أمين معلوف و{الهويات القاتلة}

انتماءات مختلفة يجب ألا تختزل بواحد يصبح أداة استعباد وحرب

غلاف «الهويات القاتلة»
غلاف «الهويات القاتلة»
TT

أمين معلوف و{الهويات القاتلة}

غلاف «الهويات القاتلة»
غلاف «الهويات القاتلة»

استرعاني موضوع الهوية مند زمن بعيد. وحاولت أن أكتب فيه بطريقة تحليلية بسيطة وهادفة، بحيث تكون الرسالة واضحة، في موضوع متشعب تحدث عنه الفلاسفة الوجوديون والمثاليون على حد سواء. وتدرجت في الكتابات حول الموضوع، عند نخبة من المفكرين والباحثين من الشرق والغرب، من حسن حنفي، إلى أدونيس، مرورًا بطه عبد الرحمن، وصولا إلى أمارثيا صن وبول ريكور. ولكنني لم أستقر إلا عند الكاتب والصحافي اللبناني، أمين معلوف، في مؤلفه المعنون بـ«الهويات القاتلة».
يدخلنا معلوف، الجامع لثقافتي الشرق والغرب، الذي نصب نفسه جسرًا بين الثقافة العربية، ونظيرتها الفرنكفونية، وصاحب «التائهون»، و«اختلال العالم»، مباشرة إلى صلب الموضوع، والغاية الأساسية التي يثيرها عصرنا، من كل بحث في موضوع الهوية. وهو أن يتجه رأسا إلى الهوية في ارتباطها بالعنف والتدمير. كيف يمكن أن تصبح كل الصراعات السائدة في هذا العالم، مرتبطة بمواضيع حول الهوية؟ لماذا أصبحت الهوية تحمل كل هذا الخطر؟ ولماذا صارت منفلتة من كل سيطرة؟ لماذا أصبحت الهويات قاتلة؟
مر على صدور هذا الكتاب، المتجاوز للهويات، سبعة عشر سنة، وما زال تحليله هذا وافيا كأن الكتاب قد كتب البارحة. حيث لا تزال الهويات إلى اليوم، قاتلة بالفعل. بل وأكثر من أي وقت مضى. فقررت ألا أضيف أي شيء، وأن أقدم قراءة في الكتاب كما هو. وأن أسافر في لغته التي يختلط فيها الأدب بالفلسفة والفن، وفي أفكاره التي يختلط فيها العلم بالتاريخ بالفلسفة، وفي أحاسيس الكاتب المتقاطعة بين الحزن والألم والأمل، على واقع أصبح فيه الإنسان عبارة عن طاقة انفجارية كبرى، لأسباب ترتبط بالهوية التي تحولت إلى وقود سريع الاشتعال، تكفي شرارة واحدة، لتحترق الأوطان، ويضيع الإنسان.
الهوية مفهوم متعدد. فلا فرد إلا وتتشكل هويته من أشياء وخصائص شتى: الدين، والعرق، واللغة، والإثنية، والأهداف، والقناعات، والطموحات، والتاريخ، وغير ذلك كثير جدا. فما الذي يحدد هويتك إذن؟ تحدده كل هذه الأشياء. كما أنك في الوقت نفسه، عنصر فريد واحد لا يمكن استبداله. فنظرة واحدة للذات، تؤكد أنني كوكب مستقل مغلق لا أشبه أي أحد آخر. لكن هذا لا يعني بأن الهوية بناء وحيد ونهائي. بل هو بناء لين قابل للتطور والتغير والتمدد. أما التهجين فلا يأتي إلا من المجتمع. فهو الذي يجعل هذه الهوية قاتلة، بسبب تربيتنا على الأعراف والعقائد، وانغراس الجراح فينا، إلى جانب الأحقاد والإهانات التي لا تنسى، وتظل تتحين الفرصة للانفجار. ويختزل كل ذلك التنوع المميز للهوية، في موقف واحد ونهائي، أساسه اللغة، أو الدين، أو العرق، بشكل مذهبي متسلط. فيتذكر المرء والجماعة آنذاك، جراحاتهم الدفينة والمنسية. وينطلقون نحو الثأر من أصدقاء