محضر اجتماع يكشف تنسيق نظامي بغداد ودمشق قبيل «جنيف 2»

«الشرق الأوسط» تنشر الحلقة الرابعة من «وثائق دمشق» السرية

محضر اجتماع يكشف تنسيق نظامي بغداد ودمشق قبيل «جنيف 2»
TT

محضر اجتماع يكشف تنسيق نظامي بغداد ودمشق قبيل «جنيف 2»

محضر اجتماع يكشف تنسيق نظامي بغداد ودمشق قبيل «جنيف 2»

وثيقة سورية جديدة تنشرها «الشرق الأوسط»، في إطار سلسلة الوثائق المسربة من الدوائر السورية الدبلوماسية والأمنية، هي نسخة عن محضر اجتماع بين وزير الخارجية السوري وليد المعلم، ووزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، ومسؤولين من البلدين في بغداد يوم 26 مايو (أيار) الماضي.
وتُظهر الوثيقة قراءة بغداد للأزمة السورية وللاتفاق الروسي - الأميركي عشية الإعداد لمؤتمر «جنيف 2»، وتوقعها بقاء تشكيل «هيئة حكم انتقالية» نقطة خلافية، يفسرها كل فريق وفق قراءته الخاصة. كما تبيّن مدى دعم الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي «على كل الصعد» وتفهمها لـ«خطوط دمشق الحمراء»، في إشارة إلى رفض طرح أو نقاش مطلب رحيل الرئيس السوري بشار الأسد.
ولم يقتصر البحث بين الوفدين الدبلوماسيين على الشأن السوري؛ بل تخطاه إلى الشأن اللبناني، إذ اطلع زيباري من المعلم على قراءته للوضع السياسي والأمني في لبنان وأسباب تأخير تشكيل الحكومة اللبنانية حينها.
«لست بحاجة لكي أؤكد موقف الحكومة العراقية الداعم على كل الصعد. نعلم أن هناك خطوطا حمراء بالنسبة لكم، لكن مجرد حضوركم للمؤتمر (جنيف 2) سيعطي رسالة قوية بالتزامكم بالتسوية السياسية والخطوات العملية لنقل البلد من الوضع الراهن إلى الاستقرار». بهذه العبارات، طمأن وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري نظيره السوري وليد المعلم خلال اجتماع تنسيقي عقد في بغداد في 26 مايو الماضي، تزامنا مع الإعداد حينها لعقد مؤتمر «جنيف 2» بهدف إيجاد مخرج سياسي للأزمة السورية.
الطمأنة العراقية قابلها وزير الخارجية السورية بتعهد قال فيه «أعدك بأن الوفد السوري لن ينسحب من المؤتمر مهما حدث، وسنبقى حتى آخر لحظة فيه، خاصة أن وضعنا الميداني أصبح مريحا أكثر».
وثيقة جديدة تنفرد «الشرق الأوسط» بنشر مضمونها، على أن ينشرها حرفيا موقع «وثائق دمشق»، بإشراف مركز «مسارات» الإعلامي السوري المعارض، خلال الأيام المقبلة. وتتضمن الوثيقة محضر اجتماع شارك فيه عن الجانب السوري إضافة إلى المعلم كل من معاون الرئيس السوري اللواء محمد ناصيف، والسفير السوري في بغداد صطام جدعان الدندح، ومدير مكتب معاون نائب رئيس الجمهورية سمير جمعة، في حين حضر عن الجانب العراقي إضافة إلى زيباري كل من وكيلي وزير الخارجية العراقي لبيد عباوي وعلي الدوركي، ومستشار وزير الخارجية محمد الحاج حمود.
تبدأ الوثيقة بالإشارة إلى أنه بعد «تبادل عبرات المجاملة»، اقترح المعلم تلاوة بيانين موجزين للمؤتمر الصحافي، على أن يترك «مجالا لعدد من أسئلة الصحافيين»، وهو ما أيده زيباري، لافتا إلى أنه سيؤكد في بيانه على «أهمية الزيارة في هذا التوقيت». وأضاف «سأشير إلى أننا كنا نطالب على الدوام بالحل السلمي للأزمة في سوريا وندعم الجهود الدولية في هذا الإطار، وسأترك لكم المجال لتعلنوا موقفكم». وأبلغ المعلم بأن «اتصالات مكثفة تجري معنا بخصوص الأزمة السورية، لكن لم نحضر بعض الاجتماعات مثل اجتماع أصدقاء سوريا الأخير الذي جرى في عمان».
