رحلة التعرف على «أسعد شعوب العالم» في الدنمارك

بلاد صغيرة وعدد سكان قليل

رحلة التعرف على «أسعد شعوب العالم» في الدنمارك
TT

رحلة التعرف على «أسعد شعوب العالم» في الدنمارك

رحلة التعرف على «أسعد شعوب العالم» في الدنمارك

هل الدنماركيون أسعد شعوب العالم لأن عددهم قليل (ستة ملايين شخص فقط)؟ أم لأن بلدهم صغير (16000 ميل مربع فقط، مساحة ولاية ميريلاند الأميركية)؟ أم لأن بلدهم يتكون من أربعمائة جزيرة، مما يساعد على الحياة الفردية والاستقلالية؟
لكن السكان أقل في دول كثيرة، مثل: لبنان، جمهورية أفريقيا الوسطي، جمهورية الكونغو. والمساحة أقل في دول كثيرة، مثل: أرمينيا، بوروندي، رواندا. وعدد الجزر أكثر في دول كثيرة، مثل: إندونيسيا (18 ألف جزيرة) والفلبين (7 آلاف جزيرة).
يبدو أن المرشد السياحي الدنماركي «كريستيان» كان يعرف أن مجموعة السياح الأميركيين سيسألونه عن سر الدنمارك في أن تكون أسعد دولة في العالم. ويبدو أنه كان يعرف أنه لن يجب إجابة مباشرة، لعدة أسباب: أولا لأن السياح ضيوف، وهو يريد احترامهم بدلا عن الاستعلاء عليهم. ثانيا لأن الموضوع حساس. ثالثا لأن كلمة «سعادة» ليست محددة.
وبطريقة دبلوماسية، يبدو أنه تعود عليها مع السياح الأجانب، قال «كريستيان»: «نحن لا نسميها (هابينيس - سعادة). نحن نسميها (ساتيسفاكشون - رضا)».
وكأنه كان يعرف أن السياح الأميركيين لن يسألوه فقط، ولكن أيضا سيتحدونه. لهذا أحضر معه معلومات عن الدنمارك، ومعها قوائم من البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الأوروبية، وغيرهما، عن مكانة الدنمارك في قوائم الحرية، والمساواة، والشفافية، والسعادة (الرضا).

* «السعادة»

أوضحت أغلبية القوائم أن الدنمارك، خلال السنوات العشر الأخيرة، كانت الأولى، وأن السعادة (الرضا) تقاس حسب العوامل الآتية: الصحة، التعليم، السكن، العمالة، المساواة، خدمات الحكومة، الدعم الاجتماعي. لكن يبدو أن أهم عامل هو سؤال كل شخص: «ما هو مدى رضائك عن حياتك؟».
تأتي مع الدنمارك في قائمة الدول العشر الأسعد في العالم، وفي كل سنة، جاراتها الدول الاسكندنافية (السويد، النرويج، فنلندا). وأيضا: هولندا، سويسرا، بلجيكا، أستراليا، كندا، النمسا، آيسلندا.
في سنة 2012 جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية عشرة، وبريطانيا العشرين. لكن في نفس السنة أوضح تقرير أصدرته جامعة لايكستر في بريطانيا عن نفس الموضوع أن ترتيب الولايات المتحدة هو العشرين. وترتيب بريطانيا الأربعين. وفي أسفل هذه القوائم عن السعادة تأتي كثير من الدول الأفريقية، مثل: بوروندي، زمبابوي، الكونغو.
خلال النقاش عن هذا الموضوع، والحافلة الأنيقة تطوف بالسياح الأميركيين شوارع كوبنهاغن، لاحظ واحد أن دولة بهوتان الصغيرة (في جبال الهملايا) تأتي في أعلى قائمة السعادة. رغم أنها فقيرة، ورغم أن حاكمها ملك ديكتاتوري.
هذه المرة، اتفق الدنماركي والأميركيون على أن تفسير كلمة «السعادة» يعتمد على مدى وعي الشعوب. كلما زاد الوعي زاد فهم الشعوب للصورة الكبيرة للأشياء، ومنها السعادة. وكما قال أميركي: «الذي لا يعرف الحرية، لا يعرف السعادة التي تسببها له».

* «المساواة»

لكن اختلف الدنماركي والأميركيون خلال النقاش حول كلمة «المساواة».
في قائمة الإنتاج القومي جاءت الولايات المتحدة في مقدمة الدول: 15 تريليون دولار سنويا. وكانت الدنمارك أقل من تريليون. وفي قائمة متوسط دخل الشخص سنويا تساوت الدولتان تقريبا: 50 - 60 ألف دولار سنويا. لكن في قائمة «المساواة» تفوق الدنماركيون على الأميركيين: 25 في المائة مقابل 50 في المائة.
تعنى «المساواة» هنا الفرق بين الأقل دخلا والأعلى دخلا. وصار واضحا أن الفرق أقل في الدنمارك. لكن لم يعجب هذا بعض السياح الأميركيين. وكعادة كثير من الأميركيين، لم يرضوا أن يتفوق شعب عليهم.
لكن كان «كريستيان» مستعدا، وأشار إلى معلومات عن نسبة دخل الشخص الذي يصرف على الترفيه (أعلى في الدنمارك). ونسبة ساعات العمل إلى ساعات الإجازات (أعلى في الدنمارك). ونسبة الجريمة (أعلى كثيرا في الولايات المتحدة). ونسبة ديون الحكومة إلى الدخل القومي (أعلى كثيرا في الولايات المتحدة). ونسبة زوار العيادات النفسية (أعلى كثيرا في الولايات المتحدة).
وأشار «كريستيان» إلى أن النرويج، جارة الدنمارك، أحسن منها لأنها ليست مديونة أبدا (بسبب ثروة النفط).

