أمين معلوف و{الهويات القاتلة}

انتماءات مختلفة يجب ألا تختزل بواحد يصبح أداة استعباد وحرب

غلاف «الهويات القاتلة»
غلاف «الهويات القاتلة»
TT

أمين معلوف و{الهويات القاتلة}

غلاف «الهويات القاتلة»
غلاف «الهويات القاتلة»

استرعاني موضوع الهوية مند زمن بعيد. وحاولت أن أكتب فيه بطريقة تحليلية بسيطة وهادفة، بحيث تكون الرسالة واضحة، في موضوع متشعب تحدث عنه الفلاسفة الوجوديون والمثاليون على حد سواء. وتدرجت في الكتابات حول الموضوع، عند نخبة من المفكرين والباحثين من الشرق والغرب، من حسن حنفي، إلى أدونيس، مرورًا بطه عبد الرحمن، وصولا إلى أمارثيا صن وبول ريكور. ولكنني لم أستقر إلا عند الكاتب والصحافي اللبناني، أمين معلوف، في مؤلفه المعنون بـ«الهويات القاتلة».
يدخلنا معلوف، الجامع لثقافتي الشرق والغرب، الذي نصب نفسه جسرًا بين الثقافة العربية، ونظيرتها الفرنكفونية، وصاحب «التائهون»، و«اختلال العالم»، مباشرة إلى صلب الموضوع، والغاية الأساسية التي يثيرها عصرنا، من كل بحث في موضوع الهوية. وهو أن يتجه رأسا إلى الهوية في ارتباطها بالعنف والتدمير. كيف يمكن أن تصبح كل الصراعات السائدة في هذا العالم، مرتبطة بمواضيع حول الهوية؟ لماذا أصبحت الهوية تحمل كل هذا الخطر؟ ولماذا صارت منفلتة من كل سيطرة؟ لماذا أصبحت الهويات قاتلة؟
مر على صدور هذا الكتاب، المتجاوز للهويات، سبعة عشر سنة، وما زال تحليله هذا وافيا كأن الكتاب قد كتب البارحة. حيث لا تزال الهويات إلى اليوم، قاتلة بالفعل. بل وأكثر من أي وقت مضى. فقررت ألا أضيف أي شيء، وأن أقدم قراءة في الكتاب كما هو. وأن أسافر في لغته التي يختلط فيها الأدب بالفلسفة والفن، وفي أفكاره التي يختلط فيها العلم بالتاريخ بالفلسفة، وفي أحاسيس الكاتب المتقاطعة بين الحزن والألم والأمل، على واقع أصبح فيه الإنسان عبارة عن طاقة انفجارية كبرى، لأسباب ترتبط بالهوية التي تحولت إلى وقود سريع الاشتعال، تكفي شرارة واحدة، لتحترق الأوطان، ويضيع الإنسان.
الهوية مفهوم متعدد. فلا فرد إلا وتتشكل هويته من أشياء وخصائص شتى: الدين، والعرق، واللغة، والإثنية، والأهداف، والقناعات، والطموحات، والتاريخ، وغير ذلك كثير جدا. فما الذي يحدد هويتك إذن؟ تحدده كل هذه الأشياء. كما أنك في الوقت نفسه، عنصر فريد واحد لا يمكن استبداله. فنظرة واحدة للذات، تؤكد أنني كوكب مستقل مغلق لا أشبه أي أحد آخر. لكن هذا لا يعني بأن الهوية بناء وحيد ونهائي. بل هو بناء لين قابل للتطور والتغير والتمدد. أما التهجين فلا يأتي إلا من المجتمع. فهو الذي يجعل هذه الهوية قاتلة، بسبب تربيتنا على الأعراف والعقائد، وانغراس الجراح فينا، إلى جانب الأحقاد والإهانات التي لا تنسى، وتظل تتحين الفرصة للانفجار. ويختزل كل ذلك التنوع المميز للهوية، في موقف واحد ونهائي، أساسه اللغة، أو الدين، أو العرق، بشكل مذهبي متسلط. فيتذكر المرء والجماعة آنذاك، جراحاتهم الدفينة والمنسية. وينطلقون نحو الثأر من أصدقاء