مفاوضات موازية روسية ـ أميركية في جنيف للاتفاق على صفقة لسوريا

تأكيدا لما نشرته «الشرق الأوسط».. ودي ميستورا يقترح ثلاثة نواب رئيس إلى جانب الأسد

عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)
عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)
TT

مفاوضات موازية روسية ـ أميركية في جنيف للاتفاق على صفقة لسوريا

عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)
عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)

تشهد مدينة جنيف السويسرية نوعين من المحادثات، الأول منها علني ويجري في قصر الأمم وأطرافه المبعوث الدولي لسوريا ستيفان دي ميستورا ووفدا النظام السوري و«الهيئة العليا للمفاوضات»، و«مجموعة القاهرة - موسكو»، و«الهيئة النسائية السورية» والمجتمع المدني. وهذه النشاطات يستضيفها «قصر الأمم». كذلك يستضيف قصر الأمم اجتماعات هيئتي الاتصال المنبثقتين عن «مجموعة الدعم لسوريا» الخاصتين بوقف الأعمال العدائية وبإيصال المساعدات الإنسانية.
أما النوع الثاني، البعيد عن الأنظار والأضواء، فهو يحصل في الفنادق الكبرى للمدينة السويسرية ما بين فندق «كونتيننتال» القريب من قصر الأمم وفندق «كمبينسكي» (الهيلتون سابقا) على ضفة بحيرة جنيف اليمنى، وفنادق أخرى من فئة خمسة نجوم. و«أبطال» هذا النوع الثاني من النشاطات بعض مندوبي الدول، خصوصا الغربية، التي تتشكل منها مجموعة الدعم لسوريا الذين يلتقون يوميًا، وأحيانا عدة مرات في اليوم. لكن الأهم منها لقاءات ثنائية أميركية - روسية كشفت عنها «الشرق الأوسط» في عددها يوم أمس. وهذه اللقاءات يغلفها ستار سميك من التكتّم حتى على أعضاء أساسيين من «مجموعة الدعم» مثل الدول الأوروبية الرئيسية أو أطراف إقليمية وخليجية. ووفق أكثر من مصدر، فإن ما يحصل في جنيف بخصوص رسم مستقبل سوريا عن طريق بلورة عناصر «صفقة» ثنائية يجري لاحقًا عرضها أو فرضها على الجميع شبيه بما حصل في العاصمة النمساوية فيينا خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي عندما اتفقت موسكو وواشنطن على هدنة تم لاحقًا التسويق لها، وهي التي أنتجت فيما بعد قراري مجلس الأمن الرقم «2254»، ثم الرقم «2268».
وأمس، أكدت مصادر دبلوماسية غربية وأخرى من المعارضة السورية الخبر الذي نشرته «الشرق الأوسط» عن وجود مباحثات روسية - أميركية بشأن «الصفقة» التي يجري العمل على إعدادها في جنيف من أجل توفير «مظلة» للمحادثات التي يقودها المبعوث الدولي. ومما يجري بحثه ثنائيا بين الطرفين، ليس فقط الإبقاء على رئيس النظام بشار الأسد في المرحلة الانتقالية، وإنما أيضا أن يكون له دور رئيسي فيها، بما في ذلك إعداد الدستور والانتخابات المفترض أن تجرى بعد 18 شهرا من انطلاق المحادثات بين الأطراف السورية التي بدأت في 14 مارس (آذار) الماضي. وفي سياق مواز، علمت «الشرق الأوسط» تفاصيل ما حصل في الاجتماع الذي أجري بين دي ميستورا ووفدي النظام، ثم «الهيئة العليا للمفاوضات»، خصوصًا ما قيل عن اقتراح من المبعوث الدولي بأن يبقى الأسد في السلطة مع تعيين ثلاثة نواب رئيس له مع صلاحيات تنفيذية. وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة على مجريات ما يحصل في جنيف وأخرى من المعارضة السورية، فإن المبعوث الدولي لم يقدم «اقتراحا مباشرا» بهذا المعنى لوفد المعارضة، ولم يعرض المقترح على أنه صادر عنه، بل عرضه على أنه أحد المقترحات المطروحة - التي لم يسم مصدرها - لردم الهوة القائمة بين مواقف المعارضة