* فرص الاستثمار

حسب تقرير آخر للبنك الدولي، الدنمارك هي الأولى في العالم في فرص الاستثمار. ليس لأن فيها نفطا أو مصانع صلب أو سوق أوراق مالية مثل نيويورك، ولكن لثلاثة أسباب رئيسة:
أولا: الأعلى في مؤهلات السكان (الأكثر تعليما في العالم).
ثالثا: الأكثر تسامحا (الأكثر تأدبا، وأمنا، ورضا، واستقرارا نفسيا).
ثالثا: الأقل في البيروقراطية (الأقل في قوانين الاستثمار).
رابعا: الأولى في العالم في قلة الفساد (حسب أرقام منظمة الشفافية الدولية في ألمانيا).
وحسب مجلة «تايم» الأميركية، قبل سنوات قليلة، أعلنت شركة «لوغو» الدنماركية (التي تنتج مكعبات صغيرة يصنع منها الصغار والكبار منازل وسيارات وأناسا) أنها ستنقل جزءا من مصانعها إلى المكسيك، حيث تكاليف العمالة أرخص. في أي بلد آخر، يسبب هذا مظاهرات اتحادات نقابات العمال. لكن قال بول بيدرسون، رئيس نقابة عمال المصنع: «من ألف عامل في المصنع سيبقى ثلاثمائة فقط. هذا أفضل من إغلاق المصنع نهائيا». وأضاف: «نحن لسنا ضد الشركة. ولا نمانع إذا كانت سياستها هي الرخاء لها، والرخاء لنا». وأضاف في مثالية نادرة: «توجد محاسن لنقل مصانع من دول غنية إلى دول فقيرة. سيرتفع مستوى المعيشة في الدول الفقيرة. وستنمو الطبقة الوسطى. وستريد شراء مزيد من (لوغو)، وأشياء أخرى من الدنمارك، مثل الألبان والأجبان».
وحسب نتائج استطلاع نشرته مجلة «تايم»، قالت نسبة ثمانين في المائة من الدنماركيين إن العولمة أفضل للدنمارك وللعالم. وهكذا، مرة أخرى، حقق الدنماركيون قصب السبق على الشعوب الأخرى التي يبدو أنها اتفقت على لعن العولمة، إن لم يكن على اعتبارها شيطانا.

* متنزه «تيفولي»

بعد منتصف النهار، وقفت حافلة السياح الأميركيين أمام متنزه «تيفولي» في قلب العاصمة كوبنهاغن. لم تكن زيارة المتنزه في البرنامج. لكنه غداء في مطعم مجاور، متخصص في ساندويتشات «سمورغسبورد» (قطعة خبز مسطحة وعليها لحوم وخضراوات).
أثناء الغداء دار نقاش آخر بين الدنماركي والأميركيين. هذه المرة يبدو أن الدنماركي تعمد، في دبلوماسية ومرح، إثارة الأميركيين عندما تحدث عن متنزه «تيفولي». قال إنه مثل، وليس مثل، متنزه «ديزني» الأميركي. وسأل: متى بنى متنزه «ديزني»؟ وأجاب أميركي في دقة: «ديزني لاند»، في ولاية كاليفورنيا، سنة 1955. و«ديزني ويرلد»، في ولاية فلوريدا، سنة 1971.
وقال الدنماركي، وهو يشير إلى متنزه «تيفولي»: «نحن بنينا هذا سنة 1843». وأضاف، ويبدو أنه يعرف كثيرا عن تاريخ أميركا: «بنيناه عندما كنتم في خضم حرب أهلية».
ثم دار الحديث، ووصل إلى ساندويتشات «سمورغسبورد» التي كان الأميركيون يأكلونها. وأغلبيتهم لأول مرة. ومرة أخرى سألهم: «متى وصل (سمورغسبورد) إلى أميركا؟»، وترددوا في الإجابة. وقال، في تأكيد، ولا بد أنه كان مرشدا سياحيا لأفواج كبيرة من السياح الأميركيين قبل هذا الفوج: «في سنة 1939، في معرض نيويورك العالمي».
وصحح معلوماتهم، وقال إن هذا الساندويتش أصله من السويد، وإن الكلمة لا تعنى ساندويتش، ولكن تعنى مائدة كاملة عليها مختلف أنواع اللحوم والخضراوات والأجبان الباردة.
وألقى أميركي محاضرة عن كلمة «ساندويتش»، وقال إن أصلها بريطاني، وتعود إلى «دوق أوف ساندويتش» الذي كان، في القرن التاسع عشر، حاكما لمنطقة ساندويتش في مقاطعة كِنت في بريطانيا. وإن الدوق طلب يوما من خادمه طعاما يأكله وهو على عجل ليخرج من المنزل. ووضع الخادم قطعة لحم بين قطعتي خبز. وصار الناس يقولون «طعام ساندويتش».
استمع الدنماركي في انتباه إلى هذا الشرح المفصل. وقال: «إذا أكل البريطانيون الساندويتش في القرن التاسع عشر، فنحن كنا نأكل (سمورغسبورد) منذ القرن التاسع».

* صغيرة لكنها قديمة

لهذا، يبدو أن السؤال الأول عن سر «سعادة» الدنماركيين هو أن لها تاريخا قديما جدا، رغم صغر حجم بلدهم وقلة عدد سكانها، وأن تفوقها في مجال «السعادة» جاء بعد تفوقها في مجالات أخرى، مثل الاستقلال والحرية والعدالة والعمل الشاق والإبداع والترفيه.
لهذا يتفوق الدنماركيون على غيرهم في مجالات كثيرة، خصوصا وسط الدول الغربية، وخصوصا بالنسبة للأميركيين.
مثلا: نالت الولايات المتحدة الاستقلال من بريطانيا (القرن الـ18)، لكن الدنمارك أقدم (القرن الـ10). في ذلك الوقت توحدت إمارات دنماركية صغيرة، وكونت الدنمارك.
وقبل اكتشاف أميركا بخمسمائة سنة، كانت الدنمارك دولة تهزم جاراتها، وتهزمها جاراتها. وقبل اكتشاف أميركا بمائة سنة، وصل الدنماركيون إلى الهند، وأسسوا مستعمرة صغيرة (القرن الـ15). وبعد اكتشاف أميركا بمائتي سنة، وصل الدنماركيون إلى البحر الكاريبي، واستعمروا جزر «فيرجين» (القرن الـ17). وبعد استقلال الولايات المتحدة بمائتي سنة، اشترت الجزر من الدنمارك (القرن الـ20).
ورغم الفروقات الكبيرة بين الولايات المتحدة العملاقة والدنمارك الصغيرة، يستمر نوع من التفوق الدنماركي: سبقوا الأميركيين في منح المرأة حق التصويت. وسبقوهم في الحقوق المدنية (طبعا لم يستعبدوا زنوجا). وسبقوهم في نظافة البيئة (اتفاقية كيوتو). وسبقوهم الاستغناء عن السيارات داخل المدن (أربعين في المائة من سكان كوبنهاغن يستعملون دراجات). وسبقوهم في الاعتراف بحقوق المثليين (منذ أكثر من عشرين سنة). ومؤخرا، أعلنت الكنيسة الدنماركية (كنيسة العائلة المالكة) أنها ستجيز زواج المثليين والمثليات. ولم تصل الكنائس الأميركية الرئيسة إلى هذه المرحلة.

