جيش كردي يحمي الإدارة الذاتية شمال سوريا.. والمعارضة تعتبره «حالة مؤقتة»

4 تشكيلات عسكرية.. و«وحدات حماية الشعب» تشابه البيشمركة العراقية

عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)
عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)
TT

جيش كردي يحمي الإدارة الذاتية شمال سوريا.. والمعارضة تعتبره «حالة مؤقتة»

عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)
عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)

بدأت الإدارة الذاتية في شمال سوريا، تفعيل جناح عسكري جديد خاص بها، عبر خطة تدريبية كشف عنها أمس، ليُضاف إلى سلسلة التشكيلات العسكرية المستقلة في سوريا، وسط معلومات متضاربة عما إذا كانت قوات «وحدات الحماية الذاتية» ستكون نواة «الجيش الوطني» السوري، في المستقبل، وهو ما تراه المعارضة السورية «حلولاً مؤقتة أوجدها وجود داعش، وتنتهي بمجرد التوصل إلى حل سياسي ينهي النظام ورئيسه». وفيما قال القائد العام لهذه القوات ريناس روزا إن «وحدات الحماية الذاتية» تتدرب لتكون «نواة الجيش الجديد الذي سيتولى حماية الإقليم الفيدرالي في شمال سوريا»، قال مصدر بارز في حزب «الاتحاد الديمقراطي الكردي» لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات سوريا الديمقراطية هي نواة الجيش السوري في المستقبل»، مؤكدًا أن هؤلاء «هم جنود متطوعون في واجب الدفاع الذاتي، يؤدون الخدمة الإلزامية، وأوكلوا مهمة حماية المنشآت والإدارات في داخل المناطق الذاتية»، مشددًا على أنهم «ليسوا قوة قتالية بالدرجة الأولى».
وأكد الناطق باسم «قوات سوريا الديمقراطية» العقيد طلال سلو لـ«الشرق الأوسط» أن «وحدات الحماية الذاتية» مسؤولة عن التجنيد العسكري الإلزامي للشباب في منطقة شمال سوريا: «وتضم القوات مجندين من كافة الفئات وكافة المكونات الإثنية والدينية في المنطقة»، مشيرًا إلى أن هذا التشكيل «موجود من فترة سبقت تأسيس قوات سوريا الديمقراطية، ويخدم هؤلاء الشباب الذين يبلغون سن الـ18 عامًا، لمدة 6 أشهر في الخدمة الإلزامية»، لكنه لفت إلى أن الفارين من الخدمة الإلزامية ويجري القبض عليهم «يخدمون مدة سنة».
وقال سلو إن هذا التشكيل العسكري «مستقل عن قوات سوريا الديمقراطية، وله قيادة مستقلة، لكن تتم الاستعانة بهم للمشاركة في عمليات قتالية، حين تستدعي الحاجة». وتضم هذه القوات الجديدة، وفق روزا الذي نقلته تصريحاته وكالة «الصحافة الفرنسية»: «آلاف الشبان، من جميع المكونات: أكراد وعرب وسريان وشركس» تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما من «كافة الطبقات الاجتماعية». ويقضي هؤلاء تسعة أشهر إلزامية في التدريب قبل أن ينتقلوا إلى جبهات القتال وحماية المواقع التي سيطر عليها الأكراد مؤخرا بعد استعادتها من تنظيم داعش. وكون الخدمة في قوات الحماية الذاتية إلزامية، يقول مسؤول فيها: «نتفحص أوراق الناس عندما يعبرون الحواجز، وإذا وجدنا من لم يكملوا التدريب مع قوات الحماية الذاتية، نأخذهم فورًا إلى التدريب».
وكانت الحاكمية المشتركة لمقاطعة الجزيرة صادقت، في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، على المرسوم الذي يتضمن قانون أداء واجب الدفاع الذاتي عن مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية. ووقع الحاكمين المشتركين لمقاطعة الجزيرة هدية يوسف والشيخ حميدي الدهام على المرسوم بعد أن أقره المجلس التشريعي في جلسته بتاريخ 16 - 1 - 2016.
والاهتمام بهذه القوة في هذا الوقت، جاء بعد الإعلان عن خطة لفدرلة المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد ومكونات أخرى تحت مسمى «الإدارة الذاتية». لكن صلاحيات هذه القوة، كما أُعلن عنها، تتناقض مع الأسباب التي دفعت لإنشائها في وقت سابق قبل أكثر من عام، كما تتضارب مع صلاحيات القوى العسكرية الرئيسية في إدارة الذاتية.
وقال مدير مركز الدراسات الكردية نواف خليل لـ«الشرق الأوسط» إن القوة الأساسية في مناطق الإدارة الذاتية هي «وحدات حماية الشعب»، التي تعد جزءًا من «قوات سوريا الديمقراطية»، مشيرًا إلى أن «وحدات الحماية الذاتية» تعد جزءًا من القوات المقاتلة، وتتحول إلى قوة إسناد إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وأوضح أن المهام الموكلة إليها في هذا الوقت تتمثل في «حماية الإدارات والمراكز الموجودة في المنطقة، وستكون جزءًا من القوات التي تحمي الفيدرالية». ونفى خليل أن يكون هناك تضارب في صلاحيات التشكيلات العسكرية والأمنية في الإدارة الذاتية في شمال سوريا، قائلاً: «جميع القوى العسكرية هي واحدة، لها قيادات واضحة توزع المهام وتنسق بين الصلاحيات، وليس هناك أي تناقض بين تلك القوى. وتعمل جميعها وفق طريقة متناغمة، ومتكاملة، بتنسيق مع القيادة العسكرية للإدارة الذاتية».
وتنتشر في منطقة الإدارة الذاتية «قوات سوريا الديمقراطية» التي تعد التشكيل الأبرز، ويطمح الأكراد وحلفاؤهم من المكونات الأخرى لأن يكون «نواة جيش سوريا المستقبل». وتقاتل وحدات حماية الشعب ضمن صفوف «قوات سوريا الديمقراطية» في المعارك ضد «داعش».
أما «وحدات الحماية»، فتعد القوة الأساسية في مناطق الإدارة الذاتية، وهي قوات النخبة في تلك المنطقة، وتتولى الآن القتال في منطقة شمال سوريا التي يطلق الأكراد عليها «روج أفا». وبحسب مصادر كردية، فإن وحدات حماية الشعب «لن تخضع للحل في سوريا المستقبل، لأنها ستكون القوة العسكرية الضامنة لحماية الإدارة الذاتية في المستقبل، وستكون على نسق قوات البيشمركة في العراق».
هذا، وتوجد قوات «واجب الدفاع الذاتي» التي يُطلق عليها أيضا اسم «وحدات الحماية الذاتية»، وهي موكلة حماية الإدارات والمناطق وتتضمن المجندين في الخدمة الإلزامية. أما قوات «الأسايش»، فهي قوات الأمن الداخلي الشرطة، وتتضمن قوة تدخل سريع ضمن تشكيلاتها.
وتوجد قوات الحماية الذاتية في مقاطعتي الجزيرة وعفرين على أن تقام قريبا معسكرات أخرى في كوباني أيضا.
وتنتشر في شمال سوريا، أربع تشكيلات في منطقة الإدارة الذاتية، وعشرات التشكيلات المحلية في مناطق سيطرة المعارضة وسيطرة النظام وحلفائه، وهو ما تراه المعارضة «حالة مؤقتة، تنتهي مع رحيل النظام».
وقال المعارض السوري البارز سمير نشار لـ«الشرق الأوسط» إن «الحديث عن كثرة المجموعات العسكرية في سوريا، هي محلية في مواضع معينة في الجغرافيا السورية، وليست على امتداد الوطن»، مؤكدًا أنها «حالات تعبر عن إشكاليات في المنطقة التي تنشأ فيها في مناطق الشمال الشرقي، حيث وجود داعش أصبح ذريعة لبعض القوى المدعومة من قوى إقليمية ودولية لإنشائها».
وأعرب نشار عن اعتقاده بأنه «بمجرد الانتهاء من داعش، كل الحالات سوف تنتهي، لأنها حالات مؤقتة لا تتسم بالجذرية والشمولية ولا موقف واضحًا لها من النظام، وتتعايش مع الصراع مع داعش الذي يعد منظمة إرهابية، يحاول الجميع التصدي لها». وقال إنه «من دون إيجاد حل سياسي في سوريا يغير النظام ورئيسه، لا يمكن إيجاد حلول مؤقتة لأن وجود النظام استولد تلك الحالات الإرهابية، والتشكيلات التي تتصدى لها، وأنشأ البيئة الجاذبة لتلك التشكيلات العسكرية».
إلى ذلك، تتواصل خطة تدريب «وحدات الحماية الذاتية» في منطقة عامودا في الحسكة. ويوضح روزا ببزته العسكرية ولحيته الخفيفة في تصريحات لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «قواتنا تخضع لثلاث مراحل أساسية من التدريبات» على أيدي قوات حماية الشعب الكردية، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، الحزب الكردي الأبرز في سوريا، والتي أثبتت أنها الأكثر فعالية قي قتال تنظيم داعش في سوريا.
ويشير روزا إلى أنه خلال أول شهرين يتم تدريب الشبان «على التنظيم العسكري والتكتيك فضلا عن أساليب القتال»، كما أنهم يخضعون «لتدريبات سياسية في بعض المؤسسات المدنية».
وتصاعد نفوذ الأكراد مع اتساع رقعة النزاع في عام 2012 مقابل تقلص سلطة النظام في المناطق ذات الغالبية الكردية. وبعد انسحاب قوات النظام تدريجيا من هذه المناطق، أعلن الأكراد إقامة إدارة ذاتية مؤقتة في مقاطعات كوباني وعفرين (ريف حلب الشمالي والغربي) والجزيرة (الحسكة)، وأطلق عليها اسم «روج آفا» (غرب كردستان).
وفي 17 مارس (آذار)، أعلن الأكراد في مؤتمر واسع شاركت فيه مكونات عربية وسريانية وأرمنية وغيرها النظام الفيدرالي في مناطق سيطرتهم في شمال سوريا. وسرعان ما لاقى هذا الإعلان رفض الحكومة السورية والمعارضة على حد سواء، إلا أن الأكراد بدوا مصرين على إكمال مشروعهم الذي طالما حلموا به، وقوات الحماية الذاتية ليست سوى جزء منه.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».