والنظام من موضوع مصير الأسد، بحيث يتم تعيين ثلاثة نواب للرئيس بصلاحيات تنفيذية، وأن يبقى الأسد في منصبه. ووصف مصدر من المعارضة السورية كلام دي ميستورا بأنه جاء بمثابة «بالون اختبار». إلا أن وفد الهيئة العليا، ممثل المعارضة، رفض المقترح، وأعاد تأكيد التمسك بتشكيل «الهيئة الحاكمة كاملة الصلاحيات للمرحلة الانتقالية»، وهو موقفها المبدئي الذي لم يتغير وإعلان الجهوزية للحل السياسي. كذلك طالب وفد المعارضة المبعوث الدولي ببذل الجهود اللازمة من أجل تعزيز الهدنة التي تكاد تسقط بفعل العمليات العسكرية في حلب ومنطقتها، كما شدد وفد المعارضة على ضرورة إيلاء موضوع إيصال المساعدات الإنسانية الأولوية. لكن المعارضة حرصت في الوقت عينه على ألا يتحول موضوع المساعدات إلى مادة للنقاش، لأنه مسؤولية دولية وأحد بنود القرار «2254». وهو ما يفسر إصرارها على الفصل بينه وبين الملف السياسي، كي لا يكون وسيلة ضغط وابتزاز من طرف النظام. وفي السياق نفسه، فإن وفد «الهيئة العليا» عاد ليؤكد تمسكه بتسلسل زمني واضح للعملية السياسية التي يفترض أن تبدأ بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي وتحديد آليات عملها وفق مبدأ التوافق المتبادل. وأشار إلى أن المعارضة تقبل بانضمام وزراء من التكنوقراط إليها. بيد أن مصدرًا دبلوماسيًا غربيًا نصح المعارضة بألا تتوقف كثيرًا عند التسميات، «لأن المهم هو الصلاحيات وليست التسميات».
أما فيما يخص اجتماع دي ميستورا مع وفد النظام، فقد علمت «الشرق الأوسط» أن الرد المكتوب الذي حمله بشار الجعفري على «ورقة» المبعوث الدولي التي جمع فيها «المبادئ» التوافقية بين طرفي النظام والمعارضة، فقد حذف منها تعبير «الحكم الانتقالي»، وحلت مكانه عبارة «حكومة وحدة وطنية» وفق فهم النظام للعملية السياسية. وثمة تعديلات أخرى أقل أهمية طلب الجعفري من دي ميستورا أن يدرسها خلال نهاية الأسبوع، وأن يعرضها على وفد المعارضة، على أن يأتيه بالجواب في الاجتماع المقبل مع المبعوث الدولي ظهر الاثنين.
وكان لافتا في حديث الجعفري المقتضب للصحافة عقب لقائه دي ميستورا أنه لم يأت بتاتًا على عملية الانتقال السياسي ولا على تشكيل الهيئة المفترض أن تقود هذه المرحلة. لكنه، بالمقابل عاد للتشديد على «مبادئ» الحل السياسي، وذهب إلى حد تبني أبوة الورقة التي قدمها دي ميستورا، متناسيًا أن الأخير انتقده أكثر من مرة بشكل واضح بتأكيده أن الكلام على المبادئ مهم، لكن الأهم هو الدخول في صلب العملية السياسية والمرحلة الانتقالية. ودفع هذا الوضع العميد أسعد عوض الزعبي، رئيس وفد «الهيئة العليا»، عقب اللقاء مع دي ميستورا مساء أول من أمس (الجمعة)، إلى اتهام النظام بـ«عدم الجدية» في البحث عن حل سياسي، بينما رأت مصادر غربية أنه «يسعى لكسب الوقت، لا بل إلى نسف هذه الجولة من المحادثات لتلافي الدخول في موضوع تشكيل هيئة الحكم الانتقالية». وكان وفد النظام قد وصل إلى جنيف بعد ستة أيام من التاريخ الذي حدده المبعوث الدولي، بحجة حصول الانتخابات البرلمانية في سوريا. كذلك رأى الزعبي أن استفحال العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات النظام غرضه نسف الجهود السياسية والسعي للحلول العسكرية، مما سيعني تدمير البلاد بالكامل. وأمس، كان متوقعا وصول منسق الهيئة العليا للمفاوضات، الدكتور رياض حجاب، إلى جنيف، وأول نشاطاته الاجتماع بسفراء «النواة الصلبة» من أصدقاء المعارضة، ثم بالوفد المفاوض للاطلاع على آخر التطورات.
