إيران تلوح بـ«العدل الدولية» بعد قرار «الدستورية الأميركية» بحجز أموالها بسبب الإرهاب

انتقادات من الحكومة الإيرانية ضد أحمدي نجاد لاستثماره في الأسواق الأميركية

صورة أرشيفية لرئيس البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف وهو يتحدث إلى رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لرئيس البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف وهو يتحدث إلى رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي (أ.ف.ب)
TT

إيران تلوح بـ«العدل الدولية» بعد قرار «الدستورية الأميركية» بحجز أموالها بسبب الإرهاب

صورة أرشيفية لرئيس البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف وهو يتحدث إلى رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لرئيس البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف وهو يتحدث إلى رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي (أ.ف.ب)

لم يتوقف الجدل في إيران منذ إعلان المحكمة الأميركية العليا الأربعاء الماضي، إلزام طهران دفع 2.65 مليار دولار؛ بسبب دعمها للإرهاب، وتحولت الحكم إلى منصة جديدة لتبادل الاتهامات بين المسؤولين الإيرانيين حول السبب الرئيسي وراء مصادرة تلك الأموال، فيما استدعت، أمس، طهران حافظ المصالح الأميركية في طهران وسلمته مذكرتين احتجاجيتين ضد قرار المحكمة.
واحتجت إيران على مدى الأيام الماضية على لسان وزير خارجيتها محمد جواد ظريف والناطق باسم الخارجية، وهدد ظريف بمقاضاة واشنطن أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي في حال «الاستيلاء على» هذه الأموال لتعويض ضحايا هجمات، بينما عدت الحكومة الإيرانية تنفيذ الحكم وسحب الأموال من الأموال الإيرانية المجمدة سرقة لأموال الشعب الإيراني. وبينما انتقدت إيران المحكمة الأميركية بشدة، لكن الموضوع أثار جدلا في الداخل الإيراني بعد كشف استثمار مالي واسع قامت به الحكومة الإيرانية السابقة برئاسة محمود أحمدي نجاد بواسطة شرائها مستندات مالية والاستثمار في أميركا.
وتواجه إدارة الرئيس الإيراني حسن روحاني ضغوطا داخلية متزايدة من قبل خصومها في السلطة بعد إعلان تنفيذ الاتفاق النووي، وتضاعفت الانتقادات الداخلية الموجهة للاتفاق النووي في الشهر الأخير بعد انتقادات لاذعة وجهها المرشد الأعلى علي خامنئي وقائد الحرس الثوري. في غضون ذلك، عدت أطراف داخلية إصدار حكم المحكمة العليا دليلا على فشل الاتفاق النووي، متهمين الولايات المتحدة الأميركية بالتخلي عن وعودها في الاتفاق، وفي المقابل الحكومة الإيرانية وجهت أصابع الاتهام لمن استثمر تلك الأموال في «بلد متخاصم» مع إيران.
وكان رئيس البنك المركزي ولي الله سيف أول من كشف ملابسات الأموال الإيرانية المحتجزة بعدما اتهم الحكومة السابقة برئاسة أحمدي نجاد بـ«الإهمال» و«عدم الانتباه» في استثمارها في مجال الدولار. وبحسب سيف فإن حكومة أحمدي نجاد استثمرت في الأوراق المالية الأميركية قبل إقرار منع تعامل إيران بالدولار في 2008، وازداد الأمر سوءا بالنسبة إلى أحمدي نجاد عندما أعلنت الإدارة الأميركية حجز الودائع الإيرانية في 2012 بعد تطبيق عقوبات جديدة ضد طهران. تابع سيف قائلا: «للأسف الحكومة السابقة على الرغم من تحذيرات الخبراء والمسؤولين في البنك المركزي لتجنب الاستثمار في الأوراق المالية الأميركية، أقدمت على شراء تلك الأوراق وساهمت في ضياع حقوق الشعب الإيراني».
وأوضح سيف أن الحكومة الإيرانية استثمرت في الأوراق المالية في الفترة نفسها التي كان أحمدي نجاد يطلق تهديدات باتجاه الإدارة الأميركية بمقاطعة الدولار واختيار عملة أخرى، وهي الفترة نفسها التي كان يدعو فيها لإزالة إسرائيل. وبعد إقرار مجلس الأمن عقوبات ضد إيران عدها أحمدي نجاد «مسودة لا قيمة لها». إلى جانب انتقاده أداء الحكومة الإيرانية السابقة، انتقد رئيس البنك المركزي الحكومة الحالية ووزارة الخارجية؛ بسبب تأخيرها في إخراج الأموال المحتجزة. ولم تعلق حكومة روحاني على الانتقادات الموجهة إليها بهذا الخصوص. في هذه الأثناء، وجدت الأطراف المؤيدة للحكومة والاتفاق النووي، الورقة التي كشف عنها رئيس البنك المركزي فرصة مناسبة للضغط على الجانب الآخر في محاولة تخفيف الضغوط.
