{انتفاضة} البرلمان العراقي على الطائفية.. أم معها؟

تساؤلات إن كان المكون السني مستهدفا أم يدفع ثمن انقسامه

{انتفاضة} البرلمان العراقي على الطائفية.. أم معها؟
TT

{انتفاضة} البرلمان العراقي على الطائفية.. أم معها؟

{انتفاضة} البرلمان العراقي على الطائفية.. أم معها؟

سابقتان خطيرتان حصلتا الخميس الماضي في العراق: الأولى إعصار كبير ضرب محافظة ميسان (400 كلم جنوب بغداد) في ظاهرة مناخية لم يشهدها العراق ولا تحصل عادة إلا في المحيطات، وهو ما يؤشر على بداية تحول مناخي هو الأخطر في تاريخ هذا البلد الصحراوي الذي يوصف مناخه في كتب الجغرافيا بأنه «حار جاف صيفًا.. بارد ممطر شتاء»، وهو المناخ الذي ترك بصماته على الشخصية العراقية التي توصف بمزاج متقلب.
والثانية هي ما يمكن تسميته بانتفاضة البرلمان العراقي ضد نفسه، وتاليًا ضد العملية السياسية منذ عام 2003، أي تاريخ الاحتلال الأميركي للعراق التي مرت ذكراه الثالثة عشرة منذ نحو أسبوع. فللمرة الأولى يحصل أن يتفق نواب من كتل وأحزاب ومكوّنات مختلفة على ضرب المحاصصة الطائفية والعرقية من تحت الحزام لكن البعض يرى أن هذا التغيير في ظاهرة إلغاء الطائفية، باطنه حقد استهدف المكون السياسي ممثلا في رأس البرلمان.

في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ العراق الحديث تجري عملية إقالة لهيئة رئاسة البرلمان من دون حصول توافقات يصمّمها زعماء الكتل وقادة الخط الأول في البلاد الذين كانوا على مدار السنوات الماضية هم من يحدد مسار الأمور في البلاد على كل المستويات.
إلا أنه طبقًا لمسار الأحداث التي وقعت يوم الخميس الماضي فإن نحو 174 عضوا في البرلمان العراقي من الكتل التي تؤلف البرلمان (وهي «التحالف الوطني» الذي يمثل الشيعة، و«تحالف القوى العراقية» الذي يمثل السنّة و«التحالف الكردستاني» الذي يمثل الكرد، فضلا عن «ائتلاف الوطنية» الذي يتزعمه إياد علاوي، ولكن أغلبية نوابه من المكوّن السنّي، بالإضافة إلى الكتل الصغيرة التي تمثل التركمان والمسيحيين والصابئة) اعتصموا منذ يوم الاثنين الماضي كردة فعل بدت عفوية أول الأمر. وكان المبرّر الظاهر في حينه رفضهم التشكيلة الوزارية التي قدمها رئيس الوزراء حيدر العبادي، والتي رأوا أنها لا تمثل طموحات الشعب العراقي الذي رفع منذ يوليو (تموز) عام 2015 شعار التغيير والإصلاح الشامل.
وبعد انضمام نواب جدد من الكتل نفسها، وانسحاب نواب لأسباب مختلفة، بقي العدد كبيرًا، مما جعلهم يعقدون جلسة الخميس بعد مطالبتهم رئيس البرلمان (المُقال الآن) الدكتور سليم الجبوري بالحضور لكي يقدموا له طلبا رسميا بحل هيئة الرئاسة.
الجبوري عاد إلى كتلته (تحالف القوى العراقية) لكي يقدم استقالته إليها، وهو ما جعل الأمور تزداد تعقيدا بعدما باتت العملية وكأنها استهداف لشخص رئيس البرلمان الذي يمثل السنّة طبقا لمبدأ المحاصصة الذي أوصل الرؤساء الثلاثة (رؤساء الجمهورية والبرلمان والوزراء) إلى السلطة عبر سلة واحدة. وبالتالي فإن إقالة أي واحد منهم لا بد أن تسري على الاثنين الآخرين، وهو ما يعني أن إقالة الجبوري نفسه تُعد من وجهة نظر «تحالف القوى العراقية»، الذي أصدر بيانًا بهذا الخصوص، وكأنها استهداف للمكوّن السنّي طبقا لما أبلغ به «الشرق الأوسط» عضو البرلمان العراقي عن «التحالف» محمد الكربولي. ولقد أضاف الكربولي في حديثه أن «تحالف القوى العراقية هو أول المطالبين بالإصلاح، لأن السنّة هم المتضرّر الأكبر منذ عام 2003 وحتى اليوم لأنهم لم يشاركوا ويشتركوا في إدارة العملية السياسية في البلاد إلا في الأطر الشكلية».