وعلى صعيد موازٍ، دعت الفصائل السورية المسلحة الممثلة في وفد «الهيئة العليا» في جنيف دول العالم إلى «تحمل مسؤولياتها»، إذا كانت حقيقة تريد محاربة «داعش»، والقضاء على هذا التنظيم المتطرّف. وفندت هذه الفصائل، في لقاء صحافي هو الأول من نوعه في المدينة السويسرية، العلاقات التي وصفتها بـ«العضوية والوظيفية» بين «داعش» والنظام السوري، عارضة تفاصيل كثيرة حول التعاون بين الجهتين، وكذلك بين النظام والميليشيات الكردية المنضوية تحت لواء حزب الاتحاد الكردي وميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية في شمال وشمال شرقي سوريا، مضيفة أنها تتعرض لهجوم مثلث الأضلاع من هذه الأطراف الثلاثة. وفي المؤتمر المذكور، حضر الرائد حسن إبراهيم (أبو أسامة) عن الجيش السوري الحر، وأبو صلاح الشامي، وسامر حبوش، ومحمد علوش، ممثلين لجبهتي الشمال والجنوب وتنظيم جيش الإسلام. وفي عرض مستفيض، شرح إبراهيم تاريخ العلاقة بين النظام في دمشق والتنظيمات الإرهابية منذ احتلال العراق في عام 2003 حتى سقوط تدمر متوقفًا عن العلاقة الاقتصادية بين الطرفين، خصوصا في ملف الغاز والبترول. وذكر الرائد إبراهيم أسماء رجال أعمال سوريين كثيرين منهم جورج حسواني ومحمود الحمودي وجميل قرقتلي، ادعى أنهم ضالعون في تسويق الغاز والنفط وإقامة الصلة بين النظام و«داعش» حول المصالح الاقتصادية. كذلك سرد إبراهيم جملة تفاصيل حول وضع «داعش» يدها على مستودعات أسلحة كانت تابعة للقوات النظامية السورية في خان طومان وحماه (الحمرا)، واتهم صدام الحلقي وهو سائق وائل الحلقي، رئيس حكومة النظام، بأنه يشكل صلة الوصل بين النظام و«داعش». كذلك ذكر إبراهيم أن ما يسمى «حزب الله»، بإيعاز من طهران، درّب أعضاء من «داعش» في جنوب لبنان على تصنيع القنابل، وهي أمور تحتاج إلى خبرات ومهارات.
وإزاء هذا التعاون بين الطرفين، أكد المسؤول العسكري الذي جاء إلى جنيف، لأن الفصائل السورية «تؤمن بالحل السياسي»، أن الجيش السوري الحر والفصائل المعارضة الأخرى تتعرّض لعمليات عسكرية متوازية ومتزامنة من قوات النظام ومن «داعش»، وأيضًا من ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية. وبحسب المسؤول المذكور، فإن الجيش الحر والفصائل المسلحة المعتدلة هي «المستهدفة» من قبل قوات النظام ومن «داعش»، كما في بلدة مارع، ريف محافظة حلب الشمالي، مثلا. هذا وتتجه الأنظار منذ أسابيع إلى الجبهة الشمالية، ومحافظة حلب بالذات. ويؤكد مسؤولو المعارضة العسكريون أن قواتهم بصدد تجميع وحداتها، من أجل استعادة المناطق التي كانت قد خسرتها هناك.
بيد أن هؤلاء يطلقون صفارة الإنذار مما قد يحدث لمليون شخص في مدينة حلب ومحيطها إذا ما نجح النظام في قطع ما يسمى «طريق كاستيلو» الذي يوفر التموين لحلب. فإذا ما حقق النظام هدفه، فإن حلب ستكون قد حوصرت تماما، مما سيعني قطع المساعدات عنها ووقوع أكبر أزمة إنسانية في الحرب السورية. وبالنظر إلى استفحال انتهاكات الهدنة واشتداد القتال على نطاق واسع، وجه الوفد العسكري السوري المعارض دعوة إلى الدول التي رعت الهدنة، وكذلك إلى مجلس الأمن الدولي، من أجل التحرك وحماية الهدنة، لأن نسفها سيعني تهديد المحادثات وربما القضاء عليها. وعلمت «الشرق الأوسط» من أوساط المبعوث الدولي دي ميستورا أنه إذا بقيت الأمور على حالها سيتوجه مجددًا إلى مجلس الأمن الدولي لطلب مساعدته على لجم التدهور والمساعدة على إيصال المساعدات الإنسانية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.