لجنة 11 سبتمبر تؤكد براءة السعودية من افتراءات التورط في الهجمات

كولونيل سابق ومدير استخباراتي في الجيش الأميركي لـ «الشرق الأوسط»: رؤية معادية للرياض تدفع الكونغرس لإقحامها في الأحداث

لجنة 11 سبتمبر تؤكد براءة السعودية من افتراءات التورط في الهجمات
TT

لجنة 11 سبتمبر تؤكد براءة السعودية من افتراءات التورط في الهجمات

لجنة 11 سبتمبر تؤكد براءة السعودية من افتراءات التورط في الهجمات

دافع مسؤولان قادا التحقيقات الرسمية في هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عن لجنتهما ضد الاتهامات التي وجهت إليها بعدم التقصي بعمق كاف في مسألة تورط السعودية في الهجمات. بعد مرور أكثر من 10 أعوام منذ أن قدمت اللجنة الوطنية للتحقيق في الهجمات الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة تقريرها، خرج اتجاه في واشنطن يدفع إلى إجبار الإدارة على الكشف عما يطلق عليها «الصفحات الـ28». وكانت إدارة بوش الابن حجبت تلك الصفحات التي تناولت مزاعم التورط السعودي من تقرير أصدرته لجنة خاصة مشتركة في الكونغرس سبقت تشكيل لجنة التحقيق.
وأصدر الرئيسان المشاركان في اللجنة حاكم ولاية نيوجيرسي السابق توم كين وعضو مجلس النواب السابق لي هاميلتون بيانا مطولا في يوم الجمعة الماضي. صرحا بأن محققيهما انتهوا من العمل على المقدمات الرئيسية في تلك الصفحات الـ28. ولم يتمكنوا من العثور على دليل على تورط حكومة الرياض في الهجوم الذي شنه تنظيم القاعدة بواسطة 19 خاطفا من بينهم 15 سعوديا.
وأضاف رئيسا اللجنة في بيانهما: «نعتقد أنه من المهم أن يفهم الشعب ما فعلته اللجنة فيما يتعلق بتلك الصفحات».
وأشارت تقارير صحافية الأسبوع الماضي إلى احتمالية إقرار البرلمان الأميركي (الكونغرس) مشروع قانون من شأنه أن يُتيح تحميل المملكة مسؤولية هجمات الحادي عشر من سبتمبر في المحاكم الأميركية.
يقول ديريك هارفي الكولونيل السابق في الجيش الأميركي ومدير استخباراتي في وكالة الاستخبارات العسكرية لـ«الشرق الأوسط»: «هناك رؤية معادية للسعودية في الولايات المتحدة وهي التي تدفع الكونغرس لوضع مشروع قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب في محور الاهتمام، نظرا لتصورهم بأن السعودية لم تقم بما يكفي لمنع تصدير نسخة غير متسامحة للإسلام، بالإضافة إلى بعض المعلومات المغلوطة في النقاش العام والتي استغلها آخرون لتصوير السعودية على أنها لا تتخذ إجراءات في سلطتها لتقويض العناصر الجهادية. وذلك كون أغلب الأشخاص المتورطين في 11 سبتمبر سعوديين وكان ذلك متعمدا من بن لادن سعيا منه لخلق فجوة في العلاقات».
مسؤولون في إدارة الرئيس أوباما لمحوا أن الرئيس الأميركي سيمنع في الأشهر الأخيرة المتبقية له في الحكم نشر تلك الصفحات الثماني والعشرون من أجل عدم الدخول في صدام مع السعودية فيما برر الرئيس السابق جورج دبليو بوش خلال فترة ولايته عدم نشر تلك الصفحات لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
وأشار مسؤول أميركي سابق في إدارة بوش لـ«الشرق الأوسط» أن التقرير الذي أعدته لجنة 11 سبتمبر قبل نحو 11 عاما لا يدين السعودية.
وقال المسؤول الرفيع الذي طلب عدم الكشف عن اسمه أنه اطلع شخصيا على التقرير، مؤكدا عدم عثوره على أي أدلة واضحة تشير إلى تورط الحكومة السعودية أو أحد المسؤولين فيها بأحداث 11 سبتمبر أو الإشراف من قريب أو بعيد على تمويل فردي أو مؤسسي لتنظيم القاعدة.