من جانبه، حمل ظريف مسؤولية مصادرة الأموال الإيرانية المحتجزة في أميركا لحكومة أحمدي نجاد منتقدا «الإهمال الحكومي» في اتخاذ قرار الاستثمار في الأسواق المالية الأميركية. وفق المسؤولين الإيرانيين الحكومة السابقة أخطأت باختيارها الأسواق الأميركية للاستثمار، متهمين الحكومة الأميركية إصدار قرارات غير قانونية من أجل التصرف بالأموال الإيرانية. على المنوال نفسه، انتقد المساعد الدولي والسياسي لوزير الخارجية الإيراني حميد بعيدي، نجاد وعد شراء الأوراق المالية من قبل حكومة أحمدي نجاد مغايرا للحكمة والتدبير.
في السياق ذاته، طالب المستشار الأعلى للرئيس الإيراني، أكبر تركان، أول من أمس، السلطة القضائية الإيرانية محاكمة المسؤولين السابق في إدارة أحمدي نجاد؛ بسبب شراء مستندات مالية والاستثمار في «بلد متخاصم». وردا على انتقادات تتعرض لها الحكومة الإيرانية من البرلمان والانتقادات الموجهة للاتفاق النووي تساءل تركان في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية «إيرنا» عن موقف البرلمان الإيراني عندما كانت حكومة أحمدي نجاد تستثمر في أميركا، عادا الاستثمار في أميركا التي وصفها بالمعادية مخالفا للدستور الإيراني، وفي إشارة إلى ذكر اسم شركة «بتروبارس» طالب السلطة القضائية الإيرانية بفتح تحقيق حول دور حكومة أحمدي نجاد في وثائق بنما.
ومن جانبه، دعا النائب الأصولي علي مطهري، أمس، إلى محاكمة أحمدي نجاد؛ بسبب أداء حكومته واستغل خصوم أحمدي نجاد مصادرة الأموال المحتجزة في الهجوم على أحمدي نجاد الذي يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة. وتداولت وسائل إعلام إيرانية خلال الشهر الأخير معلومات متباينة حول نية أحمدي نجاد العودة إلى الحياة السياسية ومنافسة حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية المقبلة، كما أن تنقل أحمدي نجاد وإلقاءه خطابات حول القضايا السياسية الإيرانية أثار غضب كثير من منتقديه.
إلى ذلك، أعلنت الخارجية الإيرانية في بيان استدعاء السفير السويسري في طهران الذي يمثل مصالح واشنطن الثلاثاء وتسليمه «احتجاجا رسميا» على تجميد أموال إيران في نيويورك لتعويض ضحايا اعتداءات إرهابية. وتصف مذكرة تلقاها السفير السويسري جوليو هاس من مسؤول الشؤون الأميركية في الوزارة محمد كشاورز زاده، قرارا للمحكمة الأميركية العليا بتجميد ملياري دولار من أموال إيران بأنه «انتهاك واضح للتعهدات المشتركة المتوافق عليها» بين إيران والولايات المتحدة. وبين هذه التعهدات حماية «الأموال والممتلكات» الإيرانية في الولايات المتحدة، بحسب بيان الوزارة. وأكدت مذكرة الخارجية الإيرانية أن هذه «الاتهامات لبلدنا بلا أساس، بلا أي دليل (...) سخيفة ومنافية لجميع المعايير الدولية المعترف بها».
وأفادت وكالة «إيرنا» نقلا عن الخارجية أنه «تم توضيح اعتراض إيران الشديد على الحكم أثناء الاجتماع بين مسؤول إيراني والمبعوث السويسري، وأكد المسؤول الإيراني أن الحكم يتعارض مع القوانين الدولية والاتفاقات الثنائية».
وتمثل السفارة السويسرية المصالح الأميركية في إيران لعدم وجود بعثة للولايات المتحدة هناك منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، واحتجاز 52 أميركيا رهائن لمدة 444 يوما. وقضت المحكمة العليا الأميركية بأن الكونغرس لم يتعد على سلطة القضاء عندما أصدر في 2012 قانونا ينص على أن الأموال المجمدة يجب أن تنفق في تنفيذ حكم بالتعويض قيمته 2.65 مليار دولار أصدرته محكمة اتحادية أميركية عام 2007 لصالح الأسر الأميركية.
ومن بين المتأثرين بالحكم أسر 241 جنديا أميركيا قتلوا في هجمات بشاحنات ملغومة على ثكنات تابعة لمشاة البحرية الأميركية في بيروت في أكتوبر (تشرين الأول) 1983.
كما تسلم السفير السويسري احتجاجا يتعلق بقرار آخر للقضاء الأميركي حول تعويض إيران لضحايا اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك (أكثر من 3000 قتيل).
فنتيجة دعوى رفعها أحد الضحايا، أدانت محكمة في نيويورك إيران في مارس (آذار)، وحكمت عليها بدفع تعويضات بقيمة 10. 5 مليار دولار؛ لعجزها عن الإثبات أنها لم توفر مساعدة لمنفذي الهجمات التي تبناها تنظيم القاعدة.



واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)

في اليوم التالي لانعقاد جولة المفاوضات بين واشنطن وطهران في مسقط، بدا المشهد محكوماً بإيقاع مزدوج بين فتح نافذة دبلوماسية محدودة وتصعيد متواصل في الخطابين السياسي والعسكري، وسط شكوك عميقة بشأن إمكان تحقيق اختراق فعلي في الخلاف المزمن حول البرنامج النووي الإيراني وأجندة التفاوض الأوسع، التي من المفترض أن تشمل الصواريخ الإيرانية ودعم الحلفاء الإقليميين.

وعُقدت مفاوضات غير مباشرة، الجمعة، بين واشنطن وطهران في مسقط، شملت مصافحة مباشرة بين ممثلي البلدين، هي الأولى منذ أن شنَّت الولايات المتحدة، في يونيو (حزيران) 2025، ضربات على مواقع نووية رئيسية خلال حرب استمرت 12 يوماً، وبدأتها إسرائيل على إيران.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فجر السبت، أن الولايات المتحدة أجرت محادثات «جيدة جداً» مع إيران، مؤكداً أن طهران «ترغب في التوصل إلى اتفاق»، ومشيراً إلى أن جولة جديدة من المفاوضات ستستأنف «في مطلع الأسبوع المقبل».

لكن ترمب شدد في المقابل على أن إيران «لن تمتلك سلاحاً نووياً»، محذراً من أن عدم التوصل إلى اتفاق سيقود إلى «عواقب وخيمة للغاية». وأعاد الرئيس الأميركي التذكير بإرسال أسطول عسكري كبير إلى المنطقة، في رسالة تؤكد أن خيار القوة لا يزال قائماً إلى جانب المسار الدبلوماسي، وفق تصريحات صحافية نقلها البيت الأبيض.

إيرانيون بجانب جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع بالعاصمة طهران يوم 7 فبراير 2026 (رويترز)

خطوط حمراء

وحرصت طهران على تثبيت خطوطها الحمراء. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن المحادثات التي جرت الجمعة في سلطنة عُمان كانت «غير مباشرة»، لكنه أشار إلى أنه «على الرغم من ذلك، سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي»، في إشارة رمزية إلى كسر الجليد من دون تغيير طبيعة الوساطة العُمانية.

