منتجة «الحرة»: مهنة المتاعب بدأت بجولة حول العالم لمدة 10 أشهر

فران مايرز لـ «الشرق الأوسط» : أستعد لتقديم الموسم الثاني من «ست بـ100 راجل»

فران مايرز منتجة قناة «الحرة» الأميركية ويظهر خلفها نهر النيل (« الشرق الأوسط »)
فران مايرز منتجة قناة «الحرة» الأميركية ويظهر خلفها نهر النيل (« الشرق الأوسط »)
TT

منتجة «الحرة»: مهنة المتاعب بدأت بجولة حول العالم لمدة 10 أشهر

فران مايرز منتجة قناة «الحرة» الأميركية ويظهر خلفها نهر النيل (« الشرق الأوسط »)
فران مايرز منتجة قناة «الحرة» الأميركية ويظهر خلفها نهر النيل (« الشرق الأوسط »)

فران مايرز منتجة تلفزيونية عملت في هذا المجال منذ عام 1990 وأنتجت عشرات البرامج في مختلف المحطات باللغة الإنجليزية والإسبانية وحتى العربية. تخّرجت في جامعة سان فرانسيسكو وحصلت على شهادة عليا بالصحافة، وهي أم لثلاثة أولاد، قدمت مؤخرا برنامج «ست بـ100 راجل» على قناة «الحرة»، وتستعد لتقديم الموسم الثاني للبرنامج نفسه، من عدة عواصم، ونأمل في أن تقدم برنامجا عن المرأة العربية من السعودية إلى السودان. أبدعت في جميع أعمالها واستطاعت أن تحدث فارقًا على مستوى البرامج، إنْ من حيث الفكرة أو المضمون، من أبرز إنتاجاتها، برنامج «اليوم»، وهو نافذة حية لمشاهدي «الحرة» على كل ما هو جديد وفريد من موضوعات تهم المشاهد العربي، من بينها، الصحة، والترفيه، والرياضة، والتكنولوجيا، والبيئة، والمجتمع، والثقافة، إضافة إلى آخر الأخبار والمستجدات من الشرق الأوسط والولايات المتحدة والعالم. وجاء الحوار معها على النحو التالي:
* كيف بدأت رحلتك مع عالم الصحافة؟ وما نوع المصاعب التي واجهتك منذ بداية مسيرة العمل التلفزيوني؟
- عندما بلغت السابعة والعشرين، قررت أن أترك كل شيء وأسافر في جولة حول العالم. وهذا ما حصل، فجُلت العالم لمدة 10 أشهر، وزرت آسيا، وأوروبا، وشمال أفريقيا. كان الوقت مختلفا، لا هواتف جوالة ولا وسائل تواصل اجتماعي. رأيت العالم على حقيقته، من دون تجميل. رأيت الفقر الذي لم أؤمن بوجوده. رأيت العنصرية المتأصلة في كل المجتمعات وعلى المستويات كافة، وتعلمت كم أن البشر مرتبطون ببعضهم بعضا، بغض النظر عن أعراقهم، أو معتقداتهم، أو أصولهم، وأحدثت هذه التجربة تغييرا كبيرا في حياتي ونظرتي إلى العالم. وحصل التحول الآخر عندما نلت شهادة الماجستير في الصحافة، حيث تعلمت كيف أنقل هذه القصص المهمة للناس وأريهم حقيقة العالم من حولهم. تعلمت التمرس بقواعد هذه المهنة، وإتقان فن التمييز بين الحقيقة وسواها، واعتماد الحقيقة مصباحا ينير طريق مهنتي. في بداية طريقي المهنية، حدث تحول شكّل حياتي المهنية عندما اتصلت بي شبكة تلفزيون «تيليموندو» العالمية الناطقة باللغة الإسبانية، لأبتكر برنامجا يتضمن الأخبار والمعلومات والتسلية بلغة لا أتقنها. وهذا ما حدث، فصممت البرنامج وأنتجته، فلقي نجاحا منقطع النظير واستمر 11 عاما على الهواء. هذه التجربة علمتني أنه بإمكاني أن أنفذ ما يجول في عقلي وقلبي، وألا أسمح للجغرافيا واللغة أن تحدّا من طموحي. وبعد سنوات عدة، حدث الشيء ذاته مع قناة «الحرة»، وهذه المرة باللغة العربية، لغة لا أعرفها أيضا، والتحدي مشابه إلا أنه أكبر بكثير، فكان برنامج «اليوم» على «الحرة»، الذي يبث 3 ساعات يوميا على الهواء من خمسة بلدان في ثلاث قارات، وهذه هي السنة السابعة على نجاحه.
* كيف التحقت بقناة «الحرة الإخبارية»؟
- منذ تسعة أعوام، عرضت علي قناة «الحرة» أن أنتج برنامجا ضخما يقدم الأخبار والمعلومات، فكان برنامج «اليوم» الذي لقي نجاحا باهرا. وتوالت البرامج، كبرنامج «رايحين على فين»، و «نبض الشارع»، و «أنت ونبيلة»، والآن «ست بميت راجل». أثار العمل مع «الحرة» اهتمامي لأنها قناة حرة بالفعل بعيدة عن المحظورات، ويمكن لي أن أخبر القصة كما هي بموضوعية وتجرد.
* كم مشاهدا حول العالم يتابع قناة «الحرة»؟
- تصل قناة «الحرة» إلى قرابة 17.5 مليون مشاهد أسبوعيا.
* ما أهم إنجاز من وجهة نظرك حققتيه حتى الآن في المجال التلفزيوني؟
- أهم إنجاز في حياتي المهنية هو برنامج «اليوم». وضعت كما هائلا من الجهد لإنجاز إنتاج ضخم كهذا. أمضيت كثيرا من الوقت في الشرق الأوسط أبحث عن الفريق المناسب، أحضر لتصاميم الاستوديوهات وتنفيذها، واختيار التكنولوجيا الأنسب لتنفيذ هذا البرنامج اليومي الذي يبث من خمسة بلدان في ثلاث قارات. شعرت وكأنني «أتحدى الجاذبية» لأكمل الصورة، وكانت رحلة شيقة وممتعة معا. عندما انطلق البرنامج على الهواء، كانت لحظة رائعة، لا يماثلها شعور، زد على ذلك أنني امرأة أميركية تنتج برنامجا كهذا لمنطقة الشرق الأوسط باللغة العربية التي لا أعرفها.
* في برنامج «الحرة» «ست بـ100 راجل» ما وجهة نظرك في فكرة البرنامج؟