* مطعم «نوما»

وسبقوهم بمطعم «نوما» (اختصار «نورديك ماد»، طعام الشمال) في كوبنهاغن. هذا هو أحسن مطعم في العالم لثلاث سنوات متتالية. في عام 2012 وضعت مجلة «تايم» الأميركية رينيه ريدزيبي، كبير الطباخين فيه، على غلافها، كواحد من أشهر مائة شخص في العالم.
مرت حافلة السياح الأميركيين أمام المطعم، وبدا من الخارج عاديا، بل أقل من عادي، وفي مبنى أقل من عادي. ويقع في منطقة فيها مخازن ومصانع قديمة. لكن كانت فرصة أخرى للمرشد السياحي «كريستيان» ليفتخر بوطنه أمام السياح الأميركيين. وبدأ بأن حذرهم بأن المطعم غالٍ، وأن الوجبة الواحدة تكلف ثلاثمائة دولار، دون مشروبات كحولية، ولا بد أن يحجز الشخص قبل شهور وشهور. ولا يطعم المطعم أكثر من أربعين شخصا كل عشاء، وخمسين كل غداء.
أساس أنواع الطعام هنا هي مائدة «سمورغسبورد» الاسكندينافية، وهي تمرد على طعام «ميديترنيان» (البحر الأبيض المتوسط) الذي صار، خلال العشرين سنة الماضية، الموضة الجديدة في المطاعم الراقية. والذي يعتمد على أشياء مثل: زيت الزيتون، والطماطم الحمراء المجففة، واللحوم والخضراوات المشوية.

* أشهر وجبتين في مطعم «نوما»:

أولا: «دجاج وبيضة» لكنهما في الحقيقة بيضة مقلية وزهور برية وأعشاب البحر وزيت أعشاب البحر وقطعة لحم دجاج.
ثانيا: نمل مثلج مع سلطة وخضراوات مثلجة.

* «الجنة» ليست جنة

بعد نهاية زيارة الدنمارك بفترة، أرسل لي واحد من مجموعة السياح الأميركيين معلومات سلبية عن الدنمارك، وقال إنه جمعها من الإنترنت، وإنه فعل ذلك بسبب «بطولات المرشد السياحي الدنماركي». وتحت عنوان «الجنة ليست جنة»، أرسل المعلومات الآتية:
أولا: نسبة الانتحار في جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك، هي الأعلى في العالم. بمعدل مائة من كل مائة ألف. وتأتي الدنمارك نفسها في أعلى القائمة.
ثانيا: يمكن الجدل في أن جزيرة غرينلاند ليست «تابعة» للدنمارك، ولكنها «مستعمرة» دنماركية.
ثالثا: رغم أن في الدنمارك مطعم «نوما» أحسن مطعم في العالم، لكنه «مطعم للأغنياء»، بينما مطاعم ساندويتشات «ماكدونالد» في كل العالم، وهي «مطاعم شعبية»، عشرون ألفا في الولايات المتحدة، ومائة في الدنمارك نفسها.
رابعا: رغم «عار تجارة الرقيق، وماضي التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة»، في الوقت الحاضر صارت للتنوع العرقي فيها محاسن كثيرة، وصارت نموذجا لدول أخرى، خصوصا بعد أن صار أوباما الأسود رئيسا. في الجانب الآخر، لا تواجه الدنمارك (ودول كثيرة) تحدي التنوع. وحسب إحصائيات نشرت مؤخرا، نسبة التنوع العرقي والإثني هي الأقل في كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية واليابان (أقل من واحد). وهي خمسون في الولايات المتحدة، لكنها نصف ذلك في الدنمارك. ولم يحدث هذا في الدنمارك إلا مؤخرا، بسبب الهجرة من شرق أوروبا، ومن الشرق الأوسط وأفريقيا. ورغم قلة نسبة هؤلاء، بدأت مظاهراتهم واحتجاجاتهم بسبب عدم مساواتهم (وأيضا تشهد السويد والنرويج نفس احتجاجات المهاجرين غير البيض).
خامسا: رغم أنه ينتقد كتاب «العلاقة بين الذكاء والحضارة»، وفيه مقارنة بين نسبة الذكاء ودرجة التطور في أكثر من مائة دولة، قال: «ليس الدنماركيون أذكى شعب في العالم». جاء الأوائل من آسيا: هونغ كونغ، كوريا الجنوبية، اليابان، تايوان، سنغافوة. حتى وسط الدول الأوروبية، جاءت في المقدمة: ألمانيا، النمسا، السويد، هولندا، سويسرا. وجاءت الدنمارك في المرتبة العشرين.



رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
TT

رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)

في لبنان، لا تحتاج المسافات القصيرة إلى وقت طويل كي تغيّر المشهد تماماً. رحلة واحدة قد تبدأ من شاطئ المتوسط، بين أزقة البترون وملاحات أنفه، ثم تتجه نحو سهل البقاع وكرومه وسهله، قبل أن تنتهي في بيروت، حيث تختلط طبقات التاريخ بالحياة اليومية والمقاهي والمطاعم والواجهة البحرية.

ولمن يريد اكتشاف لبنان بعيداً عن الرحلات التقليدية، تبدو البترون وأنفه، ثم البقاع وزحلة، وصولاً إلى بيروت، مساراً يجمع في أيام قليلة بين البحر والطبيعة والتاريخ والطعام، ويكشف في كل محطة وجهاً مختلفاً من البلاد.

البردوني في مدينة زحلة من المعالم السياحية الجميلة (الشرق الأوسط)

البترون وأنفه: البحر بطعم لبناني

تبدأ الرحلة شمالاً باتجاه البترون، المدينة الساحلية التي تجمع بين أجواء المتوسط وشوارعها القديمة وواجهتها البحرية. والمشي في أزقتها، والتوقف عند الميناء والحي التاريخي يمنح الزائر فرصة للتعرف إلى جانب أكثر هدوءاً وأصالة من المدينة، بينما يشكل الطعام جزءاً أساسياً من التجربة، مع تنوع المطاعم التي تقدم المأكولات البحرية واللبنانية.