ووصف عراقجي جولة مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنها لم تُفضِ إلى اختراق حاسم، مؤكداً أن الطريق ما زال طويلاً لبناء الثقة، وأن استمرار المسار مرهون بمشاورات داخلية في العواصم المعنية.

وأوضح عراقجي أن طهران وواشنطن متفقتان على ضرورة عَقْد جولة جديدة «قريباً»، من دون تحديد موعد نهائي حتى الآن. وأكد استعداد بلاده للتوصل إلى اتفاق «مطمئن» بشأن تخصيب اليورانيوم، لكنه شدَّد على أن «التخصيب حق غير قابل للتصرف، ويجب أن يستمر»، وأن فكرة «التخصيب بنسبة صفر» خارج إطار المفاوضات.

كما أكد عراقجي أن اليورانيوم المخصَّب «لن يخرج من البلاد»، مع استعداد إيران لمناقشة مستوى ونقاء التخصيب أو صِيَغ فنية أخرى «مطمئنة»، من بينها إنشاء اتحاد إقليمي، وفق ما أفاد به دبلوماسيون مطلعون على موقف طهران.

وفيما يتعلَّق بأجندة الجولة المقبلة، قطع عراقجي الطريق على أي توسيع للملفات المطروحة، مؤكداً أن البرنامج الصاروخي الإيراني «غير قابل للتفاوض الآن ولا في المستقبل»، واصفاً إياه بأنه «موضوع دفاعي بحت».

وأضاف في تصريحات نقلها التلفزيون الإيراني أن واشنطن عادت إلى طاولة المفاوضات بعد محاولات ضغط وتهديد بشن هجمات عسكرية، عادّاً ذلك يعكس فشل سياسة التهديد في تغيير الموقف الإيراني.

وكان وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، قد صرح بأن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

«لن نستهدف الجوار»

صعّد عراقجي لهجته، محذراً من أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لهجوم، قائلاً: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة». وأكد في الوقت نفسه أن إيران «مستعدة للحرب تماماً كما هي مستعدة لمنع وقوعها».

وتزامنت هذه التصريحات مع رسائل عسكرية مباشرة؛ إذ نقل الإعلام الإيراني عن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، عبد الرحيم موسوي، قوله إن إيران «لن تبدأ الحرب أبداً»، لكنها «لن تتردد للحظة واحدة في الدفاع القاطع عن أمنها القومي ومصالحها الحيوية»، محذراً من أن أي «مغامرة» لفرض الحرب ستفشل، وتؤدي إلى إشعال المنطقة بأسرها.

وفي سياق موازٍ، انتقد عراقجي ما وصفه بـ«عقيدة الهيمنة» الإسرائيلية، معتبراً أنها تسمح لإسرائيل بتوسيع ترسانتها العسكرية بلا قيود، بينما تضغط على دول أخرى في المنطقة لنزع سلاحها أو تقليص قدراتها الدفاعية.

جاءت هذه التصريحات على خلفية حرب يونيو 2025 التي استمرت 12 يوماً، وشنت خلالها إسرائيل هجمات واسعة على أهداف نووية وعسكرية ومدنية داخل إيران، قبل أن ترد طهران بضربات صاروخية وطائرات مسيّرة.

صورة أصدرتها البحرية الأميركية في 5 فبراير 2026 لبحارة أميركيين يوجهون طائرة عسكرية في بحر العرب (أ.ف.ب)

شكوك إسرائيلية

في إسرائيل، سادت لهجة تشكيك واضحة حيال نتائج مفاوضات مسقط. ونقلت القناة «12» الإسرائيلية عن مسؤولين رفيعين أن المحادثات «لن تؤدي إلى اتفاق»، بسبب الفجوات العميقة بين الطرفين، محذرين من أن أي استهداف لإسرائيل سيقابل برد «مضاعف» على غرار عملية «الأسد الصاعد» التي نُفذت في يونيو الماضي.

