مفاوضات موازية روسية ـ أميركية في جنيف للاتفاق على صفقة لسوريا

تأكيدا لما نشرته «الشرق الأوسط».. ودي ميستورا يقترح ثلاثة نواب رئيس إلى جانب الأسد

عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)
عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)
TT

مفاوضات موازية روسية ـ أميركية في جنيف للاتفاق على صفقة لسوريا

عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)
عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)

تشهد مدينة جنيف السويسرية نوعين من المحادثات، الأول منها علني ويجري في قصر الأمم وأطرافه المبعوث الدولي لسوريا ستيفان دي ميستورا ووفدا النظام السوري و«الهيئة العليا للمفاوضات»، و«مجموعة القاهرة - موسكو»، و«الهيئة النسائية السورية» والمجتمع المدني. وهذه النشاطات يستضيفها «قصر الأمم». كذلك يستضيف قصر الأمم اجتماعات هيئتي الاتصال المنبثقتين عن «مجموعة الدعم لسوريا» الخاصتين بوقف الأعمال العدائية وبإيصال المساعدات الإنسانية.
أما النوع الثاني، البعيد عن الأنظار والأضواء، فهو يحصل في الفنادق الكبرى للمدينة السويسرية ما بين فندق «كونتيننتال» القريب من قصر الأمم وفندق «كمبينسكي» (الهيلتون سابقا) على ضفة بحيرة جنيف اليمنى، وفنادق أخرى من فئة خمسة نجوم. و«أبطال» هذا النوع الثاني من النشاطات بعض مندوبي الدول، خصوصا الغربية، التي تتشكل منها مجموعة الدعم لسوريا الذين يلتقون يوميًا، وأحيانا عدة مرات في اليوم. لكن الأهم منها لقاءات ثنائية أميركية - روسية كشفت عنها «الشرق الأوسط» في عددها يوم أمس. وهذه اللقاءات يغلفها ستار سميك من التكتّم حتى على أعضاء أساسيين من «مجموعة الدعم» مثل الدول الأوروبية الرئيسية أو أطراف إقليمية وخليجية. ووفق أكثر من مصدر، فإن ما يحصل في جنيف بخصوص رسم مستقبل سوريا عن طريق بلورة عناصر «صفقة» ثنائية يجري لاحقًا عرضها أو فرضها على الجميع شبيه بما حصل في العاصمة النمساوية فيينا خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي عندما اتفقت موسكو وواشنطن على هدنة تم لاحقًا التسويق لها، وهي التي أنتجت فيما بعد قراري مجلس الأمن الرقم «2254»، ثم الرقم «2268».
وأمس، أكدت مصادر دبلوماسية غربية وأخرى من المعارضة السورية الخبر الذي نشرته «الشرق الأوسط» عن وجود مباحثات روسية - أميركية بشأن «الصفقة» التي يجري العمل على إعدادها في جنيف من أجل توفير «مظلة» للمحادثات التي يقودها المبعوث الدولي. ومما يجري بحثه ثنائيا بين الطرفين، ليس فقط الإبقاء على رئيس النظام بشار الأسد في المرحلة الانتقالية، وإنما أيضا أن يكون له دور رئيسي فيها، بما في ذلك إعداد الدستور والانتخابات المفترض أن تجرى بعد 18 شهرا من انطلاق المحادثات بين الأطراف السورية التي بدأت في 14 مارس (آذار) الماضي. وفي سياق مواز، علمت «الشرق الأوسط» تفاصيل ما حصل في الاجتماع الذي أجري بين دي ميستورا ووفدي النظام، ثم «الهيئة العليا للمفاوضات»، خصوصًا ما قيل عن اقتراح من المبعوث الدولي بأن يبقى الأسد في السلطة مع تعيين ثلاثة نواب رئيس له مع صلاحيات تنفيذية. وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة على مجريات ما يحصل في جنيف وأخرى من المعارضة السورية، فإن المبعوث الدولي لم يقدم «اقتراحا مباشرا» بهذا المعنى لوفد المعارضة، ولم يعرض المقترح على أنه صادر عنه، بل عرضه على أنه أحد المقترحات المطروحة - التي لم يسم مصدرها - لردم الهوة القائمة بين مواقف المعارضة