وأضاف المسؤول الأميركي أن «عودة الحديث عن تلك الصفحات التي لم تنشر ليس لها علاقة بمضمونها». «ولا شيء في تلك الصفحات، تشير لتورط مسؤول بالحكومة السعودية في هجمات 11-9».
وأشار المسؤول الأمني الأميركي أنه قبل نحو 10 سنوات أكد وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل «أن بلاده ليس لديها شيء تخفيه أو تسعى لحجبه»، بل «تؤمن المملكة أن نشر الصفحات الثماني والعشرين المحجوبة - لأسباب غير واضحة حتى الآن - سيمكنها من الرد على أي مزاعم بصورة واضحة وموثوقة، وإزالة أي شكوك حول دور السعودية المعلن والحقيقي في حربها ضد الإرهاب والتزامها بذلك أمام العالم».
مصدر بالاستخبارات الأميركية يقول: «إن الاتهامات التي صدرت بحق المملكة السعودية ليست بجديدة ولكن جرى دحضها ببيانات رسمية مستمرة من الرئيس السابق جورج بوش ومسؤولين كبار في الإدارة الأميركية، خصوصًا أن أولئك كان لهم معرفة بالحقائق وأشادوا بالمملكة العربية السعودية كحليف نشط وقوي في الحرب ضد الإرهاب».
رئيسا اللجنة الرئيسان المشاركان في اللجنة حاكم ولاية نيوجيرسي السابق توم كين وعضو مجلس النواب السابق لي هاميلتون أصدرا بيانا مطولا صرحا بأن محققيهما انتهوا من العمل على المقدمات الرئيسية في تلك الصفحات الـ28، ولم يتمكنوا من العثور على دليل على تورط حكومة الرياض في الهجوم الذي شنه تنظيم القاعدة بواسطة 19 خاطفا من بينهم 15 سعوديا.
وقالا في بيانهما الذي صدر يوم الجمعة ونشرته «واشنطن تايمز» الأميركية: «نعتقد أنه من المهم أن يفهم الشعب ما فعلته اللجنة فيما يتعلق بتلك الصفحات الـ28».
ووصفا الفقرات السرية، بأنها «مادة أولية ولم يتم التحقق منها» وصلت إلى المباحث الفيدرالية: «وليست نتائج جازمة مؤكدة».
وورد في البيان أن «تلك المادة كتبت في ذلك الحين في ملفات التحقيقات الفيدرالية كمقدمات رئيسية من أجل إجراء مزيد من التحقيقات. واحتوت الصفحات الـ28 على ملخص لبعض تلك التقارير ومقدمات رئيسية، وذلك قرب نهاية عام 2002. وقبل أن تتم لجنة الكونغرس عملها، لم يتح لها مطلقا دراسة أي من تلك العناوين. وبذلك تعد الصفحات الـ28 أشبه بملاحظات أولية لجهة إنفاذ القانون، والتي تغطيها عامة قواعد السرية التي تتمتع بها هيئة المحلفين الكبرى. وتنفذ تلك القواعد لتجنب توريط أشخاص في جرائم خطيرة من دون الاستفادة من متابعة التحقيق لتحديد ما إذا كانت تلك الشكوك مثبتة بالأدلة».
يقول المحلل السياسي الأميركي صامويل كروتميز «تزامنت زيارة الرئيس باراك أوباما إلى المملكة العربية السعودية للمشاركة في القمة الخليجية الخميس الماضي، مع تقرير بثته قناة الـ(سي بي إس) الأميركية في برنامجها الذائع الصيت (60 دقيقة) توحي أن الصفحات الـ28 من تقرير لجنة التحقيق في الكونغرس الأميركي حول هجمات 11 سبتمبر المحفوظة لدواعي الأمن القومي الأميركي تشير إلى ضلوع المملكة العربية السعودية بالهجمات الإرهابية التي ضربت الولايات المتحدة».
وأضاف كروتميز «ما يثير الشكوك حول دوافع هذا التقرير الذي بثته القناة الأميركية أنه يأتي متزامنا مع حكم المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأربعاء الماضي بتغريم طهران ما يقرب من ملياري دولار أميركي من الأصول الإيرانية المجمدة بحيث يجب أن يتم تسليمها إلى نحو 1000 شخص من أقارب ضحايا هجمات (خططت لها طهران) ضد مئات جنود أميركيين قتل منهم 241 جنديا في تفجير بثكنات مشاة البحرية الأميركية في بيروت عام 1983».