كما أشارت القناة إلى ضغوط إسرائيلية لإدراج البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم طهران لتنظيمات مسلحة ضمن جدول الأعمال، وهو ما ترفضه إيران بشكل قاطع.

أما في واشنطن، فأكد مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية أن محادثات مسقط «لم تكن مصممة أساساً للتوصل إلى اتفاق»، بل كانت اختباراً للنيات، ومحاولة لمنع التصعيد. ورأى أن انتهاء الجولة من دون انهيار أو قطيعة «هو بيت القصيد»، مشيراً إلى مرحلة توقف لتقييم المواقف يعود خلالها الطرفان إلى عاصمتيهما لتحديد جدوى الاستمرار في الانخراط الدبلوماسي، مع التأكيد على أن الخيارات الأخرى «جاهزة بالفعل»، إذا لم تُبدِ إيران مرونة كافية.

وفي إطار «حملة الضغوط القصوى التي تشنّها الولايات المتحدة» على طهران، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية بعيد انتهاء جولة المفاوضات الأولى فرض عقوبات جديدة على قطاع النفط الإيراني شملت 15 كياناً وشخصين و14 سفينة. وفي الوقت ذاته، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً (دخل حيّز التنفيذ السبت)، وينصّ على فرض تعريفات جمركية إضافية على الدول التي تواصل التجارة مع إيران. وستؤثر هذه الرسوم على التجارة مع عدد من الدول، من بينها روسيا وألمانيا وتركيا. وبحسب بيانات «منظمة التجارة العالمية»، فإن أكثر من ربع نشاط إيران التجاري في عام 2024 كان مع الصين.

وتشير معطيات مختلفة إلى أن الجولة المقبلة، إذا ما انعقدت قريباً، كما يتوقع الطرفان، ستتركز عملياً على الملفّ النووي وحده من وجهة نظر طهران، مع نقاش تقني حول مستويات التخصيب وضمانات تطمئن الغرب، في مقابل إصرار أميركي على تنازلات «ملموسة وكبيرة»، وربما محاولة جديدة لتوسيع جدول الأعمال. وبين هذين المسارين، تبقى الدبلوماسية قائمة على حافة دقيقة تحكمها حسابات الوقت وتوازن الردع، ومخاوف انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع إذا أُغلقت نافذة التفاوض.


تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
TT

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار والبدء في إعادة إعمار القطاع، والحفاظ على وصول مستدام للمساعدات الإنسانية لسكان القطاع.

وقالت مصادر تركية إن إردوغان والملك عبد الله بحثا، خلال لقائهما في المكتب الرئاسي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول، السبت، العلاقات بين بلديهما وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، وتناولا القضايا والتطورات الإقليمية والدولية.

وعقد إردوغان والملك عبد الله جلسة مباحثات ثنائية، أعقبها جلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، بعد وصول العاهل الأردني في زيارة قصيرة تلبية لدعوة من الرئيس التركي.

وتناولت المباحثات بالتفصيل تطورات الأوضاع في قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، وشددا على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار ورفض الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واستدامة وصول المساعدات الإنسانية ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.

كما تناولت المباحثات التطورات في سوريا، وأكد إردوغان والملك عبد الله ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وسيادتها ورفض أي محاولات لهز استقرارها، وضمان عودة السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.

جانب من المباحثات الموسعة بين إردوغان وعاهل الأردن بحضور وفدي البلدين (الرئاسة التركية)

وبحسب المصادر، ناقشت المباحثات الثنائية والموسعة مختلف التطورات في المنطقة وأكد الجانبان استمرار التعاون والعمل معاً لضمان الاستقرار في المنطقة.

وشارك في المباحثات من الجانب التركي وزيرا الخارجية هاكان فيدان، والدفاع يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية والأمنية عاكف تشاغطاي كيليتش، ونظراؤهم من الجانب الأردني.

وجاءت زيارة العاهل الأردني لتركيا، غداة استئناف حركة الشحن البري باتجاه تركيا واليونان عبر بوابة «جيلوه غوزو» (باب الهوى) الحدودية بين تركيا وسوريا، بعد توقف استمر 15 عاماً.

