتاب يعرض تطورالطبخ وآداب المائدة

لا شك أن المغرمين بالطعام والطبخ وعالم المطبخ، سيجدون في كتاب «الطباخ.. دوره في حضارة الإنسان: التطور التاريخي والسوسيولوجي للطبخ وآداب المائدة»، وجبة دسمة ولذيذة ومهمة ورائعة للدماغ، لا تقل أهمية عن وجبات الطعام الطيب ذاته. ويمكن القول إن «كتاب بلقيس شرارة أيضا من أهم الكتب الموسوعية الخاصة بعالم الطبخ والطبيخ التي صدرت باللغة العربية منذ سنوات طويلة جدا». «الطباخ» ليس كتابا، بل موسوعة حقيقية يصعب حصرها ومتابعتها كلها في مقالة صغيرة؛ إذ يتوزع على 15 فصلا تتناول الإنسان منذ بداياته الأولى، أي بدايات تطوره إلى عولمة المطاعم وحركة الطعام البطيء.
وباختصار، تبدأ الكاتبة التي لم تترك أي شاردة أو واردة في عالم الطعام لم تتعرض لها، بالعصر القديم تناقش تطور دماغ الإنسان والنار والطبخ وتطور السكين ثم تنتقل إلى عالم الزراعة التي تعدّ النقلة الكبرى في حياة البشر. وفي الفصل الثاني تتعرض إلى حضارة وادي الرافدين ووادي النيل، وبالأخص مواضيع العبيد والتراكيب الاجتماعية وآداب الطعام، ودور المرأة وأدوات الطبخ والولائم والمطبخ الحرفي وحوانيت. وفي الفصل الثالث، تركز بلقيس شرارة على العصر الأثيني وموضوع التضحية، وظهور الطباخ المستقل عن الكاهن، ونظرة الفلاسفة إلى الطباخ وكتاب عشاء الحكماء، إلى الكتابة عن الطبخ وطبيعة الطعام الذي كان يتناوله الإغريق، وآداب ذلك الطعام ومسائل التخمة والاعتدال. وفي الفصل الرابع، تذهب شرارة إلى عالم الرومان وروما ومتعها، ودور الكهنة وأهمية المطبخ الروماني، الموقف ضد الإسراف وذواقة الطعام وكتابي ساتريكون وابيسيوس عن الطبخ والأبيقورية، إلى أسباب انهيار الإمبراطورية الرومانية. ثم تأخذنا شرارة إلى الصين وحضارتها بالتفصيل من دولة شانج إلى آداب الطعام الصيني والعيدان والشاي وتطور أساليب الطبخ، والكتابة عن الطبخ والمعكرونة ومدارس الطبخ، وأخيرا حرب الأفيون مع البريطانيين التي انتهت بسيطرة البريطانيين على هونغ كونغ. وفي الفصل السادس، تأخذنا شرارة إلى الهند وطقوسها وعالم المطبخ فيها وغزو المسلمين لها، والطباخ أيام المغول وولائمهم في عصر الراج أيام البريطانيين. وفي الفصل السابع، تنتقل الكاتبة إلى الحضارة الإسلامية وتتعرض إلى أيام الأمويين ومآكلهم، وعالم الطعام وكتبه ووجباته أيام العباسيين. ومن الكتب التي تقف عندها شرارة أيام العباسيين هي كتب ابن سيار الوراق والبغدادي، ثم تأخذنا إلى العصور الفاطمية والمملوكية قبل أن تنتقل إلى الأندلس وعالم المطبخ أيام الموحدين، وبعدها إلى العصر الصفوي في إيران والمطبخ الإيراني، والعصر العثماني ودور القهوة والشاي، وقضايا تدريب الطباخين، ومميزات هذا المطبخ العريق. في الفصل الثامن، تنتقل شرارة إلى العصر البيزنطي، وفي الفصل التاسع إلى العصر الوسيط ودور الكنسية في عالم الطعام، وبعدها إلى الحروب الصليبية وتأثير المطبخ العربي. وفي هذا الفصل تتعرض الكاتبة لمواضيع شيقة ومهمة، مثل مشاكل الطباخين والطباخين بصفتهم فنانين، ونقابة الطباخين ومسائل السحر والطب ودور المرأة في الطعام.
في الفصل العاشر، تأخذنا الكاتبة إلى عصر النهضة، وخصوصا قضية تأثير الطباخين الإيطاليين، الإسراف، آداب المائدة والطعام في باريس وإسبانيا وإنجلترا وألمانيا وهولندا. وفي الفصل الحادي عشر، عصر لويس الرابع عشر، تتحدث شرارة عن أهمية الشوكة والمنديل والكرسي، ولائم الملك والشيف، وبداية الطبخ الراقي والطباخين الهواة، وعدد من مشاهير الطباخين والمطبخ الألماني. وفي الفصل الثاني عشر، تشرح شرارة مواضيع البرجوازية الفرنسية والصلصة، ظهور المطاعم والمطعم الروسي وفولتير وروسة ودور الطاهيات في إنجلترا. أما في الفصل الثالث عشر، فتتطرق بلقيس شرارة إلى ثورة المطاعم والذواقة المحترفين، دور الكتاب والمفكرين أيام نابليون قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية وتطور عالم الطعام فيها. في الفصل الرابع عشر، وهو عصر الثورة الصناعية، تتناول شرارة دور الموسيقيين والكتاب والطبخ في العصر الفيكتوري وتأسيس مدارس الطبخ والطبخ الصحافة، وفي الفصل الأخير تأخذنا الكاتبة إلى الطعام بوصفه سلاحا في الحروب، دور التلفزيون، عولمة المطاعم وحركة الطعام البطيء.