وكانت المحكمة الفيدرالية في مدينة نيويورك برئاسة القاضي جورج دانيلز قضت الشهر الماضي، بتغريم إيران نحو 11 مليار دولار لتورطها في أحداث 11 سبتمبر، تصرف كتعويضات لصالح أسر ضحايا الهجمات، وشركات التأمين المتضررة.
وأكد شهود أمام المحكمة الفيدرالية على العلاقة الوثيقة التي تربط طهران وما يسمى «حزب الله» اللبناني بتنظيم القاعدة، والتي بدأت بتفجير أبراج الخُبر في السعودية عام 1996 وسفارتي الولايات المتحدة في شرق أفريقيا عام 1998 واستهدف المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» قبالة سواحل اليمن عام 2000.
وأدرج القاضي جورج دانيلز، المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، شخصيًا وما يسمى «حزب الله» اللبناني كمتهمين ثانٍ وثالث بعد زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، في تخطيط هجمات 11 سبتمبر 2001 وتمويلها وتنفيذها في الولايات المتحدة.
يقول صامويل كروتميز «لم تهدأ بعض الصحف الأميركية منذ أن أعادت الـ(سي بي إس) الأميركية وبعض مسؤولي إدارة أوباما الحديث من جديد عن دور مزعوم للسعودية في هجمات 11 سبتمبر وحاولت الإيحاء بوجود أدلة في الصفحات المحفوظة الـ28 حول تورط الرياض».
يقول بيان الحاكم السابق لولاية نيوجيرسي توم كين وعضو مجلس النواب السابق لي هاميلتون: «إن المملكة العربية السعودية هي واحدة من أهم أهداف المنظمات الإرهابية» ولذا كانت المملكة العربية السعودية حليفا للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب؛ وقتل الكثير من الأمنيين السعوديين في معاركهم مع عناصر «القاعدة».
يبقى السؤال ما هو سر عودة الحديث عن تلك الصفحات السرية وعلاقتها بالمملكة العربية السعودية؟
يقول المسؤول السابق في إدارة بوش والذي عمل في مجلس الأمن القومي «إنه يعتقد أن البيت الأبيض وراء إعادة إحياء تلك المسألة خاصة أنها تتزامن مع الحديث عن السماح لإيران باستعمال عملة الدولار، وشراء الولايات المتحدة الأميركية من إيران المياه الثقيلة المستعملة في إنتاج القنبلة النووية.
أما السبب الأساسي يضيف المصدر «يعود إلى أن إدارة الرئيس أوباما تحاول بإحياء هذه القضية (الزائفة) الضغط على الرياض التي تعارض التقارب الأميركي الإيراني والذي يأتي بشكل أساسي على حساب الشعوب العربية في سوريا والعراق واليمن.
يقول كروتميز «لم يخف يوما الرئيس أوباما انحيازه لطهران وكان أوضحها دعوته للدول العربية في خطابه السنوي الأخير له كرئيس للولايات المتحدة الاعتراف بمناطق نفوذ للحرس الثوري في قلب المناطق العربية. وهو أيضا لم يخف انزعاجه من موقف الدول العربية المعارض لنهجه في الشرق الأوسط خاصة عندما دعاهم الاهتمام بمشاكلهم الداخلية وأن يضعوا الهم الإيراني جانبا».
وأضاف: «لم يكن الرئيس أوباما راضيا عن تصدي دول الخليج بقيادة السعودية للمشروع الإيراني في اليمن، ورفض الرياض الجلوس مع إيران وهي ما زالت على استراتيجيتها الراعية للإرهاب في المنطقة».
يقول لي سميث الباحث في معهد هدسون «إن عدم قدرة أميركا أو استعدادها قيادة العالم وحل مشاكل الشرق الأوسط لكونها وعلى مدى السنوات السبع الماضية كان يحكمها رجل يشعر بالازدراء لبقية دول العالم، وخاصة بالنسبة لحلفاء أميركا».
وأضاف: «على الرئيس الجديد بذل الكثير من الجهد لتصحيح علاقة بلاده مع الحلفاء والأصدقاء الذين شاركوا في الحرب على الإرهاب، كالمملكة العربية السعودية ودول الخليج ومصر».