وتستحق البترون يوماً كاملاً، لا مجرد محطة عابرة. ويمكن بدء الجولة من المدينة القديمة، بين البيوت الحجرية والأزقة الهادئة التي تعكس تاريخ المكان، ثم التوجه إلى سور البحر الفينيقي، أحد أبرز معالم المدينة. بعدها يمكن زيارة كنيسة سيدة البحر والتجول في محيط الميناء، قبل التوجه إلى الشاطئ والجلوس في أحد المقاهي والمطاعم المطلة على البحر. ومن التفاصيل التي تمنح زيارة البترون طابعها الخاص تذوق «ليموناضة» البترون الشهيرة، التي أصبحت جزءاً من هوية المدينة، إلى جانب استكشاف الملاحات القديمة والتقاط الصور عند الساحل، ولا سيما في ساعات الغروب. أما في فصل الصيف، فتتوفر خيارات عدة لمحبي البحر، من السباحة إلى الرياضات المائية.

إقامة في بيوت تقليدية في «دومين دو شوشين» (الشرق الأوسط)

ومع نهاية الجولة، يمكن اختيار أحد مطاعم المدينة في محيط السوق القديمة لتناول وجبة لبنانية، قبل متابعة الطريق شمالاً إلى أنفه.

في أنفه، يصبح البحر أكثر حضوراً، بينما تتغير ملامح الساحل بين الصخور والملاحات والمشهد البحري المفتوح. ويطلق اللبنانيون على المنطقة اسم «أنفوريني»، تيمناً بسانتوريني في اليونان، في إشارة إلى التشابه بين المدينتين الساحليتين، ولا سيما في الألوان والأزقة المرصوفة بالحجارة البيضاء والبيوت ذات الأبواب الزرقاء المزينة بالورود والزهور.

أنفه من المناطق الساحلية الرائعة في لبنان (الشرق الأوسط)

ومن الأماكن التي يمكن التوقف عندها لتناول الغداء مطعم «شي فؤاد»، المتخصص في المأكولات البحرية الطازجة. وكان المكان في الأصل منزل العائلة التي تديره اليوم، قبل أن يتحول إلى مطعم حافظ على جانب من ذكرياته العائلية وطابعه البحري. ويمكن للزائر تمضية جزء من النهار فيه والاستمتاع بالجلسة البحرية والسباحة في البركة الصغيرة أو في البحر.

منظر مطل على مدينة زحلة في البقاع (الشرق الأوسط)

البقاع: حين يتغير المشهد

بعد الساحل، تتجه الرحلة نحو البقاع، حيث يتبدل المشهد بسرعة. فالسهل الواسع والجبال المحيطة والكروم ترسم صورة مختلفة تماماً عن الساحل الشمالي، بينما تظهر المائدة اللبنانية هنا مرتبطة بالطبيعة والضيافة والمنتجات المحلية.

وفي منطقة قب الياس يقع «دومين دو شوشين»، الذي يقدم المأكولات اللبنانية التقليدية في الهواء الطلق. ويضم المكان غرفاً فندقية تحافظ على طابعها القروي، مع ديكورات بسيطة وقناطر تستحضر شكل المنازل الريفية اللبنانية.

ولا تقتصر التجربة هنا على الطعام والإقامة، إذ يمكن القيام برحلة مشي «هايكينغ» برفرة دليل متخصص بمعالم المنطقة، تسبقها وجبة فطور لبناني مستوحاة من أجواء القرى والطبيعة المحيطة بالمكان. وهكذا تصبح الرحلة إلى البقاع انتقالاً من مجرد مشاهدة المناظر إلى التفاعل معها.

شلالات البردوني (الشرق الأوسط)

زحلة والبردوني: مدينة الشعر والماء

من قب الياس، تأخذ الرحلة طريقها نحو زحلة، إحدى أبرز مدن البقاع وأكثرها ارتباطاً بالهوية الثقافية والتراثية للبنان.

نشأت زحلة وتطورت على ضفاف نهر البردوني، الذي يعبر المدينة بين الجبال ويمنحها مشهداً طبيعياً مميزاً، حتى أصبح اسمه جزءاً من صورة زحلة وذاكرتها. ويعود تاريخ المنطقة إلى عصور قديمة، بينما ازدهرت المدينة بصورة خاصة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتحولت إلى مركز تجاري وثقافي مهم في البقاع، كما ارتبط اسمها بالهجرة والتجارة.

زحلة عصب البقاع (الشرق الأوسط)

أما اليوم، فيبقى نهر البردوني واحداً من أشهر معالم زحلة، ولا سيما المنطقة السياحية الممتدة على جانبيه، حيث المطاعم والمقاهي وأماكن الجلوس. هنا يمكن للزائر أن يجمع بين الغداء وصوت المياه والمناظر الجبلية، وأن يرى المدينة من زاوية مختلفة.

ومن البردوني يمكن الصعود إلى مقام سيدة زحلة والبقاع للاستمتاع بإطلالة واسعة على المدينة والسهل، ثم العودة إلى النهر لقضاء الأمسية وسط أجواء زحلة الحيوية.

في هذه المدينة تحديداً، تبدو عناصر الرحلة الثلاثة حاضرة في مكان واحد: الطبيعة، والمائدة، والحكاية.

زحلة من المدن السياحية المميزة في لبنان (الشرق الأوسط)

بيروت: مدينة تصل الماضي بالحاضر

بعد البحر والجبال والكروم، تأتي بيروت لتكون المحطة الأخيرة، لكنها في الوقت نفسه مدينة تختصر الكثير مما سبق. هنا يلتقي البحر بالتاريخ، وتجاور الأبنية القديمة المطاعم والمقاهي والحياة الليلية.

يمكن بدء الجولة من وسط بيروت وساحة النجمة، حيث تتجاور الأبنية التاريخية مع المساحات الحديثة، ثم الانتقال إلى الحمامات الرومانية وساحة الشهداء والجامع العمري الكبير، في جولة تكشف طبقات متعددة من تاريخ العاصمة.