وأردف الكربولي: «وجهة نظرنا كان ينبغي أن تسير الأمور طبقا للأطر الدستورية، لأن رئيس البرلمان غير متمسك بالمنصب. وبالتالي فإنه كان الأولى بمَن يقول إنه يملك الأغلبية داخل البرلمان أن يطرح عملية إقالة هيئة الرئاسة بحضور الرئيس ونائبيه، ولكنه ما لم يحصل. ثم إننا كمكوّن سنّي مستعدون لأن نتخلى عن منصب رئاسة البرلمان، الذي هو من حصتنا طبقا للمحاصصة، ونعطيه للإخوة المسيحيين شريطة أن يتخلى الشيعة عن منصب رئاسة الوزراء ويعطوه للتركمان أو الإيزيديين، وكذلك الأكراد يتخلون عن منصب رئاسة الجمهورية ويعطونه للشّبك أو لأي أقلية، أما أن تقتصر عملية التغيير وضرب المحاصصة على السنّة فقط، فهذا يعني أن المكوّن السنّي بالذات هو المستهدف».
* بداية التفكّك
في سياق ذلك، رفض رئيس البرلمان المُقال الدكتور الجبوري ما حصل، وذلك خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده والذي أكد من خلاله أن «ما جرى شابه الكثير من الأخطاء، وما حصل ممارسة لا يترتب عليها أي أثر قانوني ولا يلتفت له».
الجبوري أضاف أن «عجلة العملية السياسية لا يمكن أن تمضي بتهميش مكوّنات أساسية ومهمّة، ومنعها من الحضور في اتخاذ قرارات داخل البرلمان، وعدم إمكانية أن تمضي الحياة المدنية في ظل فوضى قد تدخل الشعب في متاهة وهو يعيش في متاهات».
ولكن مع استمرار الجدل القانوني والدستوري بين من يرى أن ما حصل لم يكن أمرًا مشروعًا ومن يرى أنه مستوفٍ للشروط القانونية، قال الخبير القانوني طارق حرب في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «جلسة الخميس صحيحة مائة في المائة، والنتائج التي ترتبت عليها صحيحة كذلك». وتابع حرب أن «أي شكوى من قبل رئيس مجلس النواب المُقال للمحكمة الاتحادية لن تكون مُجدية».
أما رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي وصل إلى منصبه كرئيس للوزراء طبقا لمبدأ المحاصصة الذي انتفض ضده هذا العدد الكبير من أعضاء البرلمان - من بينهم نواب من حزب «الدعوة» الذي يرأس العبادي مكتبه السياسي، ومن الائتلاف الذي ينتمي إليه «دولة القانون» - فقد حذّر مما سماه «الفوضى»، وقال في كلمة له «لقد وُضعنا أمام خيار الاستسلام للفوضى والانقسام والخلافات وجرّ البلاد إلى المجهول والسقوط في الهاوية. وهذا خيار لا يمكننا الرضوخ له ونرفضه بشدة». وأما رئيس الجمهورية فؤاد معصوم (كردي) فإنه وطبقًا لبيان رئاسي أكد عدم حضوره جلسة البرلمان الخميس لانعدام ما سماه «المبرّرات الدستورية والقانونية».
* لا معايير ولا أطر
في العراق لا يستند ما هو مشروع أو لا مشروع إلى أطر ومعايير تحكمه وتتحكم به. فما يُعد من وجهة نظر البعض استحقاقًا انتخابيًا، يُعد من وجهة نظر طرف آخر استحقاقًا مكوّناتيًا، ومن يرى أن التوازن الوطني غير المحاصصة فإن ثمة من يرى أن تقاسم المناصب ليس محاصصة بقدر ما هو توازن تحدّده صناديق الاقتراع ونتائج الانتخابات. ولذلك فإنه حتى داخل المكوّنات نفسها بدأت تحصل إشكالات أساسية ما جعل ما يُسمى البيوت الشيعية والسنّية والكردية تشهد انشقاقات وتكتلات هي التي سهلت بالنتيجة الانتفاضة الحالية.