والنظام من موضوع مصير الأسد، بحيث يتم تعيين ثلاثة نواب للرئيس بصلاحيات تنفيذية، وأن يبقى الأسد في منصبه. ووصف مصدر من المعارضة السورية كلام دي ميستورا بأنه جاء بمثابة «بالون اختبار». إلا أن وفد الهيئة العليا، ممثل المعارضة، رفض المقترح، وأعاد تأكيد التمسك بتشكيل «الهيئة الحاكمة كاملة الصلاحيات للمرحلة الانتقالية»، وهو موقفها المبدئي الذي لم يتغير وإعلان الجهوزية للحل السياسي. كذلك طالب وفد المعارضة المبعوث الدولي ببذل الجهود اللازمة من أجل تعزيز الهدنة التي تكاد تسقط بفعل العمليات العسكرية في حلب ومنطقتها، كما شدد وفد المعارضة على ضرورة إيلاء موضوع إيصال المساعدات الإنسانية الأولوية. لكن المعارضة حرصت في الوقت عينه على ألا يتحول موضوع المساعدات إلى مادة للنقاش، لأنه مسؤولية دولية وأحد بنود القرار «2254». وهو ما يفسر إصرارها على الفصل بينه وبين الملف السياسي، كي لا يكون وسيلة ضغط وابتزاز من طرف النظام. وفي السياق نفسه، فإن وفد «الهيئة العليا» عاد ليؤكد تمسكه بتسلسل زمني واضح للعملية السياسية التي يفترض أن تبدأ بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي وتحديد آليات عملها وفق مبدأ التوافق المتبادل. وأشار إلى أن المعارضة تقبل بانضمام وزراء من التكنوقراط إليها. بيد أن مصدرًا دبلوماسيًا غربيًا نصح المعارضة بألا تتوقف كثيرًا عند التسميات، «لأن المهم هو الصلاحيات وليست التسميات».
أما فيما يخص اجتماع دي ميستورا مع وفد النظام، فقد علمت «الشرق الأوسط» أن الرد المكتوب الذي حمله بشار الجعفري على «ورقة» المبعوث الدولي التي جمع فيها «المبادئ» التوافقية بين طرفي النظام والمعارضة، فقد حذف منها تعبير «الحكم الانتقالي»، وحلت مكانه عبارة «حكومة وحدة وطنية» وفق فهم النظام للعملية السياسية. وثمة تعديلات أخرى أقل أهمية طلب الجعفري من دي ميستورا أن يدرسها خلال نهاية الأسبوع، وأن يعرضها على وفد المعارضة، على أن يأتيه بالجواب في الاجتماع المقبل مع المبعوث الدولي ظهر الاثنين.
وكان لافتا في حديث الجعفري المقتضب للصحافة عقب لقائه دي ميستورا أنه لم يأت بتاتًا على عملية الانتقال السياسي ولا على تشكيل الهيئة المفترض أن تقود هذه المرحلة. لكنه، بالمقابل عاد للتشديد على «مبادئ» الحل السياسي، وذهب إلى حد تبني أبوة الورقة التي قدمها دي ميستورا، متناسيًا أن الأخير انتقده أكثر من مرة بشكل واضح بتأكيده أن الكلام على المبادئ مهم، لكن الأهم هو الدخول في صلب العملية السياسية والمرحلة الانتقالية. ودفع هذا الوضع العميد أسعد عوض الزعبي، رئيس وفد «الهيئة العليا»، عقب اللقاء مع دي ميستورا مساء أول من أمس (الجمعة)، إلى اتهام النظام بـ«عدم الجدية» في البحث عن حل سياسي، بينما رأت مصادر غربية أنه «يسعى لكسب الوقت، لا بل إلى نسف هذه الجولة من المحادثات لتلافي الدخول في موضوع تشكيل هيئة الحكم الانتقالية». وكان وفد النظام قد وصل إلى جنيف بعد ستة أيام من التاريخ الذي حدده المبعوث الدولي، بحجة حصول الانتخابات البرلمانية في سوريا. كذلك رأى الزعبي أن استفحال العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات النظام غرضه نسف الجهود السياسية والسعي للحلول العسكرية، مما سيعني تدمير البلاد بالكامل. وأمس، كان متوقعا وصول منسق الهيئة العليا للمفاوضات، الدكتور رياض حجاب، إلى جنيف، وأول نشاطاته الاجتماع بسفراء «النواة الصلبة» من أصدقاء المعارضة، ثم بالوفد المفاوض للاطلاع على آخر التطورات.