- رؤيتي لهذا البرنامج تتلخص في أن تخبر كل من النساء المشاركات قصتها كما هي، دون سيناريوهات معدة سابقا. بالفعل هذه شهادة على قوة كل واحدة منهن وولعها بالتقدم وتحقيق الذات وكيفية تخطي الصعاب والتحديات، مهما كانت، لبلوغ هدفها وتحقيق ذاتها.
* هل لبرنامجك الأخير (جديد «الحرة»).. «ست بـ100 راجل» علاقة بخبرتك في الحياة.. أو أنك أردت أن تقولي شيئا على لسان ضيوفك؟
- تجربتي شبيهة بتجارب هؤلاء النساء، فغالبية العاملين في الإنتاج التلفزيوني ومن يقفون خلف الكاميرا كانوا من الذكور، ورغم ذلك نجحت أنا بوصفي امرأة، وأرى أنه على كل امرأة في أي مكان أن تتخذ قرارا بشأن تحقيق أحلامها. طالما طغى الذكور على مجال الإعلام، وهذه حقيقة يجب التعايش معها. على المرأة أن تحسب الدقائق وألا تضيعها، وألا تكون ضحية الواقع، بل أن تصبح جزءا من التغيير الضروري، وهذا يجعل الرحلة أكثر إمتاعا، فالقوة تستمد من النجاح، ومع القوة يأتي التغيير. «ست بـ100 راجل»، هذه ليست مقولتي، بل هذا قول مصري قديم، لكنه صحيح جدا.
* من هو جمهورك في برنامج «ست بـ100 راجل»؟
- جمهور البرنامج العائلة كلها، رجال ونساء وأطفال، والرسالة بسيطة: يمكن للنساء تحقيق أي شيء. فقط يردن الفرصة لتحقيق ما يطمحن إليه.
* هل البرنامج ابتعد عن الصورة النمطية للمرأة التي نراها في شوارع المدن العربية؟
- يبتعد هذا البرنامج عن الصورة النمطية للمرأة لأن نساء البرنامج غير اعتياديات. بحثنا عن نساء حقيقيات يعملن على تغيير حياتهن من خلال تأسيس أعمال خاصة بهن. كان هدفنا أن نجد نساء يمكنهن أن يترجمن هذه الحقيقة على الشاشة.
* ماذا أراد أن يقدم البرنامج عبر هؤلاء النساء؟
- نساء البرنامج هن اللاتي يميزنه من غيره، وأهميته أيضا تتمثل في نقل القصص إلى الجمهور بكل أمانة وشفافية. نعلم، أنا والفريق الرائع للبرنامج في القاهرة، ما نريد، نريد الابتعاد عن السطحية والالتصاق بالواقع والحقيقة.
* هل وجدت صعوبة في تجربة الإنتاج بلغة مختلفة مثل اللغة العربية أو الإسبانية ؟
- هذا هو بالضبط ما يؤهلني أن أنتج برامج بلغات مختلفة ومنها العربية للشرق الأوسط، كما فعلت مع برامجي الموجهة إلى أميركا اللاتينية. أنا من أصول يونانية–أميركية، وأجدادي جاؤوا إلى الولايات المتحدة من تركيا. نشأت مع ثقافات متعددة، كالتركية، واليونانية، والأميركية. ثقافتي عالمية، ومنذ الصغر، تعلمت احترام كل الشعوب ومختلف الديانات. أعلم أن برامجي تلقى استحسانا إن كانت بالعربية، أو الإسبانية، أو الإنجليزية، أو أي لغة أخرى، بسبب احترامي لمختلف الثقافات، ولكوني آخذ الوقت الكافي لأتعلم وأفهم ماذا يحب جمهور معين قبل التوجه له. من الصعب إنتاج برامج لجمهور إلا إذا احترمته وفهمت ثقافته.
* ما المفاجآت المقبلة في برامجك أو الحلقات المقبلة من «ست بـ100 راجل»؟
- لكل حلقة مفاجآتها، والبرنامج يعتمد على نمط السلسلة فالأحداث تتابع، ويفضل مشاهدة البرنامج بالتسلسل الزمني.
* هل وجدت صعوبة في إنتاج مثل هذا النوع من البرامج؟
- نعم، كان الأمر صعبا للغاية. كان من الصعب إيجاد النساء المناسبات اللاتي هن رائدات أعمال حقيقيات، وهذا تطلب من فريق العمل كثيرا من الجهد لاختيار الأفضل.
* هل يمكن أن تقدمي لقراء جريدة العرب الدولية لمحة عن برامجك المقبلة؟
- أطمح في أن أتعمق أكثر في مجال تمكين المرأة، وأن أنتج برنامجا حول هذا الموضوع، يغطي الشرق الأوسط من السعودية إلى السودان، على أن يكون برنامجا عميقا وحقيقيا يعمل على تنوير فكر النساء اللاتي يشاهدنه.
* من تجربتك الشخصية، هل تعتقدين أن هناك اختلافات كبيرة في الاهتمامات بين المشاهدين في منطقة الشرق الأوسط، والمشاهدين الأميركيين، كونك شخصية إعلامية توجهت إلى هاتين الفئتين من المشاهدين؟
لم أنتج فقط برامج للمشاهدين الأميركيين، بل لكل المشاهدين في أميركا اللاتينية أيضًا، أتمتع بخلفية كبيرة عن البرامج في أميركا اللاتينية؛ لذلك خبرتي ليست مقتصرة على أميركا فقط، لأنني كنت منهمكة بشكل كبير في شؤون أميركا الوسطى وأميركا اللاتينية. لقد قدمت برامج لها علاقة مباشرة بأميركا الوسطى للشبكة العالمية لأميركا الوسطى، وكانت خبرتي على مدى 20 عاما في هذا الميدان، أي في ميدان البرامج الموجهة لأميركا اللاتينية بشكل خاص، وأنا أعتقد أن رعايا أميركا اللاتينية، رغم اختلافهم بالطبع، يشبهون العرب، رغم أن المشاهدين المصريين والتونسيين والإماراتيين أيضا يختلفون فيما يحبون مشاهدته. وهؤلاء أيضًا يختلفون عن المشاهد الأميركي. لكن فيما يتعلق بسؤالك حول حجم الاختلاف بين المشاهدين العرب والأميركيين، أستطيع القول إن هناك اختلافًا أساسيا في بعض المستويات، لكن فيما يتعلق بالاهتمامات الإنسانية الأساسية الخاصة بما يريد البشر أن يشاهدوه، فأعتقد أنها متشابهة.