ومن هناك، يستحق المتحف الوطني في بيروت زيارة خاصة، لما يقدمه من رحلة في تاريخ لبنان وآثاره. وبعدها يمكن الانتقال إلى شارع الحمرا أو الجميزة ومار مخايل لاكتشاف جانب آخر من المدينة، أكثر حيوية واتصالاً بالمشهد الثقافي والمطاعم والمقاهي.

«دومين دو شوشين» إقامة في أجواء ريفية (الشرق الأوسط)

ومع اقتراب المساء، يتغير إيقاع الرحلة. يتجه المشهد نحو البحر، إلى كورنيش بيروت وصخرة الروشة، حيث تتداخل مياه المتوسط مع صورة المدينة. ويمكن أيضاً المرور بـزيتونة باي، الذي يجمع المرسى والمطاعم والمقاهي في واجهة بحرية حديثة.

لكن الروشة تبدو مختلفة عندما تُرى من البحر. ومن التجارب التي يمكن إضافتها إلى جولة بيروت رحلة قصيرة بالقارب حول صخرة الروشة. تنطلق القوارب من المنطقة المحيطة بالصخرة لتأخذ الزائر بمحاذاة الساحل، وتتيح له رؤية المعلم الشهير من زاوية مختلفة عن تلك التي يوفرها الكورنيش.

ومع الاقتراب من الصخرة، تظهر التجاويف والممرات الطبيعية المحيطة بها بصورة أوضح، بينما تضفي الرحلة إحساساً بالمغامرة. وفي ساعات العصر وقبل الغروب، تصبح التجربة أكثر جمالاً مع انعكاس أشعة الشمس على مياه المتوسط، لتتحول الصخرة إلى خلفية طبيعية للمشهد البيروتي.

غروب الشمس عند صخرة الروشة (أ.ب)

المائدة جزء من الرحلة

لا تكتمل جولة بيروت من دون التوقف عند مائدتها. فالمطبخ اللبناني هنا ليس مجرد خيار لتناول الطعام، بل جزء من التجربة التي يختبر من خلالها الزائر جانباً من شخصية المدينة.

ومن الخيارات الممكنة «البيروتي»، الذي يقدم المطبخ اللبناني والمتوسطي بلمسة عصرية، ويتيح تذوق مجموعة من الأطباق اللبنانية في أجواء حيوية.

«أم شريف ديلي» في وسط بيروت (أ.ف.ب)

ومن الخيارات الأخرى «قمر داون تاون»، الذي يقدم المطبخ اللبناني في أجواء مناسبة للغداء أو العشاء، إضافة إلى «أمالين دي تي»، لمحبي النكهات اللبنانية التقليدية في منطقة وسط المدينة.

أما إذا كان الخيار هو وجبة سريعة، فيمكن التوجه إلى «أم شريف ديلي»، وهو تابع لسلسلة «أم شريف»، ويقدم السندويشات بلمسة عصرية.ولمن يريد إنهاء اليوم أمام مشهد الغروب، يبقى محيط صخرة الروشة والكورنيش المطل عليها من أبرز الخيارات. ويمكن أن يكون التوقف عند فرع مقهى «ستارباكس» هناك فرصة لمتابعة غروب الشمس مع فنجان من القهوة.

الملاحات في أنفه (إ.ب.إ)

لبنان... منظر، مائدة، وحكاية

ربما تكمن متعة لبنان في أنه لا يقدم نفسه للزائر من خلال مدينة واحدة أو مشهد واحد. فبين ساحل البترون وأنفه، ومائدة الشمال، وسهل البقاع وكرومه، وأجواء زحلة وضفاف البردوني، ثم بيروت بتاريخها وصخبها وواجهتها البحرية، تتبدل الصورة من محطة إلى أخرى، فيما تبقى روح المكان حاضرة في التفاصيل.

إنها رحلة لا تحتاج إلى مسافات طويلة كي تكشف اختلاف لبنان وتنوعه، يكفي أن تبدأ من البحر، وتمر بالكروم، وتنتهي أمام المتوسط من جديد.


ماذا تزور في برشلونة؟

ماذا تزور في برشلونة؟
TT

ماذا تزور في برشلونة؟

ماذا تزور في برشلونة؟

ربما يبدو تغيير الشعار الرسمي من «قم بزيارة برشلونة» إلى «هذه برشلونة» تغييراً بسيطاً، لكن يجسد هذا التحول نقطة انفصال العاصمة الكتالونية عن الإفراط في الدعاية السياحية ورغبتها في جذب الزوار إلى كنوزها الثقافية بشروطها الخاصة. يتفادى الكثير من السكان المحليين المركز التاريخي بسبب حشود السائحين.

ويتصدى المسؤولون بحزم للإيجارات قصيرة الأمد في مواجهة نقص الوحدات السكنية. مع ذلك لم ينته أمر برشلونة بعد، كما سيرى من يتوجهون نحو أحياء مثل غراسيا وإيكزامبل وبوبلينو سعياً وراء الطعام الأصيل لكتالونيا وكثيراً ما يتجاهلون الفن. وتحتفي المدينة خلال العام الحالي بالذكرى المائة لوفاة المعماري أنطوني غاودي، والانتهاء من بناء أبراج كنيسة «ساغرادا فاميليا» الأطول، وهي الكنيسة التي بدأت عملية بنائها عام 1882، وكانت عمل حياته الذي لم ينته، بزيارة البابا ليو الرابع عشر، وقائمة من العروض والفعاليات الخاصة.

يدير جوردي فيلا، طاهٍ بارز من برشلونة، مطعم «ألكيميا» الذي يقدم تجربة تناول طعام ذات طابع تجريبي وتبدأ قائمة التذوق به من 110 يورو أو ما يعادل 129 دولاراً مقابل أربعة أطباق رئيسية في حي سانت أنطوني بمنطقة إيكزامبل. مع ذلك وراء الباب العادي نفسه، وأعلى درج به لمبات معلّقة تتخذ شكل قنديل البحر، وعلى الجهة المقابلة لأرضية فخمة، يوجد مطعم «أل كوستات»، الذي يعدّ بمثابة خطاب حبه لكلاسيكيات كتالونيا. ربما تكون قائمة الطعام، التي تُختار فيها الأصناف بشكل فردي، والتي تتضمن البيض الأومليت وبطاطس الكروكيت، أفضل من «ألكيميا» بالنسبة إلى برشلونة الأصلية. في الداخل يظهر في مقطع مصور لدليل المطبخ الكتالوني للدفاع عن النفس، طهاة يستخدمون الفنون القتالية لمحاربة طبق الرامن والتشيز كيك.