وجاءت الخطوة نتيجة جهود وتنسيق مشترك بين وزارتي النقل في البلدين أدت إلى إزالة جميع العقبات الجمركية والإجرائية، حيث دخلت 3 شاحنات الأراضي التركية، الجمعة، في خطوة تجريبية عبر البوابة الحدودية.

وينتظر أن تشكل هذه الخطوة قفزة نوعية في خريطة النقل البري الإقليمي وإحياء لشريان تجاري مهم يربط الأردن بالقارة الأوروبية عبر الأراضي السورية والتركية، من خلال معبري جيلوه غوزو (باب الهوى) وأونجو بينار (باب السلامة).


صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات مسقط بأنها «جيدة جداً»، ومع كسر الشكل التفاوضي لمجرد حصول لقاء مباشر بين الوفدين الإيراني والأميركي، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

والسبب ليس ما قيل داخل الغرف بقدر ما لم يتغير خارجها: طبيعة الفجوة الاستراتيجية، وتناقض «الخطوط الحمراء»، وسقف التوقعات الذي ترفعه التهديدات العسكرية والعقوبات، ثم يعود ليصطدم بواقع نظامٍ يتقن كسب الوقت وإدارة التفاوض كأداة لتخفيف الضغط لا كطريقٍ لإنهائه.

المحادثات التي جرت في مسقط بوساطة سلطنة عمان استمرت ساعات طويلة وانتهت بتصريحات عامة من الطرفين عن «أجواء إيجابية» و«بداية جيدة»، مع توقع جولة تالية الأسبوع المقبل، بحسب ما أعلنه ترمب. وقال إن إيران «تريد إبرام صفقة»، وإن المباحثات ستُستكمل «مطلع الأسبوع المقبل».

وأشار «أكسيوس» إلى أن لقاءً مباشراً حصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. لكن هذا «التقدم الشكلي» لم يبدد الشكوك حول أن الجولة قد تكون افتتاحاً لمسار طويل من الجولات، أي ما تخشاه واشنطن وحلفاؤها تحديداً.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم استقباله ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

عقدة «الصفر»

جوهر التشاؤم يبدأ من سؤال واحد: ما الحد الأدنى الذي سيعتبره الطرفان «صفقة»؟ في المقاربة الأميركية التي يكررها ترمب، هناك مطلب مُبسط ومطلق: «لا سلاح نووي» ويُترجم عملياً لدى فريقه إلى خط أحمر على التخصيب.

في المقابل، ترى طهران أن التخصيب جزء من السيادة ورمز للاستقلال، وتعتبر التنازل عنه هزيمة سياسية داخلية لا تقل كلفة عن العقوبات نفسها. هذه الثنائية (صفر مقابل حق) تجعل مساحات التسوية ضيقة بطبيعتها: حتى لو وجد حل تقني وسط (نسب وسقوف ورقابة)، فإن الغلاف السياسي لكل طرف يدفعه إلى التصلب.

الصحف الأميركية تناولت هذه المعضلة، ولخص تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» المعضلة برقم واحد: «صفر»، بوصفه التعريف العملي لمطلب «صفر تخصيب»، محذّراً من أن الإصرار عليه قد يتحول إلى «جرعة سم» قد تقتل التفاوض مهما كانت الأجواء الإيجابية.

السبب الثاني للتشاؤم مؤسسي بحت: مَن يملك القرار النهائي في طهران؟ حتى لو تفاوض عباس عراقجي بمرونة، يبقى اختبار أي تفاهم هو قدرته على عبور مراكز القوة وصولاً إلى المرشد علي خامنئي. وهذا ليس تفصيلاً؛ إنه ما يجعل الدبلوماسية مع إيران بطيئة بطبيعتها، وأحياناً «مجزّأة» إلى رسائل متناقضة بين ما يقوله المفاوض وما تسمح به دوائر القرار.