ما دور الإعلام ومواقع التواصل في النزاعات؟

ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
TT

ما دور الإعلام ومواقع التواصل في النزاعات؟

ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf
ماسيمو جبانيني (آ جي ف) agf

نظمّت صحيفة «لا ستامبا» الإيطالية، الصادرة في مدينة تورينو، ندوة حول دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في النزاعات السياسية والاجتماعية، شارك فيها عدد كبير من المتخصّصين في علم الاجتماع السياسي وممثّلون عن المنصات الرقمية الضخمة، وعن المؤسسات الأوروبية المعنية بشؤون الصحافة وتنظيم نشاط شبكات التواصل في بلدان «الاتحاد الأوروبي». وجاء في الدعوة إلى عقد هذه الندوة: «إن الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام بات حاسماً وبالغ الأهمية في تكوين الإدراك العام وتطوّر النزاعات الاجتماعية والسياسية، وأصبح من العوامل الأساسية التي تحرك هذه النزاعات وتتطور على وقعها، وتحدّد في كثير من الأحيان مآلها وإفرازاتها».

من وسيلة نقل إلى فاعل أساسي

الكاتب والصحافي الإيطالي ماسيمو جيانيني، المدير السابق لـ«لا ستامبا» والمعلّق السياسي في «لا ريبوبليكا»، قال إن «وسائل الإعلام اليوم لم تعد مجرد وسيلة تقليدية أو رقمية، سمعية أو بصرية، لنقل الأخبار حول النزاعات الدائرة في العالم والمواجهات السياسية، المحلية والإقليمية والدولية، بل أصبحت فاعلاً أساسياً في هذه النزاعات والمواجهات، عبرها يتم التركيز والإضاءة على جوانب معينة منها، وتوجيه الرأي العام نحو تلك التي تقرّر، وفقاً لمصالح الجهات التي تقف وراءها وتموّلها، أنها هي التي تستحق الاهتمام وتستدعي التعبئة، أو العكس».

أما الفنلندية هينا فيركونين ، النائب التنفيذي لرئيسة «المفوضية الأوروبية» والمكلفة حقيبة السيادة التكنولوجية والأمن السيبراني والديمقراطية - التي تشرف أيضاً على نشاط التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي -، فترى أن «مقاربة وسائل الإعلام للنزاعات، ومنها طريقة تناولها وعرضها للجهات المعنية بهذه النزاعات، من شأنها أن تولّد تعاطفاً مع هذه الجهات أو رفضاً لها ونفوراً منها، بغضّ النظر عن دورتها ومسؤوليتها في النزاعات».

وتنبّه فيركونين إلى أن «السردية الإعلامية السائدة يمكن أن تُضفي شرعية على بعض المواقف، أو تنزعها عن أخرى؛ ما يؤدي في واقع الحال إلى التأثير في مجرى النزاع». ومن ثم، فهي ترى «أن وسائل الإعلام التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المكتوبة ما زالت تلعب دوراً محورياً... لكن المنصّات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي أحدثت بالفعل تغييراً جذرياً في ديناميكية النزاعات، من خلال النقل المباشر للوقائع والأحداث، واتساع دائرة الانتشار، والمشاركة المباشرة للجمهور؛ ما أدّى إلى تغيير أشكال التفاوض حول النزاعات ونقلها إلى الرأي العام وتحديد مواقفه منها».

