سياسيون مغاربة لـ «الشرق الأوسط»: القمة الخليجية ـ المغربية حدث تاريخي له ما بعده

أشادوا بموقف خادم الحرمين الشريفين ودول الخليج الداعم لمغربية الصحراء

الملك سلمان بن عبد العزيز مع العاهل المغربي الملك محمد السادس وعدد من المشاركين في القمة الخليجية ـ المغربية التي احتضنتها الرياض (غيتي)
الملك سلمان بن عبد العزيز مع العاهل المغربي الملك محمد السادس وعدد من المشاركين في القمة الخليجية ـ المغربية التي احتضنتها الرياض (غيتي)
TT

سياسيون مغاربة لـ «الشرق الأوسط»: القمة الخليجية ـ المغربية حدث تاريخي له ما بعده

الملك سلمان بن عبد العزيز مع العاهل المغربي الملك محمد السادس وعدد من المشاركين في القمة الخليجية ـ المغربية التي احتضنتها الرياض (غيتي)
الملك سلمان بن عبد العزيز مع العاهل المغربي الملك محمد السادس وعدد من المشاركين في القمة الخليجية ـ المغربية التي احتضنتها الرياض (غيتي)

لم يكن انعقاد القمة الخليجية - المغربية في الرياض، الأربعاء، مجرد حدث سياسي ودبلوماسي عابر ضمن الأحداث التي تعج بها المنطقة العربية، بل كانت، في نظر السياسيين المغاربة، محطة تاريخية تؤسس لمستقبل جديد يربط دول الخليج العربي بالمغرب، وحدثا تاريخيا سيكون له ما بعده.
مثلما لم يكن خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس في القمة مجرد خطاب دبلوماسي كلاسيكي، بل خطابا تحذيريا حمل رسائل عدة عن المؤامرات التي تحاك ضد البلدان العربية لـ«تقسيمها وإشعال الفتن فيها»، وما التطورات التي عرفتها قضية الصحراء إلا جزءا من هذا المخطط الذي يستهدف أمن واستقرار العالم العربي.
في هذا السياق، قال سعد الدين العثماني وزير الخارجية المغربي السابق، والقيادي في حزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية الإسلامية، متزعم الائتلاف الحكومي لـ«الشرق الأوسط» إن «العلاقات بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي علاقات استثنائية، لا سيما بعد الشراكة الاستراتيجية التي كانت قد وقعت بين الطرفين والتي تضمنت رؤية استراتيجية واضحة بشأن تطوير العلاقات على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية».
وأضاف العثماني أن «مشاركة الملك محمد السادس في افتتاح القمة شكل إضافة نوعية لهذه الشراكة بإلقائه خطابا جريئا وقويا يتسم بالصراحة والدقة، حيث تطرق فيه إلى المخططات التي تهدد أمن وسلامة المنطقة كلها، ومنها بلدان الخليج والمغرب، وتحدث أيضا عن أن التحديات التي تواجها المنطقة العربية هي تحديات مشتركة، وقدم رؤية استراتيجية للمغرب بوصفه دولة صاعدة تتبوأ موقعا جيو - سياسيا».
وأوضح العثماني أن الملك محمد السادس وجه رسائل عدة في خطابه منها أن «المغرب ليس محمية تابعة لأي طرف أو جهة، وهو بذلك يشير إلى استقلالية القرار السياسي المغربي، وأن الرباط تنأى بنفسها عن مختلف الاضطرابات التي تعيشها المنطقة، والتي تنحشر فيها القوى الغربية وتسعى إلى التصعيد فيها»، مضيفا أن العاهل المغربي أشار في خطابه إلى أن الدول الغربية «تتحمل المسؤولية في المآسي الإنسانية، وانسداد الأفق السياسي، والدمار الذي تعيشه عدد من بلدان المنطقة».
وقال العثماني إن الخطاب الملكي ركز على الوحدة الترابية للمغرب، والتطورات الأخيرة لملف الصحراء، حيث كشف الملك محمد السادس عن عدد من الأمور، وكيف تتخذ القرارات على مستوى الأمم المتحدة، معربا عن موقف المغرب الرافض لتصريحات وانزلاقات الأمين العام للأمم المتحدة، كما أن الملك محمد السادس حيّى في خطابه موقف دول مجلس التعاون الخليجي المساند لقضية الصحراء، وهو الموقف الذي عبر عنه البيان الختامي المشترك بين الطرفين، الذي أكد دعم دول الخليج لمغربية الصحراء، وتأييدها مقترح الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب حلا للنزاع، إلى جانب رفض دول الخليج بأي مس بالمصالح العليا للمغرب، خصوصا مع المؤشرات الخطيرة التي عرفها ملف الصحراء.