أمن قمرة القيادة... ما الإجراءات المتّبعة لمنع الطيارين من تهديد سلامة الرحلات؟

تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
TT

أمن قمرة القيادة... ما الإجراءات المتّبعة لمنع الطيارين من تهديد سلامة الرحلات؟

تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)

أعاد تعرّض قائد طائرة «فلاي دبي»، خلال رحلتها إلى تل أبيب، الأربعاء، لاعتداء من مساعده، التذكير بأن قمرة القيادة مكان بالغ الحساسية فيما يتعلّق بأمن الطيران، فكيف يمكن تجنُّب تحوُّل أحد شاغليها مُنفِّذاً لعملية انتحارية؟

ماذا حصل؟

أظهرت المعطيات الأولية التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية أن مساعد الطيّار في الرحلة من دبي إلى تل أبيب اعتدى، بصورة مفاجئة، على قائد الطائرة، وهي من طراز «بوينغ 737»، خلال تحليقها فوق شمال غربي المملكة العربية السعودية.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمحطة «سي بي إس» التلفزيونية الأميركية، مساء الأربعاء، إن «أحد مساعدي الطيار طَعَن الطيار الآخر، وهو هندي الجنسية، أو ضربه بفأس»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن الإلزامي أن تحوي كل قمرة قيادة فأساً صغيرة مخصّصة لحالات الطوارئ التي قد يحتاج فيها الطيارون إلى قطع شيء.

وبصرف النظر عن الأداة التي استخدمها الجاني وطريقة تنفيذه اعتداءه، تمكّن أفراد الطاقم من السيطرة عليه، ومن الهبوط بالطائرة اضطرارياً في مطار تبوك السعودي، في حين نُقل الطيار المعتَدى عليه إلى المستشفى وهو خارج دائرة الخطر.

وباشر القضاء الإماراتي تحقيقاً في واقعة طائرة «فلاي دبي» واحتمال ارتباطها بـ«نشاط أو غرض إرهابي»، في حين كان نتنياهو جازماً إذ أشار إلى تفادي اصطدام «آخَر من نوع 11 سبتمبر (أيلول)» عام 2001.

كيف يجري تفتيش الطيارين في المطارات؟

من حيث المبدأ، تنطبق على أفراد الطاقم إجراءات السلامة نفسها التي تهدف إلى التأكد من أن الركاب لا يحملون أي شيء يمكن أن يهدد أمن الطائرة. ولا يمكن للطيارين أن يتجنبوا هذه الإجراءات.

وتبعاً لحجم مطار الإقلاع، يمرّ الطيارون إما عبر نقاط التفتيش نفسها التي يمرّ عبرها الركاب، أو يسلكون مسارات مخصصة لهم. ويُفترض أن تتيح هذه المرحلة رصد أي سلوك غير طبيعي، كأن يكون الطيار ثملاً أو متوتّراً بشكل غير مألوف. كذلك تُفحص بالأشعة السينية حقائب اليد التي يُبقيها الطيارون داخل المقصورة، ويمرّون عبر بوابات الكشف عن المعادن.

وتُعدّ إسرائيل وجهة حساسة من حيث أمن الطيران منذ عمليات خطف بعض الطائرات أو عمليات مهاجمة عدد آخر في سبعينات القرن العشرين، مما يفرض مستوى عالياً من اليقظة اعتاده مطار كبير ومرموق كمطار دبي.

ما التدابير المتخَذة لمنع دخول قمرة القيادة؟

في 11 سبتمبر 2001، تمكّن ركاب رحلات داخلية أميركية من أن يستولوا بسهولة كبيرة على قيادة طائرات مدنية، بهدف تنفيذ عمليات منسّقة. ومنذ ذلك الحين أصبح دخول قمرة القيادة أكثر صعوبة، إذ يستطيع الطيارون، إذا أُبلغوا بوجود تهديد مصدره مقصورة الركاب، أن يوصدوا بإحكامٍ الباب الذي يكون دائماً مدرّعاً.

وهذه المرة، جاء التهديد من داخل قمرة القيادة نفسها، وهو وضع نادر جداً، فقد تمكّن الطيار المعتَدى عليه الهندي سميت ماشار، وفقاً للروايات الأولية، من فتح باب قمرة القيادة، ما جعل زملاءه يتنبهون لما يحصل، وأتاح للركاب وأفراد الطاقم إنقاذ الطائرة، وهذا ما جعل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصفه بأنه «بطل».

كيف تتأكد شركات الطيران من أن طياريها غير خطِرين؟

هذه المسألة هي الأكثر صعوبة؛ لأنها تتطلب اكتشاف خطر قد لا تَظهر سلفاً أي مؤشرات واضحة على وجوده، بل قد يبرز فجأة دون سابق إنذار.