الأمس أعداء اليوم. ويتوارى ذلك الإيمان بالاختلاف الذي نردده وقت السلم، ليجري اتهام من ليسوا في الجبهة نفسها، بالخيانة والمروق. هنا تصبح الهويات قاتلة، خاصة لما يظهر من بين هؤلاء، قادة انتحاريون. فكم هي كثيرة الجماعات الجريحة التي لا تزال تتحين الفرصة من أجل الثأر. آنذاك يصبح الناس سفاحين من دون أن يدروا. ويستيقظ الجميع ملقين باللائمة على الدين والعقيدة: الإسلام أو اليهودية أو المسيحية، باعتبار أن الدين، هو الدافع الأساسي نحو العنف. وعلى الرغم من أن العقيدة ليست غريبة عن هذه الأحداث، فإنه لا ينبغي لنا اتهامها. فلقد بين القرن الماضي، أن كل العقائد تظل أياديها ملطخة بالدماء. وأسوأ مآسي القرن العشرين جاءت من أطروحات لا دينية. فلا أحد يحتكر التعصب، ولا أحد يحتكر الإنسانية. أما الحركات المتطرفة التي تنصب نفسها متكلمة باسم الدين والدفاع عن الهوية، فهي نتاج عصرنا وتوتراته وانحرافاته وخيباته. حيث يتوجب أن نقلب التحليل من تأثير الدين على الشعوب، إلى تأثير الشعوب على الدين. فنحن ندين مع أجدادنا بالعقيدة نفسها. لكن يجب أن نعلم أن ممارساتنا في الدين اليوم، إذا ما قيست بمعايير الأجداد لاعتبرت شعوذة وبدعًا. لأننا نظل أبناء عصرنا أكثر من أن نكون أبناء أجدادنا. وبالتالي يظل كل اتهام للعقيدة، وكل دفاع عن الهوية باسم العقيدة، مجرد كلام لا معنى له، بل إن ذلك هو الجنون القاتل.
إن هذه النظرة التي تحدد الهوية، من وجهة نظر عقدية دينية، ليست إلا حالة عارضة تميز عصرنا. فلماذا أضحت الهوية تختزل فقط في الدين؟ ولماذا تتنافى كل المحددات الأخرى ولا يظهر إلا الدين؟ يرجع ذلك بشكل كبير، إلى الحداثة التي جرحت الكثير من الشعوب، ومن بينها الشعوب المسلمة. حيث أصبحنا نعيش الإحباط والخيبة والإهانة في كل خطوة نخطوها. مما مزق هويتنا، وجعلنا نشعر بأننا في عالم ليس عالمنا. عالم يمتلكه الآخرون ويخضع لقواعدهم. فولد هذا في أنفسنا، ذلك اليأس الذي لا نخرج منه إلا عن طريق العنف الإنتحاري. وعلى الرغم من كل عمليات الإصلاح التي قام بها العالم العربي، فإنه لم يكتب لنا النجاح، بسبب الغرب ذاته الذي كان يقف دائما حجر عثرة. وفهمنا بلغة بليغة أن الغرب لا يريد أن يشبهه أحد، ويريد فقط أن نطيعه. فأصبحنا ننظر للغرب باعتباره حصان طروادة، ونبحث لنا عن ملجأ للاختباء. هذا الإحساس هو الذي سيساهم بشكل كبير، في بعث الفكر الديني من جديد، خاصة مند خمسينات القرن الماضي. وقد عززه سقوط الشيوعية وتناقضات النموذج الغربي على الرغم من انتصاراته، وخسارة القومية الماركسية، وفشل الوطن والعرق والطبقة، في تعويض الانتماء الديني وإغراءاته. فعندما يرى المجتمع في الحداثة يدا غريبة، فهو يميل إلى رفضها وحماية نفسه منها. مما يولد رفضا قاطعا وساخطا وانتحاريا كردة فعل. هي قوة الدين وإغراءاته وقدرته على احتضان الإنسان وتقديم البدائل، ولو كان ذلك مجرد وهم. هنا أصبح المسلم الفرنسي ذي الأصول العربية، يقدم انتماءه الديني على انتمائه