وأثنى زيباري على «موافقة الولايات المتحدة على عقد مؤتمر (جنيف 2)»، ورأى أن ذلك «تحولا مهما»، متابعا «عندما التقيتهم في شهر سبتمبر (أيلول) 2012 في نيويورك كنت أقترح على الأطراف الدولية عقد اجتماع (جنيف 2) باعتباره أفضل وسيلة لإيجاد مخرج من الأزمة، ولذلك فإن موافقة الولايات المتحدة تعني الكثير». وبدا الجانب العراقي من خلال مداخلات زيباري متفائلا بالاتفاق الأميركي الروسي، إذ لفت انتباه الوفد السوري خلال الاجتماع إلى أنه «قبل الموافقة والتفاهم الأميركي الروسي كان الجو مختلفا، حيث كان يدور الحديث عن سلاح كيماوي وتدخل خارجي وضربة عسكرية وسيناريوهات مختلفة وتغيير ورحيل فوري خلال أيام. بعد الاتفاق الروسي الأميركي شعر جميع الأطراف بأن اللعبة قد تغيرت في اتجاه مخاوف حقيقية مما يحصل داخل سوريا وامتداداتها والسيطرة عليها».
وقال زيباري في السياق ذاته «نحن بذلنا كل جهدنا في توضيح الصورة، ولأنه لا يوجد قائد واحد، فأميركا غير مستعدة وأوروبا كذلك الأمر، واللاعبون الإقليميون مثل تركيا غير جاهزين، كما أن اللاعبين العرب غير مستعدين لقيادة العملية في سوريا». وشدد على أن «هذا المؤتمر هو الأساس للحل، وفي تقديري هو آخر محاولة من خلال قراءتي للمواقف الدولية، ففي كل المباحثات التي نقوم بها يكون الموضوع السوري قبل العراق»، مشيرا إلى أنه «زارنا مرة ثلاثة وزراء أوروبيين، من هولندا وبلغاريا والسويد، وعندما عادوا لحضور الاجتماع الوزاري في بروكسل قالوا بصراحة: إذا أردتم أن تسمعوا رأيا منطقيا حول سوريا فاذهبوا إلى العراق». وعاد زيباري في مداخلته إلى مؤتمر «جنيف 1» بقوله إن «الخلاف الذي كان في المؤتمر، حيث كنا شهودا على ما حدث، هو حول حكومة انتقالية ذات صلاحيات كاملة برضا الطرفين، فهل القصد منها رحيل الرئيس (الأسد)، وهو ما لم يكن مطروحا؟ لكن بعدما انتهى الاجتماع خرجت الولايات المتحدة بتفسيرها المعروف». وقاطعه المعلم قائلا «جاء ذلك على لسان (وزيرة الخارجية الأميركية السابقة) هيلاري كلينتون مباشرةً بعد المؤتمر».
وعد زيباري أن «هذا الذي عطّل عملية الحل»، وتوقع عودة «الأطراف لذات النقطة الخلافية هذه المرة أيضا»، في إشارة إلى «جنيف 2»، لافتا إلى أن «هناك ضغوطا على المعارضة للمشاركة في المؤتمر دون شروط، لكن في الوقت ذاته تضغط عليهم بعض الأطراف للتمسك بشرط رحيل الرئيس».
وتوقف زيباري عند اجتماع اللجنة الوزارية العربية الذي عقد قبل يوم من الاجتماع، مشيرا إلى اعتراض ممثل العراق الدائم على ورقة جاء بها القطريون، فقاطعه المعلم ليقول إنها «كانت ورقة مكتوبة باللغة الإنجليزية»، قبل أن يضيف «اعترضنا على الورقة، وكذلك الجزائر ودول أخرى، حتى السعودية قالت كلاما في هذا الاتجاه عندما قالت بأن هذا الموضوع يترك للسوريين ولن نصبح أوصياء عليهم، من ثم سحب القطريون ورقتهم، لكن المحاولات ما زالت مستمرة». وقال إنه يعتقد أنه «يجب على الروس والأميركيين والأطراف الأخرى أن يخرجوا من هذا المؤتمر بشيء ملموس، وألا يكون الهدف منه الحضور فقط، وأعتقد أنه ينبغي وجود آلية لكيفية التنفيذ والمتابعة وإدارة الحوار».
وانتقل الكلام إلى المعلم الذي اعتبر أن «الوضع على الأرض مختلف، حيث إن هناك حربا مع جبهة النصرة، ومع ذلك هناك فرصة لحل سياسي ونحن معه»، جازما بأن «التنحي لا نقبل به، فلا يستطيع أي أحد أن يذهب للمشاركة في مؤتمر (جنيف 2) دون توجيه، والتوجيه في حد ذاته يعطي دورا لرئيس الجمهورية». وقال «نحن مؤمنون بأنه لا أحد في الكون يقرر بالنيابة عن الشعب السوري، وإن كان الطرف الآخر مؤمنا بالديمقراطية فليأت لصناديق الاقتراع».