والحالة الأشهر من هذا النوع هي تحطُّم طائرة تابعة لشركة «جيرمان وينغز» في جبال الألب الفرنسية عام 2015، وقد تسبَّب به عن سابق تصوّرٍ وتصميم أحد الطيارين. وأظهر التحقيق أن ميولاً انتحارية كانت تطبع شخصية هذا الشاب الألماني البالغ السابعة والعشرين، والذي كان يعاني الاكتئاب، لكنها لم تكن بادية بقدر كاف لدى الشركة التي كان يعمل لحسابها.

ودفعَ هذا الحادث، الذي أودى بحياة 150 شخصاً، شركات الطيران في مختلف أنحاء العالم إلى إدراك ضرورة المتابعة اللصيقة للصحة النفسية لأفراد الطاقم. إلا أن هذه الشركات لا تُفصح كثيراً عن الإجراءات التي تتخذها في هذا المجال؛ لأسباب مختلفة، منها متطلبات السرية.


أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
TT

أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)

لم تعد قمرة قيادة الطائرات التجارية مجرد مساحة فنية لإدارة المحركات وتوجيه المسارات، بل تحولت على مدار الربع قرن الأخير إلى ما يشبه الحصن العسكري المعزول سيادياً عن بقية أجزاء الطائرة.

وأعادت الواقعة الأخيرة لرحلة «فلاي دبي» فتح التساؤلات العميقة حول الهندسة الأمنية والقوانين الصارمة التي تحكم الدخول إلى هذا الجيب الاستراتيجي المعلق في السماء.

في عالم ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، تبدلت فلسفة الطيران المدني بالكامل، إذ استُبدلت الأبواب الخشبية الواهية بدروع مصفحة مقاومة للرصاص والانفجارات، وصيغت تشريعات دولية تحظر أي تواصل فيزيائي غير مصرح به بين الركاب وطاقم القيادة.

فما هي القوانين الدولية التي نظمت هذا التحول الجذري، ومن يملك الحق القانوني في تجاوز العتبة المحصنة، وكيف يُدار لغز فتح الباب المغلق من الداخل أو الخارج أثناء الأزمات؟

 

صورة من قمرة طائرة بوينغ 737-400 (ويكيبيديا)

الثورة التشريعية لما بعد سبتمبر وصناعة الدرع الفولاذي

قبل خريف عام 2001، كان نظام الأمان المحيط بقمرة القيادة مرناً إلى حد كبير، إذ كان بإمكان المسافرين، وخاصة الأطفال، زيارة الطيارين وتبادل الحديث معهم في أوقات الطيران المستقر كنوع من الترحيب. لكن اختطاف أربع طائرات تجارية وتحويلها إلى قنابل موجهة صدم العالم ودفع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) بالتنسيق مع إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA) ووكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) إلى صياغة الملحق السادس من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني، والذي فرض تعديلات هيكلية إلزامية على جميع الطائرات التي تزيد سعتها عن ستين راكباً. قضت هذه القوانين الصارمة بإعادة تصميم أبواب قمرات القيادة بالكامل لتصبح مقاومة للمقذوفات النارية والشظايا والانفجارات والقنابل اليدوية الصغيرة، وتتحمل صدمات فيزيائية هائلة تمنع أي محاولة لاقتحامها بالقوة الغاشمة.

ولم يتوقف الأمر عند التدريع المعدني، بل أُلزمت شركات الطيران بنظام إغلاق إلكتروني تلقائي يظل مقفلاً بشكل دائم طوال فترة الرحلة منذ لحظة إغلاق أبواب الطائرة الرئيسية على المدرج وحتى فتحها في وجهة الوصول، مما جعل القمرة بمثابة قلعة مستقلة بذاتها لا يمكن اختراقها من الخارج.

 

جغرافيا الصلاحيات ومن يملك حق العبور العتبة؟

تحدد القوانين الدولية بصرامة بالغة هوية الأشخاص الذين يُسمح لهم بعبور عتبة القمرة المحصنة أثناء الطيران، وتضيق هذه الدائرة إلى حد كبير لمنع أي ثغرة أمنية. يقع الحق الأول والمطلق لقائد الرحلة (Captain) ومساعده (First Officer) المعينين رسمياً لتشغيل الطائرة، بالإضافة إلى أفراد الطاقم الإضافيين في الرحلات الطويلة الذين يتناوبون على القيادة. ولا يملك أي راكب، مهما بلغت درجته في السفر أو نفوذه السياسي أو المالي، الحق في طلب الدخول أو حتى الاقتراب من المنطقة العازلة المحيطة بالباب.