انتشار الأخبار المزيّفة

معظم المحاضرين المشاركين في الندوة، توقّفوا عند الانتشار الواسع للأخبار المزيّفة التي باتت أدوات فاعلة جداً للتأثير في الرأي العام. ولفتوا إلى صعوبة التحقّق من صحتها قبل فوات الأوان، بعدما بلغت درجة عالية من الإتقان. وضربوا أمثلة كثيرة على حالات تسببت فيها هذه الأخبار المزيّفة بزيادة التوتّر في النزاعات ومفاقمة الأزمات الاجتماعية.

ووفق المساهمات، تجلّت «القدرة على التلاعب» بالأخبار وسرعة تداولها، بشكل خاص إبّان «الربيع العربي» والاحتجاجات الصاخبة التي عمّت الولايات المتحدة إدانةً لتعرّض السكان السود للعنف المفرط على يد الشرطة.

كذلك، عاد البعض إلى نزاعات بعضها أقدم عهداً من ظهور المنصّات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مثل «حرب فيتنام» و«الصراع في البقان» و«أزمة الانفصاليين في إقليم كاتالونيا (قطالونية) الإسباني»؛ للتدليل على أن التغطية الإعلامية التقليدية لعبت دوراً أساسياً في التأثير على الإدراك الدولي والمحلي لهذه النزاعات.

شبكات التواصل

وحقاً، في السنوات الأخيرة أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أدوات بالغة التأثير في مجرى الأحداث السياسية والاجتماعية على امتداد العالم؛ إذ سهّلت تحشيد الجماهير وتنظيم الاحتجاجات، وأعادت تشكيل الأنماط التي من خلالها يتفاعل المواطنون ويعبّرون عن مطالبهم. ومن مزايا شبكات التواصل قدرتها على إتاحة الفرصة أمام أعداد كبيرة من الناس للإعراب عن آرائها، بعكس وسائل الإعلام التقليدية التي تكون عادة في خدمة الجهات التي تموّلها وتتماهى مع توجهاتها ومصالحها.

أيضاًً، تتيح هذه الشبكات الرقمية تبادل الآراء والمعلومات بشكل مباشر؛ الأمر الذي يساعد في حالات كثيرة على تسليط الضوء على مظالم اجتماعية، ويكشف عن حالات سوء المعاملة، ويحفّز مجموعات متباعدة جغرافياً على التلاقي في الدفاع عن قضايا مشتركة.

وبالفعل، يشهد العالم منذ سنوات حالات احتجاجية تضافرت فيها مجتمعات عدّة بفضل شبكات مثل «تويتر (إكس)» و«فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك»، مكّنت المحتجين من تنسيق تحركاتهم، وسرد الأحداث من زوايا بديلة، عادة ما تغضّ الوسائل الكبرى الطرف عنها أو تختار إسكاتها.

ورغم الانتقادات التي تُوجّه إلى شبكات التواصل لترويجها الأخبار المزيّفة، فإنها سهّلت للأجيال الشابة مشاركة نشطة في الحياة السياسية والاجتماعية، وأعطت الحركات الناشئة منابر عالمية، وأصبحت التحدّيات المحلية تطلّ على العالم عبر الحدود الجغرافية وتستقطب التضامن الدولي والضغط من أجل التغيير.

هينا فيكونين، النائب التنفيذي لرئيسة «المفوضية الأوروبية» (المفوضية الأوروبية)

دور المؤثّرين

ومن المواضيع الأخرى التي ناقشتها الندوة، دور «المؤثّرين» الذين أصبحوا في هذا العصر الرقمي لاعبين أساسيين في عالم التواصل والثقافة الشعبية، ويمارسون تأثيراً واسع النطاق وعميقاً في أوساط الرأي العام. ولقد أسهمت هذه الظاهرة بشكل كبير في انتشار الحركات الاجتماعية عبر المؤثّرين الذين يتمتعون بشعبية واسعة في أوساط الرأي العام، ويحظون بثقته من خلال صحة المعلومات التي يقدمون والتفاعل الدائم. وثمة حالات كثيرة شهدت انتشاراً سريعاً، وتضامناً واسع النطاق، لمجرد أن أحد المؤثّرين تبناها أو دافع عنها.

يضاف إلى ذلك أن المؤثرين يضفون ديناميكية وابتكاراً على التواصل، كما أن لغتهم المبسطة تسمح لهم بطرح المشاكل الاجتماعية بأسلوب في متناول كثيرين، خاصة الشبّان وأولئك الذين سئموا الخطاب الأكاديمي أو السياسي.

لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة، هو أن ما يحفّز المؤثرين على دعم قضايا معينة أو تبنيها، قد يكون مدفوعاً بمصالح تجارية تستغل هذه القضايا وشعبية المؤثرين الذين يتحوّلون، بالتالي، عملاء أو وسطاء لأصحاب هذه المصالح. يضاف إلى ذلك أن الانتشار الواسع للقضايا من دون وضعها في الإطار العملي المناسب، قد يؤدي إلى مشاركة سلبية تكتفي بتأييد الفكرة على شبكات التواصل من غير التزام فعلي بالقضية.