فهناك خلافات بينية بين مكوّنات «التحالف الوطني» (البيت الشيعي) لا سيما بين ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وكل من «المجلس الأعلى الإسلامي» الذي يتزعمه عمّار الحكيم و«التيار الصدري» بزعامة مقتدى الصدر، وهو ما أدى بدايةً إلى تفكك «التحالف الوطني» على الرغم من المحاولات الحثيثة التي بذلتها إيران لتحاشي وصول الأمور داخل التحالف الشيعي إلى هذه المرحلة التي بات واضحًا فيها اليوم أن «التحالف الوطني» لم يعد هو الكتلة الأكثر تماسكًا.
وفي الاتجاه نفسه، فإن كتلة «تحالف القوى العراقية»، التي تمثل المكون السنّي في العراق، فإن تفككها بدأ منذ انتخابات عام 2010 وفوزها بالمرتبة الأولى حين كان اسمها «القائمة العراقية» بزعامة إياد علاوي، إذ نتيجةً لقرار المحكمة الاتحادية بشأن تعريف مفهوم «الكتلة الأكبر» أعطيت رئاسة الوزراء إلى «التحالف الوطني» الذي تشكل داخل البرلمان، مما أدى إلى خروج علاوي بكتلة اسمها «الوطنية»، بينما أطلق على من تبقى من «العراقية» اسم كتلة «تحالف القوى العراقية». وفيما يتعلق بكتلة «التحالف الكردستاني»، فإن الخلافات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين («الاتحاد الوطني الكردستاني» و«الحزب الديمقراطي الكردستاني»، ومعهما «حركة التغيير»، التي كانت تنحصر من قبل في الغالب في إقليم كردستان، ولا تمتد إلى بغداد)، حاليًا بسبب الأزمة المالية في الإقليم أخذت تؤثر على طبيعة التماسك الكردي بصفة عامة.
* أزمة حكومة أم نظام؟
في العراق حيث يشترك الجميع في الحكم، موالاةً ومعارضةً، فإن ما حصل في البرلمان أخيرًا لم يبتعد كثيرًا عن المصطلح الذي صاغه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، زعيم «التيار الصدري» وهو «شلع قلع».. من حيث تغيير آليات العملية السياسية التي قامت منذ عام 2003 وحتى الخميس الماضي وفق مبدأ الكعكة التي لا بد من تقاسمها بين الأفرقاء.
تعبير «الشلع قلع» لا يعني تغيير الوجوه التي يحتاج بعضها إلى آليات دستورية مفروغ منها، وفي مقدمة هذه الآليات الانتخابات، فإن الأهم من تغيير الوجوه هو «التحرش» بالآليات الخاطئة التي استندت عليها العملية السياسية، والتي بدأت بإقالة الهيئة الرئاسية للبرلمان المكونة من رئيس سني (سليم الجبوري) ونائبي رئيس شيعي (همام حمودي) وكردي (آرام شيخ محمد).
وفي هذا السياق يقول الناطق الرسمي باسم النواب المعتصمين هيثم الجبوري، وهو ينتمي إلى ائتلاف «دولة القانون» في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «النواب المعتصمين قرّروا التمرد على المحاصصة العرقية والطائفية التي دمّرت البلاد وأوصلت الأوضاع إلى مرحلة من السوء ما عاد يمكن احتمالها، وهو ما جعلنا ننسجم مع موقف الشعب المنتفض منذ شهور ضد المحاصصة بكل أشكالها». وأضاف الجبوري أن «الكابينة (التشكيلة) الأولى التي كان قدّمها العبادي لنيل الثقة كانت معقولة إلى حد كبير لكن رئيس البرلمان (سليم الجبوري) وقادة الكتل السياسية أرادوا اختيار وزراء من كتلهم وأحزابهم، وهو ما جعل العبادي ينسجم معهم، بحيث قدّم الاثنين الماضي كابينة وزارية تضم وزراء من نفس الكتل والأحزاب، مما يعني استمرار المحاصصة، وهذا ما جعلنا نتخذ هذا الموقف. وبالتالي قررنا أن نبدأ عملية الإصلاح بدءًا بإقالة هيئة رئاسة البرلمان». السؤال المطروح هنا هو: هل الذي حصل مجرد «أزمة حكومة» تمثلت بعد التوافق على الأسماء التي قدمها رئيس الوزراء إلى البرلمان، ورفضت من قبل الكتل السياسية.. أم هي «أزمة نظام» نخرته المحاصصة العرقية والطائفية، ولم يعد صالحًا لإدارة البلاد التي تعاني أزمات متلاحقة أخطرها الحرب ضد تنظيم داعش الذي لا يزال يحتل نحو 30 في المائة من الأراضي العراقية والأزمة المالية بسبب انخفاض أسعار النفط؟