في يونيو (حزيران)، أتى البابا ليو لمباركة كنيسة «ساغرادا فاميليا»، لكن البناء الأساسي الأهم من الكنيسة، والذي يمثل ذروة رؤية غاودي، هو جولة مصحوبة بمرشد لأول أعماله البارزة وهو منزل «كاسا فيسنز» من تصميم غاودي.

وقد صمم المعماري هذا المنزل الريفي في ثمانينات القرن التاسع عشر من أجل مانويل فيسنز إي مونتانير وهو سمسار بورصة ثري. وكان يطلّ على النهر والجبال في غراسيا، التي كانت حينها بلدة مجاورة، وهي الآن حي برشلونة النابض بالحياة. ومع توسع برشلونة، رُصفت الأنهار وتغطت بالخرسانة، وظهر مبنى سكني من عدة شقق في الحديقة. مع ذلك لا يزال منزل غاودي ذو الطبيعة البرية والمبني بالطوب الأحمر مع السقف الجمولني وبلاطات الأرضية ذات الورود من اللونين الأخضر والأصفر، والتي تصور حقلاً من زهور الأقحوان الصفراء التي كانت موجودة في السابق، موجوداً وقائماً. وبعد قرن من الإلحاح تم افتتاحه متحفاً عام 2017. ويمكن لمرشد مقابل 24 يورو أن يتجول معك عبر المدخل المبني على طراز الآرت نوفو (الفن الجديد)، وفي غرفة التدخين، التي زخرفها غاودي ربما بمعجون الورق، فضلاً عما هو أكثر، طوال مدة تصل لنحو ساعة.

بعد الاستمتاع بالأشكال الطبيعية، التي ميّزت الأسلوب المعماري لغاودي، يمكن للمرء السير لمسافة قصيرة جنوباً نحو مطعم «مونوكروم» الصغير، الذي تجمع قائمة الطعام لديه بين التقليدي والإبداعي. وتثير أطباق بطاطس الكروكيت المحشوة باللحم المطهي على نار هادئة في الذاكرة، حفل شواء تقليدياً في برشلونة في يوم أحد، والبطاطا المطهية على نار هادئة بسيطة لكنها لذيذة، ويطلب الجميع طبق «ماكارونز غارتيناتس» (مكرونة مخبوزة ومحمرة)، وهي نسخة المطعم من طبق «ماك آند تشيز» الرائج في أنحاء برشلونة.

ويعجّ كل من حي غراسيا وإيكسامبل بالمقاهي التي تظل مفتوحة لوقت متأخر من الليل. ويحمل مقهى «بوديغا يونيفرسال» طابع الحي، حيث يجمع بين السكان المحليين والمغتربين الأجانب ويعد مقصداً مناسباً للقاء الأصدقاء القدامى، فهو حقاً يأسر الألباب. ولا يضرّ أن تكون له لافتة أمامية رائعة على شكل أكورديون مضيء مع حروف زرقاء على أحد الجانبين وحروف حمراء على الجانب الآخر، ويقدم مشروبات مميزة تحمل أسماء مسلسلات كوميدية أُنتجت خلال حقبة الثمانينات.

قبل توجه المجموعات إلى برشلونة لتناول وجبة خفيفة بين الغداء والعشاء من شطيرة الأفوكادو، كانت الوجبة الدسمة التي وقع عليها اختيارهم هي «إسمورزار دي فوركويلا»، وهي تعبير كتالوني يشير إلى إفطار يتناوله المرء بالشوكة. وتعود وجبات الإفطار الدسمة إلى المشهد مرة أخرى، وتكتمل بتطبيق «إسمورزآب» الذي يحدد أماكن المطاعم التي تقدم هذا النوع في أنحاء إقليم كتالونيا. ومن أشهر المطاعم «غليدا» في حي إيكسامبل وأهم ما يقدمه المحار وطبق «كاب إي بوتا» (يخنة من رأس العجل وقدمه). ويمكن للزائرين، الذين ليس لديهم شهية لتناول المحار صباحاً، تناول الكرواسون أو أرغفة الخبز المحشوة بفاكهة مجففة مقابل يوروهات قليلة في أحد أفرع مخبز «بلوارد». وهناك فرع له في شارع فالنسيا في حي إيكسامبل.

تمثل التمشية الراقية في برشلونة السير في شوارع إيكسامبل الواسعة العريضة تحت الأشجار المورقة والشرفات المتموجة لمباني غاودي. ويمكن أيضاً التجول في متجر «بيترز فورست» الراقي الفاخر الذي يضم ملابس نسائية رائجة ذات تصميم برشلوني مثل القمصان المربعات الطويلة ذات الأكتاف المنتفخة مقابل 249 يورو، وحقائب «ميليف» من الجلد السويدي مقابل 260 يورو.

وليس بعيداً عن هذا المتجر يوجد متجر «باسال» الذي يعرض مجموعة من ملابس الرجال والنساء ذات الألوان الترابية، في حين يلبي متجر «تايني بيغ سيستر» المجاور له، أذواق وطلبات نساء وأطفال بملابس ذات نقوش ورسوم جريئة من البجع. احرص على منح وقت وجزء من الميزانية لمتجر «ليديا ديلغادو»، حيث البلوزات الحريرية الفريدة ذات الطيات، والتي يبلغ سعرها نحو 800 يورو، فضلاً عن أقراط «سواروفسكي» يدوية الصنع من الكريستال، والتي يبلغ سعرها نحو 250 يورو وتتلالأ في صالة العرض ذات الإضاءة البيضاء البراقة. ويكون هناك أحياناً رف للمعروضات التي عليها حسومات في المتجر.

إذا كنت تبحث عن مكان متوسط المستوى لتناول الطعام، فيمكنك التوجه إلى «لا بانكسا ديل بيسب» في حي غراسيا. ويوجد بالمكان باحة داخلية باعثة على الاسترخاء، ويمكنك حرق السعرات الحرارية بالسير إلى متنزه «بارك غويل» الذي يمتد على مساحة أكثر من 40 فداناً ومن تصميم غاودي، وتم افتتاحه عام 1926. ومقابل تذكرة الدخول البالغ سعرها 40 يورو، والتي تشمل دليلاً صوتياً، يمكنك استكشاف الكهوف والمغارات والسير على الممرات المصطفّ على جانبيها أشجار النخيل، والاستمتاع بقطع الفسيفساء الخزفية التي تلمع تحت أشعة الشمس.