وعلى صعيد موازٍ، دعت الفصائل السورية المسلحة الممثلة في وفد «الهيئة العليا» في جنيف دول العالم إلى «تحمل مسؤولياتها»، إذا كانت حقيقة تريد محاربة «داعش»، والقضاء على هذا التنظيم المتطرّف. وفندت هذه الفصائل، في لقاء صحافي هو الأول من نوعه في المدينة السويسرية، العلاقات التي وصفتها بـ«العضوية والوظيفية» بين «داعش» والنظام السوري، عارضة تفاصيل كثيرة حول التعاون بين الجهتين، وكذلك بين النظام والميليشيات الكردية المنضوية تحت لواء حزب الاتحاد الكردي وميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية في شمال وشمال شرقي سوريا، مضيفة أنها تتعرض لهجوم مثلث الأضلاع من هذه الأطراف الثلاثة. وفي المؤتمر المذكور، حضر الرائد حسن إبراهيم (أبو أسامة) عن الجيش السوري الحر، وأبو صلاح الشامي، وسامر حبوش، ومحمد علوش، ممثلين لجبهتي الشمال والجنوب وتنظيم جيش الإسلام. وفي عرض مستفيض، شرح إبراهيم تاريخ العلاقة بين النظام في دمشق والتنظيمات الإرهابية منذ احتلال العراق في عام 2003 حتى سقوط تدمر متوقفًا عن العلاقة الاقتصادية بين الطرفين، خصوصا في ملف الغاز والبترول. وذكر الرائد إبراهيم أسماء رجال أعمال سوريين كثيرين منهم جورج حسواني ومحمود الحمودي وجميل قرقتلي، ادعى أنهم ضالعون في تسويق الغاز والنفط وإقامة الصلة بين النظام و«داعش» حول المصالح الاقتصادية. كذلك سرد إبراهيم جملة تفاصيل حول وضع «داعش» يدها على مستودعات أسلحة كانت تابعة للقوات النظامية السورية في خان طومان وحماه (الحمرا)، واتهم صدام الحلقي وهو سائق وائل الحلقي، رئيس حكومة النظام، بأنه يشكل صلة الوصل بين النظام و«داعش». كذلك ذكر إبراهيم أن ما يسمى «حزب الله»، بإيعاز من طهران، درّب أعضاء من «داعش» في جنوب لبنان على تصنيع القنابل، وهي أمور تحتاج إلى خبرات ومهارات.
وإزاء هذا التعاون بين الطرفين، أكد المسؤول العسكري الذي جاء إلى جنيف، لأن الفصائل السورية «تؤمن بالحل السياسي»، أن الجيش السوري الحر والفصائل المعارضة الأخرى تتعرّض لعمليات عسكرية متوازية ومتزامنة من قوات النظام ومن «داعش»، وأيضًا من ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية. وبحسب المسؤول المذكور، فإن الجيش الحر والفصائل المسلحة المعتدلة هي «المستهدفة» من قبل قوات النظام ومن «داعش»، كما في بلدة مارع، ريف محافظة حلب الشمالي، مثلا. هذا وتتجه الأنظار منذ أسابيع إلى الجبهة الشمالية، ومحافظة حلب بالذات. ويؤكد مسؤولو المعارضة العسكريون أن قواتهم بصدد تجميع وحداتها، من أجل استعادة المناطق التي كانت قد خسرتها هناك.
بيد أن هؤلاء يطلقون صفارة الإنذار مما قد يحدث لمليون شخص في مدينة حلب ومحيطها إذا ما نجح النظام في قطع ما يسمى «طريق كاستيلو» الذي يوفر التموين لحلب. فإذا ما حقق النظام هدفه، فإن حلب ستكون قد حوصرت تماما، مما سيعني قطع المساعدات عنها ووقوع أكبر أزمة إنسانية في الحرب السورية. وبالنظر إلى استفحال انتهاكات الهدنة واشتداد القتال على نطاق واسع، وجه الوفد العسكري السوري المعارض دعوة إلى الدول التي رعت الهدنة، وكذلك إلى مجلس الأمن الدولي، من أجل التحرك وحماية الهدنة، لأن نسفها سيعني تهديد المحادثات وربما القضاء عليها. وعلمت «الشرق الأوسط» من أوساط المبعوث الدولي دي ميستورا أنه إذا بقيت الأمور على حالها سيتوجه مجددًا إلى مجلس الأمن الدولي لطلب مساعدته على لجم التدهور والمساعدة على إيصال المساعدات الإنسانية.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.