الأمس أعداء اليوم. ويتوارى ذلك الإيمان بالاختلاف الذي نردده وقت السلم، ليجري اتهام من ليسوا في الجبهة نفسها، بالخيانة والمروق. هنا تصبح الهويات قاتلة، خاصة لما يظهر من بين هؤلاء، قادة انتحاريون. فكم هي كثيرة الجماعات الجريحة التي لا تزال تتحين الفرصة من أجل الثأر. آنذاك يصبح الناس سفاحين من دون أن يدروا. ويستيقظ الجميع ملقين باللائمة على الدين والعقيدة: الإسلام أو اليهودية أو المسيحية، باعتبار أن الدين، هو الدافع الأساسي نحو العنف. وعلى الرغم من أن العقيدة ليست غريبة عن هذه الأحداث، فإنه لا ينبغي لنا اتهامها. فلقد بين القرن الماضي، أن كل العقائد تظل أياديها ملطخة بالدماء. وأسوأ مآسي القرن العشرين جاءت من أطروحات لا دينية. فلا أحد يحتكر التعصب، ولا أحد يحتكر الإنسانية. أما الحركات المتطرفة التي تنصب نفسها متكلمة باسم الدين والدفاع عن الهوية، فهي نتاج عصرنا وتوتراته وانحرافاته وخيباته. حيث يتوجب أن نقلب التحليل من تأثير الدين على الشعوب، إلى تأثير الشعوب على الدين. فنحن ندين مع أجدادنا بالعقيدة نفسها. لكن يجب أن نعلم أن ممارساتنا في الدين اليوم، إذا ما قيست بمعايير الأجداد لاعتبرت شعوذة وبدعًا. لأننا نظل أبناء عصرنا أكثر من أن نكون أبناء أجدادنا. وبالتالي يظل كل اتهام للعقيدة، وكل دفاع عن الهوية باسم العقيدة، مجرد كلام لا معنى له، بل إن ذلك هو الجنون القاتل.
إن هذه النظرة التي تحدد الهوية، من وجهة نظر عقدية دينية، ليست إلا حالة عارضة تميز عصرنا. فلماذا أضحت الهوية تختزل فقط في الدين؟ ولماذا تتنافى كل المحددات الأخرى ولا يظهر إلا الدين؟ يرجع ذلك بشكل كبير، إلى الحداثة التي جرحت الكثير من الشعوب، ومن بينها الشعوب المسلمة. حيث أصبحنا نعيش الإحباط والخيبة والإهانة في كل خطوة نخطوها. مما مزق هويتنا، وجعلنا نشعر بأننا في عالم ليس عالمنا. عالم يمتلكه الآخرون ويخضع لقواعدهم. فولد هذا في أنفسنا، ذلك اليأس الذي لا نخرج منه إلا عن طريق العنف الإنتحاري. وعلى الرغم من كل عمليات الإصلاح التي قام بها العالم العربي، فإنه لم يكتب لنا النجاح، بسبب الغرب ذاته الذي كان يقف دائما حجر عثرة. وفهمنا بلغة بليغة أن الغرب لا يريد أن يشبهه أحد، ويريد فقط أن نطيعه. فأصبحنا ننظر للغرب باعتباره حصان طروادة، ونبحث لنا عن ملجأ للاختباء. هذا الإحساس هو الذي سيساهم بشكل كبير، في بعث الفكر الديني من جديد، خاصة مند خمسينات القرن الماضي. وقد عززه سقوط الشيوعية وتناقضات النموذج الغربي على الرغم من انتصاراته، وخسارة القومية الماركسية، وفشل الوطن والعرق والطبقة، في تعويض الانتماء الديني وإغراءاته. فعندما يرى المجتمع في الحداثة يدا غريبة، فهو يميل إلى رفضها وحماية نفسه منها. مما يولد رفضا قاطعا وساخطا وانتحاريا كردة فعل. هي قوة الدين وإغراءاته وقدرته على احتضان الإنسان وتقديم البدائل، ولو كان ذلك مجرد وهم. هنا أصبح المسلم الفرنسي ذي الأصول العربية، يقدم انتماءه الديني على