سياسات وضوابط أوروبية

هنا، عرضت هينا فيركونين السياسات والضوابط التي وضعها «الاتحاد الأوروبي» لمراقبة وتنظيم نشاطات المنصّات الرقمية، حمايةً لحقوق المستخدمين، وتعزيزاً المنافسة وضمان الشفافية. ومن بين هذه السياسات: قانون الخدمات الرقمية الذي اعتمده «المجلس الأوروبي» عام 2022 بعد جولات من المناقشات المكثفة، والذي فتح جبهة مواجهة عريضة مع الولايات المتحدة ما زالت تحتدم من حين إلى آخر على وقع تهديدات واشنطن بفرض رسوم جمركية على الصادرات الأوروبية في حال تضييق الخناق على المنصات الرقمية والشركات التكنولوجية الكبرى.

وللعلم، تُلزِم أحكام هذا القانون المنصّات بتحمّل مسؤولية المضامين غير القانون أو المضرّة التي تنشرها في الاتحاد الأوروبي عبر خدماتها. ويلحظ هذا القانون التزام المنصات بالشفافية، وآليات للمقاضاة، وتدابير لمكافحة المعلومات والأخبار المُضلِّلة. وتنطبق أحكام هذا القانون على جميع المنصّات وشبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث.

هذا، وكان «الاتحاد» قد وضع منذ سنوات مجموعة من اللوائح العامة لحماية البيانات ليست موجهة بالتحديد لمراقبة نشاط المنصات، لكنها تلعب دوراً أساسياً في ضبط وتنظيم معالجة البيانات الشخصية، وتفرض التزامات صارمة على الشركات التي تعالجها. وأبرمت «المفوضية الأوروبية» اتفاقات ثنائية طوعية مع عدد من المنصّات لمكافحة الأخبار المزيّفة والتحريض على الحقد، فضلاً عن التنسيق الدائم مع الهيئات الوطنية التي تشرف على تطبيق القوانين المرعية في الاتحاد.

شعار «إ‘نستغرام» (رويترز)

عقوبات اتحادية

ولإظهار مدى جدّية «الاتحاد» في تطبيق هذه السياسات رغم الضغوط الهائلة التي يتعرّض لها من الإدارة الأميركية، وأيضاً من الصين؛ ضرب أحد المسؤولين الأوروبيين أمثلة عن بعض العقوبات التي فرضتها «المفوضية» في السنوات الأخيرة على المنصّات الرقمية بسبب انتهاكها القواعد الناظمة لنشاطها في البلدان الأعضاء، ومنها: فرضها عام 2022 غرامة مالية مقدارها 8 مليارات يورو على «غوغل»، وتكرارها ثلاث مرات؛ بسبب سوء استخدام الوضع المهيمن تحقيقاً لمكاسب غير قانونية عبر الإعلانات ونظام التشغيل «آندرويد».

أيضاً، كانت أجهزة «المفوضية» فتحت تحقيقات واسعة منذ سنتين حول نشاطات منصة «أمازون»، وفرضت عليها عقوبات بسبب ممارسات من شأنها الترويج بشكل غير قانوني لمنتجاتها عبر المنصّة على حساب أطراف ثالثة. ومع أن الاتحاد لم يفرض رسمياً بعد أي غرامة مالية على هذه المنصة، فإنه حذّر من عواقب وخيمة في حال رفضها الامتثال للضوابط وانتهاكها.

ومن جهتها، فرضت الحكومة الآيرلندية أخيراً غرامات على «ميتا» تجاوزت 200 مليون يورو بسبب مخالفات تتعلق بحماية البيانات الشخصية. وكانت هيئات أوروبية عدة ناظمة لأنشطة المنصات الرقمية قد فرضت عقوبات وتدابير قسرية على منصة «تيك توك» لقلة التزامها تدابير حماية القاصرين والتلاعب بالبيانات الشخصية.

معظم المشاركين توقّفوا عند الانتشار الواسع للأخبار المزيّفة التي باتت أدوات فاعلة للتأثير في الرأي العام


تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات

تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات
TT

تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات

تفضيلات مستخدمي تطبيقات الأخبار لا ترتبط بجاذبية الإشعارات

تحدثت مؤشرات جديدة عن أن «المستخدمين قد يمضون وقتاً أطول على تطبيقات الأخبار المصممة للهاتف المحمول، ورغم ذلك فلا يزال الناشرون يفشلون في جذب انتباههم عبر الإشعارات الفورية»؛ ما يثير تساؤلات حول كيفية استغلال ميزة اهتمام الجمهور بتطبيقات الأخبار من خلال تقديم خدمات تدفعهم لمزيد من التفاعل والبقاء.

ووفقاً لتقرير أجرته «بيغ بيدج» (وهي شركة بريطانية متخصصة في بناء منصات النشر الرقمي)، نُشر في أغسطس (آب) الحالي، فإن «متوسط استخدام الجمهور لتطبيقات الأخبار قد ارتفع مقارنة بالعام الماضي، كما أن عدد الدقائق التي يقضيها المستخدمون داخل تطبيقات الأخبار قد ارتفعت أيضاً».