وشدد العثماني على أن خطاب الملك محمد السادس في القمة «يعكس رؤية استراتيجية للعلاقات بين المغرب ودول الخليج العربي، كما يعكس تموقع المغرب الدولي ومواقفه، والتوافق الذي يوجد بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي بشأن مختلف قضايا المنطقة». وخلص إلى أن القمة الخليجية - المغربية تعد «خطوة مهمة في دعم الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين».
من جهته، وصف نبيل بن عبد الله الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية ووزير السكنى وسياسة المدينة، خطاب الملك محمد السادس في القمة بأنه «خطاب الوضوح والجرأة كما وصفه بـ«الخطاب المؤسس». وقال بن عبد الله لـ«الشرق الأوسط» إن الخطاب «يقيم كل ما جرى على الساحة العربية من تطورات، منذ انطلاق ما سمي بـ(الربيع العربي)، الذي تحول كما أكد الملك محمد السادس إلى (خريف كارثي)»، مشيرا إلى أنه «ومنذ ذلك الوقت هناك تقييم لكل المحاولات الهادفة إلى أحداث نظام جديد بالمنطقة العربية، وهناك تحذير واضح حتى لايتم ذلك على حساب الاستقرار ولفائدة مصالح غير المصالح العربية».
وقال الوزير المغربي «أعتقد أن الملك محمد السادس ومن خلال العلاقة الوطيدة التي تربطه بدول الخليج الغربي ومن خلال وجوده الرمزي في القمة، أراد أن يبعث برسائل أبرزها أن يظل القرار العربي قرارا مستقلا، وأن تختار الشعوب العربية وقادتها الطريق التي تبدو لهم سليمة وسوية لبناء مستقبلهم». وأوضح بن عبد الله أن «الملك محمد السادس أراد أيضا أن يبعث برسائل بشأن موضوع قضية الصحراء، إذ أكد وجود مخاطر حقيقية في هذا الملف، وأن ما أقدم عليه الأمين العام للأمم المتحدة يتجاوز كل الحدود، بل هناك إشارة إلى أن هذا الرجل لايتصرف من تلقاء نفسه».
ولفت الوزير بن عبد الله إلى أن العاهل المغربي «أكد بشكل واضح صرامة المغرب في التصدي لكل محاولة للمسّ باستقراره، بما يتناغم مع المساندة الواضحة التي أبدتها دول الخليج بشأن مغربية الصحراء».
وحيّى بن عبد الله موقف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وموقف دول الخليج الداعم للمغرب في مواجهة جميع التحديات التي تواجه وحدة ترابه، الذي قال في خطابه أمام القمة موجها كلامه للملك محمد السادس «أؤكد حرصنا الشديد على أن تكون علاقتنا مع بلدكم الشقيق على أعلى مستوى في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية وغيرها.. مؤكدين تضامننا جميعا ومساندتنا لكل القضايا السياسية والأمنية التي تهم بلدكم الشقيق وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، ورفضنا التام لأي مساس بالمصالح العليا للمغرب».
بدوره، قال إدريس لشكر الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض لـ«الشرق الأوسط» إن خطاب الملك محمد السادس في القمة الخليجية - المغربية، يعد بالنسبة لحزبه «وثيقة مرجعية لكيفية التعامل مع التعقيدات السياسية في عالم اليوم». وأضاف: «كانت هناك جرأة في إبراز الحقائق التي يعرفها العالم والمآسي التي ترتبت عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، وتحولت الأحلام الوردية التي بشر بها إلى مآسٍ لبعض شعوب المنطقة، وأن ما يجري اليوم في ليبيا وسوريا والعراق واليمن نموذج لذلك».
وأوضح لشكر أن «حديث الملك محمد السادس على أننا لسنا محمية لأي كان هي إشارة إلى أن المغاربة سيقفون سدا منيعا في وجه أي تدخل أجنبي».
وبشأن دعم دول الخليج لمغربية الصحراء، قال لشكر، إن معظم هذه الدول تابعت هذه القضية منذ بدايتها وساهمت في المسيرة الخضراء السلمية عام 1975. مشيرا إلى أنه «وبالنظر إلى الوضع الذي تعرفه المنطقة العربية كلها، تحسبا لكل المغامرات، فإن دول الخليج، سواء على لسان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أو البيان الختامي المشترك الصادر عن القمة الخليجية - المغربية، أعلنت بشكل واضح عن موقفها المساند لقضية المغرب الوطنية»، مشيدا بموقف خادم الحرمين الشريفين ودول الخليج العربي المساند لمشروعية المغرب في صحرائه، ومشددا على أنه من خلال العلاقات الثنائية التي كانت تجمع المغرب بهذه البلدان، فإن كل دول الخليج كانت واعية بهذه القضية، وتقف إلى جانب المغرب في استرجاع صحرائه.