انتمائه الفرنسي. وأصبح اليهودي ذي الأصول الألمانية، يقدم انتماءه الديني على انتمائه الألماني. فالدين حماية وحصن وأمان، اتجاه تهديدات العولمة والخوف من تمزق الهوية. وهو ملاذ وطريق يحمينا من التيه، بعدما أصبحنا نحس بأن كل العالم معرض عنا. وبالتالي فإن كل عدم فهم لهذه المعطيات، يمكن أن يأتي بنتائج كارثية. فنتجه إلى غير الأسباب. ونتهم الجماعة ونحاربها ونزيد في أحقادها وجراحاتها. آنذاك نحن نطفئ النار بوقود قابل للاشتعال.
لا يمكن تجاوز خطر الهوية إلا عن طريق خلق تبادل عادل بين الشعوب، واحترام لغاتها وعاداتها وثقافاتها، بحيث لا يشعر أحد أنه مهدد أو محتقر، إلى درجة أن يكون مضطرا لأن يواري بخجل ديانته أو لونه أو لغته. وكذلك ضبط العولمة الحالية في اتجاه واحد، لأن العالم للجميع وليس لعرق بعينه أو قومية، بحيث لا يشعر أي إنسان بنفسه مستبعدًا عن الحضارة المشتركة التي تبصر النور، والعمل بقوة على فضح عيوب العالم وتعدياته ومظالمه وانحرافاته القاتلة، والتمكن من آليات المواجهة من أجل البقاء على قيد الحياة. كما أنه يجب على الشعوب المسحوقة أن تعرف كذلك، بأن العولمة لم تعد أداة لخدمة نظام واحد ونهائي. بل أصبحت بمثابة معركة تجري فيها ألف مبارزة ومبارزة. حيث يمكن لكل فرد أن يدخل إليها مزودا بشعاراته وأسلحته. ولنأخذ الإنترنت مثالاً على ذلك. فهو على الرغم من أنه يحمل الشعار الأميركي ويسوقه، فإننا بواسطته أصبحنا نعرف العالم كما لم نعرفه من قبل. وتعرفنا على ثقافات أخرى لم نكن نحلم أن نعرفها يوما. وتأتينا النماذج كل يوم، لتؤكد أن الذين يقاتلون ضد الجوع والطغيان، قادرون على كسب المعركة. حيث يمكن لأي فكرة مهما كانت شاذة أن تصبح مقبولة. كما أنه يتوجب علينا دائما العمل على القيام بفحص دقيق لهوياتنا مع الآخرين، من أجل رؤية التشابهات، وليس دائما الانحرافات. فنظرتنا هي التي غالبًا ما تسجن الآخرين داخل انتماءاتهم الضيقة. ونظرتنا كذلك، هي التي تحررهم. فالمؤمن الحقيقي، هو المؤمن ببعض القيم التي يمكن تلخيصها في كرامة الإنسان. وما الباقي سوى خرافات أو أضغاث أحلام.
يختار أمين معلوف حيوان الفهد، ليماثل بينه وبين الهوية. الفهد يقتل إذا طاردناه، ويقتل إذا تركناه طليقا. والأسوأ أن نتركه في الطبيعة بعد أن نكون قد جرحناه. لكننا نستطيع أن نروض الفهد. مما يعني أنه لا يجب أن تعالج الهوية بالاضطهاد والتواطؤ. بل يجب تفحصها ودراستها بهدوء، وفهمها ثم السيطرة عليها وترويضها، إذا كنا لا نريد أن يتحول العالم إلى غابة. وإذا كنا نريد تجنب أن يصبح أطفالنا بعد خمسين عاما أو مائة عام مضطرين، أن يشهدوا مثلنا نحن العاجزين، المذابح وعمليات الطرد، وأن يخضعوا لها أحيانا، فلا بد من التماهي مع العالم الذي نحيا فيه، وفي الوقت نفسه، نتماهى مع عالمنا. يجب أن ندرك بأن هويتنا هي حصيلة انتماءات مختلفة، بدلا من اختزالها إلى انتماء واحد ينصب أداة استعباد وحرب.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.