التقرير أرجع هذا الارتفاع إلى «تطوير تطبيقات الأخبار التي باتت أكثر ثراءً وتفاعلية؛ ما يشجع المستخدمين على البقاء مدة أطول». ووجد أن التفاعل مع تطبيقات الأخبار مدفوع بما يُعْرف بـ«المستخدمين الخارقين» وهم يمثلون نحو 20 في المائة فقط من المستخدمين النشطين شهرياً، لكنهم مسؤولون عما يعادل 3 أرباع إجمالي جلسات الاستخدام. وتمتلك معظم منصات الأخبار الكبرى نسخة تطبيق خاصة بها، حيث تتصدر صحيفتا «التايمز» و«الديلي ميل» الترتيب من حيث معدلات التفاعل، وفقاً للتقرير.

ويستند التقرير إلى بيانات تحليلية مستقاة من أكثر من 440 تطبيقاً معظمها تنشر أخباراً يومية وموجهة أساساً للموبايل، وتسعة من كل عشرة منها تعمل بنظام اشتراك مدفوع، بينما يأتي الجزء الأكبر من إيراداتها من القراء والإعلانات.

ويُعد محتوى الأخبار العاجلة والحديثة أكبر عامل جذب للتفاعل بين القراء بحسب التقرير، تليه الألغاز والألعاب، ثم النسخ الرقمية من الصحف المطبوعة. وسجلت التطبيقات التي تنشر أخباراً يومية معدلات تفاعل أعلى كثيراً من تلك التي تركز على محتوى استهلاكي أو تجاري.

وتتمتع التطبيقات التي تحتوي على ألعاب أو فيديو أو محتوى صوتي بمعدل تفاعل أعلى في المتوسط، فمستخدمو الألعاب يفتحون التطبيق بمعدل 2.7 ضعف أكثر من غيرهم ممن لا يلعبون، أما مشاهدو الفيديو فيقضون وقتاً أطول بمعدل 3.3 ضعف شهرياً داخل التطبيق، بينما يقضي مستمعو المحتوى الصوتي وقتاً أطول بمعدل 2.5 ضعف، وفق ما ذكره التقرير.

وأشار إلى أنه على الرغم من الارتفاع السنوي في معدلات التفاعل، فلا يزال الناشرون يواجهون صعوبة في جذب المستخدمين بفتح التطبيق عبر الإشعارات الفورية، فأكثر بقليل من نصف التطبيقات المشمولة في التقرير لديها مستخدمون يفعلون خدمة الإشعارات، لكن ثلث المستخدمين تقريباً فقط هم من يفتحون التطبيق شهرياً عبر إشعار فوري.

المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، حاتم الشولي يرى أن كمية المحتوى المعروضة عبر منصات التواصل الاجتماعي باتت مزعجة بكل تأكيد، لا سيما بالنسبة للجمهور الباحث عن عالم الأخبار تحديداً، والتي أصبحت شبه معدومة في تدفقات «التايم لاين» خصوصاً عند غياب التغطيات الكبرى. ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الجمهور مع الوقت بات يشعر أن ما يبحث عنه لم يعد موجوداً في المنصات التي يستهلكها يومياً، وهو ما يدفعه لتغيير عاداته والاتجاه نحو المنصات المتخصصة أو التطبيقات المحددة».

بشأن ما إذا كان طول مدة بقاء المستخدم داخل التطبيق مؤشراً كافياً على نجاحه، يلفت الشولي إلى أن الأمر «نسبي ومتغير بحسب الأولوية»، ويقول: «إذا كان الهدف تطبيق أخبار يدخل إليه الجمهور، ويطلع على الأخبار ثم يغادر، فإن ذلك يُعد نجاحاً في حد ذاته. أما إذا كان الهدف إطالة زمن بقاء الجمهور على التطبيق، فهذا شيء مختلف، خصوصاً إذا كان يفعل شيئاً آخر غير قراءة الأخبار، وفي النهاية مهما قضى من الوقت فلن يُحسب أنه استهلك المحتوى».

كما يشير إلى «المسألة تحتاج نقاشاً أوسع حول الهدف الحقيقي من بقاء الجمهور داخل المنصة وطبيعة استهلاكه للمحتوى».

عن احتمال اتجاه الجمهور مستقبلاً نحو منصات إخبارية متخصصة، يرى الشولي أن التكهن أمر صعب، «نحتاج قراءة أرقام وتقارير أكثر من دول متعددة لبناء صورة أوسع»، ويوضح أن «عمل المنصات وتعاطيها مع الجمهور يتغير بشكل مستمر بحسب نتائج استهلاك المحتوى، وأنه من الصعب التخمين بناءً على جزئية واحدة».

ومع ذلك، لم يستبعد أن يكون هناك تيار عام يتجه نحو المنصات المتخصصة بحسب قلة المعروض من اهتمامات الجمهور في المنصات العامة.

أما خالد عبد الراضي، خبير إدارة وتحليل بيانات السوشيال ميديا في مصر والسعودية، فقد عدّ بناء الولاء بين الجمهور والتطبيقات الإخبارية ليس بالمهمة السهلة، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «تكراراً لحديث عام حول ضرورة تقديم التطبيق مزايا حصرية ومحتوى تفاعلياً؛ إلا أنه عند التنفيذ قد لا تبدو الأمور بهذه السهولة، لا سيما في ظل وجود منصات التواصل الاجتماعي، فمجرد توفير الأخبار عبر تطبيق خاص بكل ناشر قد لا يحقق دائماً النتائج المتوقعة».