أما الفئة الثانية التي ينظم القانون دخولها فتشمل المفتشين الجويين التابعين لهيئات الطيران الوطنية الذين يحملون بطاقات تفويض رسمية لمراقبة أداء الطاقم، أو مهندسي الطيران التابعين للشركة بشرط وجود حاجة تقنية ماسة يوافق عليها القبطان مسبقاً.

وبالنسبة لأفراد ضيافة الطائرة، فإن دخولهم لا يتم بصفة دائمة بل يخضع لبروتوكول خدمة وتفتيش دقيق ومعقد، حيث يمنع القانون وجود أي شخص في القمرة بخلاف هؤلاء، وتعتبر أي محاولة لتجاوز هذه الحدود جريمة فيدرالية تندرج تحت بند التهديد الإرهابي والتدخل غير المشروع.

صورة من قمرة طائرة إيرباص A320 (ويكيبيديا)

لغز «فلاي دبي» وكيف اخترق الذعر جدار القمرة؟

أثارت الحادثة المرتبطة برحلة «فلاي دبي» جدلاً واسعاً حول كيفية وصول التوتر أو الركاب إلى مسافة قريبة من القمرة دفع الطيارين لتفعيل الرموز التحذيرية المركبة.

تشير الأعراف الملاحية والتحقيقات الأولية في مثل هذه الحالات إلى أن الركاب لا يدخلون القمرة عبر كسر الباب المصفح، فالأبواب الحديثة مصممة هندسياً لمنع ذلك تماماً، ولكن الأزمة تبدأ غالباً في مقصورة الركاب الأمامية الخاصة بدرجة رجال الأعمال (Business Class) أو الممر المؤدي إلى دورة المياه الأمامية المحاذية للمطبخ وقمرة القيادة.

عندما يبدي أحد الركاب سلوكاً عدوانياً غير منضبط، أو يحاول الاندفاع نحو الممر الأمامي في توقيت متزامن مع خروج أحد الطيارين لقضاء حاجة بيولوجية، ينشأ ما يُعرف بـ«التهديد الوشيك».

في هذه اللحظة، تلجأ المضيفات إلى إطلاق صيحات التحذير واستخدام أجسادهن أو عربات الضيافة كحواجز فيزيائية مؤقتة لمنع الراكب من التقدم، بينما يقوم الطيار الموجود في الداخل بإغلاق الباب فوراً وحصاره إلكترونياً، مما يجعل الأزمة تدور خارج جدار القمرة المصفح لكنها تستدعي تفعيل الرموز التحذيرية نظراً لوجود مهدد أمني على بعد سنتيمترات قليلة من قمرة القيادة.

آليات التحكم الرقمي وكيف يُفتح الباب المغلق؟

يرتكز نظام إدارة أبواب الطائرات الحديثة، مثل «بوينغ» و«إيرباص»، على مفتاح تحكم ثلاثي المستويات يقع في المنصة المركزية لقمرة القيادة تحت السيطرة المباشرة للطيارين، ويحتوي على ثلاثة خيارات أساسية وهي: الإغلاق التام (LOCK)، والوضع التلقائي العادي (NORM)، ووضع السماح بالدخول (UNLKD). في الحالة الطبيعية، يكون المفتاح على الوضع التلقائي، مما يعني أن الباب مغلق بإحكام ولا يمكن فتحه بمجرد سحب المقبض الخارجي. إذا أراد أحد أفراد طاقم الضيافة الدخول لأمر روتيني كتقديم الطعام، يقوم باستخدام لوحة مفاتيح رقمية (Keypad) مثبتة خارج الباب، حيث يدخل رمزاً سرياً مخصصاً يطلق نغمة صوتية وإشارة ضوئية داخل القمرة.

ينظر الطيارون إلى الكاميرات الأمنية الخارجية للتحقق من هوية المضيفة، فإذا كان الوضع آمناً، يحركون المفتاح يدوياً إلى وضع السماح بالدخول (UNLKD) لعدة ثوانٍ ليفتح الباب إلكترونياً.