هذا المعنى ظهر حتى في الخطاب الأميركي الداخلي: افتتاح التفاوض لا يُعامل كإنجاز بحد ذاته، بل كمرحلة لاختبار «النية» و«القدرة على الالتزام». وفي مثل هذه البيئة، أي تنازلٍ يُقرأ داخل إيران على أنه رضوخ تحت التهديد، خصوصاً مع الحشد العسكري، الذي قد يدفع النظام إلى التصلب بدل المرونة.

شراء الوقت؟

يُفترض أن الجمع بين «الجزرة والعصا» يُسرّع التفاهم. لكن في الحالة الإيرانية غالباً ما ينتج أثراً مزدوجاً: يرفع ضغطاً اقتصادياً ونفسياً قد يدفع طهران للعودة إلى الطاولة. وفي الوقت نفسه يمنحها حافزاً لاستخدام الطاولة لتخفيف الضغط دون حسم الملفات، أي استراتيجية «إدارة الأزمة» لا حلّها.

هنا يتقاطع تشاؤم المنتقدين مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، في افتتاحية تتهم إيران بالعودة إلى أسلوب «المماطلة التفاوضية»: جولات متتابعة من دون تنازلات جوهرية، مع رفضٍ لإنهاء التخصيب أو نقلِه للخارج، ورفضٍ، بحسب الافتتاحية، لمنح ضمانات أو عمليات تحقق كافية بعد الضربات السابقة على منشآت نووية.

وفي يوم المحادثات نفسه، تزامن المسار الدبلوماسي مع مزيد من ضغط «العصا»: عقوبات أميركية جديدة مرتبطة بـ«أسطول الظل» النفطي الإيراني. هذا التزامن قد يكون رسالة تفاوضية، لكنه أيضاً يسهّل على طهران تسويق روايتها بأن واشنطن تفاوض «تحت التهديد»، ما يبرر تشدداً داخلياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

«نطاق» الملفات

حتى لو انحصرت الجولة على الملف النووي، فإن التناقض البنيوي قائم: واشنطن، وفق ما نُقل، كانت تميل إلى مسارين، نووي و«أوسع» يشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما أعلن عراقجي أن النقاش يقتصر على النووي فقط. هذا يعني أن أي «تقدم» نووي، إن حصل، قد يُستهلك سياسياً داخل واشنطن إذا بدا أنه يتجاهل ملفات يعتبرها صقور الإدارة والكونغرس جزءاً من «السلوك الإيراني» لا يمكن فصله عن النووي. لذلك يأتي التشاؤم أيضاً من داخل واشنطن: حتى لو تحقق اتفاق تقني، قد لا يملك الغطاء السياسي الكافي ليصمد، هذا من دون الحديث عن إسرائيل.

ومن دون الغرق في تفاصيل مسقط، يمكن تلخيص معيار النجاح في الجولة المقبلة بـ3 إشارات لا تحتاج إلى بيانات مطولة: لغة واضحة حول التخصيب، تتجاوز مفردات «الحق» أو «الصفر» كشعارات، بل صيغة عملية قابلة للقياس والتحقق والجدولة. إطار تحقق عبر عودة جدية للرقابة والوصول، لأن أي اتفاق بلا تحقق سيُعامل كهدنة مؤقتة لا كصفقة. تسلسل العقوبات مقابل الخطوات، بحيث إذا لم تُحسم آلية رفع أو تعليق العقوبات مقابل خطوات نووية محددة، ستبقى كل جولة مجرد «استماع متبادل».

لهذا، تبدو مفارقة مسقط منطقية: يمكن لترمب أن يصف المحادثات بـ«الجيدة» لأنها فتحت باباً مباشراً وأعادت اختبار الدبلوماسية تحت سقف التهديد. لكن التشاؤم يسود لأن الاختبار الحقيقي ليس الجوّ، بل القدرة على كسر عقدة الصفر، وتأمين التحقق، ومنع إيران من تحويل التفاوض إلى مساحة زمنية آمنة لإعادة التموضع، وهي مهارة راكمتها طهران تاريخياً، وتخشى واشنطن اليوم أن تعود إليها بحلتها المعتادة.