ويضيف أن منافسة منصات التواصل الاجتماعي التي تجمع مختلف الصحف والشخصيات العامة والمؤثرين تجعل مهمة ربط الجمهور بتطبيق خاص بشكل يومي واعتيادي «أمراً يتطلب تقديم خدمات أكثر خصوصية للمستخدم، ليس أخباراً أو ألعاباً أو ترفيهاً فحسب، بل خدمات حقيقية». ويعبر عبد الراضي عن أمله في أن تظهر تطبيقات تقدم بالفعل مزايا حصرية قادرة على ربط جمهورها بها يومياً وباستمرار، ويشير إلى أن ذلك «يحتاج مجهوداً كبيراً في إعداد التطبيق ومحتواه، ومجهوداً أكبر في استمرارية هذا التطبيق ودعمه»، بحيث يظل محدثاً باستمرار وجاذباً للجمهور، بما يدفعه للبقاء وقتاً أطول عليه.


معركة ترمب والإعلام... أين ينتهي التنظيم وتبدأ الرقابة؟

 بريندان كار (رويترز)
بريندان كار (رويترز)
TT

معركة ترمب والإعلام... أين ينتهي التنظيم وتبدأ الرقابة؟

 بريندان كار (رويترز)
بريندان كار (رويترز)

لم تعد معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ولايته الثانية، مع الإعلام سجالاً يومياً حول تغطية سلبية، أو سؤال مزعج، بل تحوّلت إلى نهج تتقاطع فيه صلاحيات الوكالات الفيدرالية، وتجديد تراخيص البث، وإتاحة الوصول إلى المعلومات، والدعاوى القضائية.

حتى ظهور ترمب الأول بصفته رئيساً في عشاء مراسلي البيت الأبيض، يوم 24 يوليو (تموز)، جمع الرئيس بين المزاح وإعادة ترديد اتهاماته المعتادة للصحافة، في مفارقة عكستها مناسبة مخصّصة للاحتفاء بالحرّيات التي يكفلها التعديل الأول للدستور. إذ أكد أنه يتيح للصحافيين وصولاً واسعاً إليه، لكنه واصل في الوقت نفسه مهاجمة مؤسسات إعلامية بعينها، واتهامها بقلة النزاهة.

كار يعيد تعريف الوكالة

مقابلة رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، بريندان كار، الذي عينه ترمب لقيادتها مع صحيفة «بوليتيكو»، تكشف أن ما يجري ليس سلسلة ردود فعل عابرة، بل إعادة تعريف معلنة لدور وكالة ظلت بعيدة نسبياً عن الصدامات السياسية. ويقدّم كار نهجه بوصفه مزيجاً من اتجاهين: إلغاء واسع للقيود التنظيمية... يقول إنه أزال بموجبه أكثر من ألفي قاعدة، وتدخّل أكثر حزماً في قطاع البث الأرضي.

كار، وهو محامٍ متخصص في الاتصالات، وتدرّج في المناصب داخل الوكالة على مرّ السنين، بنى علاقة قوية مع ترمب، وانخرط بحماس في مواجهة خصوم الرئيس في وسائل الإعلام سعياً لإخضاعهم. واليوم، حجة كار الأساسية أن محطات التلفزيون والإذاعة ليست كالصحف، أو شبكات الكابل، ومنصات البث الرقمي؛ فهي تستخدم ترددات عامة بموجب تراخيص حكومية، ولذلك يتوجّب عليها العمل وفق «المصلحة العامة». وهو هنا يصر على أن اللجنة ليست «شرطة للكلام»، لكنها مسؤولة عن تطبيق «قواعد تكافؤ الفرص» بين المرشحين، و«منع التضليل المتعمد» في الأخبار، ومحاسبة المحطات عند تجديد تراخيصها.

غير أن المقابلة أظهرت أيضاً مدى التطابق السياسي بينه وبين ترمب. إذ أشاد كار بمواجهة الرئيس «الإعلام التقليدي». وقال إن على المؤسسات الإعلامية أن تجري «تصحيحاً للمسار». كذلك امتنع عن اعتبار توجيه الرئيس اللجنة للتحقيق مع محطة ما أمراً غير ملائم، ورفض الإفصاح عن اتصالاته بالبيت الأبيض. أما الكوب الموضوع على مكتبه، ويصوره على هيئة «كلب حراسة» لترمب في مواجهة الإعلام، فإنه يختصر الصورة التي لا يبدو كار منزعجاً منها.

سلطة حقيقية وحدود دستورية

يمتلك كار، في الواقع، جزءاً مهماً من السند القانوني الذي يستند إليه. فقانون الاتصالات يكلّف اللجنة التأكد من خدمة المحطّات المرخّصة «المصلحة العامة، والملاءمة، والضرورة»، والمحكمة العليا أقرّت تاريخياً تنظيماً أوسع للبث الأرضي بسبب ندرة التردّدات. وخلال مايو (أيار) ذكّرت اللجنة المحطات بأنها تستخدم مورداً عاماً، وأن تراخيصها لا تضعها في الموقع القانوني نفسه للصحف، أو خدمات الإنترنت.