تأمل المدينة أن يمنح الزائرون الوجهات الجديدة فرصة، فبعضها جدير بذلك حقاً، ومنها المنطقة المستعادة حول ميدان بلاسا ديل غلوري (ساحة غلوريس الكتالونية)، الذي كان أسفل حلقات طريق برشلونة السريع. وبعد أكثر من عقد من انخفاض المنحدرات، وبعد عام من إنهاء أعمال التطوير، أصبحت المنطقة مليئة بالممرات والأطفال الذين يرقصون، إلى جانب متحف التصميم (سعر تذكرة الدخول 6 يورو). ويوجد في أحد الطوابق معروضات لملصق إسباني حاذق، وأعمال لفن الغرافيك من ثمانينات القرن العشرين حتى 2003. وهناك في الطابق الأدنى أجهزة وصناديق خطابات ومقاعد وكراسي ولمبات وحتى حقائب تسوق ظلت تزين برشلونة لعقود في الماضي. ويذكّرنا كل ذلك بإبداع المدينة الجلي.

وفي مكان قريب يوجد متحف «كان فرامز»، الذي تديره مؤسسة «فيلا كاساس فاونديشن»، وأنشأه أنطوني فيلا كاساس، رائد الأعمال في مجال الصيدلة والأدوية، الذي تُوفي عام 2023، وكان بطلاً لا يكلّ للفن الكتالوني المعاصر. هذا المتحف، الذي يوجد مقرّه في مصنع قديم كان قائماً خلال القرن الثامن عشر، مخصص للوحات الفنية الكتالونية والفن متعدد الاختصاصات والمجالات من عقود حديثة، لكنه لا يزال يعرض معدات قديمة في مجال الصيدلة، في إشارة إلى مجال عمل مؤسسه. ويبلغ سعر تذكرة دخول المتحف 10 يورو، ويغلق أبوابه في السادسة مساءً، لكن إذا كان الوقت متأخراً على الزيارة، يمكن التجول في حي بوبلينو المجاور والذي كان يوماً ما قلب حركة التصنيع في المدينة، وهو حالياً من الأماكن التي تستحق الزيارة في برشلونة.

بعد رؤية البحر من على بعد في «بارك غويل»، يمكنك الاقتراب بالسير شرقاً من بوبلينو، وربما يمكنك حتى الانضمام إلى مباراة كرة طائرة وقت غروب الشمس أو التزلج بطول شاطئ بلايا دي بوغاتيل وهو أقرب شاطئ كبير.

خدمة «نيويورك تايمز»


عسير... وجهة تختصر تنوع الطبيعة والثقافة في السعودية

عسير وجهة محبي الطبيعة (الشرق الأوسط)
عسير وجهة محبي الطبيعة (الشرق الأوسط)
TT

عسير... وجهة تختصر تنوع الطبيعة والثقافة في السعودية

عسير وجهة محبي الطبيعة (الشرق الأوسط)
عسير وجهة محبي الطبيعة (الشرق الأوسط)

عند الوصول إلى أطراف منطقة عسير في السعودية ، تبدأ الحكاية من نافذة السيارة؛ إذ يتحول الطريق إلى مشهد بصري متجدد، تتعاقب فيه صور الطبيعة دون انقطاع. سحب تتدحرج فوق قمم جبال السروات، وغابات من العرعر تتوارى بين الضباب، ومدرجات زراعية تتشبث بسفوح الجبال، قبل أن تنفتح المشاهد فجأة على شواطئ هادئة تمتد رمالها نحو الأفق.

عسير وجهة سياحية يقصدها محبو الطبيعة (الشرق الأوسط)

وخلال ساعات قليلة، ينتقل الزائر بين 3 عوالم متباينة في المناخ والتضاريس، لكنها تجتمع في نطاق جغرافي واحد. ففي الجنوب الغربي من السعودية، لا يمثل الطريق إلى عسير مجرد وسيلة للوصول إلى الوجهة، بل يصبح جزءاً من التجربة نفسها؛ فكل منعطف يكشف مشهداً جديداً، من زرقة البحر إلى خضرة الجبال، ومن دفء السهول إلى برودة القمم، في تنوع طبيعي يضع المنطقة بين أكثر الوجهات السياحية تميزاً في المملكة.

وعلى مساحة تقارب 81 ألف كيلومتر مربع، تتجاور الشواطئ والغابات، والأودية والمرتفعات، لتشكل لوحة جغرافية متفردة تجعل من عسير وجهة تجمع أنماطاً متعددة من الطبيعة في مكان واحد.

طبيعة غناءة وخضرة تحتل مساحات شاسعة (الشرق الأوسط)

الواجهة البحرية

تجسد الحريضة، الواقعة على ساحل البحر الأحمر غرب أبها، جانباً من هذا التنوع؛ إذ أصبحت من أبرز المشاريع السياحية الحديثة في المنطقة، بعدما جمعت بين التخطيط العمراني والطبيعة الساحلية، لتقدم تجربة تكمل المشهد الجبلي الذي ارتبط باسم عسير لعقود.

ومع انطلاق المواسم السياحية، تستقبل الواجهة البحرية زوارها بفعاليات ترفيهية وفنية، إلى جانب مساحات مفتوحة للعائلات. وعند الغروب، تضيف أمواج البحر مشهداً بصرياً مختلفاً، لتصبح الحريضة عنواناً لامتداد عسير من قمم السروات إلى ساحل البحر الأحمر.

منطقة تجتمع فيها كل المقومات السياحية (الشرق الأوسط)

الأودية... طبيعة تتدفق بين الجبال

ولا تتوقف فرادة عسير عند البحر والجبال، بل تمتد إلى شبكة واسعة من الأودية التي تشكل أحد أبرز عناصر الجذب الطبيعي في المنطقة. ويبرز وادي العرين، بما يضمّه من مياه عذبة وأشجار كثيفة، فيما يقدم وادي طبب مشهداً مختلفاً بمدرجاته الزراعية، ويمنح وادي الحبلة زواره إطلالات بانورامية على التضاريس المحيطة.