تقول شرارة في مقدمتها «إن الإنسان قديما ابتكر ثلاثة مستجدات رئيسية، وهي أداة الطرق والقص، استعمال النار في الطبخ واللغة، أو تطور ثقافة الحوار الاجتماعي. وكان على الإنسان ابتكار حرفة تهيئة وجبة الطعام، وأدوات الطهي، واختيار مواد الطعام وتحويل المواد الخام إلى طعام يأكل، إضافة إلى تنظيم الطقوس ومواعيد تناول الطعام». وتضيف الكاتبة، إن ضرورة تهيئة وجبة الطعام لم تظهر مع ظهور الإنسان، «بل سبقته لأنها كضرورة حياتية تشترك بها الكيانات الحية كافة. لكن مع ارتقائه إلى إنسان عاقل، أصبح إرضاء هذه الضرورة يتطلب ابتكار طرائق مستجدة تتنوع وتتطور مع تطور مجتمع الجماعة، وبالتالي حضارة الإنسان».
وتكشف شرارة عن تطور طبيعة العلاقة بين الذكر والأنثى من خلال الطعام، ففي عالم مجتمع الصيد والزراعة وإنتاج الفائض، تقول شرارة «إن الذكر كان يقوم بعمليات الصيد وحماية الجماعة، فكانت أدوات الصيد أبسط من أدوات الطهي على صعيد الجهد المطلوب لإنتاجها؛ ولهذا كانت الأنثى تتمتع بموقع مرموق في المجتمع». وبعد مرحلة الصيد، ابتكر الإنسان الزراعة، أي منذ 15 ألف سنة، «وفيما لم يكن لملكية الأرض قيمة في مجتمع الصيد، أصبح للأرض قيمة يتعين الحفاظ عليها.... مما تتطلب قدرات قتالية أكثر تقدما للدفاع والحفاظ عليها»؛ مما منح الذكر أهمية اجتماعية جديدة، حيث أصبح هو الملك للأرض وهو المهيمن على مقدرات المجتمع الذي ينتمي إليه، ولذا عمل على إخضاع مقام الأنثى لسيطرته؛ مما أدى إلى تغيير تركيبة المجتمع... «فدخل الرجل في خصام مع مقام الأنثى، التي كان لها دور كبير في إدارة العائلة والمجتمع وكانت حرة من هيمنة الذكر، كما كان الذكر حرا من هيمنتها.
ولم يؤدِ الانتقال من الصيد إلى الزراعة إلى تغيير العلاقات الاجتماعية والدور الذي يلعبه الذكر وتلعبه الأنثى فحسب، والذي عكسته الأساطير القديمة، وخصوصا الأساطير اليونانية وفرقة الأمازونية التي كان هدفها التخلص من نير الذكورة وسيطرتها على عالمهن، بل أدى إلى وجود الطبقات الاجتماعية التي نعرفها الآن وهي الطبقات الغنية والمتوسطة والفقيرة. وتقول شرارة في هذا المضمار «إن الإنتاج الزراعي أحدث عاملا جديدا في علاقات المجتمع مع إدارة الوعي بالوجود، وهو إنتاج الفائض. هيمنت على الفائض فئة صغيرة في المجتمع واستمتعت به؛ مما أحدث التمايز الطبقي. فظهرت لأول مرة في مجتمع الإنسان، العيش المترف مقابل عيش العوز. وأصبح المجتمع الزراعي يتعامل مع نوعين من الطهي: البذخ والتنوع والصقل».
وبعد تحرر الفئة التي تسيطر على الفائض من العمل اليدوي، تفرغت هذه الفئة وهي الفئة الغنية والطبقات العليا لإدارة مجتمعاتها وقيادتها، وتدنى مقام العمل اليدوي، وبالتالي فقدت الأنثى موقعها ومقامها الاجتماعي بالنسبة للذكر وفقدت معها حرفتها الأولى وهي حرفة الطهي. ومع تأسس الدولة وظهور الحضارات الكبرى في مصر والعراق القديمين وجدت الجيوش لتدافع عن ملكية الأرض، ولم تتوقف مهمة هذه الجيوش على القتال، بل تعدتها إلى تحضير الطعام لعناصرها، «فأدت هذه الوظيفة إلى منح الرجل الطباخ مقاما عسكريا، رغم أن الطبخ هو يرجع في أصله إلى وظيفة الأنثى».
ومع ظهور النظام الديمقراطي في أثينا القديمة، وسطوع دور الفرد والفكر والحوار، تطور عالم الطعام وتحسن، وأصبح الطباخ في المجتمع لأول مرة في مقام الفنان، رغم أن التقشف والاعتدال في تناول الطعام كانا من الآداب المهمة التي اتصف بها الإغريق بشكل عام، لأن الفلاسفة فضلوا وركزوا على تطوير المنطق على متعة الطعام.
ومع الرومان، تقول شرارة: «إن التأكيد بدأ على التنوع والبراعة والابتكار أو بكلام آخر التفنن في عالم الأكل والولائم، وما تبع ذلك من إسراف».
وفيما منح المجتمع الصيني قديما قيمة كبيرة للطباخ، تداخلت العلاقة بين الطقوس والطبقات الاجتماعية والطعام في الهند.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».