بيد أن هذه السلطة ليست تفويضاً مفتوحاً لضبط التوجّهات السياسية. ذلك أن قانون الاتصالات نفسه يمنع اللجنة من الرقابة، أو من التدخل في حرية التعبير. وأيضاً تؤكد إرشاداتها أن الحكومة لا تستطيع حظر بث وجهة نظر معينة. وحتى قاعدة «الفرص المتساوية» تتضمّن استثناءات للبرامج الإخبارية، والمقابلات الإخبارية الحقيقية، ما يجعل تصنيف برامج مثل «ذا فيو» الذي تقدّمه مجموعة من المذيعات، من بينهن ووبي غولدبرغ وجوي بيهار، أو البرامج الليلية مسألة قانونية قابلة للنزاع، وليست حكماً سياسياً يصدره رئيس اللجنة منفرداً.

من جهة ثانية، لا يكفي اتهام محطة بالانحياز لتطبيق سياسة «تحريف الأخبار»؛ إذ يتطلب ذلك عادةً أدلة على تعمّد تشويه تقرير وقائعي بشأن حدث مهم. ومن هنا تنشأ المخاوف من أن يتحوّل مفهوم «المصلحة العامة»، إذا ما استُخدِم بانتقائية، من معيار لحماية الجمهور إلى أداة لمعاقبة خيارات تحريرية محميّة دستورياً.

ترمب يلقي كلمته في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض (رويترز)

العقوبة ليست الشرط الوحيد

أوضحُ تطبيقٍ لهذا النهج هو الأمر الذي أصدره كار بإخضاع تراخيص ثماني محطات تملكها «ديزني–إيه بي سي» لمراجعة مبكّرة، مع أن مواعيد التجديد لا تبدأ قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2028. وجاء القرار بعد يوم من مطالبة ترمب الشبكة بطرد جيمي كيميل الذي يقدّم برنامجاً ليلياً ساخراً. لكن كار يقول إن التوقيت مصادفة، وإن الإجراء نتج من تحقيق بدأ في مارس (آذار) 2025 بشأن احتمال انطواء سياسات التنوّع والتوظيف في «ديزني» على تمييز غير قانوني، ومن عدم تعاون الشركة بصورة كافية مع طلبات اللجنة.

وكالة «رويترز» ذكرت أن المراجعة المُبكرة، وهي الأولى من نوعها منذ أكثر من نصف قرن، دفعت مسؤولين سابقين في اللجنة من الإدارتين الجمهورية والديمقراطية إلى وصفها بأنها تهديد لحرّية التعبير يرتدي ثوباً تنظيمياً. وتقول شبكة «إيه بي سي» إن الهدف هو جعل المؤسسات الإعلامية تخشى العقاب الرسمي، مشيرة إلى تقديم أكثر من 150 ألف تعليق إلى اللجنة، أيّد أكثر من 95 في المائة منها تجديد تراخيص محطاتها.

الخطر، بالتالي، لا يقتصر على احتمال سحب ترخيص، وهو إجراء نادر جداً، وقد لا يصمد قضائياً. فمجرد فتح تحقيق أو التلويح بمراجعة الترخيص يمكن أن يؤثر في قرارات الشركات التي لديها صفقات اندماج، أو مصالح تنظيمية معلقة. وهذا هو «الأثر الردعي» الذي حذر منه حتى جمهوريون، بينهم السيناتور تيد كروز، الذي شبّه تحذير كار لكيميل بلغة أفلام «المافيا»، محذّراً من أن السلطة نفسها قد تُستخدم مستقبلاً ضد الإعلام المحافظ.

مقاومة مفتوحة وصدارة متراجعة

الواقع أن النزاع يمتد إلى ما وراء لجنة الاتصالات. فقد فرض «البنتاغون» (وزارة الحرب) قيوداً على حركة الصحافيين، وأغلق مساحة عملهم التقليدية، واشترط مرافقتهم داخل المبنى، بعدما أبطلت محكمة سياسة سابقة كانت تسمح باعتبار من يسعى إلى معلومات غير مصرح بها «خطراً أمنياً». ودافع «البنتاغون» عن الإجراءات باعتبارات الأمن القومي، بينما أعادتها المؤسسات الصحافية إلى القضاء.

لذلك قد تنجح الإدارة في دفع بعض الشركات إلى الحذر، أو التسوية، أو الرقابة الذاتية، لكنها لا تملك حتى الآن قدرة كاملة على «تطويع» الإعلام. فالمحاكم، والمؤسسات الصحافية، والانقسام داخل «الحزب الجمهوري»، فضلاً عن خروج «الكابل» والمنصّات الرقمية من نطاق تراخيص اللجنة، كلها تشكل قيوداً جدية على هذا المشروع.

بالتوازي، قد تكون ريادة أميركا في حرية الصحافة قد تضرّرت بالفعل، إذ وضعها مؤشر «مراسلون بلا حدود» لعام 2026 في المرتبة الرابعة والستين، بتراجع سبع مراتب. لكنه مؤشر على تآكل المكانة أكثر من كونه إعلاناً عن زوال الحماية الدستورية. والخلاصة أنه لا دليل على «خطّة سرّية» أبعد مما هو معلن: استخدام أدوات الوصول والتنظيم والترخيص لدفع الإعلام إلى تغيير سلوكه. وستتحدّد النتيجة بقدرة المؤسسات على مقاومة الضغط قبل أن يتحوّل الاستثناء التنظيمي الخاص بالبث إلى سابقة سياسية دائمة.

قانون الاتصالات يكلّف «لجنة الاتصالات الفيدرالية» التأكد من خدمة المحطّات المرخّصة «المصلحة العامة والملاءمة والضرورة»