أما إذا استشعر الطيارون أي خطر أو لاحظوا وجود شخص غريب خلف المضيفة، فإنهم يحركون المفتاح فوراً إلى وضع الإغلاق التام (LOCK)، وهو إجراء يلغي فعالية اللوحة الرقمية الخارجية تماماً ويمنع فتح الباب لمدد زمنية متجددة تصل إلى عشرين دقيقة حتى لو أُدخلت الرموز الصحيحة.

الطوارئ القصوى وبروتوكول تجاوز عجز الطاقم

وضعت تشريعات السلامة الدولية سيناريو شديد الندرة والخطورة، وهو تعرض الطيارين معاً لحالة عجز طبي مفاجئ (كفقدان الوعي بسبب نقص الأكسجين أو التسمم الغذائي) مما يجعلهم غير قادرين على الاستجابة للنداءات الأرضية أو نغمات طلب الدخول من طاقم الضيافة. لمواجهة هذا المأزق، يتضمن النظام الرقمي للباب كود طوارئ سري للغاية (Emergency Access Code) لا يعلمه إلا رئيس طاقم الضيافة. عند إدخال هذا الكود الخاص بالطوارئ القصوى في اللوحة الخارجية، يبدأ نظام الطائرة عداً تنازلياً صوتياً وبصرياً داخل القمرة يستمر لمدة تتراوح بين 30 إلى 60 ثانية.

صُمم هذا التأخير الزمني لمنح الطيارين فرصة لرفض الدخول إذا كان هناك خاطف يحاول استخدام الكود بالقوة، فإذا كان الطيارون في وعيهم ورفضوا الأمر بالضغط على (LOCK)، يظل الباب مغلقاً. أما إذا التزم الطيارون الصمت التام ولم يضغطوا على أي زر طوال فترة العد التنازلي بسبب عجزهم الطبي، يفترض النظام الإلكتروني وجود كارثة صحية داخل القمرة، ويقوم بفتح القفل التلقائي لمدة خمس ثوانٍ فقط، مما يسمح للمضيفين بالدخول لإنقاذ الطائرة والركاب وتولي السيطرة.

 

خط الدفاع البشري: بروتوكول التقييد وأدوات السيطرة في المقصورة

لا تتوقف هندسة الأمن الجوي عند التدريع الفولاذي لأبواب قمرة القيادة، بل تمتد لتشمل تدريب طواقم الضيافة بصفتهم «خط الدفاع البشري الأول» المؤهل للتعامل الفوري مع الركاب المشاغبين أو الذين يشكلون تهديداً أمنياً وشيكاً. ووفقاً للوائح المنظمة الدولية للنقل الجوي (IATA)، يخضع أفراد الضيافة لتدريبات مكثفة على تقنيات الدفاع عن النفس وإدارة الأزمات السلوكية الحادة فوق السحاب. وفي حال فشل محاولات التهدئة اللفظية وتصاعد سلوك الراكب إلى مرحلة الخطر الفيزيائي، يُفعل الطاقم بروتوكول السيطرة القسرية باستخدام أدوات تقييد قانونية معتمدة تحتفظ بها الطائرات التجارية في مقصوراتها بانتظام، مثل الأصفاد البلاستيكية المرنة شديدة التحمل (Flex-Cuffs) أو أحزمة التثبيت القماشية المعززة. يُثبت الراكب المشاغب بموجب هذا الإجراء في مقعده بشكل محكم يمنعه من الحركة أو التقدم نحو الممرات الأمامية، ويظل تحت رقابة لصيقة من الطاقم حتى تلامس الطائرة الأرض، حيث يُسلم فوراً إلى السلطات الأمنية وقوات إنفاذ القانون المرابطة على المدرج لمواجهة عقوبات جنائية دولية صارمة.


بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
TT

بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)

في تصعيد جديد للتحذيرات البريطانية بشأن أنشطة التجسُّس الصينية، اتَّهم جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) منظمةً صينيةً بتمويل أبحاث أكاديمية في بريطانيا، في مجالات تقنية حساسة، من بينها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، لمصلحة جهاز أمن الدولة الصيني.

وقال الجهاز، في تحذير أصدره يوم الأربعاء، إن المنظمة الصينية المعنية تربطها علاقات وثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية (MSS)، وإن الأبحاث التي موَّلتها يمكن أن تسهم بصورة مباشرة في تعزيز القدرات التقنية لأجهزة الاستخبارات في بكين، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وفي «تنبيه بشأن التجسُّس»، أفاد جهاز «MI5» بأن أكثر من 100 أكاديمي مقيم في المملكة المتحدة شاركوا في مشاريع موّلتها منظمة «معهد الصين العام لأبحاث التكنولوجيا» (CGTRI)، التي قال الجهاز إنها تتمتع بـ«علاقات وثيقة للغاية» مع وزارة أمن الدولة الصينية، وهي جهاز الاستخبارات المدني في بكين.