ممن جانبه، قال محمد الشيخ بيد الله رئيس مجلس المستشارين السابق (الغرفة الثانية في البرلمان)، والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة المعارض، لـ«الشرق الأوسط» إن انعقاد القمة الخليجية - المغربية «يعد حدثا تاريخيا سيكون له ما بعده»، كما أن الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس في القمة يعد «خطابا قويا وصريحا فتح أبواب المستقبل أمام الملوك والرؤساء للتفكير برفع التحديات المشتركة في المستقبل، لا سيما الأمنية منها، والتنبيه إلى المؤامرات التي تحاك من أجل تشتيت العالم العربي».
وذكر بيد الله باتفاقية سايكس بيكو وغيرها من الاتفاقيات التي كانت ترمي إلى تقسيم البلدان العربية والأفريقية. وأكد أن «هناك محاولات جديدة لتفتيت الدول العربية والتآمر عليها، وقد لفت الملك محمد السادس إلى ذلك بصراحة وشجاعة كبيرتين»، على حد قوله.
وأوضح بيد الله المنحدر من الصحراء، أنه في سياق هذه التحديات يأتي دعم دول مجلس التعاون الخليجي لمغربية الصحراء، وهو ما يمثل في نظره «دعما استراتيجيا صريحا للمرة الأولى، ودعما أيضا للأمن والسلام في المنطقة العربية وشمال البحر الأبيض المتوسط».
وزاد بيد الله قائلا إن «القمة الخليجية – المغربية جاءت في منعطف تاريخي ملتهب سواء على مستوى مخلفات الربيع العربي أو ما يحدث في أفريقيا ودول الساحل من تهديدات من قبل الشبكات الإرهابية، إلى جانب ما تسبب فيه التدخل الغربي في أفغانستان والعراق وليبيا».
وقال السياسي المغربي إن الرسائل التي حملها خطاب الملك محمد السادس في القمة واضحة، ومفادها «أننا في مرحلة صعبة وملتهبة ومتقلبة تعرف متغيرات كبيرة، وكلنا نعيش تحت ضغط مرتفع على الصعيد المحلي والجهوي والدولي»، مضيفا أن الملك محمد السادس وجه أيضا رسائل إلى الغرب «لكي يراجع أوراقه في التعامل مع حديقته الخلفية كما يقولون بكثير من الذكاء والحذر».
ولم يخرج تقييم أعضاء الحكومة المغربية للقمة وخطاب الملك محمد السادس فيها عن هذا السياق، حيث أكدوا في بيان صدر مساء أول من أمس عقب اجتماع الحكومة، أن خطاب العاهل المغربي «أسس لنظرة جديدة في العلاقات العربية - العربية»، «مثلما كان خطابه بأبيدجان في كوت ديفوار عام 2014. الذي أسس لنظرة جديدة في العلاقات الأفريقية - الأفريقية».
ودعت الحكومة المغربية إلى «طلاق حالة من التعبئة محورها خطاب الملك أمام القمة، وتنزيل المضامين القوية له»، مؤكدة أن القمة «جاءت لتجسد علاقات تاريخية قوية، وأنها ليست فقط حدثا سياسيا ودبلوماسيا، بل هي حدث مهم له أبعاده وآثاره الكبيرة على المستويين الإقليمي والدولي، ويؤسس لمنطق الكتلة الاستراتيجية الواحدة، اقتصاديا وسياسيا وأمنيا واستراتيجيا وثقافيا، كما تقوم على وحدة المصير».
وثمة ارتياح ظاهر في الرباط، وقناعة مفادها أن قمة الرياض أطلقت مسارًا جيدًا للعلاقات الخليجية - المغربية؛ من خلال وضع قواعد مؤسساتية تسمح بالاستفادة من العلاقات مع دول الخليج من أجل تحرير كامل إمكاناتهم في مختلف مجالات التعاون.
ولا يختلف اثنان على أن قمة الرياض ستقوي أيضًا نوعًا جديدًا من الوعي الذي يهتم بضرورة بناء كتلة صلبة لخدمة الأهداف العادلة للشعوب العربية والإسلامية والدفاع عن المصالح المتبادلة ضد المخاطر والتحديات نفسها.