«التيار المدني الديمقراطي»، الذي أسهم في إطلاق شرارة مظاهرات يوليو الكهربائية، من القوى التي تعتبر التطور الأخير في البرلمان أمرًا مطلوبًا ولا يشكل مخالفة للدستور. وصرّح الدكتور علي الرفيعي رئيس «التيار المدني الديمقراطي» خلال حوار مع «الشرق الأوسط» بأن «الذي حصل (الخميس الماضي) من قبل المعتصمين في البرلمان إنما هو تجسيد لما طالب به التيار المدني الديمقراطي، ليس طوال الشهور الماضية، بل طوال السنوات الماضية.. حيث كنا منذ البداية رافضين للمحاصصة بكل أشكالها، ولكن المشكلة كانت ولا تزال في الطبقة السياسية التي لم تكن تحرك ساكنًا حتى حصل ما لم نكن نتوقعه حين ينسلخ نواب هم جزء من هذه المحاصصة، ويعبرون عن انسجامهم مع إرادة الشعب».
وردًا على سؤال بشأن لا دستورية ما حصل طبقًا لما أعلنته الرئاسة الشرعية للبرلمان، قال الرفيعي - الذي هو رجل قانون أيضًا حيث كان يشغل منصب عميد كلية القانون بجامعة بغداد -: «كرجل قانون أقول إنه لا توجد مخالفة دستورية، لأنه بموجب المادة 11 من الدستور العراقي يحق للنواب إعفاء هيئة الرئاسة بعد تحقق النصاب للجلسة وهو ما حصل، حيث أعلنوا أن الجلسة مكتملة النصاب».
وأوضح الرفيعي أن «سليم الجبوري يتحمّل مسؤولية كبيرة عما حصل، لأنه يجيد المناورات، وبالتالي، هو من جعل الكابينة (التشكيلة) الوزارية تشهد تغييرًا لصالح القوى والأحزاب السياسة التي تحكّمت على مدى العقد الماضي بكل تفاصيل العملية السياسية، وبالتالي جعلت البلد يصل إلى هذا المستوى من الخراب». واستطرد الرفيعي موضحًا أن «المشكلة الأخرى هي أن العبادي ليس صاحب قرار، وأنه خضع لما تريده الكتل السياسية إلى حد أن توقيعهم (وثيقة الشرف) قبل يوم من انتفاضة البرلمان إنما أرادوا من خلاله الحفاظ على دور كتلهم السياسية وبقائها تتسيد المشهد السياسي».
من جهته، يختلف فادي الشمري، القيادي في «المجلس الأعلى الإسلامي»، الذي لم تشارك كتلته البرلمانية (المواطن) بالاعتصامات مع ما يراه الرفيعي. بل قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «الذي حصل في البرلمان أمر غير صحيح وخطوة متسرعة بدءًا من قضية النصاب القانوني، وهي غير محسومة حتى الآن، وهذا يعني بقاء الأمور على ما هي عليه حتى يحسم الجدل بشأن دستورية عقد الجلسة». وأضاف أن «السؤال الذي يطرح نفسه هو من أين أتوا بالـ171 نائبًا، بينما هناك كتل أساسية لم تنضم إليهم، وهي كتلة (المواطن) التابعة لـ(المجلس الأعلى) و(بدر) و(مستقلون) و(الفضيلة) و(تحالف القوى) و(التحالف الكردستاني)، وهؤلاء يبلغ عددهم نحو 170 نائبًا، فكيف يمكن أن يكون نصابهم مكتملاً؟».
ومضى الشمري قائلا إن «المسألة المهمة الأخرى هي أن الخوض في مشاريع مجهولة المصير يمكن أن تترتب عليه فراغات دستورية من شأنها أن تفتح باب المجهول، وتبعدنا عن المطالب الحقيقية بالإصلاح المنشود. إننا نرى أن هذه الخطوة المتسرعة إنما هي ضرب لمبدأ الإصلاح المنشود». ومن ثم تساءل عن «الكيفية التي يمكن من خلالها أن نفهم ما يقال إن النواب تخلوا عن كتلهم وزعاماتهم.. في حين أن أكبر كتلة في الاعتصام، وهي كتلة (الأحرار) الصدرية لا يمكن أن تخرج عن طاعة السيد مقتدى الصدر؟».واعتبر الشمري أن «المشكلة الكبرى تكمن في تفتت البيت السنّي مما يجعل من الصعب التعامل مع كتلة (تحالف القوى) ككتلة موحّدة، وبالتالي، فإن التخلخل فيها هو أحد العوامل التي أدت إلى هذا الخلل».
* الجبوريون الأربعة
على صعيد آخر، لعل الظاهرة الأكثر لفتًا للنظر في معادلة التصحيح في العراق تتمثل في بروز أربع شخصيات تتصدّر الأزمة الحالية جميعهم ينتمون إلى قبيلة واحدة هي قبيلة الجبور الكبيرة في العراق، والتي لها امتدادات من الشمال حيث الغالبية سنّية إلى الجنوب، حيث الغالبية شيعية. وهم رئيس البرلمان سليم الجبوري (سنّي) ومشعان الجبوري وأحمد الجبوري (سنّيّان) وهيثم الجبوري (شيعي). وإذا كان سليم الجبوري الضحية الأولى لخطوة البرلمان، وبالتالي، يعدها باطلة من الناحية القانونية فإن «الجبوريين» الثلاثة الآخرين (مشعان وأحمد وهيثم) هم أكثر من صعّد ضده داخل البرلمان، لكن من منطلق رفض المحاصصة، كما يقولون، وليس من أي منطلق عشائري أو شخصي.
وفي هذا السياق، شرح النائب مشعان الجبوري لـ«الشرق الأوسط» أن «الاعتصام كان له مطلب واحد هو إلغاء المحاصصة العرقية والطائفية التي أضرّت بالبلد كثيرًا، وكانت السبب الرئيسي في كل ما حل به من دمار وخراب». وردا على سؤال حول الكيفية التي يمكن من خلالها تنفيذ مثل هذا الطلب. قال مشعان الجبوري إن «الرغبة كانت أول الأمر إقالة هيئة رئاسة البرلمان لكن رئيس البرلمان طلب من رئيس الجمهورية معصوم الحضور إلى البرلمان لكي يتحوّل الطلب إلى إقالة رئيس الوزراء، وهو ما يعني دخولنا بقضية معقدة لا يمكن أن نخرج منها بسهولة». وأردف قائلا: «إن خطوة سليم الجبوري إنما كانت محاولة لإحداث انقسام بين النواب المعتصمين بحيث نتحوّل إلى قسمين: قسم يطالب بإقالة رئاسة البرلمان، وقسم يطالب بإقالة رئيس الوزراء، وبالتالي تنتهي الاعتصامات، وهو الهدف المطلوب الآن».
وفي السياق نفسه، رأى جاسم محمد جعفر عضو البرلمان العراقي عن «ائتلاف دولة القانون» (المالكي) في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما شهده البرلمان العراقي منذ يومين إنما هو حراك يحصل للمرة الأولى بعد عام 2003، وهو أمر مهم من أجل إلغاء المحاصصة العرقية والطائفية» وبيّن أن «نحو 170 نائبًا وقعوا على إقالة هيئة رئاسة النواب التي لا تتطلب آليات معقدة، مثل الاستجواب وغيرها، بينما العدد المطلوب لذلك هو 165 نائبًا». وأضاف جعفر أن «الذي حصل في الواقع عملية التفاف من قبل رئيس البرلمان وذلك باستدعاء رئيس الجمهورية لكي يتحوّل الطلب إلى إقالة رئيس الوزراء، وهذه خطوة توقعنا في إشكاليات معقدة، في حين أن الهدف أول الأمر هو إقالة رئاسة البرلمان واختيار رئاسة جديدة ليس على أساس المحاصصة الحزبية بل من المكوّنات. وهو ما يعني أنه في حال بقي المنصب من حصة المكوّن السنّي فإن النواب السنّة المعتصمين يختارون من بينهم رئيسًا، وكذلك الأكراد والشيعة. وبالتالي، فإن دعوة رئيس الجمهورية للحضور إنما كانت عملية التفاف على مطالب النواب ومحاولة عرقلة الحراك». وحول النواب الأكراد قال جعفر إن «النواب الأكراد الذين شاركوا في الاعتصام كانوا من كتلة (التغيير) الكردية لكنهم انسحبوا جميعًا».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.