أما أودية تنومة، فتكتسب جمالاً إضافياً خلال مواسم الأمطار، حين تتدفق المياه بين تضاريسها الجبلية، لتكتمل بذلك لوحة طبيعية نادرة تجمع بين الغابات والأودية والمدرجات الزراعية في نطاق واحد.

مناظرطبيعية خلابة (الشرق الأوسط)

غابات العرعر والشلالات

وتشكل غابات العرعر التي تمتد على مرتفعات عسير أحد أبرز ملامح vالمشهد الطبيعي في المنطقة، ولا سيما السودة والنماص وبلسمر وبلّحمر وتنومة، إلى جانب متنزهات الفرعاء ودلغان وشعف آل ويمن، وعشرات القمم والمتنزهات الجبلية الممتدة على سلسلة جبال السروات.

وتمنح هذه الغابات المرتفعات غطاءً نباتياً متواصلاً يرسخ طابع عسير البيئي، ويعزز حضورها كإحدى الوجهات الطبيعية البارزة في المملكة. ولا تقتصر قيمة أشجار العرعر على كونها مكوناً جمالياً للمشهد، بل تمثل أيضاً جزءاً من ثراء المنطقة البيئي، وعنصراً رئيسياً في تجارب السياحة الطبيعية فيها.

أودية وجبال وخضرة في عسير (الشرق الأوسط)

وفي المقابل، تضيف شلالات وادي كحلا ومنحدرات طور آل الحسن في تهامة قحطان بعداً آخر للمشهد، إذ تستقطب الباحثين عن المغامرة والهدوء، إلى جانب شلالات تنومة وغيرها من المواقع الطبيعية التي تمنح الزائر فرصة الاستمتاع بتنوع بيئي وجغرافي في وجهة واحدة.

ويعكس هذا التنوع الطبيعي توجه عسير نحو ترسيخ مكانتها كوجهة سياحية على مدار العام، ضمن المبادرات التي يقودها الأمير تركي بن طلال بن عبد العزيز، أمير منطقة عسير، وفي إطار مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، مستفيدة من تنوع مناخ المنطقة وتضاريسها وما تزخر به من مقومات طبيعية وثقافية.

تتيمز عسير بتنوع طبيعتها (الشرق الأوسط)

مواقع تستحق الزيارة

ومع هذا التنوع الطبيعي، لا تكتفي عسير بمقوماتها البيئية، بل تفتح أمام الزائر نافذة على هويتها الثقافية والتراثية، عبر تجارب ومواقع تقدم رحلة تبدأ من التاريخ وتمتد إلى الترفيه.

ويبرز حي «المفتاحة» في أبها بوصفه أحد أبرز الرموز الثقافية في المدينة، حيث تتجاور العمارة العسيرية التقليدية مع الفنون المحلية، في تجربة تعكس روح أبها وتحافظ على هويتها العمرانية.

كما تقدم تجربة «بلاد عسير» رحلة إلى قلب الريف، يعيش خلالها الزائر تفاصيل الحياة القروية بين البيوت الحجرية والمنتجات المحلية والأكلات الشعبية، إلى جانب ما يميز المنطقة من تقاليد الضيافة.

وتحافظ «الحبلة» على حضورها كإحدى أبرز الوجهات المرتبطة باسم عسير، بفضل موقعها وإطلالاتها المعلقة على القمم الجبلية. ويعود «سوق الثلاثاء» هذا العام بعد تطويره، ليستعيد مكانته كأحد أبرز الأسواق الشعبية في المنطقة، جامعاً بين الحرف التقليدية والمنتجات المحلية.

تضيف شلالات وادي كحلا جمالا للمنطقة (الشرق الأوسط)

كما تقدم «كشتة المرتفعات» تجربة عائلية في متنزه الهضبة، ضمن مجموعة من التجارب التي توسع خيارات الزائر بين الطبيعة والترفيه والثقافة.

وبهذا التنوع، الذي يبدأ من ساحل البحر الأحمر، ويمر بالأودية والمرتفعات، وصولاً إلى القرى التراثية والأسواق والفعاليات الثقافية، تقدم عسير نموذجاً سياحياً يصعب تكراره؛ إذ تختصر في نطاقها الجغرافي تنوعاً واسعاً من تضاريس المملكة ومقوماتها الطبيعية والثقافية.

عسير نموذج سياحي فريد (الشرق الأوسط)

التنمية السياحية والهوية المحلية

وأكدت هيئة تطوير منطقة عسير لـ«الشرق الأوسط» أن المنطقة تحرص على أن يكون التطوير السياحي امتداداً لهويتها، من خلال تقديم تجارب ومنتجات سياحية تعكس الموروث الثقافي والطبيعي بصورة معاصرة، مع الحفاظ على أصالته.

وأوضحت الهيئة أن «الكود العمراني» للمنطقة يمثل إحدى أهم الأدوات التي تسهم في حماية الهوية البصرية والعمرانية، وضمان انسجام المشاريع مع الطابع المحلي والبيئة الجبلية

وقالت الهيئة إنها تعمل على إبراز القرى التراثية والقصور التاريخية والأسواق الشعبية والمسارات الطبيعية والتجارب الثقافية ضمن المنتج السياحي، إلى جانب تمكين المجتمع المحلي وتعزيز مشاركته في التنمية السياحية من خلال مبادرات نوعية، مثل مبادرة «أجاويد»، بما يسهم في تحقيق نمو سياحي مستدام ينعكس أثره على الإنسان والمكان.

وجهة تتجاور فيها الشواطئ والغابات والأودية والمرتفعات (الشرق الأوسط)

وتتمتع عسير بمقومات طبيعية وثقافية متعددة، تشمل الأجواء المعتدلة والقمم الجبلية الشاهقة والمطبخ المحلي العريق، إلى جانب التطور المتسارع في الفعاليات والتجارب السياحية وقطاع الضيافة، بما يعزز حضورها كوجهة سياحية على مدار العام.

ولا تكمن جاذبية عسير في اعتدال طقسها فحسب، بل في قدرتها على جمع البحر والجبال والأودية والغابات والتاريخ والثقافة والمغامرة في تجربة واحدة، تجعل من المنطقة وجهة تتغير ملامحها مع تغير المكان والفصل، دون أن تفقد هويتها الخاصة.