وجاء في التحذير: «لقد رصد جهاز MI5 أن الغرض الأساسي من معهد (CGTRI) هو تمويل أبحاث أكاديمية تعزِّز بشكل مباشر القدرات التقنية لوزارة أمن الدولة (MSS) في مجال التجسُّس».

وأضاف الجهاز أن أكاديميِّين بريطانيِّين شاركوا في مشروعات موّلتها المنظمة وتناولت موضوعات تشمل «الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وأنظمة الاتصالات السرية، وتقنيات إخفاء المعلومات».

وأشار التحذير إلى أن هذه الأنشطة «تدعم عمليات التجسُّس التي تقوم بها وزارة أمن الدولة الصينية، مما يُشكِّل تهديداً للأمن القومي للمملكة المتحدة».

ويقصد بـ«إخفاء المعلومات (Steganography)» تقنية تُستخدَم لإخفاء بيانات داخل رسائل أو ملفات أو وسائل أخرى.

ويُعدُّ هذا التحذير تطوراً لافتاً في تعامل الاستخبارات البريطانية مع ما تصفها بالتهديدات المرتبطة بأنشطة التجسُّس الصينية، إذ قال جهاز «MI5» إنه المرة الأولى التي يصدر فيها، بشكل مستقل، تنبيهاً عاماً من هذا النوع.

ويأتي التحذير في وقت تزداد فيه الاتهامات البريطانية المتعلقة بأنشطة التجسُّس الصينية، كما يسلط الضوء على التوتر القائم بين المخاوف الأمنية في المملكة المتحدة من جهة، ومساعي الحكومة البريطانية إلى الحفاظ على علاقات مع بكين وتعزيز التعاون معها من جهة أخرى.

الصين ترفض الاتهامات

في المقابل، رفضت السفارة الصينية لدى بريطانيا الاتهامات البريطانية، ووصفتها بأنها «خيالية، ومختلقة تماماً».

وقال متحدث باسم السفارة، في بيان، إن بلاده «تعارض بشدة مثل هذه المزاعم التي لا أساس لها من الصحة»، مضيفاً أن السفارة قدَّمت «احتجاجاً رسمياً وشديد اللهجة إلى الجانب البريطاني».

وتابع المتحدث: «نحث أجهزة الاستخبارات البريطانية على الكفِّ عن نشر الأكاذيب، والتوقف عن تقويض التبادلات التعليمية والتعاون البحثي بين الصين والمملكة المتحدة».

وزير بريطاني يتعهد باتخاذ «إجراءات صارمة»

وفي سياق متصل، ذكر جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني أن كثيراً من الأكاديميين والمؤسسات ربما تعاملوا بحُسن نية مع منظمة (CGTRI)، التي تُترجم أحياناً باسم «الأكاديمية الصينية للتكنولوجيا العامة (CAGT)»، من دون أن يكونوا على دراية بصلاتها الوثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية.

غير أن الجهاز حذَّر من أنَّ مواصلة التعامل مع المنظمة قد تعرِّض المعنيين لخطر الملاحقة القضائية بموجب «قانون الأمن القومي» البريطاني، الذي أُقرَّ عام 2023 ومنح السلطات صلاحيات أوسع للتصدِّي لأنشطة التجسُّس الأجنبي والأعمال المرتبطة بالدول التي تعدُّها بريطانيا معادية.

وقال وزير الأمن البريطاني، دان غارفيس، إنه وجَّه رسائل إلى جميع رؤساء الجامعات في بريطانيا، لضمان إنهاء الموظفين أي علاقة لهم بالمنظمة الصينية.

وأضاف في بيان: «يكشف هذا التحذير عن محاولات تقوم بها الاستخبارات الصينية للاستفادة سراً من خبرات وأبحاث أكاديميينا، مما يقوض أمننا القومي وأمن حلفائنا».

وتابع: «تُعدُّ الشراكات الدولية أمراً حيوياً لضمان استمرار ازدهار جامعاتنا ومعاهدنا البحثية، لكننا سنتخذ إجراءات صارمة للتصدي للتهديدات التي نواجهها».