الفرنسي. وأصبح اليهودي ذي الأصول الألمانية، يقدم انتماءه الديني على انتمائه الألماني. فالدين حماية وحصن وأمان، اتجاه تهديدات العولمة والخوف من تمزق الهوية. وهو ملاذ وطريق يحمينا من التيه، بعدما أصبحنا نحس بأن كل العالم معرض عنا. وبالتالي فإن كل عدم فهم لهذه المعطيات، يمكن أن يأتي بنتائج كارثية. فنتجه إلى غير الأسباب. ونتهم الجماعة ونحاربها ونزيد في أحقادها وجراحاتها. آنذاك نحن نطفئ النار بوقود قابل للاشتعال.
لا يمكن تجاوز خطر الهوية إلا عن طريق خلق تبادل عادل بين الشعوب، واحترام لغاتها وعاداتها وثقافاتها، بحيث لا يشعر أحد أنه مهدد أو محتقر، إلى درجة أن يكون مضطرا لأن يواري بخجل ديانته أو لونه أو لغته. وكذلك ضبط العولمة الحالية في اتجاه واحد، لأن العالم للجميع وليس لعرق بعينه أو قومية، بحيث لا يشعر أي إنسان بنفسه مستبعدًا عن الحضارة المشتركة التي تبصر النور، والعمل بقوة على فضح عيوب العالم وتعدياته ومظالمه وانحرافاته القاتلة، والتمكن من آليات المواجهة من أجل البقاء على قيد الحياة. كما أنه يجب على الشعوب المسحوقة أن تعرف كذلك، بأن العولمة لم تعد أداة لخدمة نظام واحد ونهائي. بل أصبحت بمثابة معركة تجري فيها ألف مبارزة ومبارزة. حيث يمكن لكل فرد أن يدخل إليها مزودا بشعاراته وأسلحته. ولنأخذ الإنترنت مثالاً على ذلك. فهو على الرغم من أنه يحمل الشعار الأميركي ويسوقه، فإننا بواسطته أصبحنا نعرف العالم كما لم نعرفه من قبل. وتعرفنا على ثقافات أخرى لم نكن نحلم أن نعرفها يوما. وتأتينا النماذج كل يوم، لتؤكد أن الذين يقاتلون ضد الجوع والطغيان، قادرون على كسب المعركة. حيث يمكن لأي فكرة مهما كانت شاذة أن تصبح مقبولة. كما أنه يتوجب علينا دائما العمل على القيام بفحص دقيق لهوياتنا مع الآخرين، من أجل رؤية التشابهات، وليس دائما الانحرافات. فنظرتنا هي التي غالبًا ما تسجن الآخرين داخل انتماءاتهم الضيقة. ونظرتنا كذلك، هي التي تحررهم. فالمؤمن الحقيقي، هو المؤمن ببعض القيم التي يمكن تلخيصها في كرامة الإنسان. وما الباقي سوى خرافات أو أضغاث أحلام.
يختار أمين معلوف حيوان الفهد، ليماثل بينه وبين الهوية. الفهد يقتل إذا طاردناه، ويقتل إذا تركناه طليقا. والأسوأ أن نتركه في الطبيعة بعد أن نكون قد جرحناه. لكننا نستطيع أن نروض الفهد. مما يعني أنه لا يجب أن تعالج الهوية بالاضطهاد والتواطؤ. بل يجب تفحصها ودراستها بهدوء، وفهمها ثم السيطرة عليها وترويضها، إذا كنا لا نريد أن يتحول العالم إلى غابة. وإذا كنا نريد تجنب أن يصبح أطفالنا بعد خمسين عاما أو مائة عام مضطرين، أن يشهدوا مثلنا نحن العاجزين، المذابح وعمليات الطرد، وأن يخضعوا لها أحيانا، فلا بد من التماهي مع العالم الذي نحيا فيه، وفي الوقت نفسه، نتماهى مع عالمنا. يجب أن ندرك بأن هويتنا هي حصيلة انتماءات مختلفة، بدلا من اختزالها إلى انتماء واحد ينصب أداة استعباد وحرب.



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».