في سياق ذلك، جسدت القمة لأول مرة اصطفاف دول الخليج بشكل جماعي وعلني لجهة الوقوف أمام المخاطر والتهديدات التي تستهدف العالم العربي كله، خاصة دول الخليج والمغرب والأردن، وهي دول استطاعت أن تنأى بنفسها عن لهيب الفوضى المدمرة التي خلقها «الربيع العربي»، وذلك بسبب وجود رغبات التدخل التي تأتي غالبا تحت غطاء الدفاع عن مصالح القوى العظمى على حساب الشعوب. ومن ثم فإن المراقبين في العاصمة المغربية يرون أن الشراكة الخليجية - المغربية ستسمح بتشكيل كتلة قوية ومتنفذة، ولديها القدرة على الدفاع عن المصالح المشتركة والقضايا العادلة للعالم العربي والإسلامي.
ويبقى مربط الفرس أنه بفضل الدعم المتبادل الخليجي - المغربي، ستحصل الرباط على دعم ومساندة موقفها في مختلف الأزمات الدبلوماسية والاستراتيجية، خاصة إزاء نزاع الصحراء، وبشكل خاص، على مستوى المنظمات الدولية، وبالتالي فإن الشراكة ستمكن من تطوير مقاربات ومبادرات ستقوم بتقديم فعال وناجح للقضايا المدافع عنها على الصعيد الفردي والجماعي.
في غضون ذلك، قال مصدر دبلوماسي مغربي لـ«الشرق الأوسط»، في معرض تقييمه لقمة الرياض ونتائجه المليئة بالآفاق الواعدة «إن الأمر هنا يتعلق بشراكة متوازنة، من أطراف متساوية، تقوم على الاحترام المتبادل لخصوصية وسيادة كل دولة. وبالتالي فإن المغرب بفضل مساره السياسي المناسب يشكل ورقة رابحة بالنسبة للمنطقة».
ويضيف المصدر: «هذا بالنسبة للمحور السياسي للقمة وتداعياته الإيجابية على العلاقات التاريخية والاستراتيجية القائمة، أما في المجال الاقتصادي، فلا بد من الإشارة إلى أن الاقتصاد المغربي وصل في الوقت الراهن إلى مرحلة متقدمة من النضج والتنمية، ما يسمح له أن يكون مكسبًا حقيقيًا لمجلس التعاون الخليجي الذي يحاول حاليا أن ينوع قطاع الإنتاج ويبتعد عن الاعتماد على النفط».
ولا يخفي المصدر أن «المغرب باعتباره يشكل ملتقى بين القارات، ومن خلال تمكنه من تطوير محور اقتصادي، سيستفيد من هذه الشراكة لإنجاح مشاريع كبرى ذات فائدة مشتركة». ويضيف المصدر قائلا: «هذه الشراكة ستمكن المغرب من الاستفادة من البنية التشاركية بين اقتصاده واقتصاد الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى تقوية التبادل التجاري وجذب أكبر قدر من الاستثمارات القادمة من الخليج العربي، هذا إلى جانب تسهيل وضعية أفضل للقطاع الخاص المغربي، من أجل الاندماج في سوق دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط.
وبشأن المحور الدبلوماسي، يقول المصدر ذاته إن رغبة دول الخليج في تعزيز الشراكة مع المملكة المغربية تعد دليلاً آخر على المكانة التي تحتلها هذه الأخيرة بين الأمم، واعتمادها بوصفها حليفا موثوقا فيه. وهو ما سيمكن الرباط من زيادة صمود موقفها الدبلوماسي، وتقوية دعوتها لإقامة أرضية جيو - استراتيجية ما بين مختلف الفضاءات الجيو - سياسية: (أوروبا، والبحر الأبيض المتوسط، وجنوب آسيا، وأفريقيا).
وأضاف المصدر أن هذه الشراكة تدخل ضمن التوجهات الدبلوماسية الكبيرة للمغرب، لا سيما في مجال التعاون جنوب - جنوب، ودعم الانتماء للمحيط العربي والإسلامي، وتنويع الشركاء خارج دائرة الحلفاء التقليديين، واستثمار المميزات والقدرات الاستراتيجية للبلد، إلى جانب كونها تجسيدا آخر لتفرد النموذج المغربي المنفتح والعصري من جهة، والمتمسك بالقيم الأصيلة، من جهة أخرى.
وخلص المصدر إلى القول إن «العلاقات بين المغرب ودول الخليج هي علاقات دائمة ومتينة، وليست مرتبطة بالظروف السياسية»، مشيرا إلى أن تجديد الشراكة سيسمح بمأسسة وتقوية هذه العلاقات ومنحها دفعة قوية جديدة.



الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended