جيش كردي يحمي الإدارة الذاتية شمال سوريا.. والمعارضة تعتبره «حالة مؤقتة»

4 تشكيلات عسكرية.. و«وحدات حماية الشعب» تشابه البيشمركة العراقية

عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)
عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)
TT

جيش كردي يحمي الإدارة الذاتية شمال سوريا.. والمعارضة تعتبره «حالة مؤقتة»

عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)
عناصر من قوات الأسد تسلم نفسها للقوات الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا على أثر معارك بين الطرفين (رويترز)

بدأت الإدارة الذاتية في شمال سوريا، تفعيل جناح عسكري جديد خاص بها، عبر خطة تدريبية كشف عنها أمس، ليُضاف إلى سلسلة التشكيلات العسكرية المستقلة في سوريا، وسط معلومات متضاربة عما إذا كانت قوات «وحدات الحماية الذاتية» ستكون نواة «الجيش الوطني» السوري، في المستقبل، وهو ما تراه المعارضة السورية «حلولاً مؤقتة أوجدها وجود داعش، وتنتهي بمجرد التوصل إلى حل سياسي ينهي النظام ورئيسه». وفيما قال القائد العام لهذه القوات ريناس روزا إن «وحدات الحماية الذاتية» تتدرب لتكون «نواة الجيش الجديد الذي سيتولى حماية الإقليم الفيدرالي في شمال سوريا»، قال مصدر بارز في حزب «الاتحاد الديمقراطي الكردي» لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات سوريا الديمقراطية هي نواة الجيش السوري في المستقبل»، مؤكدًا أن هؤلاء «هم جنود متطوعون في واجب الدفاع الذاتي، يؤدون الخدمة الإلزامية، وأوكلوا مهمة حماية المنشآت والإدارات في داخل المناطق الذاتية»، مشددًا على أنهم «ليسوا قوة قتالية بالدرجة الأولى».
وأكد الناطق باسم «قوات سوريا الديمقراطية» العقيد طلال سلو لـ«الشرق الأوسط» أن «وحدات الحماية الذاتية» مسؤولة عن التجنيد العسكري الإلزامي للشباب في منطقة شمال سوريا: «وتضم القوات مجندين من كافة الفئات وكافة المكونات الإثنية والدينية في المنطقة»، مشيرًا إلى أن هذا التشكيل «موجود من فترة سبقت تأسيس قوات سوريا الديمقراطية، ويخدم هؤلاء الشباب الذين يبلغون سن الـ18 عامًا، لمدة 6 أشهر في الخدمة الإلزامية»، لكنه لفت إلى أن الفارين من الخدمة الإلزامية ويجري القبض عليهم «يخدمون مدة سنة».
وقال سلو إن هذا التشكيل العسكري «مستقل عن قوات سوريا الديمقراطية، وله قيادة مستقلة، لكن تتم الاستعانة بهم للمشاركة في عمليات قتالية، حين تستدعي الحاجة». وتضم هذه القوات الجديدة، وفق روزا الذي نقلته تصريحاته وكالة «الصحافة الفرنسية»: «آلاف الشبان، من جميع المكونات: أكراد وعرب وسريان وشركس» تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما من «كافة الطبقات الاجتماعية». ويقضي هؤلاء تسعة أشهر إلزامية في التدريب قبل أن ينتقلوا إلى جبهات القتال وحماية المواقع التي سيطر عليها الأكراد مؤخرا بعد استعادتها من تنظيم داعش. وكون الخدمة في قوات الحماية الذاتية إلزامية، يقول مسؤول فيها: «نتفحص أوراق الناس عندما يعبرون الحواجز، وإذا وجدنا من لم يكملوا التدريب مع قوات الحماية الذاتية، نأخذهم فورًا إلى التدريب».
وكانت الحاكمية المشتركة لمقاطعة الجزيرة صادقت، في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، على المرسوم الذي يتضمن قانون أداء واجب الدفاع الذاتي عن مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية. ووقع الحاكمين المشتركين لمقاطعة الجزيرة هدية يوسف والشيخ حميدي الدهام على المرسوم بعد أن أقره المجلس التشريعي في جلسته بتاريخ 16 - 1 - 2016.
والاهتمام بهذه القوة في هذا الوقت، جاء بعد الإعلان عن خطة لفدرلة المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد ومكونات أخرى تحت مسمى «الإدارة الذاتية». لكن صلاحيات هذه القوة، كما أُعلن عنها، تتناقض مع الأسباب التي دفعت لإنشائها في وقت سابق قبل أكثر من عام، كما تتضارب مع صلاحيات القوى العسكرية الرئيسية في إدارة الذاتية.
وقال مدير مركز الدراسات الكردية نواف خليل لـ«الشرق الأوسط» إن القوة الأساسية في مناطق الإدارة الذاتية هي «وحدات حماية الشعب»، التي تعد جزءًا من «قوات سوريا الديمقراطية»، مشيرًا إلى أن «وحدات الحماية الذاتية» تعد جزءًا من القوات المقاتلة، وتتحول إلى قوة إسناد إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وأوضح أن المهام الموكلة إليها في هذا الوقت تتمثل في «حماية الإدارات والمراكز الموجودة في المنطقة، وستكون جزءًا من القوات التي تحمي الفيدرالية». ونفى خليل أن يكون هناك تضارب في صلاحيات التشكيلات العسكرية والأمنية في الإدارة الذاتية في شمال سوريا، قائلاً: «جميع القوى العسكرية هي واحدة، لها قيادات واضحة توزع المهام وتنسق بين الصلاحيات، وليس هناك أي تناقض بين تلك القوى. وتعمل جميعها وفق طريقة متناغمة، ومتكاملة، بتنسيق مع القيادة العسكرية للإدارة الذاتية».
وتنتشر في منطقة الإدارة الذاتية «قوات سوريا الديمقراطية» التي تعد التشكيل الأبرز، ويطمح الأكراد وحلفاؤهم من المكونات الأخرى لأن يكون «نواة جيش سوريا المستقبل». وتقاتل وحدات حماية الشعب ضمن صفوف «قوات سوريا الديمقراطية» في المعارك ضد «داعش».
أما «وحدات الحماية»، فتعد القوة الأساسية في مناطق الإدارة الذاتية، وهي قوات النخبة في تلك المنطقة، وتتولى الآن القتال في منطقة شمال سوريا التي يطلق الأكراد عليها «روج أفا». وبحسب مصادر كردية، فإن وحدات حماية الشعب «لن تخضع للحل في سوريا المستقبل، لأنها ستكون القوة العسكرية الضامنة لحماية الإدارة الذاتية في المستقبل، وستكون على نسق قوات البيشمركة في العراق».
هذا، وتوجد قوات «واجب الدفاع الذاتي» التي يُطلق عليها أيضا اسم «وحدات الحماية الذاتية»، وهي موكلة حماية الإدارات والمناطق وتتضمن المجندين في الخدمة الإلزامية. أما قوات «الأسايش»، فهي قوات الأمن الداخلي الشرطة، وتتضمن قوة تدخل سريع ضمن تشكيلاتها.
وتوجد قوات الحماية الذاتية في مقاطعتي الجزيرة وعفرين على أن تقام قريبا معسكرات أخرى في كوباني أيضا.
وتنتشر في شمال سوريا، أربع تشكيلات في منطقة الإدارة الذاتية، وعشرات التشكيلات المحلية في مناطق سيطرة المعارضة وسيطرة النظام وحلفائه، وهو ما تراه المعارضة «حالة مؤقتة، تنتهي مع رحيل النظام».
وقال المعارض السوري البارز سمير نشار لـ«الشرق الأوسط» إن «الحديث عن كثرة المجموعات العسكرية في سوريا، هي محلية في مواضع معينة في الجغرافيا السورية، وليست على امتداد الوطن»، مؤكدًا أنها «حالات تعبر عن إشكاليات في المنطقة التي تنشأ فيها في مناطق الشمال الشرقي، حيث وجود داعش أصبح ذريعة لبعض القوى المدعومة من قوى إقليمية ودولية لإنشائها».
وأعرب نشار عن اعتقاده بأنه «بمجرد الانتهاء من داعش، كل الحالات سوف تنتهي، لأنها حالات مؤقتة لا تتسم بالجذرية والشمولية ولا موقف واضحًا لها من النظام، وتتعايش مع الصراع مع داعش الذي يعد منظمة إرهابية، يحاول الجميع التصدي لها». وقال إنه «من دون إيجاد حل سياسي في سوريا يغير النظام ورئيسه، لا يمكن إيجاد حلول مؤقتة لأن وجود النظام استولد تلك الحالات الإرهابية، والتشكيلات التي تتصدى لها، وأنشأ البيئة الجاذبة لتلك التشكيلات العسكرية».
إلى ذلك، تتواصل خطة تدريب «وحدات الحماية الذاتية» في منطقة عامودا في الحسكة. ويوضح روزا ببزته العسكرية ولحيته الخفيفة في تصريحات لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «قواتنا تخضع لثلاث مراحل أساسية من التدريبات» على أيدي قوات حماية الشعب الكردية، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، الحزب الكردي الأبرز في سوريا، والتي أثبتت أنها الأكثر فعالية قي قتال تنظيم داعش في سوريا.
ويشير روزا إلى أنه خلال أول شهرين يتم تدريب الشبان «على التنظيم العسكري والتكتيك فضلا عن أساليب القتال»، كما أنهم يخضعون «لتدريبات سياسية في بعض المؤسسات المدنية».
وتصاعد نفوذ الأكراد مع اتساع رقعة النزاع في عام 2012 مقابل تقلص سلطة النظام في المناطق ذات الغالبية الكردية. وبعد انسحاب قوات النظام تدريجيا من هذه المناطق، أعلن الأكراد إقامة إدارة ذاتية مؤقتة في مقاطعات كوباني وعفرين (ريف حلب الشمالي والغربي) والجزيرة (الحسكة)، وأطلق عليها اسم «روج آفا» (غرب كردستان).
وفي 17 مارس (آذار)، أعلن الأكراد في مؤتمر واسع شاركت فيه مكونات عربية وسريانية وأرمنية وغيرها النظام الفيدرالي في مناطق سيطرتهم في شمال سوريا. وسرعان ما لاقى هذا الإعلان رفض الحكومة السورية والمعارضة على حد سواء، إلا أن الأكراد بدوا مصرين على إكمال مشروعهم الذي طالما حلموا به، وقوات الحماية الذاتية ليست سوى جزء منه.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.