وأكد المعلم «اننا مع حكومة وحدة وطنية موسعة لمن يرغب في المشاركة، وستكون على عاتقها مهام أساسية، منها إقرار الدستور وقانون الانتخابات النيابية، حتى إن برنامج الإصلاح السياسي الذي طرحه السيد الرئيس (بشار الأسد) توجد فيه فقرة خاصة بالدستور والميثاق الوطني، وهي غير موجودة في أي بلد عربي».
وفي ما يتعلق بهيئة الحكم الانتقالية، توجه المعلم إلى نظيره العراقي، وفق ما هو وارد في محضر الاجتماع المسرب، بالقول «لم نفهم ما المقصود بهيئة الحكم في (جنيف 1)، وسألنا أصدقاءنا الروس عنها فأجابونا بأنه غموض بنّاء يمكن استغلاله». وأوضح «فهمناها على أنها حكومة وحدة وطنية موسعة من الأحزاب السورية وصلاحياتها كاملة وفق الدستور السوري، أي صلاحياتها كاملة، ما عدا الجيش والقوات المسلحة فهي من صلاحيات رئيس الجمهورية القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، وهو أمر ليس بغريب عن كثير من دول العالم منها أميركا وروسيا».
وأكد في ما يخص انعقاد المؤتمر في جنيف أنه «لا مانع لدينا من إطلاق الحوار المباشر هناك، ولكن باعتباره سيستغرق وقتا ويحتاج إلى تشكيل لجان مختصة، وهو ما سنصر عليه بدعم من أصدقائنا الروس، لِمَ لا يبدأ المؤتمر في جنيف ثم ينتقل إلى دمشق مع ضمانات كاملة للمعارضة في حال قبلت بذلك؟ هذا باختصار موقفنا وأعدك بأن يكون بناءً موضوعيا وقانونيا».
وأثنى زيباري على كلام المعلم الذي وصفه بـ«الجيد»، متسائلا عن «موعد الانتخابات الرئاسية وفق الدستور السوري الحالي»، وأجابه المعلم «في الشهر السادس من عام 2014»، ليتابع بعدها زيباري «هذا يعني أن هذه السنة ستكون حيوية بالنسبة للآلية التي تكلمتم عنها. بالنسبة لهيئة الحكم الانتقالية كاملة الصلاحيات، فقد كانت موجودة سابقا على أن يبقى الرئيس ويفوض صلاحياته لبحث المرحلة الانتقالية».
وقال المعلم إنه «من الممكن بحث كل شيء، كالانتخابات والدستور، أما مقام رئاسة الجمهورية والجيش والقوات المسلحة فهذا غير ممكن من الناحية العملية، فالجيش أصلا لن يقبل بذلك».
وفي موازاة نصيحة زيباري المعلم بأنه «من المفيد لكم الانفتاح على بعض الدول مثل السودان والجزائر وعمان»، وتأكيد الأخير «اننا جاهزون للانفتاح على الجميع، ولم نقاطع أحدا. ومتى كانوا جاهزين لاستقبالنا فسنتوجه إليهم في اليوم التالي»، لم يغفل وزير الخارجية العراقي السؤال عن الوضع في لبنان. وأجاب المعلم «خطير، فلديهم نفس اللاعبين»، مضيفا ردا على سؤال ثان عما إذا كان «سيتأخر تشكيل حكومتهم»، بقوله «نعم سيتأخر، لكن ليس لدي تخوف من اندلاع حرب أهلية في لبنان، أولا لأنهم جربوها، وثانيا لأن (أمين عام حزب الله) السيد حسن نصر الله رجل عاقل ولا يريد الانجرار إلى حرب داخلية أو أهلية، وهو أكثر الناس وعيا لجهة عدم طرح الأمور على أساس عرقي أو ديني، إنه يعد صمام الأمان بالنسبة للبنان».
وتابع زيباري بعدها «لقد استسهلوا تشكيل الحكومة في البداية، لكن تأخيرها يعني وجود تعقيدات، ولا شك في أن الوضع السوري ينعكس عليهم». في حين شدد المعلم على أن «لبنان واستقراره مهم بالنسبة لنا، لكننا سنقطع اليد التي تمتد إلى أمن واستقرار سوريا».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.